eKtab
EN ع
إلى الغرب من نهر الأردن ج 2 / لهيب خان التجار
Read free sample

إلى الغرب من نهر الأردن ج 2 / لهيب خان التجار

by د. موسى عليان

Page 1
المقدمة
 
تعكس رواية "لهيب خان التجار"، وهي الجزء الثاني من ثلاثية "إلى الغرب من نهر الأردن"، أحداث الانتفاضة الثانية، التي انطلقت مع بداية هذا القرن، أي عام 2000، لتنتهي بوفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. إنّها تتمة للجزء الأول "كفر عويناس". ويتوزع مكانها على بقع جغرافية عدّة: نابلس ورام الله والريف. أمّا الشخصيات، فإنّ جزءاً كبيراً منها هم أبطال " كفرعويناس"أنفسهم. فهناك قيس الذي أصبح مسؤولاً عن لجنة المصالحة الوطنية، ولكن يعجز عن القيام بالمهام الصعبة المُلقاة على عاتقه، وهي رأب الصدع بين "التنظيم" و"الحركة" بسبب الانشقاق الحاد في الصف الفلسطيني. أمّا أكرم الذي أصبح أسير مقعده المتحرك بسبب الإصابة التي شلّته نصفيّاً، فإنّه يخوض غمار معركة صعبة جداً بسبب التناقض بين سلوكه ومعتقداته. في حين يعود فارس للبلاد مُثخناً بالجراح بعد خمسة عشر عاماً عاشها في إسبانيا أنهى فيها دراساته العليا، ليعود وهو يحلم بخلق جيل إعلامي جديد، فيصطدم بالكثير من العقبات. أمّا نورا فإنّها تنتقل إلى رام الله مكان عملها الجديد، لتجد عالماً مختلفاً عن قريتها الضيّقة، وبفضل ذلك تتحول إلى "رجل" العائلة فتنقذ أسرتها من الغرق.
 
إلا أنّ هناك شخصيات جديدة ومعظمها من الجيل الشاب والنسوية، تُناضل على حبهتين: التحرّر من الأفكار والعادات التي تعوق مسيرتهم من جهة، وضدّ الاحتلال من جهة أخرى. من هؤلاء عمر وعاصم اللذان يضطران إلى خوض غمار تجربة قاسية، خاصّة الأول الذي يعيش حياة بدائية في الجبال كونه مطارد. ثمّ هناك صفيّة القادمة من دمشق، والتي تخنقها عادات القرية بالدرجة نفسها التي تقمعها فيها قوات الاحتلال، ولكنها لا تستسلم فتناضل بقوة وذكاء على الجبهتين. ولُحسن الحظ ليست هي الشخصية الآنثوية الوحيدة التي تُدرك أهمية دورها كانثى، فمريم تحمل السلاح وتقوم بمهام عسكرية تقريباً، في حين تضطر الدكتورة إيمان زوجة قيس، إلى معالجة جرحى الانتفاضة في ظروف صعبة. إلا أنّ همّ هدى الوحيد، هو إنهاء دراستها لتساعد أسرتها متناسية دورها الوطني. وتنتمي شخصيات الرواية إلى مختلف الشرائح الاجتماعية والفكرية، ابتداء من السياسي وأستاذ الجامعة والطالب وغيره. إلا أنّ أكثر ما حاولت "لهيب خان التجار" تحقيقه هو تجسيد الواقعية، من خلال سلوك وأفكار شخصياتها وتصورهم في بيئاتهم الاجتماعية.
 
بالنسبة إلى لغة "لهيب خان التجار"، فإنّها سهلة وبسيطة قريبة إلى الأسلوب الصحفي، إلا أنّها في الوقت نفسه عميقة في أفكارها ومعانيها. أمّا إيقاع الرواية فإنّه سريع يشابه الحبكة والسرد السينمائي، بل حتى تقوم بتصوير الأحداث من خلال الكلمة الوصفية، فيتخيل القارئ الأحداث والشخصيات والأمكنة وكانه يشاهدها.
Page 2
الباب الأول: القناص
 
كان دوار مدينة نابلس الرئيس يعجُّ بالحركة، لدرجة أنّ أرصفته امتلأت ولم تعد تتسع لآلاف الأقدام التي تتزاحم عليه، فانتقل المارّة للسير وسط الساحة، مما أدّى إلى تعطيل حركة السيارات، التي ارتفعت أبواقها على الفور، وكانها تحتجّ على هذا "الاعتداء" لتختلط مع نداء وصياح أصحاب العربات المتنقلة، التي يعلنون فيها عن أسماء الخضار أو الفواكه أو الملابس التي يبيعونها... وفي خلفية كلّ هذا الضجيج كان يرتفع وبقوّة من السماعات المنصوبة في مختلف أرجاء الدوّار صوت أغنية "وين الملايين... الشعب العربي فين" المشهورة.
 
- بطيخ... بطيخ... أحمر يا بطيخ... عالموس يا بطيخ، ردّد عمر مرّة بعد الأخرى وبأعلى صوته، وعندما اقتربت منه فتاة لتشتري كرّر لازمته، ولكن بعد أن أضاف إليها كلمة حلو يا بطيح، بدلاً من أحمر.
 
- كم سعر البطيخة؟، سألته الفتاة التي كانت تضع منديلاّ ذا لونٍ زاهٍ فوق رأسها، وترتدي بنطال كابوي ضيّق، إلا أنّ (ال تي شيرت) الطويل الذي يصل إلى ما فوق الركبتين بقليل، غطّى النصف الأعلى لقامتها الفارهة والمتناسقة.
 
- على شأنّك سعر خاص... البطيخة الواحدة بخمسة "شواقل"...
 
- طيب اختارلي واحدة كبيرة وحمرا وحلوة.
 
- أكيّد... الحلو ما بلبقلوه إلا شي حلو...
 
إلا أنّ الملاحظة لم ترق للفتاة التي حدجته بنظرةٍ تدلّ على عدم رضاها، ولكن لم يهتم عمر لردّة فعلها، فآخر شيء كان يخطر بباله ويقصده هو التغزّل بالفتاة، وإنّما لجأ إلى هذا الأسلوب لإبعاد الشبهات عن نفسه، ولكي يبدو كبائع متجول عادي وثرثار. وبدون أن تنبس ببنت شفة. فتحت الفتاة محفظتها، وبدلاً من أن تناوله قطعاً نقديّةً أعطته مغلفاً صغيراً مغلقاً ومختوماً... وعلى الفور، وما إنْ شاهد شعار "التنظيم" الذي ينتمي اليه، والذي يغطّي جزءاً من الغلاف، حتى تصلّب في وقفته، وتمتم ببعض كلمات غير مفهومة وكانه يعتذر للفتاة عن كلمات "الغزل". وعندما استعاد سيطرته على نفسه ورفع رأسه ليعتذر بشكل صريح للفتاة، كانت هذه قد اختفت بين الزحام، ولم يعد يتبيّن لها أثراً.
Page 3
قرأ أُقصوصة الورق الصغيرة التي بداخل المغلف، والتي تخبره بطريقة مقتضبة، ولكن واضحة وحاسمة أنّه تمّ إلغاء العملية لأمور طارئة، وعليه أن يُعيد "البضاعة" إلى مكانها، أي إلى الحي القديم بوسط المدينة، وبالذّات خان التجار. لم يخالج عمر أيّ شكّ في صحّة الورقة، ففي ذيلها يكمن توقيع قائد الخليّة أبو عائد الذي يستطيع التعرّف عليه دون عناء. وقبل أن يدفع عربة اليد المحمّلة بعشرات حبات البطيخ، والمرتّبة فوق بعضها البعض بشكل هندسي جميل أقرب منه إلى الهرم، فتح قفص العربة ليطمئنّ على "البضاعة" الأخرى التي تستقر في أسفلها، وهي عبارة عن بندقية قنص وُضعت داخل علبة أنيقة، لا يدلّ مظهرها أبداً على أنّ بداخلها مثل هذا السلاح.
 
كانت الخطّة التي أعدّها تنظيمه العسكري "مغاويرالأقصى" التي عهد إليه بتنفيذها مع زميل آخر، هي قنص عدد من الجنود الإسرائيليين الذين احتلّوا سطح العمارة المطلّة على ساحة الدوّار، الذي يُعدّ المركز، بل العصب الرئيس لمدينة نابلس. وقد تمّ توقيت تنفيذ العملية عند تغيير فترة الحراسة والمناوبة، حيث يصعد أربعة جنود إلى سطح العمارة ليحلّوا محلّ أربعةٍ آخرين ينزلون إلى الشارع، فتقلّهم الحافلة العسكرية التي أحضرتهم. وفي تلك اللحظة عليه أن يطلق رصاصتين فقط على الجنديين اللذين يصعدان الحافلة من الجهة اليمنى، في حين أنّ زميله الآخر عليه أنْ يعمل الشيء نفسه ، ولكن من الجهة اليسرى، وهكذا يردونهم قتلى في ثوانٍ معدودة. وقد تمّ التخطيط للعملية بهذه الطريقة كي تتمّ بسرعة قبل أن يصل الجنود الأربعة إلى سطح العمارة، المُكوّنة من سبعة طوابق، فيبدؤون بإطلاق الرصاص على المارّة، فتحدث مجزرة.
 
- بطيخ... بطيخ أحمر وحلو يا بطيخ، قال عمر بصوت آلي وهامسٍ، وهو يدفع العربة نحو الحي القديم التاريخي بأزقّته التي لا يزيد عرض بعضها عن متر أو متر ونصف.
 
وقصّة عمر مع البطيخ لا تقتصر على بيعه وكسب لقمة عيشه من ورائه، فقد استعمله خلال فترة التدريب على القنص، فكانوا يضعون على مسافات معيّنة حبات من البطيخ معلقة بحبلٍ، وتتأرجح في الهواء شمالاً ويميناً، وبعضها ينزلق على طول عمود أفقي وكانها رأس إنسان يمشي، وعليه أن يصيب البطيخة وأن لا يُخطئ أبداً. حتى أنّهم كانوا يرسمون عليها بألوانٍ واضحةٍ ومغايرةٍ وجهاً بشرياً، أي عينان وفم وأنف وجبين، وعليه أن يصيب الهدف في موقع معيّن من الرأس.
 
وبشكلٍ تلقائي حبس أنفاسه وهو يتخيّل الوضعيّة التي يتخذها عند التصويب. عليه أن يكون هادئاً وينظّم عملية التنفس، ويضبط العدسة مع الأخذ بعين الاعتبار سرعة تحرّك الهدف والرياح، وذلك لكي يصيبه في المكان المُحدد، بعد ذلك عليه أن يتحسّس الزناد برفقٍ وكانه "جسد امرأة". ويتذكر هذا التعبير بالذّات لأنّ مدربهم كان لا ينفكّ يكرّره كلّما شرحه لهم، ومن ثمّ يضغط عليه بهدوء. لقد كرّر هذه العملية عشرات المرّات، وفي كلّ مرّة كانت البطيخة تنفجر إلى قطعٍ صغيرةٍ حمراء تتناثر في أرجاء المكان.
Page 4
حسب الخطة التي وضعها مع أبي عائد ورفاقه الآخرين في المجموعة، التي طبّقها وتمرّن عليها عشرات المرّات، عليه أن يكمن في الجهة اليمنى من الساحة، ويتوارى داخل أحد السيارات التي وُضعت خصّيصاً لهذه الغاية، حيث عُولج زجاجها بمادة بحيث لا يُشاهد من في الخارج ما في داخلها. وهناك يُعدّ بندقيته، وينتظر ريثما يهبط الجنود الأربعة من السطح ليستقلوا العربة التي تنتظرهم في الشارع. لقد حسب الوقت الذي يستغرقه هبوطهم، وراقب عشرات المرّات طريقة نزولهم، وحفظ عن ظهر قلب كيف يصعدون إلى المُصفّحة ويتصرّفون... عليه أن يقنص اثنين منهما، وبالضّبط الجنديان اللذان يصعدان إلى الآلية من الجهة اليمنية، في حين أنّ زميله الآخر يتكفل بالآخرين، اللذين يستديران من الجهة اليسرى للسيارة.
 
لقد أعطاه تنظيمه العسكري ثلاث رصاصات فقط لتحقيق الهدف، واحدة فقط احتياط، لأنّه إذا لم يصب الهدفين بدقّة فإنّ العمليّة ستفشل حيث سيفتح الجنود نيران رشاشاتهم، ويحصدون عشرات الأشخاص من بين الألوف في الدوّار لتحدث مجزرة رهيبة. وعلى الرّغم من عدم شكّه في قدرته على التصويب بدقة، إلا أنّ قلقه كان يتركّز على المفاجآت –وما أكثرها- التي قد تحدث خلال تنفيذ العملية. لقد تلقّى دروساً نظريّة، وأخرى عمليّة على الارتجال، واتّخاذ القرارات بدقة وبسرعة في ثوانٍ معدودة، وذلك لأنّه مهما كانت الخطة دقيقة، إلا أنّها لا تُطبّق بحذافيرها، فطبيعة الإنسان متغيرة، ومتبدّلة ولا يمكن أن يتكهن بها تماماً، وبالتالي يجب أن يكون مُستعداً للمفاجآت.
 
فتّش في جيب سرواله عن الأقصوصة التي أعطته إيّاها الفتاة، التي لا يزال يتذكر وجهها المُستدير، وبعضاً من خصلات الشعر الخرّوبي التي تطلّ من خارج المنديل، وكانها غماز أو كان شعرها يحتجّ على سجنه، تساءل من تكون وما اسمها وهويتها. وعلى الرغم من ارتياحه لشكلها، إلا أنّه طرد صورتها من مخيلته فهو بوضعٍ لا يسمح له أن يفكّر بالنّساء... أخرج المغلف ثانيةً، يريد أن يتحقق من الذي قرأه لعلّه يجد خللاً ما. إلا أنّ كلّ شيء واضحٌ. إنّهم يطلبون منه إلغاء العملية. تساءل عن سبب الإلغاء... هل طرأ شيء جديد، أو تمّ اكتشاف خطأ ما لم يأخذونه أصلاً في الحسبان؟. شعر بالخيبة والإحباط لذلك، فقد استعدّ لها جيداً حتى أنّه قدّر بالضبط أين ستستقر الرصاصتان. أسرع في دفع عربته ليعرف سبب تجميد العملية. وبسبب السرعة اختل توازن العربة، فوقعت إحدى عجلاتها في حفرة صغيرة فمالت قليلاً إلى أحد جانبيها، مما أدّى إلى سقوط بطيخة واحدة ، فتناثر "لحمها" الأحمر على الشارع. حمد الله لأنّه لم تسقط سوى واحدة، فهي متلاصقة جداً لدرجة أنّه من السهل أن يسقط معظمها... تذكّر عندها مقولة أو نظريّة سياسية تقول : إنّ دول الشرق الأوسط، والدول العربية بالذّات، مثل حبات خرز المسبحة، فإذا وقعت واحدة قد ينفرط العقد، ويختلّ توازن المنطقة بكاملها... تمنّى أن يحدث ذلك، فهو الكفيل الوحيد لخربطة حسابات الولايات المتحدة في المنطقة.
Page 5
- يجب أن أتأنّى وأحسب حساب كلّ خطوة، قال لنفسه وهو يحاول رفع بعض القطع الكبيرة ليلقيها في الحاوية القريبة.
 
تابع سيره لينتقل من زقاق إلى آخر أكثر ضيقاً لدرجة أنّ جوانب العربة كادت أن تصطدم بجدران المنازل القديمة، التي تتراص وتتداخل، فتبدو وكانها منزلٌ ضخمٌ لا تُعرف بدايته أو نهايته.
 
وصل تقريبا إلى نهاية الزقاق، فتح مخزناً صغيراً مقفولاً، وركن عربته فيه، وقبل أن يقفل الباب وينصرف فتح الخزانة السُفلى، وتناول العلبة الأنيقة ووضعها تحت إبطه، ثمّ سار لبضع عشرات من الخطوات في الزقاق نفسه، الذي بالكاد يتّسع لشخصين يسيران جنباً إلى جنب، وعند إحدى البيوت القديمة صعد درجاتٍ عدّة ملتوية قادته إلى منزلٍ تطلّ نوافذه على الزقاق.
 
إنّه المكان الذي يلتقي فيه أعضاء مجموعته، وكذلك يختبئ به بعض المطاردين من خلايا ومجموعات أخرى من الذين يثقون بهم، لهذا يُطلقون عليه اسم دار "العيلة"، حيث يشعرون بالأمان نظراً لسرّيته، ولعجز المخابرات الإسرائيلية حتى الآن عن اكتشافه، ولعدم قدرة الآليات الإسرائيلية الوصول إليه نظراً لضيق الشوارع. والأهمّ من كلّ ذلك أنّه يتمتع بمواصفات فريدة، فله مداخل عدّة تفضي إلى شوارع بل أحياء أخرى، حتى ويقال أنّه يتصل بأنفاق، ودهاليز سفلى قديمة وتاريخية مبنية منذ عهود قديمة وتاريخية، ترجع للعصر الروماني، ولكن هذه التفصيلة بالذات لا يعرفها إلا عدد محدود من الذين يلتقون في "دار العيلة". وهكذا ما إن يشعروا بالخطر حتى يفرّوا من مخارجه المتعددة.
 
همّ عمر بطرق الباب، ولكنه في اللحظة الأخيرة عدل وبقيت يده معلقة في الهواء... نظر يميناً وشمالاً كي يتأكّد بأنّ أحداً لا يراقبه أو يشاهده، ثمّ استدار على عقبيه، وعاد مسرعاً إلى الدّوار.
 
- لن أمتثل للأوامر ولن يقدر أحدٌ على إلغاء العملية... إنّ قائد المجموعة جبانٌ... ويحسب حساب كل شيء لدرجة أنّه أصبح عاجزاً على تنفيذ أيّ قرار، فلا يحسب سوى العواقب السلبية فقط، قال بإصرار لنفسه وهو يعود راكضاً نحو الميدان الرئيس للمدينة، وتحت إبطه بندقية القنص.
 
والحقيقة أنّ علاقته متوترة مع المسؤول عنه_ أبو عائد_ ويقفان على طرفي نقيض، فأسلوبهما في معالجة واتّخاذ القرارات مختلفٌ جداً، فعمر مندفع مع أنّه لا يصل إلى حدّ التهور، ولكن أبا عائد يفكر في النتائج كثيراً، فمثلاً إذا لم يتأكّد مائة بالمائة من نجاح العملية لا يعتمدها، وإذا لم يضمن نجاة جميع المدنيين الفلسطينيين يرفضها، مما جعله يمتنع عن تنفيذ العديد من العمليات العسكرية ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي، وقد أدّى ذلك إلى نقاشات حامية بينهما. وكثيراً ما ارتفعت أصواتهما خلال الاجتماعات لشدّة المناقشات وحدّتها... ومع الوقت أصبح لا يطيق مجرّد الجلوس والحديث معه.
Page 6
ما إنْ وصل الدوّار حتى بحث عن السيارة التي أعدّت ليكمن فيها ويطلق منها النار على الجنديين، وجد أنّها في مكانها المُحدد... كان ما يزال هناك متّسعاً لبضع دقائق قليلة، فالمصفّحة لم تصل بعد. حسب الخطة التي وضعها مع أبي عائد، يجب عليه وزميله أن يستغلّ الفوضى التي تحصل بعد إطلاق النار، حيث سينقلب الدوّار رأساً على عقب، ليهرب مع ألوف الأشخاص الذين سيتركون محلاّتهم وبضائعهم، ويفرّون للنجاة بجلودهم.
 
- ماذا سيحدث للسكان إذا فشلت العملية، عندها قد يطلق الجنود النار كالمجانين على كلّ من يتحرك؟...ألن تسبب عمليته مقتل وجرح العشرات منهم؟ في حين أنّ عدوّه سيخسر أربعة جنود فقط ؟ تساءل وهو يراقب مجيء الدورية...
 
إلا أنّ هذا التساؤل الذي يعرف تماماً الإجابة عنه لم يقنعه كي يتراجع عن العملية، التي أصبح تنفيذها أكثر صعوبة؛ بسبب أنّ زميله الذي سيشاركه فيها، قد امتثل لأوامر أبي عائد، وبالتالي سيتضاعف عدد القتلى من المدنيين.
 
- التحرير له ثمن... ولن يرحل اليهود عن بلادنا إلا إذا اضطروا لذلك... ثمّ أنّ خسارة إسرائيل لأربعة جنود سيكون لها وقع على إسرائيل أكثر بكثير من قتل وجرح عشرات المدنيين الفلسطينيين... والأهم أنّ الجيش لن ينعم بعدها بالهدوء ، هكذا حاول إقناع نفسه، ونجح في ذلك.
 
حبس أنفاسه عندما وصلت الآلية الإسرائيلية في موعدها المقرّر... إلا أنّ المفاجأة التي لم يتوقعها أنّه كان هناك جندي خامس يتولى قيادة السيارة العسكرية، في حين كان يأتي دائماً أربعة، فيصعد ثلاثة، ويبقى عسكري واحد ينتظر إلى أن ينزل الجنود الأربعة، عندها يترك لهم السيارة، ويصعد لاحقاً بزملائه... ولكنّهم الآن خمسة وليس أربعة... هل يتخلى عن العملية؟
 
أدخل يده في جيب معطفه ليتحسّس رصاصة إضافية كان قد استطاع الحصول عليها خلسة، ليصبح معه الآن أربع رصاصات بدلاً من ثلاث، متجاوزاً بذلك القوانين أو الأعراف الاحترافية للقنّاصة، التي بموجبها على القناص أن يطلق رصاصة قاتلة، أو على الأكثر اثنتين قاتلتين، في كلّ مرّة ينفّذ عملية قنص، ثمّ ينسحب بسرعة وبهدوء قبل أن يفطن أحدٌ إليه... ولكن إطلاق أربعة عيارات نارية عمل انتحاري، لأنّ هويته قد تكشف... والأهم أنّ دقّة التصويب في الرصاصات التي تلي الأولى ستكون أقل، لا سيما الثالثة والرابعة. إلا أنّ عمر كان مُصمّماً على إتمام العملية مهما كان الثمن، لا سيما وأنّ صورة شقيقه سعيد بلعابه الذي لا ينفكّ عن السيلان لا تفارق خياله ، فعمليات التعذيب في السجون الإسرائيلية حوّلته إلى شبه إنسان، وجعلته مُحطّماً، ويبدو أبلهاً. في حين أنّ ما جرى لشقيقته نورا على يد رجل المخابرات الإسرائيلية" دافيد" ، تجعل الدّم يغلي في عروقه.
Page 7
كانت المسافة بين المكان الذي يكمن فيه، ومدخل العمارة تقارب المائة متر... ثبّت العدسة جيداً... نزل الجنود الأربعة، ودخلوا العمارة ليصعدوا درجاتها المائة والخمس والعشرين، في حين بقي السائق وراء المقود... هيّأ نفسه منتظراً خروج المجموعة التي كانت على السطح. يعرف أنّهم يخرجون واحداً بعد الآخر لصغر حجم بوابة العمارة... يجب أن يتركهم يخرجون جميعاً، ثمّ يبدأ بإطلاق النار على الجندي الأخير لكي لا يُلاحظ الباقون، ثمّ ينتقل للذي أمامه... هل يسعفه الوقت لكي يستمر في إطلاق النار قبل أن يصلوا الجيب، ويستديروا وراء سيارتهم؟ وبذلك لا يستطيع عمل شيء؟... يجب أن يسرع في تنفيذ العملية، فلا يملك سوى نصف دقيقة أو حتى أقل قليلاً.
 
كتم أنفاسه عندما بدأ الجنود في الخروج، وهم يسيرون واحداً تلو الآخر... ارتسمت إشارة الصليب أو الزائد على مؤخّرة رأس الجندي الأخير... المسافة بين الجنود والآلية المصفّحة التي تنتظرهم لا تتجاوز العشرين متراً، ولهذا يجب أن يُسارع في إطلاق النار قبل أن يصلوا... تحسّس الزناد بشاهده ولمسه برفق وكأته يتحسسه ثمّ ضغط عليه، وفي الحال انفجر رأس الجندي، ولكنّه استمرّ في السير عدد من الخطوات، والدّماء تتدفق بغزارة من رأسه، ولولا الثغرة التي فتحها برأسه وجعلت الدماء تنبثق منها بقوة لشكّ في دقّة إصابته... تذكّر عندها قصيدة مشهورة لشاعر فلسطيني حفظها عن ظهر قلب منذ أن كان في الصفوف الابتدائية، ولكنّه لا يتذكر اسمه، تصف سلوك ديك حبش ذبحه اللحام لكي يحتفل به المسيحيون في أعياد الميلاد:
 
وجرى يصيح مُصفقاً حيناً
 
فلا بصر يزوغ ولا خطى تتنكب
 
حتى غلت به ريبة فسألتهم
 
خان السلاح أم المنية تكذب؟
 
قالوا حلاوة روحه رقصت به
 
فأجبتهم ما كل رقص يطرب
 
طرد الأبيات بسرعة وعاد إلى موضوعه، حمد الله لأنّ الضجيج والموسيقى والنداءات أخفت صوت الرصاصة. وبسرعة وقبل أن يسقط أرضاً حوّل عدسة منظار بندقيته للجندي الذي أمامه، والذي كان في تلك اللحظة يستدير للخلف، حيث يبدو أنّه شعر بحركة غربية، أو ربما صوت الجندي وهو يصيح من الألم، فعاجله برصاصة استقرت في جبينه الأيمن وهو يستدير... في حين كان الجندي الأول قد سقط أرضاً، بعد أن سار ليقعا فوق بعضهما البعض.
Page 8
اضطرب الجنود وتفرقوا بسرعة، وفي الوقت نفسه شاهرين أسلحتهم، وبدؤوا بإطلاق النار في جميع الاتجاهات... المفاجأة أربكتهم بل أذهلتهم، لأنّهم لم يتبيّنوا الجهة التي انطلقت منها الأعيرة النارية... اثنان منهم ركضا ليسعفا زملاءهم، أو ليتبيّنا حقيقة ما جرى لهما، في حين خرج السائق راكضاً نحو إحدى السيارات ليحتمي خلفها.
 
وفي الجانب الآخر، أي المدنيين، فقد علت صيحات الذعر من كلّ أرجاء الدوار، واندفعوا في جميع الاتجاهات نحو الأزقّة التي تنتهي، أو تبدأ بالساحة ليتواروا فيها، إلا أنّ البعض الآخر اختبأ في المحلاّت والدكاكين... ولكن هناك من سقط وأصيب.
 
وبسبب عدم معرفة الجنود لمصدر الرصاص، فإنّهم لم يحددوا المكان المناسب الذي يجب أن يكمنوا أو يحتموا فيه... سائق الدورية اختبأ وراء سيارة، ولكن في الجهة المقابلة لعمر، الذي لم يجد أي صعوبة في التصويب عليه... وبسرعة أطلق عليه رصاصة أصابته في رأسه. وقبل أن يطلق الجنديين النار نحو المكان الذي صدرت منه الرصاصة، خرج بسرعة من السيارة، مختلطاً بعشرات الأشخاص الذين ينتقلون من مكان لآخر، ليتحوّل من الجهة الجنوبية إلى الشمالية للدوّار... وما كاد أن يبعد عشرة أمتار، حتى انطلقت عشرات الرصاصات لتخترق سيارته من جميع الاتجاهات، وبعد قليل انفجرت مُحدثةً دويّاً شديداً، ولهباً أحمر ليعقبه دخان أسود. وعلى إثره انهار الزجاج من عشرات العمارات التي تصطف حول الساحة ليتساقط فوق رؤوس المارّة، أو بعبارة أدقّ الفارّين، ليقع مزيدٌ من الجرحى ... وفي أثناء ذلك كان عمر قد استطاع أن يعكس مكانه ليكون في الجهة المقابلة، أي الشمالية للدوّار.
 
أصبح الجنديان قبالته، وعلى بعد 30 متراً تقريباً، كانا لا يزالان مستمرين في إطلاق الرصاص على السيارة بشكل متواصل، بل هستيري، رغم أنّها انفجرت. لم يكتشفا وجوده... لم يبق معه سوى رصاصة واحدة... لم يفكر كثيراً ماذا يعمل، استمرّ في الاقتراب من الجنديين اللذين كانا يديران له ظهريهما، أصبح على مسافة 15 متراً فقط... اقترب أكثر وأكثر قبل أن يطلق الرصاصة الوحيدة التي لا تزال في البندقية... لا يحتاج إلى عناء كبير للتصويب بل لا يحتاج إلى المنظار من هذه المسافة... صوّب على أحدهما فانفجر رأسه كالبطيخة، وتناثر مخّه على زميله الذي تجمّد من هول المفاجأة، لا سيما وهو يشاهد عمر يندفع نحوه بسرعة، وبتصميم شاهراً سلاحه... وعندما لم تعد تفصلهما سوى مترين أو ثلاثة فقط، تناول البندقية من مقدمتها، وبكل قوّة ضربه بأخمصها على رأسه... ترنح الجندي وسقطت خوذته وبندقتيه أرضاً... استلّ عمر خنجراً وأمسك بشعر رأسه الطويل، ووجه له طعنات عدّة في رقبته ووجهه وصدره:
 
- هذا من أجلك يا أخي سعيد... هذا من أجلك يا أختي نورا، كان يردّد في كل مرّة يوجّه طعنة له...
Page 9
وعندما تيقن أنّه فارق الحياة تركه يسقط أرضاً، بعدها تناول سلاحه، وفرّ مع ما تبقى من المارة الذين خفّت نسبتهم، ولكن الرصاص استمرّ في الانهمار فوق الرؤوس، وفي جميع الاتجاهات بغزارة من قبل الجنود الأربعة، الذين كانوا قد وصلوا إلى سطح العمارة.
 
كان هدفه هو الوصول إلى أوّل زقاق ليختفي، ويحتمي من وابل الرصاص الذي ينهمر كالمطر على الساحة، فتوجّه نحو أقرب مدخل زقاق يؤدي إلى البلدة القديمة وهو يحمل البندقيتين... وهذا يعني أنّ عليه أن يقطع الدوّار، والعودة إلى المكان الأوّل الذي أطلق منه النار، أي إلى الجانب الجنوبي منه... المسافة لا تقلّ عن مائة متر... وابل الرصاص الكثيف لا يتوقف... أخذ يركض بكلّ قوته على شكل حرف "زد" لكي يتجنب الإصابة... شعر بسائل حار يتدفق من ساقه، لم يلتفت ولم يُعره أيّ اهتمام، فالألم ليس كبيراً، فهمّه الأول كان يتركز على اجتياز الخمسين متراً الباقية، التي لا تزال تفصله عن مدخل الزقاق...
 
نظر بطرف عينه إلى أعلى العمارة المواجهة، كان الجنود الأربعة منتصبين، ويطلقون النار من أسلحتهم الأوتوماتيكية في كلّ الاتجاهات... الساحة امتلأت بالمصابين وأصوات استغاثتهم وهلعهم تسمع بوضوح... حذاؤه امتلأ بالدماء ... شعر بلسعة حادّة في كتفه، تحسس بكفه الإصابة، وعلى الفور تلطّخ باللون الأحمر، إنّه الجرح الثاني. استمر في الركض بنفس طريقة "الزد". ومع كل خطوة يتقدّمها يشعر بأنّ قواه بدأت تخور، ورأى الموت أمام عينيه. لا بدّ وأنّهم يقصدونه حيث لاحظوا السلاح الذي يحمله... تبدو له الأمتار العشرون الباقية التي تفصله عن فوهة الزقاق مسافةً طويلةً جداً، مع كلّ خطوة يتقدّم بها يحسّ بأنّها استنفدت ما تبقى من قواه، في حين كانت الدّماء لا تكفّ عن التدفّق من كتفه وساقه... ولكن في تلك اللحظة انخفضت فجأة نسبة إطلاق الرصاص عليه، لتنتقل نحو جهة أخرى من الدوّار... مجموعة من الرفاق بدؤوا بالرّد على الجنود الأربعة، مما خفّف من كثافة انهمار الرصاص، وبفضل ذلك نجا من موت محقق، واستطاع الوصول إلى أول مدخل زقاق...
 
تنفّس الصّعداء... نظر إلى ساقه، رصاصة اخترقت بطّة ساقه، ولكن من الخلف... تساءل عن مدى فداحة الإصابة وهو يرى دماءه تنزف بغزارة، ولكنّه طمأن نفسه بعض الشيء عندما توصّل إلى قناعة بأنّه لو كانت الإصابة بعظم الساق لعجز عن السير، لا بدّ وأنّها اخترقت اللحم فقط ، إلا أنّ إصابة الكتف تؤلمه وتقلقه أكثر، حرّك ذراعه ليتأكدّ بأنّها لا تزال سليمة، لم يستطع رفعها إلى أعلى، وفي الوقت نفسه شعر بألم قوي... تحامل على نفسه، وحاول السير باتجاه مقرّ حركته... المسافة لا تقلّ عن نصف كلم... بدت له مستحيلة في حين أنّ البندقيتين كانتا تثقلان كاهله.
Page 10
- المناضل لا يتخلّى عن بندقيته، همس لنفسه، ليطرد أيّ تفكير، أو نيّة في التخلي عن بندقيته أو عن غنيمته الثمينة والمُتطورة: M-16، ضمّها بطريقة لا شعورية إلى صدره، وكانها إثبات دامغ على تحقيق النصر على عدوّ قوي ومتعجرف.
 
عشرات الأشخاص الفارين يمرّون من جانبه، تمنّى لو توقف أحدهم ليساعده في الوصول، إلا أنّ أحداً لم يلتفت إليه، فالرّعب كان يسيطر عليهم، كما أنّ البندقيتين اللتين يحملهما تجعلهم يبتعدون، بل يفرّون منه بسرعة، كانهما إشارة خطر. تابع سيره وخيط من الدماء يسير وراءه أينما ذهب، في حين امتلأ حذاؤه به، ومع كلّ خطوة يسيرها تخرج منه دفقة من هذا السائل الأحمر. أمّا قميصه فقد ابتلّ تماماً من الناحية اليمنى وأصبح لونه قانياً. كان أشدّ ما يخشاه أن تصل قوات إضافية من الجيش الإسرائيلي وتدخل الأزقة وتقبض عليه، حينها فضّل الموت على ذلك، فهو يعرف من شقيقه ورفاق سابقين، أنّ الموت أهون مائة مرّة من عذاب المخابرات الإسرائيلية.
 
قرأ سورة الفاتحة ثمّ آية الكرسي لعلّها تُعطيه القوّة والأمان، إلا أنّه لم يستطع إتمامها، حيث فقد تركيزه وشعر بأنّه يدوخ وساقاه لم تعدا تحملانه، وقبل أن يسقط أرضاً أحسّ بأنّ يدين قويتين تمسكانه... التفت يميناً ويساراً، وشعر باطمئنان عندما لاحظ شباباً يلفّون رؤوسهم بالكوفية الفلسطينية... خلع أحدهم لثامه، تعرّف عليه، إنّه رفيقه وصديقه عاصم، الذي شقّ الكوفية لنصفين، مُخاطراً بمعرفة هويته الشخصية من قبل العملاء الذين تضجّ بهم مدينة نابلس. لفّ أسفل ساقه بالنصف الأول، وبالجزء الثاني كتفه، لكي يحدّ من نزيف الدّم الحاد.
 
- لا عليك سوف تصل وسوف نعالجك... اصمد، قال له عاصم، وهو الرفيق الذي كان سيشاركه في تنفيذ العملية.
 
استنتج عمر بأنّ مجموعته أدركت، عندما لم يعد ولم يُسلّم بندقية القنص، بأنّه لن يمتثل لأوامر أبي عائد وسينفذ العملية بمفرده... وتيقنوا من استنتاجهم عندما سمعوا إطلاق النار من الدوّار، فهرعوا على الفور.
 
- ولكن... لماذا عملتها؟، لماذا عملتها؟ لماذا؟!... لماذ؟!... سأله عاصم بحرقة وبنوع من العتاب الودود... ولكن عمر لم يشأ أن يجيبه، فقواه بدأت تخور تدريجياً لدرجة أنّه عجز عن الرّد.
 
رفعاه من أسفل إبطيه ، ولكن سرعتهما كانت بطيئة، فالحمل ثقيل، اذ أنّ طول عمر يتجاوز 185 سم، ووزنه لا يقلّ عن 95 كغم، وإذا استمرّوا على هذا المنوال، فسينزف دماءه، وبالتالي لن يصل حيّاً إلى المخبأ... كانت هناك عربة يد للخضروات يبدو أنّ صاحبها تركها وهرب. وعلى الفور قلبوها رأساً على عقب ليفرغوا محتوياتها على الأرض، ووضعوا عمر في داخلها. دفع عاصم العربة إلى الأمام وبسرعة، وفي الوقت نفسه طلب من الرفيق الآخر أن يسرع لكي يحضر طبيباً، قبل أن تفرض قوات الاحتلال منع التجول على المدينة، ويتعذّر الانتقال ، وبالتالي إحضار الطبيب.