Page 1
م/ جماعة الإعجاز العلمي في بغداد
يشير الأستاذ محمد أحمد الراشد إلى جماعة الإعجاز العلمي في بغداد، التي انطلقت للعمل الدعوي والتبشير بأهمية الإعجاز العلمي بفروعه المختلفة في أواخر القرن الماضي، في كتابه السابع في سلسلة إحياء فقه الدعوة الموسوم (منهجية التربية الدعوية)، والتي كان من أبرز أعضائها: الأساتذة.. أنيس مالك الراوي ومحمد جميل الحبال ورعد عبد عون وعبد الحميد العبيدي وخالد العبيدي ومحسن عبد الحميد ووميض العمري وعمر عبد الستار وأحمد عدنان وصبحي الراوي.. فضلاً عن المؤلف..
والتي كان مركز نشاطها معهد الشرق وجمعية الشبان المسلمين وبعض الفضائيات العربية المعروفة والجامعات والمنتديات العلمية والأدبية والدواوين في بغداد وباقي مدن العراق الأخرى..
يقول الأستاذ الداعية والمفكر الإسلامي المعروف الشيخ الراشد:
زرت حدائق (وزلي) في ضواحي لندن مرتين، فرأيت عشرات ألوف أنواع النبات، من فواكه وورود وحشائش، وجملة ما فيها أكثر من مائتين وعشرين ألف شكل من النبات، تنطق بتسبيح الله تعالى خالق الأنواع ومصور الجمال. وما زال التلفزيون يعرض لنا في برنامج عالم البحار، عجائب الأسماك ومخلوقات الماء ولا تنفد العجائب. ومفردات الإعجاز القرآني وإعجاز بعض أقوال النبي كثيرة، وفيها ما يحير الألباب، وكلام زغلول النجار ومحسن صالح وعبد المجيد الزنداني، وأضرابهم فيه كلام رصين مؤيد بالبرهان، ويقود علاء الدين المدرس اليوم ببغداد جناحاً إعجازياً آخر.
فهذا كله من منهج تربيتنا الدعوية، لكن ليس الإنصات لهذه العلوم، وإنما المطالعة المستوعبة لكتب كثيرة، قدح زناد البداية فيها الدكتور أحمد زكي في كتاب (مع الله في السماء)، مع مشاهدة عشرات أفلام فيديو، خاصة تلك التي صدرت عن مراكز الإعجاز، وفيديو محاضرات الإعجاز، ووسائل إيضاح علم الذرة والفيزياء، مما أنتج الغرب، مع مقتبسات مما تعرضه قنوات ديسكفري والجغرافية ...
Page 2
بسم الله الرحمن الرحيم
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات
أن لهم أجراً كبيراً.
سورة الإسراء/ 9
شكر وتقدير
باحترام بالغ أتقدم بشكري وتقديري إلى أساتذتي الأفاضل الذين لم يثنهم انشغالهم وتقدمهم في العمر من النظر في بحثي المتواضع هذا وإبداء النصح والمساعدة والتدقيق والتصحيح، فأفادوا البحث وأغنوه، بفوائد جمة، وأكملوا النقص الذي فيه، مادة ولغة وأسلوباً وتحليلاً، وعلى رأسهم.. أستاذي الفاضل الحاج وليد الأعظمي والدكتور رشيد العبيدي والدكتور خليل الحديثي والشيخ كاظم أحمد المشايخي والدكتور زياد العاني وغيرهم من الأساتذة والشيوخ الكرام، راجياً من الله أن يمد في عطائهم خدمة لدينه الحنيف وإرشادا لمن يأتي بعدهم..
انه نعم المولى ونعم النصير.
المؤلف
Page 3
المقدمة
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.. وبعد.
فإن هذه السلسلة القرآنية، هي مجموعة من الحلقات وباقة من أقباس القرآن وأثره في التاريخ والحضارة والتراث، وقد بُثت معظمها من إذاعة القرآن الكريم في بغداد منذ بداية رمضان سنة 1420 هـ، وقد قمت باختيار قسم منها لوضعه بين يدي القارئ الكريم، لما كان لها من صدى طيب وأثر عميق في قلوب المستمعين.
وقد عنيت بالدرجة الأولى بمواضيع التراث عموماً وبعض الأقباس من حلقات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، مبتدأ بموضوع أنساب الأنبياء من آل إبراهيم وأنساب العرب في عصر الرسالة وما قبله، ثم موضوع الروابط والصلات العميقة التي كانت تؤطّر حياة جيل النبوة، من أهل البيت والصحابة وأبنائهم النجباء، لاسيما الخلفاء الراشدين ومن في منزلتهم من المهاجرين والأنصار، وأزواج النبي وبناته، والصحابيات الجليلات، التي تصور لنا دور المرأة في عصر الصحابة، ثم تأتي مواضيع الإعجاز العلمي وأسلمة العلوم والحياة بالدرجة الثانية بعد استعراض سلسلة مواضيع التراث المنير لحياة أهل البيت والصحابة الكرام، يلي ذلك نظرة الغرب إلى الإسلام وتراث الأنبياء عموماً، وتسليط الضوء على بعض الزوايا المظلمة التي مثّلتها تاريخياً نزعة التعصب الأوربي تجاه العالم العربي والإسلامي، لاسيما في القرون الاستعمارية الأخيرة، وتقويم الظروف التي سادت في العالم الإسلامي، ومنها الجهل والتخلف والخرافة والفرقة والاختلاف والصراع السياسي والطائفي والعرقي التي أفرزتها قرون الفترة المظلمة من حياة الأمة، واستغلال دول الاستعمار الغربي لتلك الظروف السيئة، مما مهدّ لعصر الاستعمار والاحتلال المرير مع مطلع القرن العشرين.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن المجموعة المختارة لا تمثل إلا جزءً يسيراً من السلسلة الكاملة، آملين أن تتيح الظروف والأحوال إخراجها إلى النور ونشرها في المستقبل، سائلين المولى أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، إنه نعم المولى ونعم النصير.
علاء الدين المدرس
12 ربيع الأول 1421 هـ
Page 4
الفصل الأول
نسب آل إبراهيم والعرب القدماء
نسب آل إبراهيم
يُعدّ إبراهيم أبا الأنبياء، للدور التاريخي والديني الهام الذي قام به، وهو يبني صرح الحنيفية السمحاء وما حولها من أرض الجزيرة والعراق وبلاد الشام ومصر، ولكثرة الأنبياء من ذريته سواء من آل يعقوب أو بني إسماعيل، وهو أحد أولي العزم من الرسل، ويعد عصره عصر البشرية الثالث من الناحية الحضارية والدينية، بعد عصر آدم أبي البشر، وعصر نوح أو عصر الطوفان والبداية الثانية للبشرية كما تذكر الكتب المقدسة. ولقد كان من نسله معظم الأنبياء الساميين (أو العرب القدماء)، وقد جعل الله في ذريته الخلافة والنبوة.
ولد إبراهيم -كما تذكر التوراة- في جنوب العراق في مدينة أور جنوب بابل، وبدأ رسالته ودعوته للتوحيد مع شعب بابل في عصر أحد ملوكها القدماء الذي سبق عصر حمورابي بقليل كما يتوقع علماء الآثار وعلماء اللاهوت، ثم خاض نوعاً من الصراع مع الكهنة وعبدة الأصنام والذين يدعمهم الملك النمرود (كما يطلق عليه المؤرخون القدماء) وبعد صراعه المرير مع الوثنية والطاغوت الحاكم وبعد أن حاول النمرود أن ينفذ حكم الإعدام به، حيث ألقاه في النار، التي تحولت برداً وسلاماً على إبراهيم بمعجزة إلهية إكراماً لهذا النبي العظيم خليل الله، بعدها قرر الهجرة من العراق إلى بلاد الشام ومصر والحجاز، ماراً في طريق هجرته المباركة وسياحته في الأراضي المقدسة، التي تضم بلاد الشام والحجاز ومصر فضلاً عن العراق، بمدن عديدة شهيرة، فمن بابل ذهب إلى شمال العراق على الحدود مع تركيا الحالية إلى مدينة حرّان التي أصبحت بعد وصوله إليها من المدن القديمة الدينية المقدسة لدى البابليين والآشوريين، حتى أن نابونوئيد الملك البابلي حفيد نبوخذ نصر قد تأثر بمنهج حرّان الديني وغير دين البابليين ليقترب من التوحيد، وهاجر إلى تيماء في الحجاز بعد أن هجر بابل عشر سنوات، ويعدّ هذا الملك البابلي (اخناتون العراق) حيث حاول إصلاح الوضع الديني في بابل ونقله من الوثنية إلى التوحيد تأسياً بدين إبراهيم الخليل الذي ظهر في بابل قبله بأكثر من ألف وخمسمائة عام، ثم هاجر النبي إبراهيم من حرّان قاصداَ دمشق ثم منها إلى الخليل في فلسطين ثم ذهب إلى مصر في عهد حكامها الهكسوس من العرب الساميين أيضاً (أي من أبناء عم إبراهيم) وقد أكرم الملك المصري النبي العراقي البابلي، واستضافه وأهداه المال والجواري، ثم قفل إبراهيم عائداً إلى الخليل بالقرب من القدس الشريف، ومن فلسطين ذهب بابنه إسماعيل (أبو العرب العدنانيين) وأمه هاجر المصرية إلى الحجاز، حيث تركهم بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام في مكة المكرمة، بناءً على وحي من الله سبحانه، ليترك أهله وذريته في هذا المكان المقدس ثم عاد إلى فلسطين، ليعود بعدها مرات عديدة إلى مكة متردداً على أهله بين القدس ومكة، حتى إذا شبَّ الفتى إسماعيل وتزوج من العرب من قبيلة جرهم التي سكنت إلى جوار إسماعيل بعد أن أنعم الله عليه وعلى أمه بماء زمزم الذي تفجر من تحت أرجله وهو طفل رضيع، فعندما جاء إبراهيم في إحدى زياراته العديدة إلى بيت إسماعيل، أمره الله سبحانه أن يرفع قواعد الكعبة المشرفة وأن يعيد بنائها بالشكل الذي استمر حتى مجيء خاتم الأنبياء محمد بعد إسماعيل بأكثر من ألفي عام.
Page 5
في الحقيقة إن أقدم ما عثر عليه من المصادر الموثوقة عن تاريخ تحضُّر الحجاز هو ما تذكره المصادر العربية القديمة من أن قلب الجزيرة العربية كانت تسكنه بعض القبائل من العرب البائدة المعروفة ببني جرهم. كما نجد إن اسم العرب قد ذكر أيضاً في المصادر الآثارية والرقم والألواح الطينية فضلاً عن المصادر التاريخية، ففي عصر شلمنصر الثالث الذي حكم في القرن التاسع قبل الميلاد وفي عصر الدولة الآشورية في نينوى، قد ذكر عرب الشمال باسم عربو أو عربيا، وان الملك شلمنصر الثالث قد حاربهم وأخضعهم لنفوذه بحدود عام 853 ق.م.، ويبدو أن هذه النصوص كانت تشير إلى قبائل العرب المتاخمة لحدود الدولة الآشورية من الجنوب الواقعة في شمال الجزيرة وبادية الشام( ). ويذكر الدكتور محمد بهجت قبيسي إن أول ذكر للعرب في التاريخ القديم يرقى إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد ولكن خصوم العرب يحاولون إغفال ذلك لأسباب عنصرية ودينية .
وتذكر المصادر إن إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر قد هاجرا من فلسطين في القرن التاسع عشر ق.م. أو قبل ذلك إلى الحجاز، وتقول المصادر العربية الإسلامية القديمة إنهما قد قصدا الحجاز، وأن برية فاران المذكورة في التوراة هي جبال مكة باتفاق أهل الكتاب والمسلمين. وان إسماعيل قد شبّ بين قبيلة جرهم وأعجبهم فزوجوه إحدى بناتهم وهي رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وقد ولد لإسماعيل أثنا عشر ولداً، منهم نابت (نبيت) وقِيدار، وهما أبوا العرب المستعربة، يقول صاحب كتاب (تاريخ العرب قبل الإسلام) ما ملخصه: يؤخذ من القرائن المتقدمة إن عرب الشمال في الطور الثاني تتصل أخبارهم بأقدم تاريخ لجزيرة العرب لأن الإسماعيلية يبدأ تاريخهم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد.. والغالب إن أولئك العرب كانوا قبائل بدوية ولم ينشئوا دولاً، وكانت دول العرب الأخرى في مشارق الشام والعراق واليمن وغيرها تستخدمهم في نقل التجارة على القوافل بين ممالك ذلك العصر، ويعبرون عنهم تارةً بالإسماعيلية وتارة أخرى بني قيدار أو غيرهما.. كما تذكر التوراة هذين الاسمين للدلالة على العرب، في مواقع كثيرة، فتذكر أن قافلة من الاسماعيليين مرّوا بالصحراء جنوبي فلسطين وعثروا على يوسف في البئر، كما تذكر اسم بني قيدار في البشارات التي تخص نبي الإسلام. وعليه فإن هجرة إسماعيل إلى الحجاز حقيقة تاريخية جاءت بها الكتب المقدسة ومصادر التاريخ والآثار وتراث الأنبياء، وان فاران التي ذكرتها التوراة ليست إلا اسماً من أسماء مكة أو جبال مكة. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: إن فاران كلمة معربة ذكرت في التوراة وهي من أسماء مكة وهي اسم لجبال مكة. وتقول التوراة في سفر التثنية: وجاء الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير واستعلن من جبل فاران . إنّ مجيئه من سيناء، تكليمه لموسى وتسليمه ألواح التوراة، وإشراقه من ساعير، وهي جبال فلسطين هو إنزاله الإنجيل على عيسى واستعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد في مكة. وفي ذلك يقول تعالى في القرآن: والتين والزيتون. وطور سينين. وهذا البلد الأمين. . وفيها يذكر مواطن الرسالات الثلاث في القدس وسيناء وهذا البلد الأمين أي مكة. وفي التوراة إشارة إلى هجرة إسماعيل إلى أراضي مكة، إذ يقول: إن إسماعيل سكن وشبَّ في برية فاران.. ومن الجدير بالذكر أن التوراة أهملت إسماعيل ولم تهتم بتراثه، ولم تذكر إسماعيل بعد خروجه من فلسطين وهجرته إلى الحجاز إلا قليلاً، بعكس إسحاق ويعقوب ، فلم تُشر إلى دوره وعلاقته بأبيه بعد الهجرة إلا إشارات خفيفة، أهمها حضوره دفن أبيه في مقبرة مكفيلية في فلسطين، وتلك من خصال التوراة التي كتبها اليهود، وهي عادتها في الاختصار فيما يخرج عن تاريخ اليهود وتراثهم.
إن العرب قبل الإسلام وبعده يعتبرون النبي إبراهيم أبا العرب القدماء، وكذلك ابنه إسماعيل الذي اشتهر في إطلاق تلك التسمية عليه، وإنهما قد بنيا الكعبة المشرفة، وهو ما يؤكده القرآن الكريم، قال تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ، وتجمع المصادر الإسلامية على إن إبراهيم هو الذي بنا الكعبة، وما زال أثر قدميه محفوظاً قرب الكعبة في المكان الذي أمر الله سبحانه باتخاذه مصلى بعد الطواف حول الكعبة استذكاراً لهذا الدور العظيم الذي قام به إبراهيم يساعده فيه ابنه إسماعيل، قال تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وقال تعالى:
إنَّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم .