Page 1
أخبار الحمقى والمغفلين
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الامام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن على الجوزى الحمد لله الذى أعطى الانعام جزيلا وقبل من الشكر قليلا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا وصلى الله على سيدنا محمد الذى لم يجعل له من جنسه عديلا وعلى آله وصحبه بكرة وأصيلا وبعد فانى لما شرعت فى جمع أخبار الاذكياء وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالا يحتذى لان أخبار الشجعان تعلم الشجاعة آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أشياء الاول أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموه فحثه ذلك على الشكر أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال حدثنا على بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن شاذان قال حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد قال حدثنا عبد الله بن محمد القرشى قال حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن انه قال خلق الله عز و جل آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته
Page 2
اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الارض منهم الاعمى والاصم والمبتلى فقال آدم يا رب ألا ساويت بين ولدي قال يا آدم إنى أردت أن أشكر اخبرنا محمد بن عبد الملك قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن على الجوهرى قال حدثنا أبو عمر بن حيوية قال أنبأنا بن المرزبان قال قال حارث بن محمد سمعت محمد بن مسلم يقول تكلم رجل فى مجلس ابن عباس فأكثر الخطأ فالتفت عبد الله بن عباس إلى عبد له فقال له الرجل ما سبب هذا الشكر قال إذ لم يجعلنى الله مثلك والثانى أن ذكر المغفلين يحث المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة إذا كان ذلك داخلا تحت الكسب وعامله فيه الرياضة وأما إذا كانت الغفلة مجبولة في الطباع فإنها لا تكاد تقبل التغيير والثالث أن يروح الانسان قلبه بالنظر فى سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة فان النفس قد تمل من الدؤوب فى الجد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لحنظلة ساعة وساعة وعن حنظلة الكاتب أن النبى صلى الله عليه و سلم ذكر الجنة والنار وكنا كأنا رأينا رأى عين فخرجت يوما فأتيت أهلى فضحكت معهم فوقع فى نفسى شىء فلقيت أبا بكر فقلت إنى قد نافقت قال وما ذاك قلت كنت عند النبى صلى الله عليه و سلم فذكر الجنة والنار فكنا كأنا رأينا رأى العين فأتيت أهلى فضحكت معهم فقال أبو بكر إنا لنفعل ذلك فاتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت ذلك له فقال يا حنظلة لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندى لصافحتكم الملائة على فرشكم وفى الطريق يا حنظلة ساعة
وساعة وقال على بن أبى طالب روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فانها تمل كما تمل الابدان وقال أيضا إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان فالتمسوا لها من الحكمة طرفا وعن أسامة بن زيد قال روحوا القلوب تعى الذكر وعن الحسن قال إن هذه القلوب تحيى وتموت فاذا حييت فاحملوها على النافلة وإذا مالت فاحملوها على الفريضة وعن الزهري قال كان رجل يجالس أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ويحدثهم فاذا كثروا وثقل عليه الحديث قال إن الاذن مجاجة وإن القلوب حمضة فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم وقال أبو الدرداء إنى لاستجم نفسى ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملها وعن محمد بن اسحاق قال كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة ثم قال حمضونا فيأخذ فى أحاديث العرب ثم يعود يفعل ذلك مرارا
وعن الزهرى أنه كان يقول لأصحابه هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فان الاذن مجة والقلب حمض وقال ابن اسحاق كان الزهري يحدث ثم يقول هاتوا من ظرفكم هاتوا من أشعاركم أفيضوا فى بعض ما يخف عليكم وتأنس به طباعكم فان الاذن مجاجة والقلب ذو تقلب وعن مالك بن دينار قال كان الرجل ممن كان قبلكم إذا ثقل عليه الحديث قال ان الاذن مجاجة والقلب حمض فهاتوا من طرف الاخبار عن ابن زيد قال قال لي أبي إن كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا ثم يحدثنا حتى يضحكنا ثم يقول مرة هكذا ومرة هكذا قلت وما زال العلماء الافاضل يعجبهم الملح ويهشون لها لأنها تجم النفس وتريح القلب من كد الفكر وقد كان شعبة يحدث فإذا رأى المريد النحوى قال إنه أبو زيد استعجمت دار نعم ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار
Page 3
وقد روينا عن ابن عائشة أحاديث ملاحا فى بعضها رفث وإن رجلا قال له أيأتى من مثلك هذا فقال له ويحك أما ترى أسانيدها ما أحد ممن رويت عنه هو أفضل من جميع أهل زماننا ولكنكم ممن قبح باطنه فرأى ظاهره وان باطن القوم فوق ظاهرهم ووصف رجل من النساك عند عبيد الله ابن عائشة فقالوا هو جد كله فقال لقد أضاق على نفسه المرعى وقصر لها طول النهى ولو فككها بالانتقال من حال إلى حال لتنفس عنها ضيق العقدة وراجع الجد بنشاط وحده وعن الاصمعى قال سمعت الرشيد يقول النوادر تشحذ الاذهان وتفتق الآذان عن حماد بن سلمة انه كان يقول لا يحب الملح إلا دكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم وعن الاصمعى قال أنشدت محمد بن عمران التميمى قاضى المدينة وما رأيت فى القضاة أعقل منه يا أيها السائل عن منزلى نزلت فى الخان على نفسي يغدو علي الخبر من خابز لا يقبل الرهن ولا ينسي آكل من كيسى ومن كسوتى حتى لقد أوجعنى ضرسي
فقال اكتبه لي قلت أصلحك الله إنما يكتب هذا الاحداث فقال ويحك أكتبه فان الاشراف يعجبهم الملاحة فصل فقد بان مما ذكرنا أن نفوس العلماء تسرح في مباح اللهو الذي يكسبها نشاطا للجد فكأنها من الجد لم تزل قال أبو فراس أروح القلب ببعض الهزل تجاهلا منى بغير جهل أمزح فيه مزح أهل الفضل والمزح أحيانا جلاء العقل فصل فان قال قائل ذكر حكايات الحمقى والمغفلين يوجب الضحك وقد رويتم عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا فالجواب إنه محمول على أنه يضحكهم بالكذب وقد روي هذا في الحديث مفسرا ويل للذى يحدث الناس فيكذب ليضحك الناس وقد يجوز للانسان أن يقصد إضحاك الشخص فى بعض الاوقات ففي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال لأكلمن رسول الله لعله يضحك قال قلت لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتنى النفقة فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم
وانما يكره للرجل ان يجعل عادته إضحاك الناس لان الضحك لا يذم قليله فقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يضحك حتى تبدو نواجذه وإنه يكره كثيره لما روي عنه عليه السلام أنه قال كثرة الضحك تميت القلب والارتياح إلى مثل هذه الاشياء فى بعض الاوقات كالملح فى القدر فصل وقد قسمت هذا الكتاب أربعة وعشرين بابا وهذه تراجمها الباب الاول فى ذكر الحماقة ومعناها الباب الثانى فى بيان أن الحمق غريزة الباب الثالث فى ذكر اختلاف الناس فى الحمق الباب الرابع فى ذكر أسماء الاحمق الباب الخامس فى ذكر صفات الاحمق الباب السادس فى التحذير من صحبة الاحمق الباب السابع فى ضرب العرب المثل بمن عرف حمقه الباب الثامن فى ذكر أخبار من ضرب المثل بحمقه وتغفيله الباب التاسع فى ذكر جماعة من العقلاء صدر عنهم فعل الحمقى الباب العاشر فى ذكر المغفلين من القراء الباب الحادى عشر فى المغفلين من رواة الحديث وتصحيفه الباب الثانى عشر فى ذكر المغفلين من القضاة الباب الثالث عشر فى ذكر المغفلين من الامراء والولاة الباب الرابع عشر فى ذكر المغفلين من الكتاب والحجاب الباب الخامس عشر فى المغفلين من المؤذنين الباب السادس عشر فى المغفلين من الائمة الباب السابع عشر فى المغفلين من الاعراب الباب الثامن عشر فى من قصد الفصاحة والاعراب من المغفلين الباب التاسع عشر في من قال شعرا من المغفلين الباب العشرون فى المغفلين من القصاص الباب الحادى والعشرون فى المغفلين من المتزهدين الباب الثانى والعشرون فى ذكر المغفلين من المعلمين الباب الثالث والعشرون فى ذكر المغفلين من الحاكة الباب الرابع والعشرون فى ذكر المغفلين على الاطلاق
Page 4
الباب الاول فى ذكر الحماقة ومعناها
قال ابن الاعرابى الحماقة مأخوذة من حمقت السوق اذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت اليه فى أمر حرب وقال أبو بكر المكارم إنما سميت البقلة الحمقاء لانها تنبت فى سبيل الماء وطريق الابل قال ابن الاعرابى وبها سمي الرجل أحمق لأنه لا يميز كلامه من رعونته فصل وقد ذكرنا ما يتعلق باللغة فى هذا الاسم ولا يظهر المقصود إلا بكشف المعنى فنقول معنى الحمق والتغفيل هو الغلط فى الوسيلة والطريق الى المطلوب مع صحة المقصود بخلاف الجنون فانه عبارة عن الخلل فى الوسيلة والمقصود جميعا فالاحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد ورويته فى الطريق الوصال إلى الغرض غير صحيحة والمجنون أصل إشارته فاسد فهو يختار ما لا يختار ويبين هذا ما سنذكره عن بعض المغفلين فمن ذلك أن طائرا طار من أمير فأمر أن يغلق باب المدينة فمقصود هذا الرجل حفظ الطائر
Page 5
الباب الثانى فى أن الحمق غريزة
عن أبى اسحاق قال إ ذا بلغك أن غنيا افتقر فصدق واذا بلغك أن فقيرا استغنى فصدق واذا بلغك أن حيا مات فصدق واذا بلغك أن أحمق استفاد عقلا فلا تصدق عن أبى يوسف القاضى قال ثلاث صدق باثنتين ولا تصدق بواحدة إن قيل لك إن رجلا كان معك فتوارى خلف حائط فمات فصدق وإن قيل لك إن رجلا فقيرا خرج إلى بلد فاستفاد مالا فصدق وإن قيل لك إن أحمق خرج إلى بلد فاستفاد عقلا فلا تصدق عن الاوزاعى انه يقول بلغنى انه قيل لعيسى بن مريم عليه السلام يا روح الله انك تحيي الموتى قال نعم باذن الله قيل وتبرىء الاكمه قال نعم باذن الله قيل فما دواء الحمق قال هذا الذى أعياني قال جعفر بن محمد الادب عند الاحمق كالماء فى اصول الحنظل كلما ازداد ريا زاد مرارة قال المأمون تدرون ما جرى بينى وبين أمير المؤمنين هرون الرشيد كان لي اليه ذنب فدخلت مسلما عليه فقال أعزب يا أحمق فانصرفت مغضبا ولم أدخل اليه أياما فكتب الي رقعة يقول ليت شعرى وقد تمادى بك الهجر أمنك التفريط أم كان منى إن تكن خنتنا فعنك عفا الله وان كنت خنتكم فاعف عنىفسرت اليه فقال إن كان الذنب لنا فقد استغفرناك وان كان لك فقد غفرناه فقلت له قلت لي يا أحمق ولو قلت لي يا أرعن كان أسهل علي فقال ما الفرق بينهما قلت له الرعونة تتولد عن النساء فتلحق الرجل من طول صحبتهن فاذا فارقهن وصاحب فحول الرجال زالت عنه وأما الحمق فانه غريزة وأنشد بعض الحكماء وعلاج الابدان أيسر خطبا حين تعتل من علاج العقول
Page 6
الباب الثالث فى ذكر اختلاف الناس فى الحمق
وقد ذكرنا أن الحمق فساد فى العقل أو فى الذهن وما كان موضوعا في أصل الجوهر فهو غريزة لا ينفعها التأديب وإنما ينتفع بالرياضة والتأديب من أصل جوهره سليم فتدفع الرياضة العوارض المفسدة وبعد فان الناس يتفاوتون فى العقل وجوهره ومقدار ما أعطوا منه فلهذا يتفاوت الحمق قيل لابراهيم النظام ما حد الحمق فقال سألتنى عما ليس له حد وتلا عمر هذه الآية ما غرك بربك الكريم قال الاحمق يا رب وقال على رضى الله عنه ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش وقال أبو الدرداء كلنا أحمق فى ذات الله وقال وهب بن منبه خلق الله آدم أحمق ولولا ذلك ماهناه العيش وعن مطرف قال لو حلفت لرجوت أن أبر انه ليس أحد من الناس الا وهو أحمق فيما بينه وبين الله عز و جل وكان يقول ما أحد من الناس الا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه عز و جل غير أن بعض الحمق أهون من بعض وعنه قال عقول الناس على قدر زمانهم وكان يقول هم الناس والنسناس وأرى أناسا غمسوا فى ماء الناس وقال سفيان الثورى خلق الانسان أحمق لكي ينتفع بالعيش وأنشد بعضهم لعمرك ما شىء يفوتك نيله بغبن ولكن فى العقول التغابن
Page 7
الباب الرابع فى ذكر أسماء الأحمق
الاحمق الرقيع المائق الازبق الهجهاجة الهلباجة الخطل الخرف الملغ الماج المسلوس المأفون المأفوك الاغفك الفقاقة الهجأة الالق الخوعم الالفت الرطىء الباحر الهجرع المجع الانوك الهبنك الاهوج الهبنق الاخرق الداعك الهداك الهبنقع المدله الذهول الجعبس الاوره الهوف المعضل الفدم الهتور عياياء طباقاء فاذا كان يتجه لشىء فى أسماء كثيرة وقريب هذه الاسماء على أحمق وقيل لو لم يكن من فضيلة الاحمق الا كثرة أسمائه لكفى قال ابن الاعرابى الرقيع هو الذى يحتاج أن يرقع من حمقه وسئل بعض الاعراب ما الفرق بين الاجمق والمائق فقال الاحمق مثل المائح على رأس البئر والمائق هو مثل المائح الذى هو أسفل البئر فبينهما من الجودة فى الحماقة ما بين هذين والعرب تقول أحمق ما يتوجه الى ما يحسن أن تأتي الغائط والاخرق هو الذى يخرق الاشياء ولا يحسن لها مأتى ومن أسماء النساء ذوات الحمق الورهاء الخرقاء الدفنس الخذعل الهوجاء القرثع الداعكة الرطيئة
Page 8
الباب الخامس فى ذكر صفات الاحمق
صفات الاحمق تقسم الى قسمين أحدهما من حيث الصورة والثانى من حيث الخصال والافعال ذكر القسم الاول قال الحكماء اذا كان الرأس صغيرا ردىء الشكل دل على رداءة فى هيئة الدماغ قال جالينوس لا يخلو صغر الرأس البتة من دلالة على رداءة هيئة الدماغ واذا قصرت الرقبة دلت على ضعف الدماغ وقلته ومن كانت بنيته غير متناسبة كان رديئا حتى فى همته وعقله مثل الرجل العظيم البطل القصير الاصابع المستدير الوجه العظيم القامة الصغير الهامة اللحيم الجبهة والوجه والعنق والرجلين فكأنما وجهه نصف دائرة كذلك اذا كان مستدير الرأس واللحية ولكن وجهه شديد الغلظ وفى عينيه بلادة وحركة فهو أيضا من أبعد الناس عن الخير فان جحظتا فهو وقح مهذار فان كانت العين ذاهبة فى طول البدن فصاحبها مكار لص واذا كانت العين عظيمة مرتعدة فصاحبها كسلان بطال أحمق محب للنساء والعين الزرقاء التى فى زرقتها صفرةكأنها زعفران تدل على رداءة الأخلاق جدا والعين المشبهة لأعين البقر تدل على الحمق واذا كانت العين كأنها ناتئة وسائر الجفن لاطىء فصاحبها أحمق واذا كان الجفن من العين منكسرا أو متلونا من غير علة فصاحبها كذاب مكار أحمق والشعر على الكتفين والعنق يدل على الحمق والجرأة وعلى الصدر والبطن يدل على قلة الفطنة ومن طالت عنقه ورقت فهو صياح أحمق جبان ومن كان أنفه غليظا ممتلئا فهو قليل الفهم ومن كان غليظ الشفة فهو أحمق غليظ الطبع ومن كان شديد استدارة الوجه فهو جاهل ومن عظمت أذنه فهو جاهل طويل العمر وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم والغباوة والجهل فى الطول أكثر ومن العلامات التى لا تخطىء طول اللحية فان صاحبها لا يخلو من الحمق وقد روي انه مكتوب فى التوراة إن اللحية مخرجها من الدماغ فمن أفرط عليه طولها قل دماغه ومن قل دماغه قل عقله ومن قل عقله كان أحمق قال بعض الحكماء الحمق سماد اللحية فمن طالت لحيته كثر حمقه ورأى بعض الناس لرجل لحية طويلة فقال والله لو خرجت هذه من نهر ليبس وقال الاحنف بن قيس إذا رأيت الرجل عظيم الهامة طويل اللحية فاحكم عليه بالرقاعة ولو كان أمية ابن عبد شمس وقال معاويةلرجل عتب عليه كفانا فى الشهادة عليك فى حماقتك وسخافة عقلك ما نراه من طول لحيتك وقال عبد الملك بن مروان من طالت لحيته فهو كوسج فى عقله وقال غيره من قصرت قامته وصغرت هامته وطالت لحيته فحقيقا على المسلمين أن يغزوه فى عقله وقال أصحاب الفراسة إذا كان الرجل طويل القامة واللحية فاحكم عليه بالحمق واذا انضاف الى ذلك أن يكون رأسه صغيرا فلا تشك فيه وقال بعض الحكماء موضع العقل الدماغ وطريق الروح الأنف وموضع الرعونة طويل اللحية وعن سعد بن منصور انه قال قلت لابن ادريس أرأيت سلام بن أبى حفصة قال نعم رأيته طويل اللحية وكان أحمق وعن ابن سيرين انه قال إذا رأيت الرجل طويل اللحية لم فاعلم ذلك فى عقله قال زياد ابن ابيه ما زادت لحية رجل على قبضته إلا كان ما زاد فيها نقصا من عقله قال بعض الشعراء إذا عرضت للفتى لحية وطالت فصارت إلى سرته فنقصان عقل الفتى عندنا بمقدار ما زاد فى لحيته ومن صفات الأحمق صغر الاذن ويعرف الاحمق بمشيه وتردده وكلام الاحمق أقوى الادلة على حمقهأخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد قال بلغنى أن المهدي لما فرغ من عيسا باذ ركب فى جماعة يسيرة لينظر فدخل مفاجأة فأخرج كل من كان هناك من الناس وبقى رجلان خفيا عن أبصار الاعوان فرأى المهدي أحدهما وهو دهش لا يعقل فقال من أنت قال أنا أنا أنا قال ويلك من أنت قال لا أدرى قال ألك حاجة قال لا لا قال أخرجوه أخرج الله نفسه فدفع في قفاه فلما خرج قال لغلامه اتبعه من حيث لا يعلم فسل عن أمره ومهنته فاني أخاله حائكا فخرج الغلام يقفوه ثم رأى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلب قوي ولسان جرىء فقال من أنت فقال رجل من أبناء رجال دعوتك قال فما جاء بك الى هنا قال جئت لأنظر هذا البناء الحسن وأتمتع بالنظر واكثر من الدعاء لأمير المؤمين بطول المدة وتمام النعمة ونماء العز والسلامة قال ألك حاجة قال نعم خطبت ابنة عم لي فردني أبوها وقال لا مال لك والناس يرغبون فى المال وأنا بها مشغوف قال قد أمرت لك بخمسين ألف درهم قال جعلنى الله فداك يا أمير المؤمنين قد وصلت فأجزلت الصلة ومننت فأعظمت المنة فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه وآخر أيامك خيرا من أولها ومتعك بما أنعم به وأمتع رعيتك بك فأمر أن يعجل صلته ووجه بعض خاصته معه وقال سل عن مهنته فاني أخاله كاتبا فجاء الرسول الاول فقال وجدته حائكا وأخبر الآخر قال وجدته كاتبا فقال المهدى لم يخف علي مخاطبة الحائك والكاتبوقد روى عن معاوية انه قال لأصحابه بأي شىء تعرفون الاحمق من غير مجاورة فقال بعضهم من قبل مشيته ونظره وتردده وقال بعضهم لا بل يعرف حمق الرجل من كنيته ونقش خاتمه فبينما هم يخوضون فى حديث الحمقى إذ صاح رجل لرجل يا أبا الياقوت فدعا به معاوية فاذا رجل عليه بزة فحاوره ساعة ثم قال ما الذى على فص خاتمك فقال ما لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين فقالوا يا امير المؤمنين الامر قلت وعن الشافعى أنه قال إذا رأيت الرجل خاتمه كبير وفصه صغير فذاك رجل عاقل وإذا رايت فضته قليلة وفصه كبير فذاك عاجز وإذا رأيت الكاتب دواته على يساره فليس بكاتب وإذا كانت على يمينه وقلمه على أذنه فذاك كاتب ذكر القسم الثاني وهو المتعلق بالخصال والأفعال من ذلك ترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه ولا يخبره ومنها أنه لا مودة له ومنها العجب وكثرة الكلام قال أبو الدرداء لا يغرنكم ظرف الرجل وفصاحته وإن كان مع ذلك قائم الليل صائم النهار إذا رأيتم فيه ثلاث خصال العجب وكثرة المنطق فيما لا يعنيه وإن يجد على الناس فيما يأتي مثله فان ذلك من علامةالجاهل وقال عمر بن عبدالعزيز ما عدمت من الاحمق فلن تعدم خلتين سرعة الجواب وكثرة الالتفاتات وتكلم رجل عند معاوية فاكثر الكلام فضجر معاوية فقال اسكت فقال وهل تكلمت ومن علامات الاحمق خلوه عن العلم أصلا فان العقل لا بد أن يحرك الى اكتساب شيء من العلم وان قل فاذا غلب السن ولم يحصل شيئا من العلم دل على الحمق قال الاعمش إذا رأيت الشيخ ليس عنده شيء من العلم أحببت أن أصفعه كان عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب صديقا للوليد يأتيه ويؤانسه فجلسا يوما يلعبان بالشطرنج إذ أتاه الآذن فقال أصلح الله الأمير رجل من أخوالك من أشراف ثقيف قدم غازيا فأحب السلام عليكفقال دعه فقال عبد الله وما عليك ائذن له فنظل نحن على لعبنافادع بمنديل يوضع عليها ونسلم على الرجل ونعود ففعل ثم قال ائذن له فاذا هو رجل له هيبة وبين عينيه أثر السجود وهو معتم قد رجل لحيته فسلم ثم قال أصلح الله الأمير قدمت غازيا فكرهت أن أجوزك حتى أقضى حقك فقال حياك الله وبارك عليك ثم سكت عنه فلما أنس أقبل عليه الوليد فقال يا خال هل جمعت القرآن قال لا كانت شغلتنا عنه شواغل قال أحفظت من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ومغازيه وأحاديثه شيئا قال لا كانت شغلتنا عن ذلك شواغل قال فأحاديث العرب وأشعارها قال لا قال فأحاديث أهل الحجاز ومضحيكها قال لا قال فأحاديث العجم وآدابها قال ذاك شىء ما طلبته فرفع الوليد المنديل وقال شاهك فقال عبد الله بن معاوية سبحان الله قال لا والله ما معنا في البيت أحد فلما رأى ذلك الرجل خرج وأقبلوا على لعبهم ومن خصال الاحمق فرحه بالكذب من مدحه وتأثره بتعظيمه وان كان غير مستحق لذلك عن الحسن أنه يقول خفق النعال خلف الاحمق قلما يلبث وقال زيد بن خالد ليس أحد أحمق من غني قد أمن الفقر وفقير قد آيس من الغني وقال الاصمعى إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فى مجلس واحد فحدثه بحديث لا أصل له فان رأيته أصغى إليه وقبله فاعلم أنه أحمق وإن أنكره فهو عاقلوقال بعض الحكماء من أخلاق الحمق العجلة والخفة والجفاء والغرور والوفجور والسفه والجهل والتواني والخيانة والظلم والضياع والتفريط والغفلة والسرور والخيلاء والفجر والمكر إن استغنى بطر وإن افتقر قنط وإن فرح أشر وإن قال فحش وإن سئل بخل وإن سأل ألح وإن قال لم يحسن وإن قيل له لم يفقه وإن ضحك نهق وإن بكى خار وقال بعض الحكماء يعرف الاحمق بست خصال الغضب من غير شىء والاعطاء فى غير حق والكلام من غير منفعة والثقة بكل أحد وإفشاء السر وان لا يفرق بين عدوه وصديقه ويتكلم ما يخطر على قلبه ويتوهم أنه أعقل الناس وقال أبو حاتم بن حيان الحافظ علامة الحمق سرعة الجواب وترك التثبت والافراط فى الضحك وكثرة الالتفات والوقيعة في الاخيار والاختلاط بالاشرار والاحمق إن أعرضت عنه اعتم وإن أقبلت عليه اغتر وإن حلمت عنه جهل عليك وإن جهلت عليه حلم عليك وإن أحسنت إليه أساء إليك وإن أسأت إليه أحسن إليك وإذا ظلمته أنصفت منه ويظلمك إذا أنصفته فمن ابتلى بصحبة الاحمق فليكثر من حمد الله على ما وهب له مما حرمه ذاك قال محمد الشامى لنا جليس تارك للأدب جليسه من قوله فى تعب يغضب جهلا عند حال الرضى ومنه يرضى عند حال الغضب