eKtab
EN ع
أقباس من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
Read free sample

أقباس من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

by علاء الدين المدرس

Page 1

جماعة الإعجاز العلمي في بغداد

يشير الأستاذ محمد أحمد الراشد إلى جماعة الإعجاز العلمي في بغداد، التي انطلقت للعمل الدعوي والتبشير بأهمية الإعجاز العلمي بفروعه المختلفة في أواخر القرن الماضي، في كتابه الرصين الذي يحمل رقم (7) في سلسلة إحياء فقه الدعوة.. الموسوم (منهجية التربية الدعوية)، والتي كان من أبرز أعضائها: الدكتور أنيس مالك الراوي والدكتور محمد جميل الحبال والاستاذ رعد عبد عون والدكتور عبد الحميد العبيدي والدكتور خالد العبيدي والدكتور محسن عبد الحميد والدكتور وميض العمري والدكتور عمر عبد الستار والدكتور أحمد عدنان والدكتور صبحي الراوي.. فضلاً عن العبد الفقير مؤلف الكتاب..
والتي كان مركز نشاطها معهد الشرق وجمعية الشبان المسلمين وبعض الفضائيات العربية المعروفة والجامعات والمنتديات العلمية والأدبية والدواوين والمنابر في بغداد وباقي مدن العراق الأخرى..
يقول الأستاذ الداعية والمفكر الإسلامي المعروف الشيخ الراشد:
زرت حدائق (وزلي) في ضواحي لندن مرتين، فرأيت عشرات ألوف أنواع النبات، من فواكه وورود وحشائش، وجملة ما فيها أكثر من مائتين وعشرين ألف شكل من النبات، تنطق بتسبيح الله تعالى خالق الأنواع ومصور الجمال، ويمكنك أن تركب الباص الريفي الأخضر إليها من عند ركن المتكلمين في الهايد بارك.
وما زال التلفزيون يعرض لنا في برنامج عالم البحار، عجائب الأسماك ومخلوقات الماء ولا تنفد العجائب.
ومفردات الإعجاز القرآني وإعجاز بعض أقوال النبي  كثيرة، وفيها ما يحير الألباب، وكلام زغلول النجار ومحسن صالح وعبد المجيد الزنداني، وأضرابهم فيه كلام رصين مؤيد بالبرهان، ويقود علاء الدين المدرس اليوم ببغداد جناحاً إعجازياً آخر..
فهذا كله من منهج تربيتنا الدعوية، لكن ليس الإنصات لهذه العلوم، وإنما المطالعة المستوعبة لكتب كثيرة، قدح زناد البداية فيها الدكتور أحمد زكي في كتاب (مع الله في السماء)، مع مشاهدة عشرات أفلام فيديو، خاصة تلك التي صدرت عن مراكز الإعجاز، وفيديو محاضرات الإعجاز، ووسائل إيضاح علم الذرة والفيزياء، مما أنتج الغرب، مع مقتبسات مما تعرضه قنوات ديسكفري والجغرافية ...

م/ توصية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبه أجمعين.. وبعد
أكتب هذه السطور عن الأخ الداعية المهندس علاء الدين المدرس والذي ركز اهتمامه بكتاب الله سبحانه، على الرغم من أن معظم الجيل الحالي الذي جاء بعد جيلنا، يفرط في وقته ويقضي ساعاته الطوال في اللهو الفارغ، وغير ذلك من مشاغل الحياة الدنيا. فأن الدنيا الحلوة الجميلة المغرية لم تأخذ منه شيئا حيث أنصهر في كتاب الله ينهل منه ما يفيضه الله عليه من قبسات نورانية، وهو يغوص في كتاب الله وآياته العلمية يستخرج منها اللآلئ والعبر، فأخرج لنا خلال السنين الماضية كتب عديدة في مجال الإعجاز العلمي والتاريخ والتراث وغيرها من المواضيع القرآنية.
ولا أريد أن أزكّي على الله أحداً، ولكني أرى من باب الإنصاف والوفاء لمن يخدم القرآن، أن نكتب عنه شيئاً بما هو عليه حقيقة، فقد عرفته ـ من خلال العمل في ميدان الإعجاز العلمي والدعوي ـ أخاً طيباً صادقاً مرهف الحس وجداني المشاعر، يبحث عن الحقائق العلمية في كتاب الله تعالى، يتحرى الدقة، ولا يخلط مع كتاب الله شيئاً مما دخل فيه بعض المغالين وبعض المتسرعين في ربط الآيات القرآنية العلمية بالعلم المعاصر، حيث أن بعضهم أخذ يلوي آيات القرآن الكريم حتى تتماشى مع ما يكتشفه العلم الحديث، دون الاستناد إلى الأصول والضوابط اللغوية والعلمية. وإن الأخ علاء الدين المدرس هو أحد الداعين إلى تأصيل الإعجاز العلمي والالتزام بالأصول والضوابط التي يحددها علماء التفسير واللغة العربية.
وللشهادة الصادقة أقول، إني أرشح كتاب المدرس الجديد الموسوم (أقباس من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) للنشر، لما فيه من منفعة عالية للشباب الباحث في ميدان إعجاز القرآن وعلومه.
ولا شك إن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، دخل عالمنا اليوم من أوسع أبوابه، بعد أن تسابق العلماء بكشوفاتهم التي أذهلت الجميع.
حيث إن القران الكريم هو معمار متكامل رائع من الحروف والكلمات والجمل والآيات والسور، وإنه كلام الله المعجز الذي لا تنقضي عجائبه، وهو ـ بفضل الله ونعمته ـ يعطي كل جيل من الأجيال حصته من العلم، ويخاطب جميع العقول في مختلف مستوياتهم في كل زمان ومكان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.. قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد .
وأخيراً ـ وليس آخراً ـ أوصي الشباب المسلم المؤمن، أن يبادر إلى كتب الأخ الداعية الأستاذ علاء الدين المدرس لاقتنائها، لما فيها من صفاء ودقة وشفافية وسهولة فهم، سواء في مجال الإعجاز العلمي أو مجال التاريخ والتراث، بما يخدم منهج الوعي الإسلامي وتوحيد الأمة ومعالجة عللها وأمراضها المزمنة، وفي فهم واستشراف مستقبلها أو آثارها التي تركتها للنظر والفهم والتذكرة.
قال تعالى:  قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق.. .
قال تعالى:  قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين.  .
كتب الله ذلك في ميزان حسناته.. وأثابه عن هذا الجهد المبارك خير الثواب.
الدكتور أنيس مالك الراوي
رئيس جماعة الإعجاز العلمي
في
معهد الشرق وجمعية الشبان المسلمين/ بغداد
3/ 8/ 2001م
Page 2
​

المقدمة

لكل عصر لغة خاصة به، ويبدو أن لغة عصرنا الحاضر هي لغة العلم المادي والاكتشافات العلمية والتكنولوجية، والتطور الهائل الذي شهده العصر الحديث في ميادين الفيزياء والكيمياء والبايولوجيا والتقنيات المختلفة في عالم الحاسبات والاتصالات والانترنت وغيرها، مما أبهر العقول بقدرة الإنسان غير المحدودة التي وهبها الله له وعلمه ما لم يعلم. ومن هنا تأتي أهمية موضوع الإعجاز العلمي ودوره الدعوي والإيماني في عصر ساد فيه أثر العلوم المعاصرة في ميادين الطب والفلك والآثار والتكنولوجيا والحاسبات والأتمتة الحديثة. والقرآن الكريم -كما نعلم- ليس كتاب علم أو طب أو فلك أو غيرها من العلوم والمعارف التي طورها الإنسان عبر تاريخه الطويل، بل هو كتاب نور وهداية ودستور للحياة، ليحكمها بمنهج الله سبحانه، ولكن المتأمل فيه والمتدبر لآياته سيجد فيه إشارات علمية غير قليلة، وتلميحات واضحة الدلالة حول العلوم المشار إليها آنفاً، وذلك لأن القران الكريم -بكل بساطة- هو كتاب الله المقروء، والكون هو كتابه المنظور، ولا بد أن يتطابق كونه المنظور مع كونه المقروء، دون أي تعارض أو تباين، بالنسبة للمؤمنين بالخالق الواحد بديع السماوات والأرض.
إن هذا الكتاب يتكلم عن الإعجاز العلمي في القران الكريم والسنة النبوية، من خلال خمسة محاور رئيسية تدور حول، مختارات من الإعجاز العلمي في القران والسنة، في المواضيع الطبية والفلكية والطبيعية الأخرى، وبشارات الكتب المقدسة السابقة بظهور نبي الإسلام، مما يسلط الضوء على تفرد القرآن الكريم بالهيمنة والتفوق المطلق على الكتب السماوية الأخرى، بما أصابها من تحريف وتزوير وأخطاء دخلتها، بسبب تدخل يد النسّاخ وتحريفها للكلم عن مواضعه، كما أقر بتلك الحقيقة العلماء والباحثين، سواء المسلمين أو علماء اللاهوت والتوراة أنفسهم، وهذا ما سيجده القارئ واضحاً ومسطوراً في ثنايا الكتاب، في العديد من البشارات التي وردت في التوراة والإنجيل رغم التحريف الذي لحق بهما. كما يتضمن الكتاب سياحة في دلائل النبوة في القرآن والسنة، والملامح المعجزة في شخصية نبي الإسلام وأثر النبوة والوحي فيها، بما لا يقبل الجدل في صدق نبوته وإعجاز الكتاب المنزل على صدره، وإعجاز كلامه حديثه الشريف، وهي تعرب عن مختلف الحقائق والمعارف الكونية والطبية والغيبية والتشريعية، بنظم وعجز وكلام محكم، بعد أن أعطاه الله قدرة التعبير والنصح والهداية وجوامع الكلم إيجازاً وفصاحة وعلم دقيق منقطع النظير. وهكذا سيجد القارئ تلك المحاور الاعجازية الرئيسية منثورة في الكتاب، بنسق جديد وثوب معاصر وأمثلة حديثة، في ضوء منهج الإعجاز العلمي وضوابطه وأصوله المعروفة. ويعرج الكتاب على محور التعصب الأوربي تجاه الشرق والعالم العربي، بعد أن أصبح اتهام الإسلام بالتخلف واللاعلمية واللاموضوعية وتبني العنف والإرهاب من أبجديات الثقافة المعادية للإسلام واتهامه بكل الصفات المذمومة، والتي لا تتفق مع العلم والحق في شيء، ليكون هذا المحور أحد الأدلة على أن تهمة التعصب والتطرف التي وصم بها الإسلام، ما هي إلا صفة ملاصقة لتاريخ خصومه ومتهميه، لا سيما في أوربا والغرب عموما. وأخيراً ومسك الختام يحاول المؤلف أن يجعل القارئ الكريم يعيش لحظات هانئة مع تأملاته في رحاب الحج والعمرة، وآثار تراث الأنبياء الخالد، ومعرجاً على مهد الرسالة –بعجالة- تتسق مع الفقرات السابقة التي تحدثت عن قصص الأنبياء والإعجاز الآثاري، مقارنة بينها وبين ما ورد في التوراة حول تراث الأنبياء، ومحتكماً إلى العلم الحديث للوقوف على الأخطاء التاريخية واللغوية التي وقع فيها النص التوراتي. إن الإعجاز الآثاري يعد أحد محاور الإعجاز الرئيسية في إثبات ربانية النص القرآني، لاسيما تلك الآثار الخالدة التي نلمسها ونجدها شاخصة في المشرق العربي مهد الأنبياء وتراثهم. ويتحدث هذا المحور عن موطن الرسالة وجغرافية الأنبياء وتراثهم ومساجدهم المأثورة، لاسيما المساجد التي أشار إليها النبي  في حديث شد الرحال، وهي المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة والمسجد الأقصى في بيت المقدس، وغيرها من مواضيع الإعجاز العلمي المهمة. وهي مواضيع علمية إيمانية شيقة مطروحة بأسلوب معاصر مبسط، وفق منهج تأصيل الإعجاز العلمي وأسلمة العلوم، وضوابطه الشرعية. والكتاب يعد آخر حلقة في سلسلة كتب المؤلف حول موضوع الإعجاز العلمي التي جاوزت عشرة عناوين، والتي ابتدأت بكتاب الظاهرة القرآنية والعقل ثم النبوة والإعجاز في القران والسنة ثم تراث الأنبياء بين العلم والقران والتوراة والوصايا الخالدة في القرآن.
نسأل الله أن يوفقنا لخدمة دينه الحنيف، وأن يكون هذا الكتاب ثمرة طيبة في ميدان الإعجاز العلمي، والنص القرآني وصلته بالعلوم المعاصرة.
Page 3
​

الفصل الأول

الإعجاز العلمي

فـي القـرآن والسـنة

القران والعلم الحديث

قال تعالى:  وقل رب زدني علماً 
نزل القران في عصر لم يكن الإنسان يعرف فيه عن الطبيعة إلا القليل النادر، وكان الناس في جهل وفقر للمعرفة وتفكير خرافي عام يطغي عليه السحر والشعوذة والأساطير وكانوا يرون أن مياه الأمطار تقذفها السماء من بحارها السحرية، وأن الأرض مستوية لا نهاية لحدودها، وأن النجوم مسامير لامعة من الفضة مركبة في قبة السماء، أو أنها قناديل معلقة في الفضاء وكان الهنود قديماً يعتقدون بأن الأرض محمولة على أحد قرني البقرة الأم أو قرني ثور كبير، وحين تقوم بنقل الأرض من قرن إلى أخر يحدث زلزال على الأرض وكان اليونان والأوربيون عموماً يعتقدون أن سبب الأمراض والأوبئة هو نزول الأرواح الشريرة وكان السحر والكهانة والشعوذة غالباً على الدين الحق في معظم بقاع العالم الحديث. وهكذا نجد أن التقدم العلمي قد بدأ يزدهر منذ فجر الإسلام وولادة عصر النور وحضارة القران في العصور الإسلامية ثم أخيراً عصر النهضة الأوربية الحديثة، وتقدم العلم رويداً رويداً إلى أن زادت قوة المشاهدة والدراسة لدى الإنسان فكشف عن أسرار كثيرة، واليوم لا نجد جزءاً من معلوماتنا عن أجزاء الجسم وشعب العلم المختلفة إلا وقد تغيرت نظرتنا إليه كلياً، وثبت بطلان عقائد ونظريات العصر القديم.
وذلك يدل على أنه لا وجود لكلام إنساني تدوم صحته كلياً. لأن الإنسان عادة يتكلم عما هو معروف من المعتقدات والعلوم في عصره، ويسرد ما هو موجود في زمنه سواء وقع كلامه في دائرة الشعور أو اللاشعور، ولذلك لا تجد كتاباً مضى عليه حيناً من الدهر، إلا وهو مملوء بالأخطاء من سائر نواحيه، نظراً إلى الكشوف الجديدة في كل الميادين.
ولكن مسألة القران الكريم تختلف تمام الاختلاف عن هذه الكلية فهو حق صادق في كل ما قاله، كما كان في القرون الغابرة ولم يطرأ على ما قاله أي تغيير رغم مضي قرون وعصور طويلة وهذا في نفسه دليل على أن منبعه ذات علمية تحيط بالأزل والأبد علماً، وتعلم سائر الحقائق في صورها النهائية والحقيقة، وهو الله  الذي لا يخضع علمه لحواجز الزمان والمكان والأحوال، ولو كان هذا الكلام صادراً عن بشر محدودي النظر والعلم لكان الزمان أبطله منذ عصور عديدة، كما يحدث لكل كلام بشري في مستقبله..
إن المحور الحقيقي لرسالة القران هي السعادة الأخروية فهو بذلك لا يدخل في دائرة أي من علومنا وفنوننا الحديثة ولكن حيث أن القران يخاطب الإنسان في حقيقة الأمر فهو يمس كل ما هو متعلق بالإنسان وتلك مسألة دقيقة وخطيرة، إذ أن المرء حين يكون جاهلاً أو ناقص المعلومات حول مشكلة ما، ثم يتجرأ ليتكلم عن تلك المشكلة ولو إجمالاً فلا بد أن يكبو في حديثه، وذلك حين يستخدم كلمات أو عبارات لا علاقة لها بالواقع والحقائق.
ولكن من المدهش حقاً كما أكده الكتاب الغربيون قبل المسلمون أن القرآن لا يحتوي كلمة ما اثبت العلم فيما بعد، إنها من صنع رجل لا علم له بذلك الموضوع. حتى فيما يمس أكثر العلوم الحديثة من ناحية أو أخرى، وهذا يوضح صراحة أنه كلام عالم الغيب والشهادة، ممن هو على معرفة تامة بكل شيء على حين لم يكن أحد يعلم شيء.
ومما سيأتي في حلقات الإعجاز العلمي القادمة سنرى أمثلة عديدة تدل صراحة على أن القران الكريم يحيط بالحقائق التي لم تعرف إلا في عصرنا هذا، وفي فروع العلم كافة، وإن كانت إحاطته هذه ضمن إشارات غير مباشرة وغير مقصودة لذاتها أحياناً. وهذا النوع من الآيات ذات الإشارة إلى الإعجاز العلمي جعل المفسرين الأقدمين أحياناً يبقون متحيرين أمام المعاني التي لم يكن باستطاعتهم فهمها إلا في عصرنا الحديث. كما في الأرض والشمس والجبال وانكسار ضوء الشمس ومراحل النمو الجنيني وتفسير العلقة والمضغة على سبيل المثال لا الحصر مما جعلهم يبتعدون عن الصواب والتفسير الصحيح أما الآن فقد تهيأت أجواء وفرص علمية مناسبة لمعرفة أن ما في القران من علوم وأخبار تتوافق مع معطيات العلم الحديث وحقائقه الثابتة وفي نفس الوقت خالية من الأساطير التي كانت منتشرة في عصر تنزيله، وذاك هو باختصار ما يعرف اليوم بالأعجاز العلمي.
Page 4
ولقد كتب الكثير من الكتاب المعاصرين في هذا الموضوع خلال العقود الأخيرة، بحيث أصبحنا بفضل تلك الجهود أمام موسوعة ضخمة حول هذا الموضوع، ومن الطبيعي أن نرى أن من بين هؤلاء الكتاب من أجاد وأبدع ومن تطرف أو تعسف في التفسير تحت مختلف الدوافع ولذلك ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار النقاط والملاحظات التالية قبل الولوج في هذا النوع من الإعجاز القرآني بغية تجنب الأخطاء التي وقع بها من قد سلف، أو الأحكام المتطرفة بين رافض له دون مبرر وبين مسهب فيه بغير ضابط أو أساس من اللغة والعلم والمنطق، فجعل البعض هذا السلاح الذي لا يرد لإثبات وإظهار المعجزة القرآنية سلاحاً مضاداً، يمكن أن يستخدمه الأعداء للتوهين من أهمية هذا اللون من ألوان الإعجاز وإلغاء دوره، بسبب بعض التفسيرات المتعسفة والمتطرفة والظنية للآيات القرآنية ذات الطابع الحسي، ويمكن تلخيص هذه الملاحظات في ما يأتي:-
1. أن القران هو دستور الإسلام، وكتاب الله المعجز، الكتاب الذي تحدى به الله  الأنس والجن على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. أو أن يأتوا بعشر سور بل سورة من مثله، فبهت العرب جميعاً وهم أهل البلاغة والفصاحة، أمام بلاغته المعجزة.
2. انه الكتاب الخالد إلى يوم القيامة:  لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم  الذي تعهد الله بحفظه من عبث العابثين: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . وهو الكتاب الذي فيه ذكرنا أي شرفنا وعزنا:
 ولقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعلقون 
أن القران الكريم لم ينزل على قلب الرحمة المهداة  ليكون كتاباً في الطب أو الفلك أو العلوم الطبيعية أو غيرها من العلوم، ولكنه أنزل كتاب هداية ونور ورحمة ليخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم به سبل السلام والصراط المستقيم. قال تعالى: الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد .
 قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من أتبع رضوانه سبل السلام. ويخرجهم من الظلمات إلى النور بأذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم. .
أن القران نزل خاتماً للكتب السماوية مصدقاً لما قبله ومهيمناً عليه ونزل على خاتم الأنبياء ليكون خاتم الشرائع: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب مهيمناً عليه . فدين الله واحد، ورسالته واحدة إلى الناس، وهي رسالة التوحيد والعبودية لله، والقران هو النسخة الأصلية والصحيحة المنزهة عن التحريف والمهيمنة على الكتب السماوية السابقة، التي نالها التبديل والتغيير والتحريف لأنها أوكلت إلى الناس لحفظها، فقصر في حفظها والمحافظة عليها من البشر فيما مضى فجاء القران ليمثل الرسالة الخالدة إلى يوم الدين.
3. وأمة القران العاملة به، تكون شاهدة على الناس ويكون الرسول شاهداً عليها: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً .
4. أما الخطاب القرآني فقد تميز بملامح عديدة أهمها:
أ- أنه خطاب الله الخالق لعباده في كل مكان وفي كل زمان.
ب- أنه خطاب موجه أصلاً إلى العربي والبدوي البسيط في الجزيرة العربية فهو يتحدث بمفردات سهلة يمكن للبدوي البسيط فهمهما واستيعابها ويؤهله للإيمان بالرسالة وحملها إلى العالم من حولها.
جـ- أنه يتحدث إلى الإنسان على الأرض باعتبارها المحيط الحيوي لنشاطه وخلافته ورسالته، مشيراً إلى دوره وتكريمه وتسخيرها له، باعتبارها الأرض المسخرة والمعدة له ولكل ما يحتاجه في مسيرته الطويلة.
د- أنه خطاب الله العليم الحكيم الخالق البارئ البديع البصير السميع إلى البشر بكل صنوفهم، عامة وعلماء وحكماء وحكام وأغنياء وفقراء، وبساط، مختصين وغير مختصين، ويفهمه الجميع دون لبس، وهو يخاطب عقولهم وأرواحهم ونفوسهم وفطرتهم، خطاب الحكيم اللطيف الخبير، فيدرك الجميع ما يرمي إليه فتستجيب بعض النفوس وتنفر أخرى، نفور الهائجة من المصيدة:  كأنهم حمر مستنفرة، فرّت من قسورة  .
والخلاصة من ذلك، أن القران كتاب هداية، ومجاله النفس الإنسانية والحياة البشرية، وأن وظيفته أن ينشئ تصوراً عاماً للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه، وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاماً للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم طاقاته، ومن بينها طاقته العقلية.
فإذا ما تحدث القران عن آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، فإن ذلك لا يجعله كتاباً حاوياً لجميع العلوم، كما أدعى البعض من الحريصين على الإسلام، وإذا ما ورد في القران بعض التصريحات أو التلميحات العلمية، فذلك لا يجعله كتاباً في علم الفلك أو الطب أو غيرهما كما يحاول بعض المتحمسين أن يسهبوا في متابعة ذلك، أو كما يحاول بعض الحاقدين أن يلتمسوا فيه مخالفته لتلك العلوم البشرية.
لذلك فإن من الأسس الصحيحة التي ينبغي مراعاتها في التفسير العلمي هي عدم التكلف المخل في تأويل الآيات الكريمة، وعدم تعليق الحقائق القرآنية النهائية (القاطعة والمطلقة) بفروض العقل البشري ونظرياته، وذلك لأن الحقائق العلمية لا يمكن أن تتقاطع مع الحقائق القرآنية بخلاف الفرضيات والنظريات التي من سماتها البارزة أنها ظنية، وعرضةً للتغير تبعاً للتطور العلمي وتكامل المعرفة البشرية.
إن محاولات التأويل المتكلف دون التحصن بضوابط اللغة والعلم ومحاولة تعليق المفهوم القرآني الواضح بالفروض والنظريات العلمية الظنية، تنطوي على معان عديدة منها الهزيمة الداخلية أمام العلم المادي الحديث فتخيل البعض أن العلم هو المهيمن والقران تابع له، وهم يحاولون تثبيت القران بالعلم، في حين أن القران هو كتاب الله المقروء والكون كتاب الله المنظور، وأن التعارض بينهما محال لأنهما يعبران في النهاية عن حقيقة واحدة، والقران فوق ذلك كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه، والعلم لا يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس. كما أن ذلك المنهج يعبر عن سوء فهم لطبيعة القران، ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان.. حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره ويستخدم نواميسه في خلافته، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليستلم المعلومات المادية جاهزة.
ومع ذلك يجب أن لا ننسى في خضم نقد التكلف في التأويل غير الدقيق، أن في القران الكريم الكثير من الآيات العلمية التي سبقت العلم بأربعة عشر قرناً من الزمان، كما سنلمس لاحقاً إنشاء الله- مما زاد المؤمنين إيماناً ويقيناً وخشوعاً وتدبراً للقران. ودفع كذلك أناساً من غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام أمثال:
ليو بولد فايس (الهولندي) وروجيه غارودي وموريس بوكاي (الفرنسيان) واللورد هدلي (الإنكليزي) وغيرهم كثير، وذلك مصداق للآية الكريمة:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد .
 
Page 5
​

التقويم الشمسي والتقويم القمري

لقد أعتاد العرب خاصة والساميون عامة منذ القدم على اعتماد التقويم القمري في تحديد أيامهم وأشهرهم وفصولهم خلال السنة القمرية والتي تتمثل بدوران القمر حول الأرض اثنتا عشر مرة أو مراقبة منازل القمر شهرياً منذ ميلاده هلالاً ثم تربيعاً ثم بدراً ثم تربيعاً ثانياً وأخيراً يدخل في مرحلة المحاق قبل اختفائه ليولد من جديد، وتستغرق هذه المراحل في الشهر القمري بين 29-30 يوماً والذي يؤكد أن بقية الأقوام السامية ومن بينهم يهود المدينة أنهم كانوا يستخدمون التقويم القمري، وأن اليهود كانوا يصومون يوم العاشر من محرم لأنه ذكرى نجاة موسى  وقومه من فرعون وجنوده وفيها انشقاق البحر وعبور موسى وهلاك فرعون وجنوده، كما هو مذكور في القران والتوراة، أما في أثار وأدبيات ومدونات باقي الأقوام السامية كالبابليين والآشوريين والفينيقيين والكنعانيين والسبأيين والحميريين وغيرهم من الشعوب القديمة، فقد كانوا يستعملون النظام القمري وكانوا يضيفون شهر كل فترة زمنية قد تحدد بربع قرن أو أقل من ذلك تقدم علم الفلك عند تلك الشعوب أما أشهر التقويم القمري فهي المحرم –صفر- ربيع الأول- ربيع الثاني-جمادي الأولى- جمادي الآخرة - رجب- شعبان- رمضان- شوال- ذي القعدة - ذي الحجة.
ويبدو من أسماء هذه الأشهر العربية القمرية، أنها كانت في القديم ثابتة لا تدور مع مواسم وفصول السنة، ومما يؤيد هذا التفسير معاني بعض الأشهر، فرمضان يعني الرمضاء وشدة الحر مشيراً إلى فصل الصيف، وكذلك ربيع الأول والثاني تشير إلى فصل الربيع، وكذلك بالنسبة لجمادي الأولى والثانية تشير إلى الانجماد في الشتاء، ورغم حدوث تغيير في مواقعها وفي عدد أيامها أيضاً، وهذا الاستنساخ يحتاج إلى البحث والتقصي للتأكد منه، وحينما جاء الإسلام أقر هذا التقويم وأتخذه الرسول الكريم  والخلفاء الراشدين من بعده تقويماً إسلامياً، جعله الخليفة الثاني عمر بن الخطاب  مبتدأ بالهجرة النبوية المباركة فكانت سنة الهجرة أول سنيه والشهر المحرم أول شهور السنة الهجرية، وهكذا سار المسلمون على ذلك التقويم الإسلامي في تحديد المناسبات والأعياد، وفي القران الكريم إشارة في سورة الكهف –كما سنذكره أدناه- إلى جواز استخدام التقويم الشمسي، مع إعطاء الأولوية والأفضلية للتقويم القمري باعتباره تقويماً إسلامياً شرعياً معتمداً.
أما التقويم الشمسي ويسمى أيضاً التقويم الميلادي المسيحي فليس له علاقة بمراقبة الأجرام أو الأقمار أو النجوم الفلكية وإنما هو حساب نظري للمدة التي تدور فيها الأرض حول الشمس أو حساب عودة أي يوم من السنة إلى بدايته مرة أخرى وعدد أيام السنة الشمسية 365 يوماً مع إضافة يوم السنة الكبيسة كل أربع سنوات وذلك لضمان ثبات التقويم الشمسي بالنسبة إلى الفصول الأربعة وأشهر التقويم الشمسي الاثنا عشر هي: كانون الثاني-شباط-آذار-نيسان-مايس-حزيران-تموز- آب- أيلول-تشرين أول-تشرين الثاني- كانون أول.
وعدد أيام الأشهر بين 30-31 يوماً عدا شهر شباط الذي يكون 28 يوماً ويضاف له يوم آخر في السنة الكبيسة.
Page 6
وربما نجد البعض ينتقد التقويم القمري ومنهجه في حساب الزمن باعتباره قديم بالغ القدم وغير عملي ولا علمي (حسب ظنهم) بالمقارنة مع المنهج المتبع الآن عالمياً والذي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس والذي يعرف حالياً بتقويم جوليان السنوي ولرد هذا النقد أو الفهم الخاص نورد الملاحظات الآتية:
1. توجه القران منذ أربعة عشر شهراً تقريباً إلى سكان شبه الجزيرة العربية الذي كانوا يستخدمون الحساب القمري للزمن. إذن فقد كان من المناسب مخاطبتهم بالخطاب الوحيد الذي كانوا يستطيعون فهمه، وإلا تبلبلت عادتهم في اتخاذ الإشارات المكانية والزمانية، فقد كانت عادةً فعالة تماماً، فمن المعروف أن سكان الصحراء خبيرون بتمرس السماء، وفي الاستدلال بالنجوم وتحديد الزمن على حسب مراحل القمر وقد كانت كل هذه المفردات هي أبسط الوسائل وأكثرها فاعلية بالنسبة لهم.
2. لقد أختار الله  الإنسان على هذه الأرض عدد الشهور، أثنا عشر وأختار منها أربعة حرم وفق التقويم القمري رجب، ذي القعدة، ذي الحجة محرم، وهذه هي أشهر السلام وتحريم القتل والدم والظلم والاعتداء منذ عهد إبراهيم  وأخذها عنهم العرب الحنفاء من نبيهم إسماعيل بن إبراهيم  وأخذها عنهم بقية، ويعبر القران الكريم عن ذلك وعن أهمية التقويم القمري وأن هذا النظام في عدة الشهور قد جعلها الله  أحد أسس النظام الكوني والأرضي الذي تكون الأرض محط أنظار العناية الإلهية لاستقبال الإنسان وخلافته على الأرض قال تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم .
3. أن من المعروف بأن التقويم الشمسي يحتاج إلى تصحيح كل أربع سنوات وهو مما يعرف بالسنوات الكبيسة، أما في التقويم القمري فهو لا يحتاج إلى تصحيح إلا كل 19 سنة حيث يتم التصحيح مرة واحدةً.
4. أن التقويم القمري واضح لمن يريد مراقبته، وبذلك فهو يشد الإنسان إلى الكون ونظامه ومراحل القمر في السماء في حين أن التقويم الشمسي ليس فيه شيء من ذلك، فهو حساب رياضي يتابع ذهنياً فحسب باستثناء المتخصصين في مجال الفلك.
5. أن دوران المناسبات والأعياد الدينية وعدم ثباتها مع مرور السنين ودورانها على كافة الفصول يضفي عليها طابع الحركة وعدم الجمود وينسجم مع الفطرة وميول النفس الإنسانية.
6. هنالك إشارة في القران الكريم وهي مع ما بها من أعجازٍ وتعبير عن العلم الإلهي اللامحدود تشير إلى العلاقة الفلكية بين التقويم القمري والشمسي وبشكل ظل مبهماً في وقت نزول الآية، من عصر النبوة حيث أنه عندما سأل اليهود عن فترة نوم أهل الكهف أجاب القرآن الكريم:  ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً  فتحير اليهود من هذه التسعة الزائدة حيث أن المثبت عندهم هو 300 سنة فقط، فلما أنكروا هذه التسعة الزائدة وسألوا عنها، أجابهم القرآن:  قل الله أعلم بما لبثوا وأغلق الجدل وقتها فيما بين المسلمين واليهود، ونحن نعلم الآن بحساب الفرق بين التقويمين أن ثلاثة مائة سنة شمسية تعادل بالضبط 309 سنة قمرية، ويمكن أن يستنتج هذه الإشارة القرآنية البليغة والمعجزة، أنه في حالات الضرورة يمكن استخدام التقويم الشمسي ولا سيما مع من يستخدم ذلك التقويم كاليهود والنصارى وغيرهم، مع العلم بأن التقويم الإسلامي الموجب الإتباع والتطبيق شرعاً.
7. يتصف التقويم القمري الهجري بأنه تقويم واحد لم يختلف المسلمون على بدايته أو نهايته أو أشهره الحرم وغير الحرم أو كيفية مراقبة مطالعه ومخارجه وتحديد عدد أيام أشهره وفق الأصول الشرعية ويثبتون شهادتهم أمام القاضي باعتبار أن تحديد بداية الشهر القمري مسألة شرعية وليست فلكية فحسب في حين أن الأشهر الشمسية ثابتة وجامدة لا تحتاج إلى جهد أو متابعة أو شهادة أو غيرها، كما تعددت التقاويم الشمسية باختلاف المذاهب والأديان والملل، فهناك التقويم الميلادي الغربي، وهناك تقويم الكنيسة الشرقية وهناك التقويم الشمسي المجوسي وهكذا.
Page 7

ويعلم ما في الأرحام

قال تعالى:  إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير  .
مما شاع عند كثير من الناس أن هناك مغيبات أستأثر الله  بعلمها، ولا يعلمها غيره، في حين استطاع العلم التطبيقي الحديث معرفة بعضها بل والتحكم بها قبل حدوثها بتوجيهها باتجاه محدد معين، كالتحكم بنوع الجنين.. ذكر أم أنثى، وذلك قبل اختلاط النطف في الأرحام، وقام بخلطها صناعياً بما يؤدي إلى أحد الاتجاهين، كما استطاع العلم التطبيقي الحديث إنزال المطر الصناعي.. فتوهم البعض بأن هناك تناقض بين هذه النصوص والعلم بسبب التعارض الظاهري بين الآية أعلاه وما استطاع العلم الحديث القيام به من تسخير وكشف للقوى الكامنة في الطبيعة سواء في الآفاق أو الأنفس، فإنكار النص كفر، وإنكار الواقع الثابت يقيناً مكابرة وتخلف، لذلك قامت الحاجة إلى تفسير معاصر وعلمي وإلى التوفيق الذي يوضح التوافق الحق رغم ما يظهر من تعارض ظاهري وقد قال الغزالي ومن بعده الألوسي في هذه الموضوع، ما مختصره:
نحن مع الظواهر حتى يقوم الدليل القطعي على خلافها، وحينئذ نميل إلى التأويل وبابه الواسع، وإنما جاز تأويل النص (ظاهر المعنى) لأن الجمود على اعتقاد لمعنى المتبادر منه، ورفض ما يدل عليه الدليل العقلي القاطع، يقتضي هدم الأصل وهو (العقل) الذي ثبتت به رسالة الرسول ص المتكلم بتلك النصوص الشرعية. إذ لولا العقل لما وصلنا إلى الاستدلال على صدق دعوة الرسالة، فإذا هدم الأصل هدم الفرع لا محالة، وهكذا الحكم في كل نص (ظاهر المعنى) ناقضه الدليل العقلي القاطع. أما فيما يخص النظريات والفروض العلمية التي هي غير قطعية -كما نعلم- فإنه إذا كان الدليل الذي قام على ما يناقض ظاهر المعنى دليلاً (غير قطعي) فلا يسوغ تأويل النص وصرفه إلى معنى أخر. وكما هو معلوم أن هناك من النصوص ما هو (متعين المعنى) وقطعي الدلالة، فإن هذا النوع من نصوص القران لا يقبل التأويل وقد أستند العلماء في كل ذلك على إحدى أبرز خصائص التصور الإسلامي وهي أنه ليس هناك من القران والسنة الصحيحة ما يناقض العقل ونتاج العلمي الدقيق، فجاز لذلك في الشريعة الإسلامية، تأويل النص (ظاهر المعنى) وعدم جواز تأويل النص (متعين المعنى) وسنرى أن علم ما في الأرحام ظاهر المعنى ويمكن صرفه إلى عدة وجوه يقبلها العقل والعلم والدين.
ماذا يقول السلف الصالح من المفسرين في تفسير الآية..
جاء، في تفسير الخازن:  ويعلم ما في الأرحام  أذكر أم أنثى، أحمر أم أسود تام الخلقة أم ناقص..
وجاء في تفسير النسفي:  ويعلم ما في الأرحام  ذكر أم أنثى تام أم ناقص؟ وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال..
وقال ابن كثير في تفسيره: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه.. ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أم أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء من خلقه.
هذه نماذج من أقوال السلف الصالح، فمن أين جاء الذين قالوا إن هذا العلم هو مما أستأثر به الله تعالى؟ وإن من أدعى بأنه يستطيع تشخيص جنس الجنين قبل ولادته فقد كفر؟..
وإذا رجعنا إلى تفسير الآية بما يفسرها من الآيات القرآنية الأخرى ثم الأحاديث النبوية الصحيحة ثم أقوال الصحابة والسلف الصالح، نقرأ قوله تعالى: الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام، وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال .
إننا نفهم من هذه الآية ما يأتي:-
1. أن علم الأرحام عالم شامل لكل أنثى من البشر والمخلوقات الأخرى.. وأن هذا العلم بهذا الشمول لا يمكن أن يحيط به أحد إلا الله تعالى.. فهو –إذن- في شموليته علم إلهي أستأثر به الله تعالى لنفسه.
2. إن علم ما في الأرحام لا يتعلق بالجنس فقط ولكن بكل الصفات الخلقية كالكون والجمال والطول والقصر والذكاء، والمواصفات الجينية الكثيرة، وكذلك كل الأقدار التي ستكون من شقاء أو سعادة أو حوادث أو مستقبل وهذا ما تعنيه كلمة (ما) في الآيتين السابقتين ويعلم ما في الأرحام و الله يعلم ما تحمل كل أنثى وقوله تعالى في تقدير صفات وأقدار الجنين من نطفة خلقه فقدره . وإن استخدام (ما) لغير العاقل يدل على تلك المعاني بخلاف كلمة من التي تستخدم للعاقل فتفسير علم الأرحام الإلهي لا ينصرف إلى معرفة ذات الجنين من ذكورة أو أنوثة وإنما ينصرف بشموله إلى جميع الصفات والأقدار التي ستكون واقعاً بعد ولادته بإذن الله تعالى وعلمه.
كما يؤكد الرسول  ذلك المعنى بقوله: أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد .
فشمولية (ما) هذه لا يمكن أن يحيط بها أحد غير الله تعالى، وهي من العلم الذي أستأثر به الله تعالى لنفسه.
3. حتى فيما يخص الذكورة والأنوثة تلك الصفة التي تتبادر للذهن أول وهلة عند المرور على هذه الآيات الكريمة فإنه من المستحيل على أحد من خلق الله أن يعلم في كل لحظة أجناس كل أجنة المخلوقات والأحياء عموماً..
وهكذا فإن مسالة الذكورة والأنوثة بشموليتها هذه علم أستأثر به الله تعالى لنفسه، وهو علم البديع المصور الخالق لما أبدع وصور وخلق من خلق جديد في كونه الفسيح، فسبحان الله الخلاق العظيم..
قال تعالى: لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً. أنه عليم قدير .
4. ويشير مقطع الآية وما تغيض الأرحام وما تزداد إلى أن علم ما في الأرحام لا يقتصر فقط على الذكورة والأنوثة، بل هو أشمل وأوسع بكثير وأن كل عمل الرحم الحامل وغير الحامل أيضاً يندرج تحت هذه الآية الكريمة.. وأنه علم مستحيل على البشر وغاية ما نستطيع أن نعلمه أن الرحم يغيض ويزداد، ولكن ماذا يغيض وماذا يزداد في كل لحظة، فهذا هو العلم المتعذر معرفته مهما تطور العلم والطب.
غاية معرفتنا العلمية أننا ندرس آثار هذه التبادلات على الجنين (أي ما يطرح من الجنين أو يزداد عبر المشيمة داخل الرحم) فندرك بما آتانا الله من علم، إن هذا الجنين بخير وإن ذلك الجنين بحالة خطرة، لأن عملية الغيض والازدياد هذه قد حصل لها ما يعيقها في سياق الحمل فمرض لنقص أوكسجينه أو نقص غذائه أو ما سوى ذلك.. أما علم كمية ما يصل إلى الجنين وما يصدر عنه في كل لحظة وتعميم هذا العالم على كل أرحام المخلوقات فهو ما أستأثر به الله تعالى لنفسه.
5. إن الله تعالى يشير بأعجاز إلى كل ما يجري في هذه الأرحام محسوب بدقة، وذلك بقوله تعالى: وكل شيء عنده بمقدار وقد أصبح واضح بعد هذا التقدم العلمي ومعرفة بعض ما يجري داخل الأرحام أن أحداً لا يستطيع القيام بهذه الحسابات المعقدة والدقيقة لأي رحم من الأرحام.. فكيف بكل الأرحام.. والله وحده يستطيع ذلك لأنه خالق الرحم والجنين وما حوله.
6. أما قوله تعالى عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال فيوحي لنا أن علم ما في الأرحام ليس محظوراً على البشرية وأنه لا مانع إطلاقاً من متابعة التطور العلمي حتى النهاية، فبعد أن أخبرنا الله تعالى بأن علمه  متعلق بكل أنثى من بشر وغيرهم، وبأن علمه  يتعلق بما تغيض الأرحام وما تزداد وهو ما يحيط بكل ما يجري في الأرحام من عمليات بايولوجية وكيمياوية وتحولات في الأنسجة والأعضاء، ذكر الله  أن كل شيء عنده بمقدار أي بحسبان وقدر وليس هكذا جزافاً ولا صدفة ولا فوضى بل وفق أسس جينية وراثية ومخططات محسوبة لها علاقة بالنسل والأجيال التي جاء منها ذلك الجنين سواء أكان إنسان أو حيوان ثم قال تعالى في نهاية الآية: عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
فقد أشار الله تعالى إلى الغيب والشهادة في سياق الكلام عن الأرحام وعلم ما في الأرحام، ليقول لنا أن هذا العلم وإن كان من العلوم الغيبية الخمسة في سورة لقمان/ آية 34 والمشار إليها في البداية، فإن بعضاً منه متاح للبشر في عالم الشهادة، ليقوموا برعاية الحوامل ومخاضاتهم على الوجه الأسلم والأيسر، كجزء من تسخير العلم والطب لخدمة الإنسان، والحفاظ على نسله ليقوم بدوره في خلافة الأرض، وقد وردت الآثار على أن الله تعالى ييسر لبعض عباده ما يشاء من هذا العلم كما ذكر ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية الكريمة.
إن الإسلام يدعو المسلم إلى أن يفرح بالنظرية الجديدة أو الاكتشاف الجديد الذي يتحقق في الطب وغيره من فروع العلم المختلفة، لأننا على يقين أنه لا تعارض بين الإسلام والعلم أو بين الكون المقروء (أي القران) وبين الكون المنظور لأن الحقائق في كليهما من الله الخالق، وإن هذا التعارض الظاهري يظهر في عقولنا أحياناً حين نعجز عن فهم النص أو في جعل الاحتمال والنظرية حقيقة مطلقة نحال أن نفسر النص على ضوئها.
إن الإنسان لا يلبث أن يكتشف إننا في أي اكتشاف علمي قد أضفنا أكثر بكثير لما نجهل فإن العلم قد دأب وهو يفتح باب في العلم وإذا به يفتح عشرة أبواب من المجاهيل والأسرار سواء في مجال الفلك وعالمه الواسع أو الذرة وعالمها الصغير أو الخلية في الأحياء وعالمه السحري المرصع بالأسرار والمجاهيل. إن عالمي الغيب والشهادة في الأرحام كغيره في العوالم الأخرى، كالليل والنهار، كلما لحق النهار بالليل لحق بالنهار، وكلما زادت معلوماتنا ازدادت مجهولاتنا ولن يستطيع الإنسان مهما تطور أن يحضر علم الأرحام كله، من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ولن يزيد يوماً ما عن الإمساك بالمفتاح، وذلك لسبب بسيط هو أننا بشر وإننا ما أوتينا من العلم إلا قليلاً.
أما العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علماً، والذي هو على كل شيء قدير، والذي يحفظ عنده أسرار العلوم الكونية ويعطي منها ما يشاء من عباده حين يشاء فإنه جل وشأنه يتعالى ويتكبر على عباده وخاصة علمائهم حيث يصف نفسه  بأنه الكبير المتعال.
أنه تعالى يخاطب بها عباده جميعاً ولا سيما العلماء: إنما يخشى الله من عباده العلماء الذين يتوصلون بأسلوبهم العلمي إلى معرفة إن ما عند الله من العلم الذي جهلوه لا ينضب ولا ينتهي، العلماء الذين مهما كبروا في العلم والمعرفة يظلون صغاراً ولا يملكوا إلا أن يقولوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم وثمة كلمة أخيرة يمكن أن نقولها إلى المسلمين عموماً لا سيما المشتغلين بالعلم والدعوة هي: إن الإسلام والعلم لا يمكن أن يختلفا أبداً، فإذا تراءى لأحد أي تباين ظاهر بينهما، فيجب أولاً أن نمحص القناعة التي جاء بها العلم الحديث، ثم لنمحص معلوماتنا بدقة عن دين الله، فسنجد حينئذ الوفاق التام الذي لا يمكن أن ينفصم، وهل تحصل هذه الاكتشافات العلمية إلا بأذن الله تعالى وتقديره..؟. قال تعالى: شهد الله أن لا الله إلا هو والملائكة وألوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم .
وقال: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد .
Page 8

الطب النبوي

قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين .
وقال: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى لقد قام الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه المعروف (الطب النبوي) بجمع الأحاديث النبوية التي تهتم بالصحة الوقائية والعلاجية وقد ذكر في هذا الكتاب المئات من الأحاديث الطبية الصحيحة وجعلها في متناول الإنسان المسلم. كما قام الكثير من العلماء والكتاب الأقدمين والمعاصرين في الكتابة في هذا الموضوع ومتابعة النصائح النبوية الطبية، ومقارنتها مع المعارف الحديثة فوجدوا فيها التطابق والتوافق مع الأصول الطبية والضوابط الصحية، سواء في مجال الوقاية أم العلاج، وقد وجدنا من خلال الإطلاع على هذه المجاميع والأزاهير النبوية ما يدعو إلى الأركان الصحية التالية:-
• التأكيد على النظافة وأهميتها الصحية وجعلها رديفة الإيمان.
• الحث على التداوي والأخذ بالأسباب كما في قوله : أن الله جعل لكل داء دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، إلا السأم، (أي الموت) فتداووا ولا تداووا بحرام.
• التأكيد على مبدأ الوقاية خير من العلاج.
• ذم السحر والشعوذة والاستعانة بالجان والتنجيم كما في قوله :
كذب المنجمون ولو صدقوا.
• السماح بالرقية بالقران بقراء كلام الله على المريض بنية الدعاء دون تحديد للشخص الراقي وهيئة محددة لذلك، وإنما يستطيع أي مسلم عنده شيء من الصلاح والتقوى أن يرقي المريض ويقرأ ما تيسر له من القران للمريض.
• ذكر بعض الأطعمة المفيدة صحياً وعلاجياً كالعسل والحبة السوداء والثوم والبصل وغيرها.
ونذكر أدناه بعض الأحاديث والنصوص النبوية في موضوع الطب النبوي، وهي في حقيقتها لا تلغي دور الطبيب بل على العكس تؤكد دوره وأهميته في تشخيص الأمراض وعلاجها وتوجيه المريض لطرق العلاج الصحيحة وفق الإرشادات العلمية.

الأحاديث النبوية الطبية

قال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
الأحاديث النبوية في الطب الوقائي
الأحاديث الواردة في النظافة والحث عليها كثيرة، ومنها:
قال رسول الله : النظافة من الإيمان.
وقال: تنظفوا فإن الإسلام نظيف، وإنه لا يدخل الجنة إلا نظيف وقال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. وقال: حق الله على كل مسلم أن يغتسل في سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده.
وقوله : إذا أستيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الأكل حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده. وقوله : من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع.
وهذه الأحاديث واضحة المعنى في أهمية النظافة والتنظيف بالماء ودور كل ذلك في الصحة الوقائية للفرد والمجتمع المسلم.
وقاية الموارد
قال رسول الله : لا تبولوا في الماء الراكد ثم تتوضؤا فيه.
وقال: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق.
ويدعو النبي  الناس إلى حفظ الماء والأكل من التلوث والتعرض للجو، وذلك بأن يحفظ الماء في أوانيه والأكل في أوعيته وهي أهم موارد الإنسان حيث يقول: خمروا الآنية وأوكثوا الأسقية. فلقد دعا  بهذا الحديث إلى تغطية أواني الأكل.. وإلى ربط فم قربة الماء، وذلك حرصاً على نظافتها، وعملاً على سلامتها، وبعداً بها من أي تلوث قد يصيبها لو تركت الأواني مكشوفة والأسقية مفتوحة وهذا ما وصل إليه وأكده علم الطب الوقائي أخيراً.
وقال أيضاً توكيداً لنفس هذا التوجيه النبوي الصحي:
غطوا الإناء وأوكثوا السقاء فإنه في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء لم يغط ولا سقاء لم يول إلا وقع فيه ذلك الوباء.
أما غسل الإناء لا سيما الذي ولغ الكلب فيه، فيقول عنه : إذا ولغ الكلب في أناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب.
وعدد السبعة المذكور هو لتحقيق تكرار الغسل مرات عديدة، وليس العدد مقصود لذاته تحديداً والله أعلم أما التراب فهو أقرب المواد المنظفة للإنسان وأيسرها وهي بلا مقابل، وذلك حتى لا يتأخر أي إنسان في غسل إنائه إذا ولغ فيه الكلب انتظارا لتوافر المنظف أو ما يشابهه.
ولا شك أن العلم الحديث قد أوضح أن لعاب الكلب يحمل من الميكروبات والجراثيم كميات لا تخطر على بال، ولعل ذلك يرجع إلى دوام شم الكلب لكل ما يعترضه على الأرض من طعام أو أشياء أخرى، لا سيما القمامة والفضلات بأشكالها وكذلك لدوام فتح فمه، وإخراج لسانه، فهو لا يغلق فمه أبداً مما يعرضه أكثر للميكروبات.. أما أخطر من ذلك كله فهو مرض الكلب، الذي ينقله الكلب للإنسان وهو أخطر الأمراض وأكثرها فتكاً بمن تصيبه وينتقل مرض الكلب عن طريق اللعاب سواء بواسطة العض أو بدونه، ولذلك فإن الوقاية من هذا المرض وغيره من الأمراض التي تنتقل عن طريق لعاب الكلب يمكن أن يتم بغسل كل ما يلعقه أو يقترب منه لعابه، غسلاً جيداً وهذا لا يتأتى إلا بتكرار الغسل، وباستعمال مطهر، وأرخصه وأكثره توافراً هو التراب، كما أن هناك رأي علمي يقول أيضاً أن هناك أنواع من الأتربة لها خاصية التغلب على بعض الميكروبات منها ميكروب داء الكلب، وذلك بتوليد مضادات حيوية تفتك بهذه الميكروبات كالبنسلين وأمثاله منها تراب المقابر.
Page 9

الذباب ودوره في نقل الأمراض إلى الإنسان

أن الذباب هو ناقل جيد ووسط مهم في نقل العديد من الأمراض إلى الإنسان وهذا الشيء أصبح الآن معروفاً لدى الجميع، فهو ناقل جراثيم من النوع الممتاز، وهو ما لم يكن معروفاً قبل قرنين فقط وليس قبل أربعة عشر قرناً. حيث كان الناس يتصورون أن الأمراض تنتقل بواسطة الجن والأرواح الشريرة وتعتمد على ظاهرة السحر والشعوذة والكهنة والتنجيم الذي كان شائعاً في أوربا خلال العصور الوسطى، بينما حرم الإسلام تلك الأساليب ودعا إلى التداوي واستخدام الطب والأعشاب والأدوية المؤثرة على المرض والمعالجة له، كما يقول النبي :
أن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام.
ولذلك فإن الكشف عن دور الذباب في نقل الأمراض يعد من معجزات النبي  ويعطي تصور دقيق عن التوجيهات النبوية والطب النبوي الذي نحن بصدده.
قال رسول الله : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء .
وقد حاول البعض جهلاً أو عمداً التشكيك في هذا الحديث، رغم أنه من الأحاديث الصحيحة المشهورة المعتمدة في كتب الحديث.
والحديث إضافة إلى أشارته إلى دور الذباب في العدوى وأنه ناقل للجراثيم من النوع الممتاز وهي حقيقة علمية وطبية أضحت معروفة لدينا اليوم، فإنه يشير إلى حقيقة علمية ثانية لا تقل أهمية عن الأولى، وهي أن الذباب يحمل مضادات للجراثيم، وهي ما تسمى طبياً الآن المضادات الحيوية المعروفة والتي انتشرت خلال النصف الثاني من هذا القرن. فإشارة الحديث إلى الجراثيم وإلى مضاداتها الحيوية هي من المعجزات النبوية العلمية والطبية، التي ينبغي أن نقف أمامها بكل تواضع أعجاباً وإجلالاً لهذا الدين ونبيه الكريم الذي لا ينطق عن الهوى، وإنما يستمد علمه من الوحي الصادق ومن الغيب الذي أكرمه الله تعالى به.
أما الآلية التي يذكرها الحديث في غمس الذباب في السائل ثم طرحه، والتي استشكلها البعض جهلاً وعناداً أمام الاستسلام لهذا النبي العظيم وتوجيهاته الرشيدة، فهو ما سنحاول أن نفصله لينجو من ينجو ويهلك من هلك عن بينة، وتطمئن النفس والفطرة إلى عظمة الإسلام وحكمته في كل تشريعاته وإرشاداته..
وهذا موجز لتحقيق كتبه الدكتور عز الدين جوالة حول هذا الموضوع ننقل منه ما يهمنا هنا:-
يقول الدكتور جوالة:
1. إن من المعروف أن بعض الحشرات والأحياء المؤذية يكون في سمها نفع ودواء كما في سم الحية والعقرب وغيرها، فقد يجتمع الضدان في حيوان واحد كما في النحل مثلاً، فلا عجب أنه يوجد في الذباب جراثيم خطرة ومضادات لهذه الجراثيم والميكروبات.
2. إن الطب الحديث استخرج من مواد مستقذرة أدوية حيوية قلبت فن المعالجة رأساً على عقب، فالبنسلين ومشتقاته أستخرج من العفن، والستربتومايسين من تراب المقابر.. الخ وحشرة الذباب ليست أكثر قذارة من هذه المواد المستقذرة فليس هناك ما يمنع أن يكون في الذباب طفيلي أو جرثوم يخرج منها أو يحمل دواء يقتل هذا الداء الذي تحمله؟.
وبعد هذا الكلام للدكتور عز الدين يستمر في تحقيقه حول الموضوع فينقل تحقيقاً للطبيبين محمود كمال ومحمد عبد المنعم في إثبات الحقائق العلمية التي وردت في الحديث الشريف، فيذكر نقلاً عنهما:- يقولان: في سنة 1891 وجد العالم (بريفلد) الألماني من جامعة هال بألمانيا أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس فطر (أميتوزا) وهو يعيش في جسم الذبابة على الدوام، ويقضي حياته في الطبقة الدهنية في بطن الذبابة، بشكل خلايا مستديرة فيها خميرة، ثم لا تلبث هذه الخلايا المستديرة أن تستطيل فتخرج من الفتحات أو من بين مفاصل حلقات بطن الذبابة فتصبح خارج جسم الذبابة. ودور الخروج هذا يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وفي هذا الدور تتجمع بذور الفطر داخل الخلية فيزداد الضغط الداخلي للخلية من جراء ذلك، حتى إذا وصل الضغط إلى قوة معينة لا يحتملها جدار الخلية انفجرت الخلية وانطلقت البذور إلى خارجها بقوة دفع شديدة، تدفع البذور إلى مسافة 2 سم خارج الخلية على هيئة رشاش مصحوب بالسائل الخلوي فإذا أمعنا النظر في ذبابة ميتة متروكة على الزجاج نشاهد مجالاً من بذور هذا الفطر حول الذبابة المذكورة.
وقد جاءت مكتشفات العلماء الحديثة لتؤكد ما ذهب إليه (بريفلد) ومبينة خصائص عجيبة لهذا الفطر الذي يعيش في بطن الذبابة، ومن تلك الخصائص:-
1. في سنة 1945 أعلن أستاذ علم الفطريات (لابخرون) إن هذا الفطر الذي يعيش دوماً في بطن الذبابة على شكل خلايا مستديرة فيها خميرة خاصة (أي أنزيم) قوية تحلل وتذيب بعض أجزاء الحشرة الحاملة للميكروبات.
2. وفي سنة 1948 تمكن عدد من العلماء وهم (بريان وكوريتس وهيمونغ وجيفري وماكجوان) من بريطانيا من عزل مادة دوائية (مضاد حيوي) أسمها (كولتيزين) وقد عزلوها عن فطريات تنتمي إلى نفس فصيلة الفطريات التي تعيش في الذبابة وتؤثر في جراثيم جرام السالبة (كالتيفوئيد والديزنتريا).
3. وفي سنة 1949 تمكن العالمان الإنكليزيان (كرمس وفارمر) وعلماء آخرون من سويسرا هم (جرمان وروث وبلاتز وانلنجر) من عزل مادة مضادة للحيوية أيضاً أسموها (ايتابتين) عزلوها من فطر ينتمي إلى فصيلة الفطر الذي يعيش في الذباب ووجدوا لها فعالية شديدة وتؤثر بقوة على جراثيم جرام موجب وسالب وعلى بعض مكروبات أخرى كالزحار والتيفوئيد والكوليرا.
والخلاصة التي نستدل بها مما سبق ذكره:-
1. يقع الذباب على الفضلات والمواد القذرة وما شابه ذلك فيحمل معه كثيراً من الجراثيم المرضية الخطيرة. ومما يجعلها وسط ناقل للأمراض.
2. فإذا سقط الذباب في إناء للطعام أو الشراب وحملت الذبابة وألقيت خارج الطعام دون غمس، بقيت هذه الجراثيم في مكان سقوط الذباب، فإذا تناولها شخص وهو لا يعلم (بالطبع) دخلت الجراثيم إليه، فإذا وجدت أسباباً مساعدة تكاثرت ثم أحدثت المرض، فلا يشعر الإنسان إلا وهو فريسة للحمى طريحاً للفراش.
3. أما إذا غمست الذبابة كلها ونحن نتكلم هنا فيما إذا كانت كمية الطعام كبيرة أو غالية الثمن لوليمة كبرى أو كان دواءاً ضروري لمريض أو أي طعام أو شراب يرجح المعني أو صاحبه تناوله على إتلافه، أما إذا كان طعام بسيط أو كمية محدودة من الماء المتوفر فهنا يكون الإتلاف أولى حسب قاعدة النظافة من الإيمان، وهكذا ينبغي أن نرجح في أمور الدين والدنيا أخف الضررين وأكبر المصلحتين في أي قضية فيها مقارنة واختيار –فإذا غمست الذبابة كلها، أحدثت هذه الحركة ضغطاً داخل الخلية الفطرية الموجودة في جسم الذبابة، حسب قاعدة توازن التركيز داخل وخارج الخلية، فيزداد توتر البروز والسائل داخلها زيادة تؤدي إلى انفجار وخروج الأنزيمات الحاملة للجراثيم والمضادات الحيوية والقاتلة للميكروبات المرضية، فتقع على الجراثيم التي تنقلها الذبابة الملوثة وتبيدها ويصبح الطعام، خالياً من الجراثيم المرضية.
وهكذا يكشف العلماء النقاب عن تفسير هذا الحديث الشريف الذي أكد على حقيقتين علميتين لم تعرف إلا في العصر الحديث بعد التقدم العلمي والاكتشافات الحديثة لعالم الميكروبات والمضادات الحيوية الموجودة في جسم الذبابة وآلية القضاء عليها، فأكد العلم الحديث التوجيه النبوي بضرورة غمس الذبابة في السائل والطعام ليخرج من بطنها الدواء الذي يكافح ما تحمله من داء إذا ما أراد الإنسان تناول ذلك الغذاء أو الدواء.
قال تعالى:  يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وأن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب  .
Page 10

أنتم أعلم بأمور دنياكم

لقد فرق النبي الكريم والرحمة المهداة بين أقواله وأفعاله باعتباره نبي مرسل من الله سبحانه لا ينطق عن الهوى، وإنما وراءه الوحي الذي يعصمه من الخطأ، وبين كلامه كبشر له خبرات وقناعات شخصية ومزاج ورغبات قد تختلف بين إنسان وأخر فيما يخص أمور الدنيا والخبرات العامة التي لا تتعلق بتشريع أو توجيه نبوي. فرغم العلم النبوي وأثر الوحي والنبوة في توجيه أحاديثه  إلا أنه ترك للخبرة والتجربة البشرية الأفضلية حتى على آراءه وخبراته الشخصية فيما يخص أمور الحياة الدنيا الخاصة، حيث أن هناك الكثير من الأمور التي لا بد للتخصص والخبرة والتجربة البشرية أن يكون لها الرأي الأول، والتي قد تفوق خبرة النبي نفسه باعتباره بشر له من الخبرات البشرية بحسب الحياة التي كان يحياها والزمن الذي عاش فيه، والوسط الذي تأثر به فيما يخص أمور الحياة العامة كالزراعة والصناعة وغير ذلك.
إن حادث تأبير النخل (تلقيحه) يلقي الضوء ويوضح هذا الأمر المهم الذي يجب أن يستقر في ضمير المسلم للتمييز بين السنة النبوية المرادفة للقران وجزءاً من الوحي، وبين الخبرات الشخصية والرغبات والعادات التي كان يفضلها النبي  كإنسان أو يتصورها كفرد عاش في ذلك الزمان والمكان.
وفي ذلك يقول : إذا أمرتم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر.
كما نقل الأمام السرخسي في أصوله قول النبي : إذا أتيتكم بشيء من أمر دينكم فأعملوا به، وإذا أتيتكم بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم.
وأصل قصة تأبير النخل هي: ورد في صحيح مسلم جـ/4 تحت عنوان (باب وجوب امتثال ما قاله  مشرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي: عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله  بقوم على رؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟
فقالوا يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح.
فقال رسول الله : ما أظن يغني شيئاً.
قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله  بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فأني إنما ظننت ظناً: فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إن حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله .
وفي رواية أخرى عن السيدة عائشة وعن ثابت وأنس رضي الله عنهم أن النبي  مر بقوم يلقحون فقال: لو لم يفعلوا لصلح.. قال فخرج شيصاً فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ فقالوا: قلت كذا وكذا.
قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.
وهكذا نرى أن هذه الأحاديث النبوية توضح الفرق بين الوحي الإلهي في القران والسنة وبين خبرة النبي  الشخصية، ومن البديهي نسبة الأحاديث العلمية والطبية والتنبؤية إلى الوحي لأنها مرتبطة بحقائق لا يعلمها إلا الله وبالعقيدة والقناعة المطلقة بصحتها، كما أنها مرتبطة بمستقبل الإنسان وصحته والتطابق المعجز بينها وبين العلم المبني على التجربة والبراهين والأبحاث العلمية الدقيقة، وهي في ذلك شأنها شأن القران الكريم وأعجازه العلمي فهي من ذات المصدر الإلهي.
أنزل القران بشرط ثبوت صحة سندها إلى النبي  كما أن النبي  يذكرها لأصحابه على سبيل الجزم والأخبار وليس الظن كما في حالة خبراته الشخصية غير المرتبطة بالوحي.