Page 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ [البقرة:269]، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله - ص - الذي أوتي الحكمة وفصل الخطاب، أرسله الله بالهدى، ودين الحق، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبيّن لنا طريق الوصول إلى الله، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
وبعد:
فالفكر الإنساني قديم قدم الإنسان نفسه، ويستحيل في نظر العقل تصور حقبة من حقب التاريخ قد مرت دون أن يكون له فيها نشاط فكري، وذلك بغض النظر عن قيمة هذا النشاط والمجالات التي يصول فيها، ولعل أهم دليل يؤكد هذا أن الإنسان ومشاكله مرتبطان في الوجود، ومحاولة تفسير هذه المشاكل وتعليلها والوصول إلى الحلول السليمة لها، هي مظهر نشاط الفكر الإنساني.
ولقد حفظ لنا تاريخ الفكر الإنساني مجموعة هائلة من الآراء والنظريات في المشاكل التي طرحت على بساط البحث، كما قدم لنا المناهج التي اتخذها المفكرون وهم بصدد الوصول إلى نتائج أبحاثهم، هذا بالإضافة إلى الاستدراكات التي قدمها اللاحقون على السابقين، مما يشكل تاريخ الفكر العام، والفكر الفلسفي بوجه خاص.
والفلسفة الإسلامية تمثل حلقة في سلسلة الفكر الفلسفي العام، وفكر (إخوان الصفا) يعد لبنة أساسية في بناء الفكر الفلسفي الإسلامي، الذي يمثل شريحة هامة من شرائح الفكر الفلسفي العام. نقول هذا إذا نظرنا إلى المجهود الكبير الذي بذله (إخوان الصفا) في تأليف رسائلهم التي تمثل جانباً من جوانب الحياة العقلية في القرن الرابع الهجري أصدق تمثيل، إذ هي بما تحويه تعتبر في نظر الكثير موسوعة فلسفية ميسرة تقدم صفوة ما وصل إليه الفكر حينئذ.
وموسوعة (إخوان الصفاء) تعد من أبرز الموسوعات التي ظهرت في تاريخ الثقافة الإنسانية وأخلدها على الدهر، وأجدرها بالمباهاة، رغم أنها تعد في الصفوف الأولى من روائع المنتجات العملاقة المجهولة القيمة، المهضومة التقدير، كما يقول الدكتور (غلاب). بل هي في رأينا أنفس وأعمق وأنفع من دائرة المعارف الفرنسية الأولى، التي تباهى بها أهلها حتى رفعوها إلى السماء، ولا تزال أوداجهم تنتفخ بها حتى الآن، ونحن في غفلة مخجلة عن إحياء تراثنا المجيد.
ومن أسرار سمو موسوعة إخوان الصفا على دائرة معارف أوروبا - كما يقول الدكتور (غلاب) - أن الأولى كلها من إنتاج الخاصة المختارين، بل الصفوة الممتازين، بينما أن دائرة المعارف الفرنسية قد اشترك فيها عدد ضخم من الكُتّاب الثانويين، ومن المؤلفين الخاملين.. كما سجل ذلك الخاصة المهيمنون عليها(1).
وإخوان الصفا أصحاب فلسفة انتخابية موفقة، ذلك أنهم جمعوا في رسائلهم خلاصة ما راق لهم من علوم وآراء وفلسفات وديانات عُرفت في عصرهم، وحاولوا التوفيق بين كل هذا وبين الدين الإسلامي، فمذهبهم يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم كافة المعروضة في عصرهم. يضاف إلى ذلك الأثر الكبير الذي تركته هذه الرسائل في الفلسفة والمفكرين الذين استفادوا من هذه الرسائل استفادة كبيرة، بحيث شكلت جوانب كبيرة من مذاهب مفكرين وفلاسفة يحتلون بدورهم مكانة بارزة في تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي.
وموضوع (إخوان الصفا وفلسفتهم الدينية) ليس من الموضوعات السهلة في تاريخ الفكر الإسلامي، وذلك نظراً لما أحاط به (إخوان الصفا) أنفسهم من تستر وكتمان، لدرجة أن وصفهم أغلب الباحثين بأنهم (لغز مبهم ليس من السهل حله)، وقد كان هذا مدعاة للتناقض والتضارب في الرأي حول الكشف عن ماهيتهم، وعن جوانب فلسفتهم المختلفة.
وقد يكون هذا الغموض والتناقض كما يقول الدكتور وجيه(2) مبعث الخيفة والحذر في نفس من يتأهب لتناول فكر إخوان الصفاء بالدراسة والبحث، وفي الوقت نفسه قد يكون حافزاً ودافعاً له لكي يقدم على هذا العمل بروح الباحث الجاد، الشغوف إلى البحث والدرس والتمحيص، للوصول إلى الكشف عن هذا الغموض الذي يكتنف أعضاء هذه الجماعة، ويزيح الستار عن ماهيتهم، ويكشف عن جوانب فلسفتهم المختلفة.
ورغم الكتابات المتعددة حول جوانب فكر إخوان الصفاء، إلا أن هذا الموضوع ما زال مثاراً للجدال والبحث والاستنتاج، لما أحاطت به هذه الجماعة نفسها من تستر وكتمان، فقد يواجه الباحث في هذا الموضوع عدة صعوبات بالغة، بصدد محاولة الوصول إلى حقيقة (إخوان الصفاء وخلان الوفاء) وهل هم جماعة مستقلة أم أنهم كانوا جناحاً متطرفاً أو معتدلاً، لهذه الفرقة أو تلك؟
Page 2
فقد تضاربت آراء الباحثين قديماً وحديثاً حول حقيقة إخوان الصفاء ومذهبهم، ودورهم في الحياة الفكرية، فمنهم من ينظر إليهم نظرة شك أو عداء، ويرى أنهم دعاة هدم وتخريب(3)، ومنهم من ينظر إليهم نظرة تقدير وإعجاب، ويرى أنهم أهل إصلاح وتنوير(4).
لهذه الأسباب وغيرها أردت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع، محاولاً التعرف على الرأي الصحيح في أمرهم، وبيان حقيقة آرائهم في أهم جوانب فلسفتهم.
هذا وقد سميت هذا الكتاب (إخوان الصفاء وفلسفتهم الدينية)، وقد جاء في مقدمة وخمسة فصول وخاتمة:
أما المقدمة: فقد تحدثت فيها عن أهمية هذا الموضوع، والمنهج الذي اعتزمت السير عليه.
وأما الفصل الأول: فهو في التعريف بإخوان الصفاء.
وأما الفصل الثاني: فقد تناولت فيه قضية التوفيق بين الدين والفلسفة في فكر إخوان الصفاء.
وأما الفصل الثالث: فقد تحدثت فيه عن الإلهيات في فلسفة إخوان الصفاء.
وأما الفصل الرابع: فقد تكلمت فيه عن النبوات في فلسفة إخوان الصفاء.
وأما الفصل الخامس: فقد عقدته للحديث عن السمعيات في فلسفة إخوان الصفاء.
وأما الخاتمة: فقد تناولت فيها أهم الحقائق والنتائج التي توصلت إليها من خلال تتبعي ودراستي لهذا الموضوع.
وبعد:
فهذا ما هداني الله تعالى إليه في بحثي هذا، فإن كنت قد وفقت فذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه، وإن تكن الأخرى، فعذري أنني بشر أخطئ وأصيب، والكمال لله وحده، وحسبي أنني ما ابتغيت إلا وجه الحق والصواب.
وأخيراً ندعو الله تعالى أن ينفع ببحثنا هذا طلاب العلم والإيمان، وأن يرزقنا الإخلاص فيما نكتب ونعمل، إنه نعم المجيب.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
Page 3
الفصل الأول
التعريف بإخوان الصفاء
ويشتمل على ثمانية مباحث:
• المبحث الأول: من هم إخوان الصفاء.
• المبحث الثاني: عصرهم.
• المبحث الثالث: مكان نشأتهم.
• المبحث الرابع: أشخاصهم.
• المبحث الخامس: أهدافهم وغاياتهم.
• المبحث السادس: مراتبهم.
• المبحث السابع: رسائلهم ومصادر فلسفتهم.
• المبحث الثامن: إخوان الصفاء والتشيع.
Page 4
المبحث الأول
من هم إخوان الصفاء؟
(الصفاء والوفاء) يمكن قصرهما ومدهما، وقد استخدمهما الباحثون على الوجهين فقيل: (إخوان الصفاء وخلان الوفاء)، كما قيل: (إخوان الصفا وخلان الوفا).
وإخوان الصفاء: هم جماعة من الجماعات، تكونت من الفلاسفة والعلماء اجتمعوا في البصرة في القرن الرابع الهجري، وتعاهدوا على التماسك والتناصر والوفاء، ويعرفهم التهانوي بقوله: «هم جماعة من الأصدقاء، العقلاء، والإخوان الألباء، سلموا من الشوائب والكدورات البشرية، وتحلوا بأوصاف الكمالات الروحانية»(1).
ويقول عنهم الدكتور غلاب: هم جماعة من صفوة علماء العصر، وخاصة حكمائه الذين أحاطوا بنظريات الأقدمين، من فلاسفة الإغريق والهند وفارس، وقتلوها بحثاً وتمحيصاً، وهضموا براهينها واعتراضاتها، ونجحوا في اكتناه خفاياها وأسرارها، واستنبطوا منها آراء خاصة، أقل ما تدل عليه عندهم هو النضوج الفائق في النظر والفكر وغزارة العلم، وسعة الاطلاع، ووفرة الثقافة في جميع جوانب المعارف البشرية التي وصل إليها العالم القديم إلى عصرهم.
وفوق ذلك، فقد صفت نفوسهم من شوائب المادة، وعلت أرواحهم من علائق المنفعة فوصلوا - كما ينبئوننا في رسائلهم - إلى أسمى أوج الإخلاص والوفاء. ولما تصافت نفوسهم وتعارفت أرواحهم، تآخوا على البر والتقوى، واستقر رأيهم على أن يؤلفوا لهم هيئة علمية وأخلاقية تتعاون على نشر الثقافة العالية من: إلهيات ورياضيات وطبيعيات، وخلقيات بأسلوب أدبي سلس، لكي يتذوقه الخاصة، ولا يعسر فهمه على العامة(2).
ولما كان الأمر كذلك أطلقوا على أنفسهم اسم «إخوان الصفاء، وخلان الوفاء، وأهل العدل، وأبناء الحمد»(3). وتلك العبارة التي تشير إليها رسائلهم، وكما ارتأوها هم من وجهة نظرهم تشعر الناظر فيها من أول وهلة أنهم الأعوان على الخير كله، فإنه لا شيء من سرور الدنيا يعدل صحبة الإخوان.
ألف أولئك العلماء جماعتهم بطريقة سرية، لا يطلع عليها أحد من العامة، لأنهم آمنوا بأن فشلهم مقرون بإيضاح خطتهم، أو بإظهار أسمائهم، وكان اتجاههم إلى التكتم والمدارة كما تقول إحدى الباحثات: رد فعل لما ساد المجتمع من فساد سياسي، وصراع مذهبي، وتعصب العامة، وشغبهم وإيذائهم لكل من يعرف عنه أنه يخالف معتقدهم.
وتستطرد الباحثة قائلة: ونتيجة لهذا الفساد، كان تصورهم لمجتمع فاضل روحاني بعيد عن شغب العامة وتعصبهم، وصَلَف الحكام وفسادهم، مجتمع روحاني فاضل لا مكان فيه للمنازعة والخلاف والاختلاف بين الفقهاء والعلماء، ولكي يكون لديهم هذا المجتمع الفاضل فلا بد من ضم أفراد جدد إليه، يجتمعون فيه على القدس والطهارة، فاتجهوا إلى الشباب السالم الصدور على أمل إعدادهم ليكونوا رجالاً عاملين في دولة الخير، وهذا الإعداد يكون بتعليمهم العلوم التي رآها الإخوان محققة لغرضهم، وتهذيب أرواحهم، فيتدرج في مراتبهم(4).
فإخوان الصفاء جماعة من الفلاسفة المتخيرين، تخيروا من كل دين ومذهب ما ناسب عقليتهم، ويتلاءم مع ظروفهم ويخدم أهدافهم، إذ يأملون في حياة أفضل ومجتمع أكمل، وحيث الرئاسة فيه عالمة، ولما كان النبي (ص) هو الرئيس المثالي في نظرهم، فإن الذي يحل محله في رئاسة المجتمع الفاضل مجموعة من العلماء، توافر فيهم صفات النبي (ص)، حيث توجد في كل واحد منهم صفة أو شرط من الشروط، وباجتماعهم تجتمع هذه الشروط والصفات، ويصبح لهذه الجماعة العالمة الفاضلة سياسة المجتمع الفاضل(5).
وهذا يذكرنا بقول المعلم الثاني (أبي النصر الفارابي) وهو بصدد الحديث عن صفات رئيس المدينة الفاضلة: «فإذا لم يوجد إنسان واحد اجتمعت فيه هذه الشرائط، ولكن وجد اثنان، أحدهم حكيم، والثاني فيه الشرائط الباقية، كانا هما رئيسين في هذه المدينة، فإذا تفرقت هذه في جماعة وكانت الحكمة في واحد، والثاني في واحد، والثالث في واحد، والرابع في واحد، والخامس في واحد، والسادس في واحد، وكانوا متلائمين، كانوا هم الرؤساء الأفاضل»(6).
Page 5
تسميتهم بإخوان الصفاء:
إن كلمة إخوان الصفاء تعني أصدقاء المودة. وكان إخوان الصفاء يتوددون إلى الناس بهذا المعنى، ليكتسبوا كثيراً من الأنصار(7).
وقد حدثنا (ديبور) في دائرة المعارف الإسلامية، نقلاً عن (جولدزيهير): أن هذه الجماعة قد أخذت اسمها من قصة (الحمامة المطوقة)، في كتاب (كليلة ودمنة)، لأن هذه القصة فضلاً عن أنها اشتملت على عبارة (إخوان الصفاء) نفسها، قد احتوت من الغيرية والتضحية ما اشترطته هذه الجماعة في الصداقة(8).
فكما نرى الحمامة في القصة تطلب إلى الجُرز أن يقطع شباك صديقاتها قبل شبكتها، وتقدم نجاتهن على نجاتها، نرى (إخوان الصفاء) يقولون عن الصداقة: «فإذا أسعدك الله يا أخي بمن هذه صفته، فابذل له نفسك ومالك، وقِ عرضه بعرضك، وافرش جناحك، وأودعه سرك، وشاوره في أمرك، وداو برؤيته عينيك، واجعل أنسك إذا غاب عنك ذكره، والفكر في أمره، وإن هفا هفوة فاغفرها له، واذكر من سالف إحسانه عند إساءته ليأنس بك، ويأمن من غائلتك، فإن ذلك أسلم لوده، وأدوم لإخائه»(9).
والذي يرجح هذا الرأي أن الإخوان على ضنهم بذكر الكتب التي اعتمدوا عليها أو تأثروا بها يشيرون في مواضع متعددة إلى كتاب (كليلة ودمنة) هذا، بل إنهم اتجهوا إلى السير على طريقته في الرمز، حيث جعلوا الحيوانات وغيرها ينطق بما يريد قوله (إخوان الصفاء) من آراء.
ومن الممكن القول: إن اتخاذهم هذا الاسم إنما كان للدلالة على ما يسود بينهم من علاقات طيبة صافية، وتعاون وتآزر وتآخٍ، يحققون به هدفهم الذي يسعون إليه(10).
وقد أطلق إخوان الصفاء على أنفسهم هذه التسمية ليظهروا أمام الناس أنهم أوفياء مخلصون، فهم يرددون قول: «هلم يا أخي إلى إخوان لك نصحاء»(11). ويصفون أنفسهم بصفات أربع ترغيباً لغيرهم هي: (إخوان الصفاء، وخلان الوفاء، وأهل العدل، وأبناء الحمد). فماذا تعني هذه الصفات؟
عبارة (إخوان الصفاء):
يعلق إخوان الصفاء أنفسُهم أهمية عظمى على فكرة (الإخوة)، ويجعلون منها أساساً للصلة والمحبة وعماداً لصلاح البلاد، وذلك بقولهم: «الصداقة أُسُّ الأخوة، والأخوة أس المحبة، والمحبة أس إصلاح الأمور، وإصلاح الأمور صلاح البلاد»(12).
ومن يطالع رسائل (إخوان الصفاء) يلاحظ من أول وهلة وبدون عناء أن هذه الرسائل مفعمة بالعبارات التي تتحدث عن الأخوة، إذ لا تخلو أي رسالة من عبارة: «اعلموا أيها الإخوان»، أو «أيها الأخ البار الرحيم»، أو «اعلم يا أخي»(13).
وها هم يدعون الأخ للانضمام إلى جماعتهم بقولهم: «فهل لك يا أخي أن ترغب في صحبتهم، وتسلك طريقهم، وتطلب منهاجهم، وتتخلق بأخلاقهم، وتسير بسيرتهم، وتنظر في علومهم، لتعرف مذهبهم، وتعتقد رأيهم، وتعمل مثل عملهم، لعلك تحشر معهم وتفوز بمفازتهم»(14).
بل إن إخوان الصفاء كانوا أول من نادى بفكرة (الأخوة) غير المقيدة، متجاوزين بذلك فكرة (الأخوة) القائمة على أساس الدين فقط، معتمدين في ذلك على تصورهم بأن جوهر الأديان كلها جوهر واحد، ولا تعدو شرائع الأنبياء كونها أوامرَ ونواهيَ، وأحكاماً وسنناً تختلف بحسب اختلاف أهل كل زمان.
وفي إطار تصورهم هذا كان الإنسان الفاضل عندهم هو الذي يجمع خصالاً ومناقب من أمم متعددة، وأديان مختلفة، فيصفون الأخ الكامل، أو الإنسان الفاضل بأنه هو «الفارسي النسب، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة»(15).
Page 6
وهذا يؤكد أن مفهوم الأخوة عند (إخوان الصفاء) قائم على عوامل أخرى غير عامل الدين أو العرق، كما يؤكد أن (إخوان الصفاء) فئة من المثقفين، التقوا حول قيم تعبر عن المكونات الحضارية للمجتمع في عصرهم، التي هي مزيج من ميراث العرب الأصيل، والثقافات الأجنبية.
وقد لازمت فكرة الإخاء هذه كافة الحركات الثورية في المجتمع الإسلامي، وكان المقصود من فكرة الإخاء في هذه الحركات إزالة الأسباب التي تؤدي إلى انقسام الناس إلى طبقات متعادية متطاحنة، والعمل على قتل عوامل العداوة والبغض، وتقوية أواصر المحبة والإخاء الحقيقي بينهم، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية(16).
هذا عن كلمة (إخوان)، أما عن كلمة (الصفاء) فقد أشار إليها إخوان الصفاء في رسائلهم بأنها تعني النقاء والصفاء من شوائب التغيير والاستحالة، وأن من عدم هذه الصفة لا يكون من إخوان الصفاء، فيقولون: «واعلم يا أخي، أيّدك الله تعالى، أنه لا سبيل إلى صفاء النفس إلا بعد بلوغها إلى حد الطمأنينة في الدين والدنيا جميعاً.. ومن لا يكون كذلك فليس هو من أهل الصفاء، لأنه لو كان من أهل الصفاء، لكان له بصفائه عمن دونه الغنى. واعلم يا أخي أن حقيقة الصفاء أيضاً هي: أن لا يغيب عن النفس الصافية الزكية شيء من الأشياء التي بها الحاجة إليها، لما قد بليت به من مداواة هذا الجسم من مقاساته، وبالصفاء تتهيأ لها الراحة منه والبُعد عنه، بحيث لا تكون نازلة عليه ولا مشتاقة إليه»(17).
ويقولون في موضع آخر: «فلا تنكر أيها الأخ ما ذكرنا، من أن الزمان لا يدوم بصفائه، إن الصفاء إنما يُعرف بالكدورة، والعدل بالجور، والصحة بالسقم، وإنما صفاء إخوان الصفاء لما أخلصوا الصبر على البلوى في السراء والضراء، واستسلموا لربهم، وانقادوا إليه بنفوس طيبة ساكنة مطمئنة»(18).
فإخوان الصفاء يذكرون إذن صراحة أن اسمهم مأخوذ من صفوة الأخوة، وهم بذلك يعطون أنفسهم أوصافاً يدل ظاهرها على أنهم الصفوة المختارة في الأخوة والصحبة التي يريدونها.
عبارة (خلان الوفاء):
خلان: جمع خليل، والخليل: هو الذي أصفى المودة وأصحها، ومنه قوله تعالى: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [النساء:125]، أي أحبه محبة لا خلل فيها، والخليل: الحبيب والصديق(19).
وأما عن كلمة (الوفاء)، فهي ضد الغدر، والوفيُّ: هو الذي يعطي الحق ويأخذ الحق، كما أنها تعني الخلق الشريف، فلا شك إذاً أنها وثيقة الصلة بالصفاء(20).
وبهذا يتضح لنا من ظاهر عبارة (إخوان الصفاء وخلان الوفاء) وهو الاسم الذي اختير من قِبَل (الإخوان) ليكون رمزاً لهم عن غيرهم من سائر الجماعات، أنهم جماعة صفت نفوسهم من شوائب المادة، وعلت أرواحهم من علائق المنفعة، فوصلوا إلى أسمى أوج الإخلاص والتآخي والوفاء، ولما تصافت نفوسهم وتعارفت أرواحهم، تآخوا على البر والتقوى. وقد وصفهم أبو حيان التوحيدي بقوله: «وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة»(21).
كما أن وصفهم لأنفسهم يؤكد أن الاسم الذي اختاروه لجماعتهم إنما هو للدلالة على ما يسود بينهم من علاقات صافية في السراء، ووفاء عند الوقوع في الشدائد والمحن، إذ يرون أنهم إخوان وأصدقاء أصفياء، وادون محبون، علماء، أخيار فضلاء، وكرام حريصون متعاونون(22).
ويبدو أن هذا الاسم يشير - أيضاً - إلى نشأتهم، وإلى هدفهم، لقد عقدوا العزم على أن العلم والمعرفة للإنسان.
Page 7
المبحث الثاني
عصرهم
اختلفت آراء المؤرخين والباحثين حول تحديد العصر الذي ظهرت فيه جماعة إخوان الصفاء. ويمكن حصر هذه الآراء في اتجاهين:
الاتجاه الأول:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن إخوان الصفاء ظهروا في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي(1). فهناك شبه اتفاق على أن القرن الرابع بكل مميزاته الفكرية والثقافية خاصة، هو أنسب القرون وأكثرها ملاءمة لظهور هذه الجماعة بكل ما تميزت به - أيضاً - هذه الجماعة من مميزات جعلتها تختلف عن غيرها.
وهذا الاتجاه له في تصوره هذا أدلة وبراهين نذكر منها:
1- الظروف السياسية مواتية ومواكبة لظهورهم، وخاصة عندما آلت مقاليد الأمور في الدولة العباسية (لأحمد بن بويه) الشيعي 334هـ، فتشجعوا بتوليه الخلافة، وأظهروا ما كان خافياً.
2- ما أورده أبو حيان التوحيدي، من أنه حمل عدة من الرسائل إلى شيخه أبي سليمان المنطقي السجستاني عام 373هـ، حين تولى صمصام الدولة ملك العراق. ويستدل من ذلك أن جماعة إخوان الصفاء كانت قد استكملت تنظيمها في هذا الوقت، وأن الرسائل كانت قد دونت وانتشرت في الأسواق، وتداولتها أيدي القراء(2).
3- ربط أحد الباحثين ظهور هذه الجماعة بوفاة (الفارابي) (3) حيث يقول: «لم يكد يمضي على موت الفارابي ثلاثون سنة، حتى هبّ جماعة من صفوة علماء العصر، وخاصة حكمائه الذين أحاطوا بنظريات الأقدمين من فلاسفة الإغريق والهند وفارس، وقتلوها بحثاً وتمحيصاً، وهضموا براهينها واعتراضاتها، ونجحوا في اكتناه خفاياها وأسرارها... إلخ»(4).
فالقرن الرابع الهجري يعتبر بحق قمة الرقي الفكري والنضوج العقلي بالنسبة للحضارة الإسلامية، إذ أتيح فيه نتاج الحركة العلمية الناهضة في القرن الثالث، وكان محتوى الرسائل ترجمة لمظاهر هذه النهضة، ذلك أن عملية المزج والتوفيق بين الدين والفلسفة التي لجأ إليها الإخوان تحتاج إلى هضم الثقافات السابقة والتخير منها، ثم إخضاعها للآراء الدينية التي تتلاءم معها، بل وأيضاً محاولة تطويع النصوص المقدسة لتتلاءم مع الآراء الفلسفية الوافدة. ولم يكن إخوان الصفاء أول من سار في هذا الاتجاه التوفيقي، بل كان هناك من سبقهم إليه مثل (أبو نصر الفارابي)، ويعتبر الإخوان قمة هذا الاتجاه، لذلك يعتبر القرن الرابع أنسب القرون لنشأتهم، وأجدرها بظهور إنتاجهم الفكري(5).
Page 8
الاتجاه الثاني:
وأصحاب هذا الاتجاه(6) يرون أن جماعة إخوان الصفاء يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين، ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه انتساب إخوان الصفاء للإسماعيلية، وصلتهم الوثيقة بها، وقدمهم بالانتساب إليها، وعراقة أصلهم بمعرفة أصولها وتعاليمها، واعتبارهم من المؤسسين للفلسفة الإسماعيلية ورسالتها.
ويستند أصحاب هذا الرأي في التدليل على رأيهم هذا على أمور منها:
1- ما ذكره بعض المؤرخين والباحثين، وبعض دعاة الإسماعيلية من علاقة إخوان الصفاء بالحركة الإسماعيلية، أمثال (كازانوفا) و(دي فروميري) و(ماكدونالد) و(عبداللطيف الطيباوي)، وخاصة الداعيين الإسماعيليين اليمنيين (إبراهيم بن الحسين الحامدي) والشيخ (إبراهيم السيفي).
2- ما جاء في بعض المخطوطات الإسماعيلية الحديثة الاكتشاف، من أن الرسائل وضعت بمعرفة احد أئمة الإسماعيلية المستورين أو بعض دعاته، وذلك في عهد الخليفة المأمون (197-218هـ) (7).
وإذا كانت الدلائل تدل على تحديد عصر (الإخوان) بالقرن الرابع أو الثالث، فليس شرطاً أن يكون هذا زمن تكونها، وليس هناك ما يمنع أن تكون قد وُجدت قبل ذلك بزمن طويل، فإن ما ذكره أصحاب الاتجاهين يدل فقط على تاريخ كتابة الرسائل، لا على تاريخ نشأة (الجماعة)، إذ يجب التفريق بين إخوان الصفاء بصفة عامة، وبين مؤلفي الرسائل بصفة خاصة، فلم يكن كل عضو بالجماعة مؤلفاً بالضرورة.
ويدل على ذلك ما ذكره أحد الباحثين من أن بذور هذه الجماعة قد نبتت أيام جعفر الصادق (80-148هـ) وهو الإمام السادس لدى الإسماعيلية. «فليس ببعيد أن تكون جمعية إخوان الصفاء من بذور مدرسة الصادق، كما أنه ليس ببعيد أن تكون قد نشأت في أيامه، وقد ادعى الإسماعيلية أن التأويل والستر منسوبان إلى جعفر الصادق، ولا يمكن أن تكون فترة الستر قد تكونت دفعة واحدة، بل كانت نتيجة لعوامل كثيرة. وقد أشار إخوان الصفاء إلى أن من أسباب اختفائهم ما كان قد وقع بكربلاء لآل البيت ومعلوم أن موقعة كربلاء كانت عام 60هـ»(8).
ويرجح الدكتور حجاب - في مؤلفه الفلسفة السياسية عند إخوان الصفاء - أن هذه الجماعة قد ظهرت في القرن الثالث الهجري حيث يقول: إنه من المرجح أن جماعة الإخوان ومن ثم رسائلهم ظهرت وتطورت خلال القرن الثالث الهجري، وإن بدأت قبله بقليل. وهذا هو ما اتجه إليه الدكتور عز الدين فودة أثناء مناقشة وتحقيق ذلك، استناداً إلى ما هو منطقي وطبيعي من ظهور جماعة إخوان الصفاء على مراحل باعتبار أن هذه الجماعة - شأنها شأن أي دعوة اجتماعية أو سياسية وسرية بصفة خاصة - كانت تعمل على التطور والانتشار خفية، متوائمة في ذلك مع ظروف كل مرحلة من المراحل، وعلى ضوء مدى انتشار الدعوة.
ويؤيد هذا ما ذهب إليه (بندلي جوزي) من أن المبادئ الأساسية للإسماعيلية - وإخوان الصفاء منهم - والمسائل الاجتماعية التي كانت تحوم حولها أفكارهم، لم تظهر في يوم واحد، ولم تبقَ على حالها مدة طويلة، بل إنها كانت تتطور تبعاً لمطالب الزمن وظروفه ولتطور زعماء الحركة الإسماعيلية العقلي والأدبي، فهي والحالة هذه قد قطعت كسائر أنظمتهم أدوراً عديدة، واجتازت مراحل كثيرة، وهي تنمو وتتكيف إلى أن اتخذت لنفسها صورة نهائية، هي الصورة التي يعرفها بها أكثر الكتبة المتأخرين.
ومن ثم فنحن أمْيَل إلى القول بظهور جماعة الإخوان في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين، وأن رسائلهم بُدِئ في تحريرها منذئذ، ولكن ربما لم تأخذ شكلها الحالي، بل ربما لم تأخذ اسمها أيضاً حتى أوائل القرن الرابع الهجري(9).
ومهما يكن من أمر فإن جماعة الإخوان جماعة متناسقة لها مبادئها وأهدافها، ولها مؤلفاتها ورسائل إنتاجها العقلي، ظهرت وتطورت وانتشرت خلال فترات ومراحل، باعتبار أن هذه الجماعة شأنها شأن أي دعوة سرية كانت تعمل على التطور والانتشار خفية، متوائمة في ذلك مع ظروف العصر، وكل مرحلة من المراحل.
فإذا كان أصحاب هذين الاتجاهين قد حددا عصر جماعة الإخوان بالقرن الثالث أو الرابع الهجريين، فليس شرطاً أن يكون هذا زمن تكونها، وليس هناك ما يمنع أن تكون قد وجدت قبل ذلك بزمن طويل، فإن ما ذكره أصحاب الاتجاهين يدل فقط على تاريخ كتابة الرسائل لا على تاريخ نشأة الجماعة.
فالزمن الذي نشأت فيه جماعة الإخوان إذن لا يمكن تحديده بدقة تامة، غاية الأمر أن رسائله وجدت في القرن الرابع، والنصف الثاني منه على الخصوص، نظراً لما ذخر به هذا القرن من أسباب وعوامل تساعد على وجود مثل هذا اللون من الإنتاج الفكري، وتفرض الاتجاه إلى السرية الذي عمد إليه إخوان الصفاء، يؤيد هذا ما ذكره (أوليري): «من أن دائرة معارف إخوان الصفاء التي تضم العلوم والفلسفة، عُرفت بين الناطقين بالعربية في القرن الرابع الهجري»(10).
Page 9
المبحث الثالث
مكــان نشـأتهــم
كما اختلف الباحثون حول العصر الذي نشأت فيه جماعة الإخوان، اختلفوا كذلك حول مكان نشأتهم. فالبعض يرى أنها ظهرت في البصرة، ليسهل اتصالهم بكثير من أصحاب المذاهب، حيث كانت هذه المدينة أقدم المدن تأثراً بالفكر اليوناني، وأقربها من روافده، والروافد الشرقية المختلفة، وجدت بيئة علمية تغص بالعلماء والأدباء والشعراء والمتكلمين، وأهل الديانات والفلسفات المختلفة، فأتاحت لإخوان الصفاء أن ينهلوا من منابع الفكر المتعددة، والتي انعكست في تفكيرهم ورسائلهم، وفي هذا الموقع الجغرافي التي صبت فيه كافة الآراء، بل اختلطت وتطاحنت أيضاً، إلى جانب ما يسمح به من سهولة اللقاء مع الغير وحرية الرأي، فمن المتوقع أن يظهر أمثال (إخوان الصفاء) ويتخذوها مقرهم الرئيسي، ومنها تمتد وتنتقل دعوتهم إلى أنحاء البلاد(1).
وقد اعتمد هذا الفريق في رأيه هذا على عدة اعتبارات منها:
أ- ما ذكره أبو حيان التوحيدي في معرض حديثه عن (زيد بن رفاعة) - الذي ظن أنه أحد مؤلفي رسائل الإخوان - «وقد أقام في البصرة زماناً طويلاً، وصادف بها جماعة لأصناف العلم، فصحبهم وخدمهم»(2). وأيضاً ما ذكره (ابن النديم) من أن (العوفي) وهو أحد أعضاء الجماعة، قد أقام بالبصرة(3).
ب- أن البصرة كانت حاضرة علم قديمة، نشأ فيها عدد من الحركات السياسية والعلمية والفكرية والروحية. فهي كما يقول الدكتور الدسوقي: منذ أسست في عهد الخليفة الثاني الفاروق (عمر بن الخطاب) (رضي الله عنه) وهي تمثل عاصمة الإسلام في العلم، ومحط كثير من رجال الفِرَق الدينية المتعددة، ففيها ظهر المرجئة والقدرية، وفيها نشأ الحسن البصري، وواصل بن عطاء زعيم المعتزلة، وفيها ظهر النَّظَّام(4) الذي خلط الدين بالفلسفة، وفيها قام عبدالله بن ميمون القداح بفتنة القرامطة، وفيها قام أبو الحسن الأشعري يتنصل من الاعتزال ويدافع عن عقائد أهل السنّة، وكان بالبصرة حلقات للعلم من كل فن(5).
وإذا كانت المصادر تكاد تجمع على أن البصرة هي مكان نشأتهم، فإن ما عُرف عن البصرة والكوفة منذ القرن الأول للهجرة يؤيد هذا، إذ لم تكن هناك مدينة أخرى تستطيع منافستهما في مكانتهما العلمية. ذلك أن الاهتمام بالبحث والدراسة بدأ فيما بين النهرين، وخاصة في البصرة، وبصورة أقل في الكوفة(6).
ومن المعروف أنه قامت في البصرة والكوفة منذ العصر الأموي حركة فكرية قوية عمادها القرآن وما يتصل به من علوم دينية ولغوية، ثم ما لبثت هذه الحركة أن امتدت لتشمل الفقه والحديث والفلسفة، وكانت هذه الحركة الفكرية متأثرة إلى حدٍّ كبير بالآراء اليونانية التي تسربت إلى هاتين المدينتين نتيجة لقربهما من الحيرة معقل النساطرة(7).
فالبصرة كانت مركز الفكر الإسلامي، لأن موقعها الإستراتيجي مناسب، لأنها أقرب مدينة عربية إلى الأهواز ففارس، فهي تقع على باب الصحراء التي فرّ إليها كل مخالف للنظام القائم، أو خارج عليه، فيسهل على من فيها التعبير عن آرائه أكثر مما لو كان في مقر الخلافة.
وهي لهذا كانت ملتقى رجال الشرق الوثني من فرس وهنود وديلم برجال الإسلام، ففيها التقت (المانوية) و(الزرادشتية) و(البرهمية) و(الصابئة) و(الدهرية)، وغيرها من الديانات القديمة التي غزاها الإسلام بسهولته وقربه إلى الفطرة الإنسانية(8).
وقد يكون توفر هذه الصفات سبباً في اختيار جماعة الإخوان للبصرة مكاناً لإقامتهم، إذ إنها تساعد على استتارهم وهروبهم إن اكتشف أمرهم، وتمكنهم أيضاً من بث دعواهم ونقلها إلى داخل العالم الإسلامي من خلال الحركة العلمية التي تموج بها البصرة، فهي موطن رجال الفكر والفلسفة، والدراسات العقلية واللغوية، وحيث كانت البصرة مركزاً للفكر الإسلامي الناهض، وذات موقع إستراتيجي مناسب، اتخذها الإخوان مركزاً لهم، ومن هذا المركز الحيوي انتشرت دعوتهم التي حملها أتباع مخلصون في كافة أنحاء الدولة الإسلامية(9).
Page 10
لهذه الأسباب قرر البعض أنه ليس ببعيد أن تكون جماعة الإخوان قد اختارتها منشأً أو مركزاً لها، لا سيما وهي مع بُعدها عن بغداد - عاصمة العباسيين - كانت على صلة متينة بسائر الحواضر الأخرى، هذا علاوة على أن الحركات غير الموالية عادةً ما تنشأ في حواضر آهلة بعيدة عن قلب البلاد(10).
ويرى فريق آخر أن مركز دعوة إخوان الصفاء، وبداية نشأتهم كحركة سرية كان بمدينة (سلمية) بالشام، ثم بعد ذلك تأسست فروع الجمعية في مختلف أنحاء البلاد - على أساس أن الأئمة المستورين - وإلى أحدهم تنسب رسائل الإخوان - كانوا يعتبرون (سلمية) مركز حركتهم.
وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على المخطوطات التي اكتشفت حديثاً، والتي تشير إلى أن الأئمة المستورين من أبناء إسماعيل بن جعفر كانوا ينتقلون سراً داخل البلاد، وكانت جميع تنقلاتهم تنتهي إلى مدينة (سلمية)، كل هذا علاوة على أن هذه المخطوطات تشير إلى أن إخوان الصفاء قد وضعت أو صنفت في عهد هؤلاء الأئمة(11).
وقد رجح الدكتور (حجاب) أن يكون جماعة الإخوان قد اتخذت من مدينة (سلمية) بالشام مركزاً رئيسياً لها، واتخذت لها فروعاً في مختلف البلدان والأقاليم، إذ بالإضافة إلى المخطوطات التي أشار إليها أصحاب الاتجاه الثاني، فإن الظروف السياسية للشام - في العصر الأول العباسي وأوائل العصر الثاني - تجعله مكاناً مناسباً لظهور جماعة إخوان الصفاء واتخاذه مقراً رئيسياً لحركتهم.
ويستطرد الدكتور حجاب قائلاً: «إذ إن اشتراك العلويين وأهل الشام في بغض وكراهية الدولة العباسية قد يكون دافعاً لتشجيع أئمة الإسماعيلية على اتخاذ (سلمية) بالشام مركزاً رئيسياً لدعوتهم السرية، هذا بالإضافة إلى بُعدها عن عاصمة الخلافة، والمدن الرئيسية، مما يجعل هؤلاء الأئمة في مأمن من عيون بني العباس»(12).
وبعد استعراضنا لبعض الاتجاهات التي قيلت حول المكان الذي ظهرت فيه جماعة الإخوان، نرى أنه ليس في الآراء التي قيلت رأي أولى بالترجيح من الآخر، لأن الإخوان ينتمون لفرقة الباطنية، وهي فرقة بطبعها كثيرة الترحال، فلا مانع من أن تكون منتشرة في بيئة العراق كلها، وفي مدينة (سلمية) بالشام، يؤيد ذلك ما ذكره (ابن النديم) عن عبدالله بن ميمون أحد مؤلفي الرسائل من أنه سار إلى البصرة، وهرب إلى سلمية، ثم إلى عسكر مكرم، ثم داران، ثم البصرة مرة أخرى(13).
وهذا دليل على مدى انتشار أتباع الجماعة وأنصارها في مختلف الأقاليم، ويترتب على هذا الانتشار أن تكون في هذه الأقاليم مراكز للدعوة، يتلقى الأتباع من خلالها تعليمات وأوامر وتوجيهات المركز الرئيسي للدعوة، ويرسلون لهذا المركز من خلاياهم المحلية ما تجمع لديهم من معلومات.
وبهذا نستطيع أن نقرر أن مدينتي (البصرة) و(سلمية) كانتا تمثلان المركز الرئيسي لدعوة الإخوان، مع القول بأنها كانت منتشرة في أنحاء متفرقة من أجزاء العالم.