eKtab
EN ع
أكواخ الظلام
Read free sample

أكواخ الظلام

by عبدالله بن علي السعد

Page 1

شكر

كثيرون من يستحقّون الشكر..

- زوجتي هنادي التي عملت على تحديد الفواصل.

- أختي أماني لتصميمها الغلاف.

- الدكتورة زينب كردي على مراجعتها لنصوص المجموعة.

- كل قارئ اهتم وسأل..

- وكل قلب عاش وتفاعل..

- إلى أمي لتشجيعها المتواصل لي..

- وإلى أخي أحمد لوجوده إلى جانبي. إهداء

إلى بناتي وأبنائي..

أهدي هذا العمل.

Page 2

همسة ود

ما الذي تريده أيها القارئ؟

ما هو بعد النص القصصي لديك؟

الذين قاموا بالتنظير لهذا الفن لم يتفقوا.. ولا أرى أنني ملزم بنتيجة حوارهم.. فأنا هنا وحدي.. أحمل قلمي، أوراقي، حقيبتي، مشاعري، تجاربي، ونزفي. ارحل معي إن شئت.. أو فانظر إلى المكتبة العربية فستجد ألف كتاب وكتاب يمكنك أن تستبدلني به..

سألني الكثيرون عن أسلوبي في الكتابة، معظمهم لم يكن معترضاً بل معجباً، ولكن بعضاً منهم كان يريدني أن أغير أسلوبي، وليس سراً قارئي العزيز بأنني لا أتكلف الكتابة، وأن ما أكتبه يأتي لوحده دون عناء.

أنا شاهد على أحداث الحياة من حولي، ولكنني أسجل ما أراه، وأدونه في وقت ما؛ الأفكار هي من يتحكم في الوقت، حتى الزمن لا أملكه مع كتاباتي. ربما أكتب في ساعات الصباح الأولى، ربما في الظهيرة، ربما في المساء، وربما أستيقظ من نومي لأن فكرة أقلقتني وأيقظتني وهي تحاول أن ترى النور.

المشاعر الصادقة هي تلك التي تأتي دون تكلف، الفرح، الحزن، الحب، البغض، الألم، الانشراح، كل شيء يأتي لوحده بناءً على معطيات يعيشها الأبطال، وهي كذلك في تدويني، أرى الابتسامة على ملامح البطل، ولكنني أقرأ الألم في أعماقه فأكتب عنه، ولذلك يبكي القارئ على ضحكات أبطال القصة.

كلنا أبطال في الحياة عزيزي القارئ، كل واحد يعيش دور بطولة ما في مكان ما وزمن ما.. بل وفي عين شخص ما. ولكن تتفاوت المواقف، بعض البطولات تستحق التدوين، فيما بعضها الآخر يخجل صاحبها من ذكره. دور البطولة هو الدور الذي تدور أحداثه حول إنسان ما، يتحكم في معطياته، أو يتأثر بكل جزئياته.. ذاك ما أسميه البطل.

ككاتب عليّ مسؤولية لا تقل عن مسؤولية البطل، وهي تصوير الموقف بأبعاده المختلفة (المكان، الزمان، المشاعر، الأشخاص، والحدث نفسه)، وعرض الفكرة في قالب يضمن توضيحها وفهمها، والاستعداد لموجات إعجاب أو حزن أو اعتراض قد تأتي نتيجتها. وفي الغالب فكل أبطالي لايعلمون بنيّتي في الكتابة، بل ولا أخفيك، قارئي العزيز، أنني لا أعلم كذلك متى سأكتب، ولمن، وأين، فكما قلت لك هي الأحداث والأفكار من يتحكم في الوضع.

Page 3

بالرغم من عملي الإداري إلا أن الإنسان في داخلي يتهم بالكتابة عن الحزن، ولم تشفع لي مقالات الإدارة والتأملات في إظهار صورة المنطق والجدية في شخصيتي وطرحي، أحب أن يقال عني بأنني إنسان، ولكن أحب أن تذكر صفاتي الأخرى ولا يتعامل القارئ مع جانب دون آخر. وبالرغم من نشر مقالاتي الإدارية والتأملية، فالوصف هو أول ما يذكر في حواري مع القراء. باستثناء المذكرات التي يتعجب كثيرٌ من الناس أن تصدر عن تجربة في مثل سني، دون أن يراعوا الظروف التي عشتها قبل وأثناء الكتابة، وابتعادي واستقراري، واختياراتي التي لم ترق لبعض من حولي فابتعدت عنهم قبل أن يقرروا الابتعاد عني. وحدها المذكرات لفتت النظر إلى جوانب فكرية جديدة في أطروحاتي. واشتركت الأعمال في الأبعاد التربوية، والعلاج الإنساني، والعرض البسيط الممتزج مع إيجابيات البشر وسلبياتهم.

الحديث عن البيئة الصحراوية لم يكن واضحاً في كتاباتي، بالرغم من حبي لها وحياتي فيها، بل كان للبيئة الأوروبية أثرٌ أكبر، ودور أكبر، ولن أدافع عن نفسي في هذا الجانب فقد قلت أنني لا أتكلف ذلك. والعمل الوحيد الذي حاولت فيه عرض بيئتي تخلصت منه لأنه لم يصل إلى مستوى تطلعاتي.

الخبرة الحياتية لها دورها بلا شك، وأنا حريص على الفائدة في كل مكان. السياحة عند بعضهم هي رؤية الأماكن (خمسة نجوم)، ولكنني أختلف عنهم، فقد رأيت مارأوه، ثم نزلت إلى أربعة، وثلاثة، واثنين، وواحد، وسرت في الشوارع مثل المشردين، وابتسمت وبكيت، وفرحت وحزنت، وغضبت ورضيت، وعملت في مهن متعددة، كنت عاملاً وموظفاً ومديراً، كنت زوجاً وأباً وأخاً وصديقاً وعدواً، كنت قريباً من الناس أخالطهم كواحد منهم، دون تفريق بين جنس وعرق ودين، وكنت بعيداً عنهم في قمة جبل، أو وسط صحراء، أو مجرى نهر، أو شاطئ بحر.. ومن هذا المزيج تأتي كتاباتي.

البساطة والطموح لا يتعارضان، بل يكسبان صاحبهما قوة، فالجهد الذي أبذله يساوي جهد الآخرين، ولكنني لا أتكلف فتأتي كلماتي معبرة بالرغم من بساطتها. ومن هنا تعلمت أن الصدق هو أفضل طريق في الطرح. استخدم كلمات اللغة نفسها التي يستخدمها الآخرون، ولكنني لا أتعمد ترتيبها وتنميقها، بل أدع لها القياد فتخرج في الصورة التي تريد، مع مروءة تأبى عليّ تزيين القبيح، ودين يرفض تحسين المنكر، وعقل يزن ويقارن ويرجح، وحب جارف وعاطفة ملتهبة لأمتي. هذا أنا قارئي العزيز، وبين يديك نتاجي الجديد "أكواخ الظلام". 4 العجوز

بدا لي أن صديقي كان خبيراً بهذه الطرقات المظلمة.. ولولا أن الجو كان ممطراً لاستطعت أن أرى الطريق متسخة جداً.. كنت مستمتعاً بالرحلة على كل حال.. لم تكن هذه زيارتي الأولى لتلك المدينة.. لكنها كانت بلا شك زيارة متميزة.. تعرفت فيها على إبراهيم.. الذي بدا للوهلة الأولى غريب الأطوار.. ولكنك بمجرد أن تتعرف عليه ستعلم أنه ذو قلب أصفى من الماء.. وأرق من النسيم.. لم أستغرب حديثه الدائم عن الجدة فوزية.. تلك المرأة الثمانينية التي كان يتكلم عنها بحماس غريب، فقد كان يجد عند تلك العجوز نوعاً من الراحة والأنس لم يستطع أن يعبر عنه بأكثر من حركات منفعلة من يديه.. ودمعة تترقرق كلما تحدث عن هذه الأسر البسيطة.

- إبراهيم.. أتعرف الطريق جيداً أم أنك تقود بشكل عشوائي.

ابتسم لي، وأخذ ينشد كلمات حزينة.. كان لصوته الخشن أثر من الرهبة في نفسي.. ومع قطرات المطر لحظت انعكاس بعض الأنوار المتفرقة هنا وهناك.. ونظرة ساهمة دامعة في عيني صديقي.

- أتعرف يا عبدالله.. العالم في الخارج محروم.

- لماذا؟

- لم يعرفوا الجدة فوزية.

- ألا ترى أنك تبالغ في هذا الموضوع يا عزيزي؟

- أنت أيضاً لم تفهم ما تعنيه بالنسبة لي.

ابتسمت له.. مشجعاً على البوح..

- أكمل، قل لي ماذا تعني لك؟

.. كنت أحب الاستماع إليه.. طريقته في الوصف تجعلني أعيش تفاصيل الموقف.

- إسمع.. هذه المرأة بقايا جيل.. جيل بدائي عرف صفاء القلب ونقاءه.. ولم يتلوث بالحضارة الزائفة.

كانت السيارة قد بدأت في التخفيف من السرعة.. ربما يعني هذا قربنا من منزل الجدة.. وكان إبراهيم يتكلم في صوت أقرب إلى الهمس..

Page 4

- أعني أن هناك قلوباً إذا رأيتها شعرت أنها تعيش خارج هذا العالم.. ترضى من الدنيا بالفتات.. وتسير على الشوك بكل إيثار وتضحية بينما يدوس الماشون بكل صلف وعنجهية على جسدها الطاهر.

انشغلت بالرد عنه بتفكير عميق في طوايا حديثه سارحاً في مراقبة قطرات الماء وهي تسقط على الزجاج ولم أفق من تأملاتي إلا مع توقّف السيارة، فخرجت منها واضعاً يدي فوق رأسي لأحتمي من المطر المتساقط.. فاجأتني حينها ضحكة خفيفة صدرت عن إبراهيم الذي بدا سعيداً للغاية.. ثم جرينا في اتجاه بناء قديم يتألف من طابق واحد.. قرع صديقي بابه، فجاء من الداخل صوت امرأة عجوز:

- من؟

- هذا أنا يا جدة.. إبراهيم.

فتح الباب وأطل وجه امرأة كنت أصفها بالعجوز.. ولكن التجاعيد التي في وجهها كانت تعني أشياء أخرى.. شعرت لأول نظرة بقشعريرة تسري في جسدي.. ونسيت المطر والهواء.. وبقيت أتأمل في الوجه الذي أمامي.. والابتسامة الخالية من الأسنان التي رسمت على وجهها يوم رأت إبراهيم.. والدعوات العامية التي أخذت تنطلق من فمها.. ومزيج غريب من المشاعر.. كأنني واقف أمام تاريخ أمة.. يكشف عنه منظر امرأة مكافحة خطّت الأعوام الأليمة توقيعها في غضون وجهها وتجاعيده، وملامحه الطيبة.. تلك التجاعيد كانت ثمرة بضعة وثمانين عاماً.

دخلنا وعرفها إبراهيم بي. ولكن بدا لي أنها لم تستوعب من أكون.. بقيت أتأمل منزلها.. كان عبارة عن حجرة مربعة توسط الباب جانباً منها يطل على الشارع مباشرة.. وإلى يمين الباب تقبع خزانة ملابس حديدية قديمة.. وسرير مخصّص للنوم والاستراحة وضعت فوقه عدة طبقات من القطن، وبجواره طاولة صغيرة صُفّت فوقها أنواع من الأدوية.. وفي الجزء الأيسر من الغرفة، ترى الجدار وقد قُسِّم قسمين ووضعت ستارة على قسم منه ليكون دورة مياه، وبقي الجزء الأخير من الغرفة، لبعض الأواني القديمة إضافة إلى موقد غاز من النوع الذي يستعمل في الرحلات.

انتهت الزيارة بسيل متدفق من الدعوات الصادقة نفحتنا بها تلك الأم الرؤوم في وداعنا كما كانت في استقبالنا ليبقى ندى صوتها الأثير وسحائب دعواتها الصادقة مدداً ينبت أفنان الطمأنينة في نفوسنا.. وبقيت الجدة توصي إبراهيم أن يبلغ السلام لأمه الميتة.. وهو يجيبها إن شاء الله فقط اهتمي بنفسك وسأمر عليك في وقت آخر.. وخرجنا في حين كانت قطرات المطر في الشارع المظلم بدأت تخف فيلامس رذاذها بشرتي ليحملني إلى عالم بعيدٍ حالم.

- لماذا لا تتكلم؟

- .. .. اكتفيت بنظرة إلى الشارع المظلم.

- أين وصلت؟

- لم أكن أتوقع أن يكون وضعها بهذه الصورة.

- أتدري يا عبدالله.. هناك أناس آخرون ربما كانوا أسوأ وضعاً منها.

- كيف؟.. وأين أهلها؟

ابتسم إبراهيم في أسى..

- أهلها؟. اسمع يا أخي.. للجدة فوزية ابنان.. أحدهما فقير مشغول بحاله.. والآخر...

- والأخر ما به..؟؟

- الآخر يخجل منها.. وبناته لا يريدونها بينهم.

صعقتني الكلمة.. فلم أكن أتصور أن يكون لها أبناء ويتركونها.. فكيف إذا كان سبب الترك الخجل منها لأنها فقيرة.

- ماذا تقول؟

- أقول لك لا يمكن أن أصدق أن هذا هو السبب.. ولا يمكن أن يفكر أحد أن يترك أمه لأنها فقيرة.

- ضحك إبراهيم.. أنت طيب يا عبدالله.. بعض الناس لا يفكرون كما تفكر أنت.

لم أرد عليه.. وبقيت مع المرأة العجوز..

Page 5

 البائع الصغير

الشوارع تختنق من شدة الزحام.. والحرارة تذيب الإطارات.. والرطوبة تأكل الحديد.. والأكفّ الصغيرة تحمل زجاجات الماء البارد وتبيعه على قارعة الطريق.. وبجوار إشارة ضوئية وقف طفل صغير يحمل بعض الزجاجات والعرق يتصبب من وجهه الأسمر.. وشعره الأسود الناعم قد صفف في وضع عشوائي مع نظرة ساهمة منكسرة ستجبرك على التأمل في وجهه والشراء منه.

كان توفيق هو الولد الأصغر في عائلة مكونة من ستة أفراد.. أكبرهم لطف وهو في الثانية عشرة من عمره يليه ثلاث بنات ثم يأتي دوره في الترتيب.. ويفصل كل واحد منهم عن الآخر سنتان قضتها الأم نعيمة في الرضاعة.. لذلك تعمل الأرملة أحياناً مع أولادها لتسد الأفواه الجائعة بشيء يأكلونه.. ولتسدد أقساط الغرفة التي تقيم فيها مع أولادها.. وعند كل مساء تنتظر نعمة عودتهم بقلق..

- أمي متى سيرجع لطف؟

وتخفي الأم دمعة عن ابنتها.. وتعود بذاكرتها إلى الشهر الماضي.. يوم أن تأخر ولداها عن العودة.. ثم عاد توفيق لوحده ليخبرها أن أخاه معتقل.. ومن يومها وهي تنتظر توفيق كل ليلة وتخشى ألا تراه ثانية.

كان على لطف أن يمضي وقتاً في السجن لمخالفته للقانون.. لأنّ بعضهم اعتبره متسوّلاً، ومن هنا فقد تم التحفظ عليه لبعض الوقت لحين يأتي وليه ليتم التفاهم معه.. ولم يكن للطف أقارب سوى أمه، ولكن المتابعة وتعيين محامٍ للطفل سيكلف الأسرة الفقيرة الشيء الكثير.. وهكذا طالت الأيام في غيابه عن أسرته.

وفي المنزل لم يتغير البرنامج كثيراً، ففي الصباح يذهب الأولاد إلى المدرسة.. وترافق الأم ولدها الصغير لبعض الوقت تشجعه على البيع وتعلمه.. ثم تقف بعيدة عنه تبكي على زهرة طفولته.. وتلجأ إلى الله أن يقضي حاجتها وينهي فقرها.. ويبقي كرامتها وعفتها بعيداً عن أيدي العابثين.

وفي الوقت نفسه كان توفيق يشعر بالغربة بعد أخيه.. ويقف وحيداً تحت الشمس الحارقة ينتظر توقف السيارات.. ثم يجري بينها ليحاول أن يبيع ما يحمله بين يديه الصغيرتين.. وهكذا تمر الأيام عليه.

حرصت نعيمة على أن تعلم أولادها.. وكرهت أن تمر أسرتها بالتجربة نفسها.. ولكنها كانت تبذل الكثير من الجهد من دون أن تشعر فتسرب المرض إليها شيئاً فشيئاً.. وأخذت صحتها تسوء. ولكي توفر لأولادها حياة كريمة حرمت نفسها من أبسط احتياجاتها.. وهكذا وجد المرض فرصته ليتمكن من جسدها النحيل.

عاد لطف من حبسه.. وعاد ثانية إلى الجري بين الإشارات الضوئية.. وهكذا بدأت الأم تشعر بنوع من السكينة.. ومرت الأيام ليحين وقت الدراسة لتوفيق الصغير.. فقلّت مواردهم المالية جرّاء تغيّبه عن العمل في الفترة الصباحية.. وكان لا بد للصغير أن يبذل مزيداً من الجهد في المساء ليساعد في إعالة أسرته.. وبدأت نعيمة تعمل أيضاً في خدمة بعض الأسر متحاملة على نفسها وعلى مرضها.. ومضحية بشيء من كرامتها في تحمل غضب الآخرين وتجاوزاتهم.. وتصدرت "هناء" البنت الكبرى للبيت فقامت مقام أمها في ترتيب الأمور والاعتناء بحاجات إخوتها المختلفة.

أيقظ صوت الأم المتعبة هناء من نومها.. فقامت على شيء من السرعة لتضع رأس الأم في حضنها وتذرف دمعة يشهد الليل بعمق ألمها.. وفي سكون الليل مزق الصمت دمعة ألم.. ودمعة أسى..

- ما بك لا تنامين يا هناء؟

- ... هل أنت متعبة كثيراً؟

- لا يا ابنتي.. فقط زكام وسينتهي سريعاً بإذن الله..

- إذاً لا تذهبي إلى العمل حتى تتعافي.

- ومن سيساعدنا يا ابنتي؟

- الله يا أمي..

- نعم يا هناء.. والله طلب منا بذل الأسباب.. ولذلك لا بد من العمل.

- ولكنك مريضة..

- ليس كثيراً.. وسينتهي هذا الألم بعد وقت قليل.. فقط أوصيك يا حبيبتي بإخوانك.

Page 6

وأخفت هناء دمعتها.. وقبّلت أمها ثم عادت تحاول أن تنام.. ولكن أذان الفجر كان يحمل خبر رحيل الأم عن هذه الدنيا.. رحلت نعيمة تاركة الأسرة في رعاية لطف وهناء.. وكعادة الألم في حياتنا يبقى أثره في نفوسنا ولكننا ننساه بعد فترة.. وهكذا عادت الحياة إلى طبيعتها وعاد كل إلى عمله.

تولت هناء أمر البيت بعد وفاة أمها.. فكانت بالرغم من صغر سنها تقوم به أحسن قيام.. وقام لطف وتوفيق بتأمين مصاريف البيت.. وفي كل مساء كانت هناء تنتظر عودة أشقائها ليجتمع شمل الأسرة الصغيرة في الغرفة المتواضعة ولينسيهم فرح الاجتماع مرارة الفقر والحرمان.. وفي الأعماق كان يلوح خوف من فقدانهم للحظات اللقاء.

- توفيق.. ابق أنت هنا.. وأنا سأذهب إلى الناحية الأخرى.. وانطلق لطف في مرح بينما بدأ توفيق يجري بين السيارات ليبيع ما تحمله يداه.

لكن صوتاً مزعجاً جعل لطف يلتفت إلى الخلف في خوف.. ليرى سيارة تحاول الهروب بينما جسد صغير ممدد على الأرض والدماء تنزف منه لتلون الأسفلت الساخن باللون الأحمر.. فعاد يجري إلى حيث تمدد جسد أخيه، وبين الجموع التي ازدحمت لترى الحادث كان لطف يضم أخاه إلى صدره ويبكي وكأنه بهذا البكاء يريد إرجاع أخيه إلى وعيه.

تأثر بعضهم لهذا المشهد.. وحاول بعضهم الآخر المسارعة بهدف إسعاف الصغير.. ولكن المنية كانت أسرع للنفس الصغيرة من محاولات الرجال.. وفي شمس الظهيرة غادرت روح توفيق الجسد لترتفع إلى الله متخلصة من تعب الدنيا وهمومها.. وعادت الحياة تتشح بالسواد في عيون الأسرة الصغيرة.

- يا لطف.

- نعم يا أمين.

- انتبه جيداً هذه الأيام.. فأصحاب المحلات غاضبون من بيعنا بأسعار تنافسهم.

- وماذا سيفعلون؟

- لا ندري.. ربما يبلغون عنا ويقولون إننا نخالف الأنظمة وربما يتعرض بعض منهم لواحد منا بالأذى.

- لا عليك يا أمين.. الله معنا.. كما أن الدنيا لا يزال فيها خير.. وابتسم لطف.

أقبل المساء بثوبه الثقيل فغطى كل شيء.. وجلست هناء تتأمل في الأجساد الممددة وتتذكر أمها الراحلة.. كانت تظن أن الكل يغط في سباته.. ولكنها ارتبكت حين وصلها صوت لطف ليذكرها بوجوده..

- ماذا بك يا هناء؟

- لا شيء يا لطف.. لماذا لم تنم؟

- كنت نائماً.. ولكن الجو الحار أيقظني.. هل أنت بخير؟

- نعم.. كنت أفكر في أمي.. وفي...

- ماذا يا هناء؟

- أفكر فيك يا لطف.. ماذا سأفعل من دونك؟

- توكلي على الله..

- ...

- اسمعي يا هناء.. لقد وفرت مبلغاً من المال.. يمكنك أن تستفيدي منه لو حصل لي مكروه..

- ومن سيبقى معي يا لطف.. ليس المال هو كل شيء أفكر فيه..

- وابتسم لطف وربت على كتف أخته.. وضمها إلى صدره.. توكلي على الله يا أختاه.. ولا تحملي هم الغد.

انطلق لطف إلى عمله كالمعتاد.. كان يشعر بالتعب في ذلك اليوم.. وأخذ يجري من مكان إلى آخر.. وتحت الشمس الحارقة كان يفكر في إخوته الصغار.. وفجأة وصله صوت أمين..

- لطف انتبه.

والتفت لطف، وقبل أن يستوعب ما يدور حوله فوجئ بكف غليظة تضربه على وجهه... وضربة أخرى على رأسه ليفقد الوعي بعدها ويسقط بين يدي تاجر أزعجه كثيراً أن يكسب هؤلاء الأطفال شيئاً يقوت أسرتهم.. وحمل أحد المارة لطف إلى المستشفى ليبقى في غيبوبة.. ولتبقى زجاجات الماء المبعثرة شاهداً على قصة إنسان.. وفي الغرفة الصغيرة.. طالت ساعات الانتظار..

Page 7

 بائع الحلوى

وضعت الصواني في شكل جذاب.. وفي الوقت نفسه يدل على تمرس في المهنة؛ فأصناف الكنافة تجاورت لتعطي صورة شهية ترغم الناس على الشراء.. وإلى جانبها البقلاوة وأنواعها.. وفي الزاوية وضعت علب حلوى مختلفة الأحجام على شكل هرم، وقد علقت فوقها لوحة كتب عليها بخط نسخي جميل عبارة "العروض الخاصة".

- محمد.. تعال ساعدني لننقل هذه الطاولة إلى الخارج.

ويتحرك محمد الغلام الأشقر ذو الخمسة عشر ربيعاً ليساعد والده في نقل طاولة بدت كبيرة جداً بالنسبة إليه.. ويرفعها في مجهود ظاهر ليمشي مترنحاً.

- يا محمد.. انتبه أما زلت طفلاً؟.. احمل الطاولة جيداً.

وفي صمت من تعود على العتاب يضغط محمد على شفتيه.. ويحمر وجهه وتتكون حبات عرق صغيرة فوق جبهته الحمراء.

- أنت لا تصلح لشيء.. انتبه للزبائن هناك.. يا الله كن رجلاً.

يعيش محمد مع أسرته الكبيرة في المهجر، كغيره من الأسر التي تركت وطنها بعد الحرب لتستقر في معظم دول العالم.. متمسكين بهويتهم الأصلية في مجتمعات متعددة الهويات.. ونظراً لشهرتهم في صناعة الحلوى فقد عرفوا بين الناس بعائلة الحلواني.. وهي المهنة التي تناقلوها أباً عن جد.. وعرفوا أصولها وفنونها.

ومحمد هو الابن الأوسط في الأسرة الكبيرة.. طالب يوزع وقته بين مدرسته ومحل أبيه وقضاء متطلبات المنزل.. ثم إن بقي وقت وهذا نادر صرفه بين أقرانه ولم يكن له صديق مقرب منه سوى مهاجر آخر اسمه سعيد.

اقترب شهر رمضان.. ولا بد من بعض التغييرات التي تناسب المحل في هذا الشهر.. ولانشغال الإخوة في المحلات الأخرى فقد بقي محمد مرافقاً لوالده متحملاً التعب واللوم.. وكان يتأثر بذلك ويتمنى لو يتوقف والده عن انتقاصه وخاصة أمام الناس، ولكن الخوف كان يلجمه فيصمت.. لم تكن حدود محمد تنتهي عند باب المحل.. فقد كان كغيره ممن تركوا أوطانهم ورحلوا يفكر في العودة إلى مرابع أجداده.. وأصول أسرته، وهذا الهم أعطاه مظهراً ساهماً حزيناً يشعر الرائي بانكساره.. ويقرأ في صفحاته تاريخ معاناة أكبر من عمره الصغير.

بعد صلاة العصر يبدو الكل متعباً.. ولكن سعيداً بقدوم الشهر.. وأمام كل باب تسمع منادياً يدعو إلى بضاعته المعروضة في بساطة تدل على ذوق وطيبة قلب.. وقبل الإفطار يتحرك الكل في عجلة ليدرك الإفطار مع أسرته وليجتمع الكل حول عميد الأسرة. وفي الليل تتغير الدنيا في رمضان.. فليل رمضان حياة وأنس. لكن قلباً صغيراً كان يرتجف في رمضان.. يشعر بالأنس أكثر من أي وقت مضى.. يرغب في العودة إلى بلاده عله يصيب فيها لحظات تربطه بماضٍ يحن إليه.

- ما بك يا محمد؟

- لا شيء يا أمي.

- تبدو متغيِّراً هذه الأيام؟ قل لي يا بني لا تخفِ عني شيئاً.

- أماه.. متى سنرجع إلى ديارنا؟

- آيه يا بني.. هذا الشيء في علم الله وحده.

- لماذا لا نعود يا أماه؟

- ليس هذا في يدنا يا بني.. بل ليس هذا في يد أحد غير الله.

تنقضي الأيام مسرعة.. والشهر يعقبه الشهر.. والطفل يصبح شاباً. والشاب يصبح رجلاً كبيراً.. يتم محمد دراسته، ويتخصص في إدارة الأعمال رغبة منه في تحقيق حلمه الذي سعى إليه طوال حياته.. دون أن يشاركه أحد همه إلا صديق العمر.. سعيد.

- ماذا تنوي يا محمد؟

- سأسافر للاستثمار في بلادي.. لقد كونت رأس مال لا بأس به ويمكنني أن أبدأ أي مشروع هناك.

Page 8

- ولكنهم لن يسمحوا لك بذلك.

- ابتسم محمد في ثقة.. لا تخف هم يريدون المال.. وسيحصلون عليه.

- وأهلك؟

- ما بهم.. سأعود إليهم بعد فترة يا سعيد.. فكل الذي أريده أن أمشي على أرض الأنبياء.. وأستنشق عبير بساتينها.

- أنصحك بالتروي.. وعموماً سأبقى هنا.. وسأحضر مشروعاً نشترك فيه حين تعود من سفرك.

ويقف سعيد ودمعة تصر على الخروج ليعانق محمد الذي أبت ابتسامته إلا أن تظهر على شفاهه.. وفي سرعة تتم مراسم الوداع بين الأهل والأصدقاء.

وصل محمد إلى الحدود مع بلده.. وبدا له الطريق مألوفاً.. فقد تخيل نفسه يمشي فيه كثيراً ليعود إلى منزله في قرية أجداده.. ومع أنها المرة الأولى التي يسير فيها حقيقة في هذه الممرات إلا أنه شعر أنه خبير بها.. فانطلق يسابق الوقت والأشجار ليصل سريعاً. بدا له تجمع الناس وشريط الحدود الممتد أمام ناظريه.. ورجال الجيش يحرسونه.. وشعر بألم يعتصر قلبه.. هذه كلها أرضه يحرسها عدوه من أبناء بلده.. وسمع صوت الجندي يصرخ في الناس:

- ممنوع.. قلنا لكم لن تعبروا اليوم.. هناك إصلاحات على طول الطريق.

- وماذا سنفعل؟

- يمكن أن تأتوا الأسبوع القادم.

- ومزارعنا؟

- ويبستم الجندي ابتسامة صفراء.. لا تخافوا عليها.. هي في الحفظ والصون.. وتعلو قهقهة الجنود.

لم يعد بين محمد وبين حلمه سوى بضع خطوات.. يعبر هذا المدخل ليكون في قريته. ويقترب من الجندي ليحاول معه.. يراه الجندي قادماً نحوه.. يتملكه الخوف.. يبتعد ويصرخ في وجه محمد.

- ابتعد عني.. ماذا تريد مني؟ إذا تقدمت سأطلق النار.. ويجري نحو السواتر المنتشرة على طول الحدود.. ويواصل محمد تقدمه.

- يصرخ الجندي.. إنه هجوم.. يريدون قتلنا.

يتعجب الناس.. ويعبر محمد شريط الحدود.. ويفتح الجنود النار ليسقط الشهداء.. وعلى ثرى أجداده يسقط بائع الحلوى.

Page 9

أكواخ الظلام

كانت حجرة علوية باردة.. يضيء ظلامها نور القمر إذا اكتمل.. وشمعة تشتعل في خجل فيتوارى ضوؤها على بقايا الأشياء التي لا تأخذ من الحقائق إلا اسمها.. سرير هو في الحقيقة قطعة خشب صلبة يتعب الرجل القوي من الاستلقاء عليها.. غطيت ببعض المتاع مما يسمى ملاءة وما شابه ذلك.. ووسادة خشنة غير متساوية.. وصندوق وضع بجانب السرير ليكون خزانة صغيرة للطوارئ.. وصندوق أكبر قليلاً رصت فيه أسمال فتاة في التاسعة من العمر.. ثوبان باليان يطل منهما جسد الصغيرة من أكثر من موضع.. ومنضدة أقل اهتراءً وكرسي أكثر صلابة من السرير.

الجو بارد في هذه الأيام من السنة.. وخوفاً من نشوب الحرائق في العلوية لم يكن هناك موقد للتدفئة.. واكتفى أصحاب البيت بزيادة عدد الأغطية فوق جسد الصغيرة.. وهكذا تمر ليالي الشتاء.

- مرحباً رُبى.. انتهيت من أداء واجباتي هذا اليوم.. وقلبت بين يديها دمية صغيرة ذات شعر أسود ووجه ترتسم عليه شبه ابتسامة.. بدت تلك الابتسامة لا تخص أحداً سوى "سحر".. ترتدي أثواباً بدت فيها آثار العناية.

- في نهاية الشتاء سيأتي العيد.. في العيد سأصنع لك ثوباً جديداً.. واكتسى وجه الصغيرة بموجة من الحزن.. ولكن يا رُبى لا يوجد لدي قماش جديد لأخيط لك الثوب.

- هل ستغضبين مني؟؟ لا أحب أن يأتي العيد.. لأنني أبكي فيه كثيراً.

- أتذكرين العيد الماضي؟.. لم يكن لدينا ما نرتديه.. فقط الملاءة الكبيرة استطعت أن ألتقطها من المهملات.. وصنعت لك ثوباً وجورباً.

- وعادت سحر إلى الابتسام من جديد.. هذه السنة يبدو أن السيدة الكبيرة ستغير بعض الأثاث.. سأحاول أن أصنع لك سريراً صغيراً بجوار سريري.. سيساعدني العم صالح في توفير بعض قطعه.

أحست الفتاة بلذعة الشتاء.. فارتعدت وضمت رُبى إلى صدرها وقامت إلى النافذة.. كان القمر مكتملاً.. أطفأت الشمعة توفيراً لها.. فقد تعودت أن ينتهي الشمع وتبقى أياماً في الظلام.

- أترين القمر يا رُبى.. يشبه العم صالح.. انظري إليه.. وأجلست رُبى على طرف النافذة.. وجهه يشع بالنور.. وأطفاله الصغار يجرون حوله.. وهناك في وجهه تجاعيد تماماً كما في وجه العم صالح.. ترى هل يشعر هو بالتعب أيضاً.

- دخلت وأغلقت النافذة.. وعادت تلاعب الدمية.. ثم عادت ومسحت الحزن عن وجهها البريء.. هل تناولت طعام العشاء؟ اليوم حرمتني السيدة من الغداء لأنني لم أنظف غرفة الجلوس كما ينبغي، وبختني كثيراً وقرصتني في أذني حتى آلمتني.. خشيت أن أبكي أمامها فتضاعف العقوبة.. ولكنها عادت فضاعفت كمية الخبز التي أتناولها في العشاء.. أعطتني خبزة كاملة.. بدت لي لطيفة هذا المساء.

- لقد بدأت تكبرين يا رُبى.. وستذهبين إلى المدرسة هذا الصيف.. ولأن أمك لا تعرف الطريق إلى المدرسة فسأقيم لك فصلاً خاصاً بك هنا.. وسأعلمك الحروف والكلمات.. عندها يمكنك أن تكلميني في الليالي المخيفة.

- أنا لن أذهب إلى المدرسة هذه السنة أيضاً.. سمعت السيدة الكبيرة تقول إن مصاريف المدرسة كثيرة.. كما أن المرض منتشر هناك.. ولكن لماذا لا يصيب المرض "رنا".. ربما لأنها سمينة يمكنها أن تتحمل. ولكن أنا ضعيفة. لا يهمني كل هذا.. لقد علمني العم صالح الحروف.. كما أنني أقضي ليلي معك تماماً كما تفعل رنا إذا ذهبت إلى المدرسة.

Page 10

- رُبى.. أشعر بالجوع وتغيرت ملامح الصغيرة.. وانعكست في عينيها دمعة حاولت أن تقاومها.. وكذلك بدأت أشعر بالبرد.. وانطلقت الدمعة لتنحدر على خديها الباردين.. وضمت رُبى إلى صدرها بقوة.. لعلها أرادت أن تدفئ صدرها الصغير.. أو لعلها أرادت أن تدفئ رُبى.. وبدأت دموعها تسيل.

- اشتقت إلى أمي.. لقد قالت السيدة إنها ستعود لتأخذني معها.. قالت إن الأموات يأخذون الأطفال الكسالى.. أنا لست كسولة يا رُبى.. ولكني أريد أن أرى أمي.

- أنت سعيدة لأن أمك معك.. وابتسمت لها.. ومسحت الدموع عن عينيها.. اليوم سألني العم صالح عنك.. قلت له إنك تكبرين.. وابتسم لي.. قال إنك ستكونين جميلة مثلي.. رُبى.. ما معنى جميلة؟ وما الفرق بيني وبين رنا؟ هي تلبس دائماً أشياء ثمينة. وملابسها بدون رقع.. ولا يظهر شيء من جسمها من تلك الفتحات.. وهي لا تعرف المطبخ.. وتضربني.. إنها قاسية.

- اسمعي يا رُبى.. إذا ذهبت إلى أمي سآخذك معي.. ستحبك كثيراً.. أنت تشبهينني وأمي ستحبك كما تحبني.. العم صالح سيوصلني إليها.. لماذا من يذهب إلى الموت لا يعود.. فقط يذهبون ولا يرجعون.

- سأقول لأمي إنها تأخرت كثيراً.. وإنني بكيت كثيراً.. وارتجفت من البرد.. وآلمتني قدماي.. وإن السيدة العجوز كانت تضربني وتحبسني.

- لا.. لن أقول لها لأنها ستبكي من أجلي.. لا أريدها أن تبكي.. ولكن سأقول لها إنني كنت ألعب معك.. وبأني أملك ثوبين جميلين.. وإن العم صالح كان يعطيني قطعاً من اللحم الجاف لآكله مع الخبز. ستفرح كثيراً.

- قولي لي.. أتعرفين قصة التفاحة؟

- سأقصها عليك.. يقولون إن التفاح يتكلم.. ولكن نحن البشر لا نفهم لغته.. ولكنه مثل البشر يختلف في طباعه.. تماماً كما تختلف ألوانه.. هكذا قال العم صالح.. وقال أيضاً إنني من التفاح الجيد.

- هل تريدين النوم.. بدأت تبردين.. سأضعك في سريرك.. هذا سريرنا معاً وابتسمت في رقة.. واستلقت على السرير مع رُبى.. نظرت إليها في الظلام ووضعت إصبعها الصغير على أنف الدمية.. انتبهي من البرد.. هل رأيت المدفأة؟

- إنها تحمل الكثير من الحرارة.. أتمنى أن يكون عندي واحدة مثلها.. هنا كل شيء بارد.. حتى الأخشاب أشعر أنها باردة.. ولكن السيدة الكبيرة قالت إن المكان هنا جميل.. إذاً لا بد أن أقبل وأصمت.

- ضمت دميتها وابتسمت.. هيا نامي سأعمل كثيراً في الغد.. ولكن سأحاول أن أزورك في ساعات النهار.. ربما لا يمكنني الجلوس معك، ولكن يكفي أن أقبلك يا حبيبتي.

أشرقت الشمس على الغرفة العلوية.. ولم تتحرك الصغيرة.. ذلك أن الليل ولى آخذاً معه روح الصغيرة.. وبقيت معانقة دميتها لتحفر في قلوب الناس صورة من الظلم مقيتة.. أقبل النهار بدفئه، والصغيرة في ملكوت الله تحلق.. الموتى لا يرجعون، لأن الأخيار يجدون حياة طيبة.. وأنساً ونعيماً.