eKtab
EN ع
أقرب بكثير مما تتصور
Read free sample

أقرب بكثير مما تتصور

by بسمة النمري

Page 1
الصفصاف المنتحب
 
الماء أنت وأنا النار، أو الماء أنا وأنت هي، فما الفرق؟·· واحدنا يطفيء الآخر، أو الآخر يحيل النبع غمامًا يسوق ضياعه إلى المدى العالي،·· فما الفرق؟··
 
ما الفرق إن كانت أجراس الريح بيننا تهيل أوجاعها في مسامعنا، أم أنها أخذت تعاند هواء وجودها وكيانها واستسلمتْ للصمت، ما الفرق؟··
 
ما الفرق بين الحياة والموت؟·· بين الحياة الموت والموت الحياة؟·· بين كلّ شيءٍ ولا شيءٍ، وكلّ شيءٍ إلى العدم، ليغدو عند آخر الطريق هو اللاّشيء نفسه
 
تعال·· تعال·· الآن تعال، إليكَ ما كتبته عنك، أو عنّي، أهناك فرق؟·· إقرأه وصارحني، ألا تراني مجنونةً حقًّا، أم أنّي فقط أكاد أجنّ، ليس بعد؟··
 
وتضمّني فأصمت، هنيهةً، ثم نتباعد ونسير· أتوقّف، ألتفتُ إليك، تتعلّق عيناي بعينيك، أرفع أوراقي نحوك·
 
- ما الفرق؟··، وأنتظر،
 
- لماذا الآن؟!··، وتحتضن راحتك رأسي، تشدّه إلى صدرك، يدك الأخرى تهدهد كتفي فأهدأ· هنيهة عمرٍ جديدةٍ ثم نعاود السير، أختار الدرب الضيّق المتعرّج الذي يقودنا إليها·
 
- أتعــــرف اسمهـــا؟ إنهـــا شجــرة الصفصــاف المنتحــب، Weeping Willow
 
- أعرف··، وتبتسم، تباعد بظهر كفّك أغصانها الليّنة المتدليّة كي نمر بينها·
 
- أنظر كيف علقتْ أجراس الريح بها
 
أناولك أوراقي وأنهمك في تحرير خيوط الأجراس التي تشابكت بأوراق الشجرة الدقيقة، تتقافز الأجراس فيسري الرنين خافتًا خجلاً، ثم يتعالى فجأةً ويتدفّق بصخبٍ مرحٍ إلى أن تهدأ وتستقرّ، ويسيطر الصمت من جديد·
 
- لا ·· لا تقطع أوراقها أرجوك·
 
- سوف تعلق بها الأجراس مرّةً أخرى·
Page 2
- أدري·· لكنّها أوراقٌ خضراء·· ما ذنبها؟···
 
- بضع وريقاتٍ صغيرةٍ·· ماذا تعني؟!··
 
- تعني الحياة···
 
- آه·· هذه أنتِ·
 
- وهذا أنتَ·
 
ترتفع يدك بحركةٍ أخيرةٍ، تهزّ الأجراس، تتدفّق النغمات، يشيع فرحٌ طفوليٌّ غامضٌ في قلبي أحتاج إليه بشدّةٍ، تلتقط ابتسامةً ارتسمتْ بطريقةٍ ما على وجهي كنتَ تنتظرها، تلوّح بأوراقي أمامي، فأفهم ماتعني·
 
- لا·· لا··
 
- نعم·· نعم··
 
- ألن تقرأها؟!··
 
- ليس الآن··
 
- ألا تريد أن تعرف ماذا كتبتُ فيها؟!··
 
- فيما بعد
 
وتدسّ الأوراق بين الأغصان المتشابكة، تدفعها وتحشرها عميقًا عند الجذع·
 
- أنلتقطها في طريق عودتنا؟··
 
- ربما
 
ونسير معًا، نسير وأكبت في أعماقي وعيًا يتعاظم بأنّك، حين نرجع، سوف تسلك بنا دربًا مختلفًا تمامًا فلا أعود إليها·
 
- Weeping Willow.. Weeping Willow يا للإيقاع الحزين، ويدمع صوتي·
 
- Weeping Willow.. Weeping Willow يا للإيقاع الرائع، وتضحك·
Page 3
الحاجز الزجاجي
 
يهتزّ الحاجز الزجاجي الذي يعلو سور الشرفة الحجري بقوّةٍ، يرافق اهتزازه دويُّ ارتطامٍ مكتومٍ، ألتفتُ بسرعةٍ إلى مصدر الصوت فألمح طرف جناح الحمامة قبل أن تهوي وتغيب عن ناظري· يعتصر قلبي ألمٌ مباغتٌ، أشهق ملتاعةً وأركض نحوها، أنحني فوق الحافّة، أجوّل عينيّ بلهفةٍ ضارعةٍ بحثًا عنها فلا أعثر لها على أيّ أثرٍ··
 
أتراها تمكّنت من أن تعاود طيرانها؟··، أملٌ يائسٌ يراودني، سرعان ما ينطفيء وأنا أستعيد بمخيّلتي لحظة الإرتطام·
 
لن تنجو··، وأعود إلى فنجان قهوتي الذي كنت قد تركته على حافّة السور، أحمله وأرجع إلى حيث كنت·
 
قد تنجو··، وتدور عيناي تبحث عن أملٍ جديدٍ ينقذها·· وينقذني··
 
أرتشف قليلاً من القهوة، أحتفظ بها لفترةٍ وجيزةٍ في فمي قبل أن أتمكّن من ابتلاعها، فحلقي يكاد أن يتفلّق، وأشعر بأني أختنق، أضع يدي على صدري، أدلّك عظامه برؤوس أصابعي، أجاهد كي آخذ نفسًا عميقًا، ثم·· فجأةً·· أنهار باكيةً، تفاجئني دموعي وأخجل بها·
 
كلّ هذا الحزن لأجل طائرٍ صغيرٍ؟!··
 
ولِمَ لا؟!··
 
طيرٌ صغيرٌ وادعٌ تحطّمت عظامه الدقيقة على الحاجز الزجاجي المخادع، وأتذكّر·· وأتذكّر·· وأنتحب·· وبحرقةٍ·· ثم أهوي، يتلقّفني المقعد المجاور، أرتمي عليه منهكةً، أتناول فنجان القهوة، أسكب في فمي ما تبقّى منها دفعةً واحدةً، يداهمني فجأةً إحساسٌ بالغثيان، ودون وعيٍ أقذفها من فمي على الأرض·
 
علقم·· كيف لم أدرك مرارتها من قبل؟!·· حاجزٌ زجاجيٌّ آخر؟!·· وأنظر إلى بلاط الشرفة اللاَّمع النظيف كيف لوّثته بقع القهوة التي ارتشقتْ عليه، ثم أنظر إلى داخليعلقم··إلى هنا وينتهي كلّ شيء؟!··قد أستطيع أن أنقذ الحمامة····· أحيانًا تحتاج منّا المعجزة أن نمدّ لها يدًا كي تتمّ···
 
أنهض من جديد، أنحني فوق الحافّة، أبحث عن أيّ أثرٍ قد يساعدني في العثور عليها وإحساسٌ داخليٌّ يهتف بي أننّي سوف أراها· في الجهة المقابلة ألمح قطّ الشارع الأسود الأنيق يتهادى رشيقًا، يقطع الطريق نحوي، لطالما أثار إعجابي بلونه الداكن الغامض المثير، امتداد سوادٍ طاغٍ يجهر بحقيقة اللون دون أن تشوبه أيّة شائبة· تلاحقة عيناي وهو يرتقي بخفّةٍ الرصيف المحاذي للبيت، يتجاوزه ويسير إلى المنزل المجاور، يعبر من خلال قضبان البوّابة الحديديّة المغلقة إلى الحديقة المهجورة ثم يختفي بين النباتات والأعشاب التي تغطّي مساحة الأرض بين الأشجار، يداهمني إدراكٌ مفاجيءٌ للآتي، أهبط الدرجات وأركض مسرعةً·
 
عليّ أن أمدّ لها يدًا··، أقرع جرس بوّابة الجيران مرّاتٍ متتاليةٍ، أهزّ القضبان الحديديّة الصلدة، تحدث قعقعةً مرتفعةً ولا من مجيب، أفكّر لوهلةٍ بتسلّقها والنفاذ إلى الحديقة قبل أن يفوت الوقت، أنظر حولي، ثم أعدل، أمدّ بصري إلى الداخل، علّني·· بغتةً التقط حركةً مضطربةً بين الأعشاب··· يا إلهي·· أرجوك لا··، ألتقط حصاةً وأقذفها بقوّةٍ نحوها، فجأةً يقفز القطّ من خلالها، يتوقّف بحذرٍ متوجّسًّا، يتلفّت حوله مستكشفًا، بين فكّيه تنتفض الحمامة في محاولةٍ مستميتةٍ للخلاص، أهزّ القضبان بعنفٍ، أحشر وجهي بينها، أصرخ به ساخطةً متوسّلةً·· دعها·· دعها··، أقذفه بحصاةٍ أخرى تستقرّ قريبةً منه فيجفل، ينظر إليها بعمقٍ ثم يرفع بصره نحوي، يحدّق بي، يطيل التحديق إليّ ساكنًا دون أن يأتي بأيّة حركةٍ، تتلاقى عينانا لوهلةٍ فأرتجف·دعها·· دعها أرجوكأرجوك··
 
تنتفض الحمامة بحركةٍ أخيرةٍ قبل أن تهمد تمامًا، يحني القطّ رأسه جانبًا، يستدير ثم يمضي بهدوءٍ·
Page 4
عند عاهرة
 
- أصعب موت، أوّل موت·· بعد ذلك يغدو كلّ شيءٍ هيّنًا·
 
تهمس بأذنه وهي تنحني عليه، فيما هو يجلس منتظرًا على حافّة السرير· تبدأ بخلع ملابسها قطعةً قطعةً بتلقائيّةٍ سلسةٍ، دون أدنى إحساسٍ بالحرج، رنّة الأسى في صوتها تستوقفه، يتساءَل بينه وبين نفسه إن كانت العاهرات أمثالها يشعرن بالألم·
 
- أيثير ذلك تعجّبك؟ نحن أيضًا من البشر
 
تصعقه ملاحظتها، يفتح فاه مذهولاً، وقبل أن يعلّق على ما قالته تسبقه ضاحكةً·
 
- ونقرأ الأفكار أيضًا·· لا تفزع
 
يصطنع ابتسامةً ما كي يجاريها وفي باطنه يتذمّر حسرةً على رغباته التي انطفأت فجأةً حين انصرفت أفكاره عن جسدها العاري إلى قدرتها الفائقة على فهم ما تخفيه نفسه·
 
تنحني عليه من جديد، تمدّ يديها إلى عنقه، تتظاهر بأنها تريد أن تخنقه، فيبتسم، تستثيره بدلالٍ ماكرٍ·
 
- ألا أخيفك؟!··
 
يهزّ رأسه نافيًا فيما ابتسامته تزداد اتساعًا· تُدخل سبّابتيها بين ياقة القميص المنشّاة ورقبته، تمرّرهما ذهابًا وإيابًا عدّة مراتٍ، في الوقت الذي تبلّل فيه شفتيها برأس لسانها الورديّ المدبّب بحركةٍ مشابهةٍ وبإيقاعٍ متناغمٍ معها·
 
- أُف·· كيف تستطيع الإحتمال، حافّة الياقة الحادّة تنغرز في لحمك، وربطة العنق تخنقك، تتكبّد كلّ تلك المشاق فقط لتثير إعجابي؟!·· ياه
 
وتصهل ضحكتها المثيرة وهي تلقي برأسها إلى الخلف، ثم تعود باندفاعةٍ مباغتةٍ إلى الأمام، تلطم وجهه خصلات شعرها الأشقر المصبوغ، تجتاحه نشوةٌ عارمةٌ على نحوٍ مفاجىءٍ، يغمض عينيه ويستنشق رائحة شعرها باستمتاعٍ بالغٍ، ثم يزفر الهواء مصحوبًا بآهٍ عميقةٍ تنفلتُ من قاع صدره، ودون أن يعي تمامًا ما الذي يفعله، يمدّ لسانه، يلتقط به خصلةً من شعرها، يلوكها بأسنانه ثم يمتصّ ريقه الذي اختلط بمثبّت الشعر الذائب فيه، يبتلعه دون أن يلقي بالاً لطعمه الحادّ اللاذع· تتأوّه متألّمة، تنتزع خصلة شعرها من فمه، فيما تعابير الدهشة والاستنكار ترتسم على محيّاها·
Page 5
- مرحى·· وها صنفٌ جديدٌ لم يمرّ عليّ من قبل، أنت؟!·· الذي لم تتفوّه بكلمةٍ إلى الآن؟!·· لم أتوقّع ذلك منك أبدًا، تنتهره فينكمش على نفسه، ماذا عليه أن يفعل الآن؟ أيترك رغباته المعربدة على سجيّتها، أم أن هناك خطواتٌ محددّةٌ لا بدّ من اتّباعها، فتلك هي المرّة الأولى التي يختلي فيها بعاهرة·
 
تنتابه مشاعرٌ متناقضةٌ، تتفاقم ثورةٌ في أعماقه المضطربة، تثير نقمته ثقتها الزائدة بنفسها وسيطرتها المطلقة على ما يجري بينهما، ومن هي؟!·· عاهرةٌ فاسقة، له الحقّ في أن يمتلك جسدها بنقوده كما يشاء، يعزّي نفسه، كلّ هذا العنفوان، من أين؟!·· بعض مظاهر الذلّ والاستكانة قد تليق بها وتجعله يتقبّلها أكثر·
 
- لم يعجبك ما قلته لك، أتفهّم ذلك، السيّد ذو المحفظة المنتفخة يتوقّع مقابلاً مجزيًا لنقوده، أليس كذلك؟ لكن لا تخف·· أعرف كيف أعوّضك·
 
تصدمه ملاحظتها الدقيقة، لا شيء يخفى عليها، أتراها قسمات وجهه هي التي تشي بما يبطن، أم أنها حقيقةً تملك المقدرة على قراءة الأفكار؟!
 
تدنو الآن منه أكثر، تباعد ساقيه بركبتها وتقف بينهما، تقرّب رأسه منها، تلصق خدّه بجسدها وتداعب شعره، تمسّده بأصابعها إلى الخلف فيغدو طفلاً بين يديها· يرفع إليها وجهه، يتأمّلها مليًّا، تبدو ملامحها أكثر جمالاً وهو ينظر إليها من الأسفل، تختلف تمامًا عن الصورة التي رسمها في خياله للعاهرات، تنزل بأصابعها إلى وجهه، تسير مع خطوطه، تلامس حاجبيه، أنفه، شفتيه، تدسّ أصبعها في فمه، فيطبق عليه بأسنانه·
 
- أكثر·· عضّه أكثر·· دعني أرى إلى أيّ مدىً يطاوعك قلبك على إيلامي
 
تنتظر قليلاً ثم تسحب أصبعها بيسرٍ من فمه·
 
- آه ياذا القلب الرقيق، أتسمح لي أن أختبره بنفسي؟
 
تجلس على ركبته، تفكّ أزرار قميصه، تضع أذنها على صدره العاري وتنصت إلى دقّات قلبه·
 
- تك·· تك·· تك·· إنه حقًا هناك، وينبض أيضًا، يا للغرابة!·
 
وتصهل ضحكتها من جديد، فتقطع الطريق على مشاعر الغضب التي عادت تستولي عليه جراء سخريتها اللاذعة منه وتلاعبها به· وكما في المرَّة السابقة، تلقي برأسها إلى الخلف، إلا أنه في هذه المرَّة يكون متأهّبًا كي يتلقّفها حين ترجع، لتهوي بين ذراعيه·
 
- الآن ستكونين لي·· سأمتلكك كما أريد وأشتهي
 
بغتةً يعلو بكاءٌ حادٌّ نزقٌ لطفلٍ رضيعٍ من الغرفة المجاورة فتهبّ مذعورةً، تدفعه عنها بقوّةٍ، ترتدي قميصها على عجلٍ وتهرع إلى الغرفة وتغيب· يلحق بها بعد حينٍ، يقف بالباب دون أن تشعر به، يراها وقد احتضنت طفلتها الصغيرة، ألقمتها ثديها وانحنت عليها ترضعها بحنانٍ بالغٍ· يتأمّلها متأثّرًا، يدرك الآن لماذا كانت كلّ الوقت تبدو مختلفةً، هذا هو وجهها الحقيقي إذًا·
 
ترفع رأسها، تجفل حين تنتبه لوجوده، تشدّ طرف قميصها، تغطّي به ثديها، ثم تسرع إلى حجب وجه الطفلة بكفّها عنه، يعلو صوتها محتدّاً·
 
- أدرْ وجهك عنها·· لا أسمح لك برؤيتها، انصرف الآن·· انصرف بسرعةٍ أرجوك·
 
- سأنصرف حالاً·
 
ويمدّ يده إلى جيبه·
 
- إيّاك·· خبّيء نقودك، لم أقدّم إليك ما يستوجب الدفع
 
- لا عليكِ·· إنها للطفلة
 
ينقلب حالها فجأةً، تكفهرّ سحنتها، تتحوّل إلى لبؤةٍ شرسةٍ تتحفّز كي تنقضّ عليه، يفحّ صوتها·
 
- أغرب عن وجهي حالاً·· حالاً·· أظننت بأني سأسمح لك أن تدنّس طفلتي بمالك القذر هذا؟!··
 
يستدير خارجًا، يتركها تهدهد طفلتها التي ارتفع صراخها من جديد، يطارده صوتها إلى الباب الخارجي·
 
- سفلة·· سفلة·· كلّكم سفلة، ثم تنفجر بالبكاء·
Page 6
الصندوق
 
هذا وقتٌ يصلح للموت كثيرًا، هذا صباحٌ يليق بالنهاية· أترقّب القادم على الطريق، اليوم سوف يصل· أقلب فنجان القهوة الصباحي، يطلّ عليّ منه، راقدًا ينتظرني، ممدّدًا في القعر، تلطّخ جسده بقايا القهوة السوداء، رأسه مسندٌ إلى جدار الفنجان· أحدّق إلى عينيه، تهوي طمأنينةٌ ضحلةٌ في داخلي، تغوص في أعماقٍ موحلة·
 
·· ما يزال ينتظر، لا مناص إذًا، فالموت على وصول·
 
دقّاتٌ على الباب، أواربه قليلاً·
 
- أتيتَ··، وتحكم إغلاقه خلفك، تلصق ظهرك به، تجوس الغرفة بنظراتك·
 
- لا أحد غيرنا··، فتطمئن·
 
تطفو على وجه الوحل فقاعاتٌ تنفجر عند السطح، تنثر قلقًا·
 
الآتي قد أتى
 
بحّةٌ طارئةٌ في صوتي تقودك إلى الصندوق·
 
- ليس الصندوق، بل ما بداخله·· همستُ حين ابتسمتَ ساخرًا وأنا أخرجه من مخبأه بحرصٍ، أضعه بتأنٍّ وحذرٍ أمامك· تتّسع ابتسامتك أكثر، تكاد سخريتك أن تطاله، فأقرّبه منّي، أمرّر أصابعي على جوانبه، ألامس سطوحه، أنحني فوقه، أوشوشه·
 
آسفة، تنفجر ضاحكًا، تتناثر شظايا ضحكتك حول صندوقي، أصابعي تنزف، وتعتذر·
 
- مجرّد صندوقٍ من الورق المقوّى، أليس واحدًا من تلك التي تباع فيها الأحذية؟··، يفحّ صوتكَ·
 
- ليس الصندوق، قلت لك، بل ما بداخله، لِمَ لا تفهم؟!··، وأحتضن الصندوق· وكما دائمًا، يباغتني غدرك، تخطفه منّي، ترفعه أمام عينيك، تقرّبه من أذنيك، تهزّه وتتسمّع·
 
- زجاج؟!·· أخشى أن أكون قد كسرت شيئًا ممّا بداخله
 
- لا تخف، فكلّ ما بداخله قد تكسّر منذ زمن
 
وأرفع رأسي إليك، تعجّبٌ يزحف نحو تقاطيع وجهك·
 
- تفهم؟··، وأنظر أبعد ممّا أمامي، أصل إلى المرآة خلفك، تعكس وجهًا آخر، وجهك الآخر·
Page 7
- من أنتَ؟··
 
- من أنتِ؟··، يسيل صوتك دبقًا وأنت تضع الصندوق جانبًا، عيناك صارتا كما أخاف تمامًا، يداك تمتدّ·· تطول·· تطووووول، وتطالني، تلتفّ حولي·
 
تعانقني؟؟؟··، ويغيب وجهك في عنقي، والمرآة خلفك تعكس لاهثةً وجهك الآخر أمامي، يلحّ السؤال·
 
- من أنتَ·· من أنتَ؟···
 
- كلّ تلك السنوات؟!·· كلّ تلك المرّات؟!···
 
- من كنتَ؟···
 
- كنتُ أنا·· والآن أنا، تبتعد قليلاً، تحدجني فأنكمش·
 
·· نظرتك، وأصحو··· آه، نظرتك، وأتذكّر·
 
- أنتَ، ويكتمل حضور الآتي·
 
تواجهني، تحطّ يداك على كتفيّ، تغرز أصابعك فيهما، وبكلّ ثقلك، نحو الأسفل، تدفعني فأهبط، أعلّق عينيّ فوق، أرقبك، أغمضهما حين تهوي، وأناااام·
 
وأصحو على وقع قدميّ، ذاتي تقترب مني·
 
- كم من الوقت مضى؟··
 
- الوقت خدعةٌ، دعكِ منه، وتمدّ يدها إليّ بنظّارته الطبيّة منتصرةً·
 
- انظري··، تثنيها على مهلٍ، تلويها بتلذّذٍ، تقطعها بتشفٍّ سافرٍ، تكسّر زجاجها وتقدّمها إليّ·
 
- هيّا انهضي، فأنهض كي أُلقم جوع صندوقي الحطام·
Page 8
نسيج الرغبات
 
موتٌ إلى أن يأتي الموت، وها أنا في قلب الموت، سنّارتا النسيج بين أصابعي، رأساهما يتحاوران، يدور أحدهما حول الآخر، لا يكلاّن، صعودًا وهبوطًا، والخيط الصوفي بينهما يسيل نسيجًا طريًّا، يتطوّى على الأرض، وادعًا ينام عند قدميَّ· وأطيل النظر إليه، ماذا سأفعل به، وماذا سيفعل هو بنفسه، لا أدري،·· ولا أظنه يدري·
 
وأنا في قلب الموت، يتأرجح بي كرسيّ الخشبيّ الهزّاز، تتراقص خصلات شعري حول وجهي، تحتكّ به، فيثور نزقًا، أهدّيء روعه، أرفع الخصلات عنه، هنيهةً لتعود وتحطّ عليه من جديد·
 
إلى متى؟··، وأترك النسيج جانبًا، أفرد أصابعي وأثنيها، ثم أفردها، وأعود أثنيها و·· تهاجمني الفكرة الكامنة فجأة، أُكوّر قبضتيّ وأضغط·· وأضغط·هل آن الأوان الآن؟!، ·· هل؟··، تتسلّل أصابعي إلى شعري، تتخلّله، ترفعه بعيدًا عن جانبيّ وجهي، أغمض عينيّ، تضيء الفكرة في العتمة، تتوهّج، أضغط صدغيّ براحتيّ، يسري خدرٌ لذيذٌ في رأسي·أقبل التحدّي؟··، ·· أنصاع للرغبة القديمة؟··، وشعري المسترسل الطويل، ألا أكون إلاّ به؟·· لطالما اشتهيتُ أن أجتثّ شعري بيدي، كم حلمتُ به قصيرًا، قصيرًا جدًا·· جدًا·· إيّاك، هذا جنون، فأستكين، لكن الآن، وفي قلب الموت، لا وقت لتأجيل الرغبات،·· الآن·· وإلاّ، وأنهض·
 
أنحني على نسيجي المعلّق بالسنّارتين، أدفعه إلى نهايتيهما لئلا يفلت منهما، أرمقه بنظرةٍ ذات مغزى، فيدرك، وأعرف أنه يدرك، فكلّ شيءٍ مودعٌ لديه، أرخيه على الكرسي، أهزّه به فلا يبقى وحيدًا، وأنطلق·
 
بالمقصّ أولاً، فيغدو قصيرًا، أمرُّ عليه براحتي، لم تشبع الرغبات بعد، بشفرة الحلاقة، إلى أن تنتهي تمامًا·· تمامًا·
 
تجفل المرآة أمامي، للوهلة الأولى أكاد لا أصدّق، لا أصدّق أبدًا أننّي قمتُ بذلك، نظرةٌ أخرى·· وأخرى·· وحين تعتاد المرآة على ذاتي، وألمح فيها ابتسامتي، أقبّلها بحرارةٍ وأعود·
 
ومن جديد، يهتزّ بي الكرسي، وأهتزّ أنا بالنسيج بين يديّ، تتسارع حركة أصابعي، تتململ كرة الخيوط في حضني قلقة، يتوتّر الخيط الصاعد منها إليّ· بسرعةٍ·· بسرعةٍ، وألهث، يجنّ الكرسي تحتي، يعلو أزيزه، فوق·· تحت، فوق·· تحت، إلى أبعد مدىً يصله، ورأس السنّارة يدور لهفًا حول الرأس الآخر، نهمًا يبتلع الخيط الممزّق بينهما، ونسيجي الذي لا يشبع، أبدًا يطلب المزيد، ورغبةٌ أخرى هناك على الطريق، والكرة في حضني تصغر·· وتصغر، تتلاشى، تغدو خيطًا، والخيط يقصر، والرغبة القادمة على وصول· أغمض عينيّ·· وأنسج، تتلاحق أنفاسي·· وأنسج، ترتبك أصابعي·· وأنسج، أتحسّس الخيط الباقي، يهوي قلبي، أهناك فضاءٌ، يا تُرى، لسطرٍ أخيرٍ في نسيج الرغبات المجنونة؟
Page 9
البحث عن دوائر
 
أغذّ السير وكأنني أعرف وجهتي، أستعرض في ذهني كلّ الأشياء ذات الأشكال المستديرة التي أعرفها في هذا العالم، وكانت فكرة الشكل الدائريّ قد استولت عليّ فجأةً ودون أن أعي لماذا·
 
الكون،·· وأغمض عينيّ للحظةٍ، أحاول أن أتخيّل شكله، فأراه كونًا مستديرًا، الأرض، الكواكب، الأقمار، رأسي، جمجمتي التي تحتضن دماغي، ودماغي نفسه، لا بدّ أن يكون له شكلٌ كرويٌّ كي يتلاءَم مع التجويف الذي يحتضنه، خلاياه، أليس لها الشكل ذاته، هذا ما تعلّمناه في المدرسة حين كنّا صغارًا، نرسم الخليّة بجدارٍ مستديرٍ·
 
أفكّر·· وأفكّر·· وأسأل نفسي، إلى أين سأصل بكل هذه الأفكار البلهاء التي تضجّ في رأسي، وأعترف بأنّني لا أملك الإجابة· لكن، هل على كلّ الأفكار أن توصلنا إلى نتيجةٍ كي نقبل بها؟ لماذا لا نكتفي بأن التفكير، بحدّ ذاته، شيءٌ مجدٍ، تبهجني الفكرة، فأعود إلى دوائري، وأمضي في استعراض كلّ ما يمرّ بخاطري منها، عجلات السيّارات، فوّهات الأكواب، الأطباق، الزخارف المنقوشة علي الأواني الخزفيّة خلف زجاج واجهة المحل الذي مررتُ به للتوّ، النقود المعدنيّة، ثم؟·· ويفرغ ذهني تمامًا، لا أتمكّن من العثور على المزيد من الأشياء المستديرة، أنظر حولي، الرصيف يكتظّ بالمارّة، كلّ واحدٍ منهم لا بدّ يستطيع أن يدلّني على اسمٍ أو أكثر لأشياء لم تخطر على بالي، أعترض طريق أحدهم، أسأله، يقهقه ثم يمضي، آخرٌ يبحلق في وجهي ويتّهمني بالجنون، ثالثٌ يدفعني بعيدًا عنه مهدّدًا بأنه سيسلّمني للشرطة، فأقرّر أن أقرأ الوجوه وأنا أبحث عن ضالّتي، أستثني الرجال فهم قساة القلوب، علّني أجد إجاباتي عند النساء، لن أتسرّع هذه المرّة، سأتأنّى حين أختار· أنتظر يومين متتاليين على قارعة الطريق، أكاد أسقط جوعًا وتعبًا·
 
أخيرًا حين تمرّ أمامي، أدرك فورًا أنها هي، أسير إليها مترنّحًا، أقف قبالتها، أمسك كتفها·
 
- توقّفي·· أرجوكِ، فتتوقّف·
Page 10
- أريد أن أسألكِ أستعطفها، تقاطعني قبل أن أكمل·
 
- نعم·· أعرف أسماء الكثير منها، لكن دعنا نجلس أوّلاً، لنرتاح ونأكل شيئاً، فقد مضى عليّ يومان وأنا أبحث عنكَ، قطعتُ خلالهما كلّ الشوارع بانتظار أن تأتي، كدتُ أنهار تعبًا، وأذكر أنه قد أُغمي عليّ مرّتين من فرط جوعي·· أين كنتَ؟! تأخّرتَ كثيرًا·
 
- كنتُ أدور حول نفسي، مثلكِ تمامًا، وكنتُ كل الوقت أُعزّي روحي بأنني قد خلقتُ لأبحثَ عنكِ، وأنكِ قد خُلقتِ لتوجدي، وها أنا·· وها أنتِ، أنا الآن السؤال، وأنتِ الإجابة، وقد كنتُ قبل يومين الإجابة، أتُرى حينذاك كنتِ أنتِ السؤال؟ أمّا وقد التقينا، فما عاد للبحث عن جدوى السؤال أي معنى، السؤال، بحدّ ذاته، هو كل المعنى، لماذا على كلّ الأشياء أن تكون ذات جدوى؟! ألستِ معي؟ أنا أظنّ أنه لو شغل كلّ امرءٍ نفسه باختيار سؤالٍ خاصٍّ به، تطول الإجابة عليه ولا تنتهي، لما قامت الحروب، ولما اختلق الناس المشاكل كي يقطعوا بها الوقت، فالوقت سيمضي، حتى وإن لم يقتلوه، هو سيقتل نفسه، ألا تظنيّن ذلك؟
 
- أظنّ أنك تتكلّم بشكلٍ متواصل، ولم تعطني حتى الآن فرصةً لأجيبك، ألم تجدني لهذا الغرض؟!·
 
- لا·· ما عاد غرضي البحث عن إجابة، السؤال بحدّ ذاته إجابة، لأنه حين يُسأَل، يكون قد خُلق، ومتى خُلق فستتعدّد الإجابات، قد تكون صائبة أو خاطئة، لا يهم، المهم هو موجدها الواحد، أي السؤال، وهي على كثرتها ستبقى تدور حوله، ألا تظنّين معي أن اللّه سؤال؟ لو لم يكن سؤالاً، لما بحثنا عن إجاباتٍ تدلّنا عليه، أنظري من أين بدأتُ·· وإلى أين وصلتُ، كنتُ سائرًا وحدي أقلّب فكرةً مرّت ببالي بغتةً، وها نحن الآن معًا نمضي لنبحث عن اللّه، أرأيتِ كيف أن الأشياء تنبثق فجأةً، تتوالد، ثم تغدو مجديةً حتى وإن كانت في بداياتها تبدو بلا جدوى؟!
 
ما بالكِ صامتةً، تكلّمي·· تكلّمي·· لماذا على أحدنا أن يتكلّم والآخر يصغي، لماذا لا نتكلّم معًا، أيجب علينا أن نسمع ونفهم كلّ ما يقوله الواحد منّا للآخر؟ دعينا نتكلّم معًا، أو نصمت معًا إن أردنا، فها نحن نأكل معًا، نسير معًا، نفكّر معًا، أليس كذلك؟ أتدرين؟ كنتُ أملُّ صوتي حين أسمعه وأنا أتكلّم وحدي، وأتمنّى لو أنني أصمت علّني أرتاح منه، لكن الآن، وأنت تتكلّمين معي، صار الحال أفضل بكثير، حتى أنني ما عدتُ أسمع صوتي أبدًا وأنا أحاول أن ألتقط كلماتك علّني أفهمها، فإن تعذّر عليّ ذلك، اشرحي لي أنت معنى كلامك، لكن عديني أن لا تخجلي إن لم يكن وراءَه أيّ معنىً، فلو كنتُ أبحثُ عن المعنى منذ البداية، لما وجدتكِ، وها أنت الآن معي، وهذا كل المعنى، أليس كذلك؟··
 
ترنو عيناكِ إليّ بنظرةٍ أخيرة، تهمسين في أذني بكلماتٍ لا أفهمها ثم تبتعدين،
 
ما بكِ؟!·· لماذا؟ لماذا تغادرين؟·· ارجعي، ارجعي أرجوكِ··
 
أناديكِ·· وأناديك، لكنّك تغيبين، وها أنا الآن أجد شيئًا جديدًا أشغل تفكيري به، أحاول أن أسبر غور دماغكِ، أظنّ أنك مثلي، رافقتني دون أن تدري لماذا، وهجرتني أيضًا، دون أن تدري لماذا· أليس من الأفضل لو أن الناس جميعًا تمحو من ذاكرتها كلّ علاقاتهم السابقة التي تربطهم بعضهم ببعض، وتهيم على وجوهها مثلنا، تترك حريّة الإختيار للصدفة، تجمعهم وتفرّقهم على هواها، دون أن يتكبّدوا عناء البحث عمّن يظنّون أنهم أنصافهم الأخرى التي تكمل أرواحهم؟·· حين ندرك أن لكلٍّ منا روحه المستقلّة الكاملة، ماذا يهمّنا من الآخر، ليكن من يكونه، وما يكونه، هو له نفسه، وأنا نفسي لي، إن اجتمعنا اليوم وافترقنا غدًا، ماذا يعني؟·· مثلي·· ومثلكِ·· أليس كذلك؟·· فها أنا أسألكِ مع أنك مضيتِ، فأين الفرق إذًا بين وجودكِ وعدمه، حين أقول لنفسي أنّكِ معي، سوف تكونين معي، هل أنا بحاجةٍ إلى شهود عيانٍ كي يقسموا بأنّك معي؟·· أنا الشاهد الوحيد عليّ، أليس ذلك أفضل؟!·· حتمًا ذلك أفضل· اسمعي، كانت البداية تكمن في البحث عن أسماء لأشياء مستديرة، وها أنا الآن أرى أن الإنسان فكرة، الحياة فكرة، وأن الفكرة مستديرة، فها هي تنتهي من حيث تبدأ، كالدائرة تمامًا، انظري إليّ كيف أعود إلى ناصية الشارع التي ابتدأتُ مسيرتي منها، أرجع إليها كما كنتُ قبل أن أتركها، أرأيتِ؟ أنا أدور·· وأدور·· وأدور·· وسألقاكِ من جديد·· وسنفترق من جديد، وسنظلّ ندور·· وندور·· دون أن نعي أننا نعاود إلى نقطة الصفر في كل مرّة، أتدرين متى سنتوقّف؟ حين ندرك أننا نحن، بإرادتنا، الذين لا نريد أن ندرك، لكن لا تحزني، لأن تلك هي البداية، والبدايات تبدأ هكذا دائماً، فنحن حين نرفض أن ندرك، يعني أننا، في أعماقنا، ندرك ما نرفض، ولهذا نرفضه·