eKtab
EN ع
إلى اللقاء قاتلتي
Read free sample

إلى اللقاء قاتلتي

by إبراهيم عيسى

Page 1

مقدمة

ليس وجودنا في وضع معين، أكان حبّاً أم علاقة عابرة أم مشاكل يومية تعترض سبيلنا، هو ما يكوننا ويكون تفكيرنا وآراءنا، وينحت في داخلنا الشخصية التي نريد أن نكون، بل تربيتنا وثقافتنا ومنطقنا في الحياة كل ذلك يكون شخصيتنا، ويجعلنا نتقبل الآخر باختلافه واختلاف تفكيره وثقافته ودينه ولونه وشكله.
إن الاختلافات الإنسانية وجدت لتكوّن هذا المجتمع ولتجعله فسيفساء ملونة ومتعددة المفاهيم، وإلا لكنا لوحة رسمت بلون واحد وشكل واحد لا حياة فيها ولا روح، غير أن هذا الرسام الأوحد أراد من خلال تصاويره المختلفة أن يكون لوحة متعددة الألوان والأشكال لينفخ روحه فيها.
فلنكن لوحة ثقافية رائعة على اختلاف ألوانها وأشكالها، ولنكن فسيفساء اجتماعية ثقافية متحضرة.
أعطتني قلماً وأوراقاً وقالت: أكتب... وضعت أغنية ذات لحن حزين، يعكس روحي... وكأنها وضعت مرآة في القرص المدمج.. مرسمها يعج باللوحات، كل حائط في هذا المرسم يلبس فوق جلده لوحة... امرأة تتربص بي لا هي حزينة ولا ضاحكة، متمرّدة متوجّعة تترقب البعيد اللاموجود.. فتاة أخرى عارية تغتسل بماء الألوان...
أخرى ترقص بريشة صديقتي الرسامة... وجوه عابسة، ضاحكة، باكية، متمردة، مقرفة، مشمئزة، متعصبة... كلها تتربص بي، أدركت أنني لست في حضرة صديقتي فقط، إنما تجالسني لوحات تكاد تنطق وتشخط وتضحك وتبكي لي وعليّ.
حتى قطتها تراقبني، تنزل تارة وتصعد طوراً على الكرسي وكأنها تريد أيضاً أن تكتب أو ترسم ما يجول في خاطرها...
آريا.. وسألتها ماذا يعني اسمك؟ فقالت: العرق الآري... آريا إذن تختصر عرقاً بشريّاً في ذاته، العرق الآري كله جالس قبالتي يرسم حالات مجتمعنا هذا، بضحكه، ببؤسه ومرضه وفرحه وحزنه و... و... و...
يستطيب لآريا أن تشرب قهوتها الكردية باردة، ودون أن تعلم فهي تشرب برودة عرقها الآري الجاري في التاريخ.
سألتها ماذا أكتب؟ فأجابتني بثقة رسامة متمكنة تصاوير الوجوه البشرية المحملة بالتعابير... أكتب عمّا قبل البارحة...
أيا قبل بارحة يحمل ذكرى مؤلمة، يحمل تجربة اختصرت حياتي كلها من الولادة إلى قبل البارحة.
بين أغنية وأغنية تضع آريا أغنية تفسر حالاتي النفسية وتجاربي وقصصي وتحمل قصة قبل البارحة...
استيقظت من صحوتي، فأنا لم أنم أصلاً ولم يزرني أي حلم؛ فكرة واحدة استوطنت تفكيري طوال الليل منتظرة صباح اليوم التالي لتسكن واقعي.. فكرة أتت ورسمت وخططت منتظرة ضعفي لتحقق فيه فيلمها الذي أخرجته طوال الليل.
استيقظت ووقفت أمام المرآة، فركت أسناني، غسلت وجهي كأي يوم عادي ولبست ثيابي.
ركبت سيارتي وقادتني هي إلى مكان عملي، وبملامح وجهي اليومي استقبلت الزبائن... لا أحد استطاع أن يرى الفيلم المعدّ في رأسي، ولا أن يستشعر أي لقطة يمكن أن تحدث لاحقاً..
وحده صديق، وهو ممرض في قسم الأمراض العصبية والنفسية، استطاع أن يسرق بداية الفيلم الذي وضعت مخططاً له في رأسي.
سألته بضعة أسئلة عن أدوية عصبية وحالات لأمراض نفسية، ولم أدرك أنه بحنكته العملية سوف يعلم بمخططي...
جالسني طوال النهار وأنا أترقب عقارب الساعة التي تركض نحو الثالثة... اخترت الساعة الثالثة لبدايتي... لبداية النهاية، لِمَ الساعة الثالثة؟ لا أدري... لا يمت لي رقم ثلاثة بأي صلة عاطفية أو يعني لي شيئاً، إنما هكذا عشوائياً اخترت الساعة الثالثة.
قدرت أن أحداً لن يكون في المنزل في هذا الوقت، أنا فقط ورقم ثلاثة وبضع حبوب كفيلة بأن تجلب الراحة لي.
Page 2
وضعت الورقة والقلم وكتبت «نهاية النهاية»...
لا أدري إن كانت قصيدة أم وصية أم بعض أفكار جالت في خاطر دقائقي الأخيرة...
أوصيت صديقتي آريا أن توصل هذه القصيدة إلى أهلي، لربما قرروا أن يحفروها على قبري أو يعتبروها ورقة نعي.
الثالثة إلا ربعاً، دقات قلبي تزيد... مسرعة هي كحصان في سهل واسع، الرعشة تصيبني، العرق يتدفق من جبيني كدموع أرملة...
حالات نفسية كثيرة تعصف بي، رجفة لا أستطيع وقفها...
وصلت إلى البيت، وببرودة لم أعرفها من قبل...
فتحت البراد، أخذت علبة الدواء، علبة خلاصي، حبوب سكوني، أقراصاً مسكنة لروحي...
هي عشرة، عشرة أقراص، لا أدري معنى الأرقام هنا في لحظاتي الأخيرة هذه، لا الرقم ثلاثة يعني لي شيئاً ولا حتى عشرة أيضاً، وهل يُفترض أن تعني لي الأرقام شيئاً، في هذه اللحظة؟ لا... على اللحظة فقط أن تعني لي...
تدهم الأرقام لحظاتي، حتى الأرقام التي طلبتها عبر هاتفي آخر رقم كان رقمها... بعد عدة اتصالات ردّت... ردّت سيدة لحظتي الأخيرة، وسيدة كل لحظة من حياتي... أجابت السيدة العظيمة التي تتوّج كل لحظة، وكل تفصيل، وكل نفس، وكل وجع، وكل بسمة، وكل دمعة، وكل شيء فيّ.
وهي تجيب تناولت الحبوب العشر كلها دفعةً واحدة، أصبح الموت في داخلي، الآن أصبح الطريق إلى النهاية في داخلي، أصبح المجهول يسكنني... المجهول وصوتها..
ماذا هناك؟ ببرودة أجابت.
  • - لا شيء، سماع صوتك فقط للمرة الأخيرة هو سيد كل شيء.
  • - ماذا تعني؟
  • - لا شيء، قررت وضع حد لحياتي، لأحلامي، لطموحاتي، لبكائي، لفرحي، لبسمتي، لدمعتي، لنشوتي، لصراخي، لحبي لك.
  • - إن استطعت أن تصلي إلي، أرجوك خذيني إلى المشفى ذاته الذي توفي فيه أبي، فهناك أريد اللحاق به، من حيث هو رحل، لن أذهب إليه من طريق ثانٍ...
كفاك لعباً... كفاك حركات صبيانية، أنا لا أستحق هذا كله...اتصل بغيري..
  • - وكأنها الصاعقة نزلت علي، وكأنها هذه هي اللحظة القاتلة، وكأن روحي لن تنتظر مفعول الأدوية بل استشهدت عند هذه الكلمة. كلمة كانت كفيلة بقتلي...ولو عرفت قبلاً لما استنجدت بحبوب لموتي، لانتظرت موتي على يديها حين نطقت.
كنت أطمح أن أموت وأنت بقربي...أمنية فقط.
  • - أقفلت الهاتف... قبعت داخل سريري منتظراً ساعة الإقلاع... رحلة إلى المجهول، إلى حيث لا أدري، إلى حيث تمكث الحقيقة الكاملة إلى اللّامكان...
كان صديقي الممرض قد استشعر كلّ شيء، اتصل بإخوتي، دخلوا البيت مذعورين، وأنا نصف جثة هامدة، تلتحف بتذكرة رحيلها الأبدي. المسعفون حولي وأنا بين الواقع والمجهول، أتمسّك بالمجهول أكثر من الواقع... أريد بكل ما في نفسي من شغف أن أنتقل إلى الضفة الثانية...
فراغ أبيض... بياض ناصع... ضباب كثيف... لا أحد ينتظرني هناك، لا أبي الذي أتوق إلى رؤيته، ولا فوج الملائكة المرنمين ترنيمة الموت...
لا أحد ولا شيء...
كنت أظن أن هناك من ينتظرني، إلا أن أحداً لم يكن في استقبالي...
خفت في تلك اللحظة من أن أذهب إلى مكان فارغ، غير مأهول، أستوطنه وحدي... ذعرت كثيراً حين شاهدت الفراغ، ولكن لم أقرر العودة، أدركت أن الرحلة بدأت وعليّ الوصول إلى النهاية إلى حيث لا شيء، وإلى حيث أي شيء ممكن...
حين فتحت عينيّ كنت أظن أني أمسك بيد أبي، وأنني وصلت إلى نهاية رحلتي... غير أنني حين أدرت وجهي رأيت الطبيب ممسكاً يدي... أدركت أن رحلتي لم تقلع بعد، حتى أنني لم أحجز تذكرتي، ولم أجلس في مقعدي أيضاً... لِمَ؟ فأنا لا أريد البقاء هنا... حتى موتي صعب أن أصل إليه... صعب أن أصل إلى أي شيء أشتهيه وأريده،... حتى أنت، كان صعباً، لا بل مستحيلاً الوصول إليك... وبما أن المستحيل يستوطن عالمي وكياني... قررت أن أغير كل شيء علِّي أغير قليلاً من هذا المستحيل ليصبح ملموساً أو حقيقياً...
التقطت الأوراق والقلم وقررت الكتابة، كتابة كل الأحداث التي وقعت، كتابة الذكريات، كتابة حبي لك وكتابتك، ...كي لا تصبح جميعاً طي النسيان، أو كي لا تندرج في خانة المستحيل، وكي أغير بها المستحيل إلى الحقيقة.
...كي أغير كل شيء، قررت الكتابة...
Page 3

الفصل الأول

لم أدرِ يوماً أنني سوف أكتب وجعي وحزني وأيامي على هذه الورقة.
لم أكن أعلم أنه سيأتي يوم ألتقط فيه قلمي وأقرر البوح لأوراقي بيومياتي وسر حياتي، وأنا لست بكاتب ولا بشاعر ولا بروائي أو صحفي، احترف، من قبل، اللعب بالكلمات والحروف ليخط قصيدة أو كتاباً، أو يسترسل فيّ شعراً يخاطب فيه حبيبته أو وطنه أو أمه، أو يخاطب فيه نفسه.
لا أدري إن كان قلمي سوف يقف عند هذه الصفحة البيضاء أم أنه سوف يكمل اغتصابه للأوراق الباقية فيقضّ مضجعها، ولا أعلم أين ستأخذني هذه الكلمات، وماذا ستكتب فيّ، هل ستكتب قصة حياتي، يومياتي وعلاقتي بالنساء اللواتي عرفتهن، أم ستكتب صراعي مع المجتمع وعقائدي وجنوني. فأنا مجنون وصلت إلى حد الصراع مع نفسي ومجتمعي، أقف الآن أمام عقائدي ومبادئي وأفكاري وإيماني كمجرم يقف أمام حكمه، وقد واجه، قبلاً، تهمته وضحيته وجهاً لوجه.
أصبحت أفكاري ومعتقداتي وهواجسي تشكل لي خوفاً من الأيام، وكذلك من الماضي ومن المستقبل الآتي.. أصبحت تشكل لي وجعاً وتصارع يومي مع ما أراه ومع الذين ألتقيهم من أناس وأفكار.
لا أدري تاريخ اليوم، فأنا ضائع في روزنامة الأيام، وجميع هذه الأيام على سواء من التشابه والأحداث في بحر السنة.
جمعت أوراقي وقلمي الذي كلما ضاع أبحث عن غيره في زوايا غرفتي، وكأنه يهرب مني عمداً كي لا يكون شاهداً حياً على صراعي وضياعي معك ومع حبي لك... ولكي لا يكون المرتكب الأول لجريمتي ومرافقاً لرحلتي مع هذه الصفحات البيضاء، واغتصابي لبياضهنّ لينطقن بالأحرف ويصحن بألمهن وألمي ومرارتهن ومرارتي.
لملمت شتات نفسي، واصطحبت بقاياها وهربت.
في تلك الليلة العاصفة الهوجاء كنفسي المضطربة المريضة على فراش الألم، سبقتني الغيوم الباكية وكأنها تشارك عيني في المطر، سبقتني كلماتي إلى كرسيّ المعتاد في مقهى وحدتي.
دخلت مقهاي المنفى الواقع في شارع في الأشرفية، ليستقبلني (سايد) النادل ويفتح الباب لي...
نرجيلتك يا باشا.
  • - نعم وكالمعتاد.
  • - أأحضر لك شايك الأبيض الآن؟
  • - لا، لاحقاً لو سمحت...فالآن مشغول في تفتيشي عنك، لعل طيفك جالس إلى طاولتي ينتظرني.
  • - فهنا تعودت ملاقاتك، وهنا تعودت مغازلتك على مرأى من(سايد) وهنا تعودت...وهنا...وهنا...
  • - وحدك اليوم يا باشا؟ ليه؟
  • - نعم وحدي، ...حتى هو لم يلاحظ طيفك يدخل معي، ولا ضحكتك في مسام الجدران، وعيناي في كل لحظة تتركان الورقة لتراقبا الباب علك تدخلين كعادتك بمشيتك المختالة لتقبليني وتجلسي بقربي..
  • - حتى وجهك لم يخرج من بين الصفحات لينحت معي كلماتي كعادته..
في هذه اللحظة كانت تمطر بغزارة وكأنها تبكي غيابك، حتى الكلمات لا تخرج كعادتها مفتشة عنك بين ثناياها.
- الشاي يا باشا...
  • - ويتركني(سايد) وحدي، فنجاني، أوراقي، كلماتي وأنت غائبة، كيف سيكون مذاقه وأنت لم ترتشفي أول رشفة قبلي؟ فقد تعودت شفتاك تقبيله، وتعودت أنا بين كل رشفة، شفة منك تحلي مذاقه.
ويرن هاتفي، لأستقبل رسالة نصية منك، لتخبرني بعذابك وأحلامك وصراعك، وكيف أنك تتوجعين لغيابي عنك، وأن نضالك قد يتوقف في أي لحظة ويلفظ أنفاسه الأخيرة.
لا تعيش الشعوب المحطمة سيدتي إذا توقف نضالها، ونضالك يتزامن مع ثورة مصر وتونس وتفشيها في بقية الدول العربية المحطمة في ظل الأنظمة الإمبريالية والديكتاتورية...أهو تشابه لنضالنا مع هذه الشعوب أم قضيتنا مختلفة تماماً؟
ما دخل حبنا بتلك الأنظمة؟
Page 4
لا، هناك تشابه حاد ومتقارب جداً، فكما أنّ هذه الشعوب ملّت أنظمتها الديكتاتورية كذلك حبنا ملّ أنظمة الطوائف وقوانينها المتداخلة في تفاصيل حبنا الصغير... لو توقفت تلك الشعوب عن نضالها ضد أنظمتها لما نالت حريتها، ولو توقفنا عن ثورتنا لسوف نكون كالبقية منصاعين لأوامر السلطة الطائفية العليا، ولأصبحنا كالبقية قطعاناً تساق للذبح على معابد تلك الأنظمة.
البارحة كان غيرك، واليوم أنت، ولا أدري إن غداً سوف تأتي نساء بعدك، يكتبن هذه الصفحات كما كتبن في أوراق حياتي تفاصيلهن وعلاقاتهن وأجسادهن، وطبعن في ذهني وجسدي كلماتهن.
يخطر في بالي مع كل رشفة من فنجاني قصيدة لنزار قباني... وهل تكتفين أنت بقطعة سكر؟ كلا لن أكتفي بقطعة واحدة في فنجاني كما فعلت سابقاً، فالآن أنت لست معي وشفتاك لا تعصران حلاوتهما في فنجاني، ولو وضعت كل قطع السكر وما في كوبا من إنتاج للسكر لن يضاهي حلاوة شفتيك وريقهما المعسل.
يستفزني المطر خارجاً لأكتب، وإنارة السيارات المارة المنعكسة على حبات المطر كانعكاس حبك في روحي...
سوف أكتب عنك وعني، وآن الأوان لمن يقرأ هذه الصفحات أن يعرف من أنت، ويعرف وجعي وألمي وحزنك ومرارتك...
سوف أكتب عنك وعني، وعن غيرك ممّن سبقنك إلى معرفة تفاصيل حياتي ويومياتي، وإلى معرفة تفاصيل فراشي وطريقتي في ممارسة الحب وطريقتي في قتل الحب.
أنت...من أنت؟ أأنت عابرة سبيل في أيامي استوقفك قطار محطتي؟ أم أنت كاتبة هذه الصفحات، وعلاقتي بك وما يرافقها من تفاصيل عنوان لكلماتي وصفحاتي وأوراقي وأيامي...
أنت الفرح والحزن في آن، وأنت الوجع والضحك في الوقت ذاته، أنت الكفر والإيمان، الشهوة والمحرمات والمحللات، أنت التناقض المثير في حياتي، أنت ببراءتك وطفولتك وجنونك وعقلانيتك ومنطقك وتحليلك وطريقتك في تسيير حياتي، أنت اللاشيء وكل شيء...أنت أنا...ولتسقط بقيّة الكلمات، فحين أقول أنت أنا، فهذا يعني أنك تفكيري ومبادئي وأنك أنت كتابي...
وكيف يعقل أيتها السيدة العابرة أو المحلية أن تكوني سر حياتي وصراعي مع المجتمع.
لِمَ يستوقفني حبك، وعلاقتي بك، ولِمَ أتشتت أنا وأفكاري وأغرق في حيرتي ما لم ولن تكون قضية أساسية لثورتي مع تلك الأنظمة الطائفية وما تمثل من صد وهجوم على وجودي وأفكاري..
أنت ذاك الملاك القادم من طائفة وأنا هذا الرجل الذي وقع فيك إلى حد الجنون والهوس...وأنا من طائفة أخرى... أنت وأنا عنصران أساسيان لتحريك مجتمع، وأنا وأنت الصراع الأساسي لهذا المجتمع..
ألم أقل لك إننا تناقض مثير يخبئ في طياته كل هذه الكلمات؟
  • - سايد...الحساب لو سمحت.
  • - حاضر يابيه...
وأترك قلمي وأوراقي ووجعي على طاولة منفاي، وأتركك تخطّين في يومياتي وحبك وروحك، وأدعك تنفخين في الهواء أنفاسك التي سترافقني في أوراقي.
أمشي قليلاً تحت المطر، لأتذوق دمعك الهاطل من غيم السماء، ولأذوب دمعي بمطرك حتى لا يدري الغيم أنني أبكيك فيصيح بي البرق والرعد خوفاً من أن تشعر بي غيمات عينيك وتكثر الدمع.
أخرج من هذا المقهى، تاركاً طيفك ورائي جالساً بمفرده إلى طاولتي لينتظرني للمرة المقبلة كي أكتبه سطوراً معبرة.
أعود إلى الواقع، أعود إلى نفسي أعود إلى بيتي، إلى غرفتي الباردة، أعود إلى فراشي أفتش عن بقايا جسدك فيه ولا أجد سوى ذكريات لليال شهوانية هوجاء، ورائحة عطرك على وسادتي تمارسني حباً طوال أحلامي الليلية.
Page 5

الفصل الثاني

أصبحت أحب وحدتي... وغدوت متعلقاً بصمتي، وفي حضرته أشعر أنني داخل معبد آلهة إغريقية طوى الزمان وجودها ولم يبق منها سوى تماثيل شاهدة على عبادتها وألوهيتها في تلك الأزمنة، وبعض صفحات في كتب التاريخ التي تدرس في مدارس اليوم.
وفي ظل وحدتي وداخل معبدها سمحت لها بالدخول، سمحت لها بدخول صمتي وأيامي وكتاباتي...
في ظل ظروف غيابك الموقت عني تحت ظل الأنظمة الطائفية دخلت هي لتحاول أن تكون سيدة وحدتي وسيدة صمتي...
لا أدري كيف تسللت إلى معبدك الذي بنيته داخل حياتي، أدخلت تصلي ووجدتني أنا ذلك الكاهن أشعل بخور حبك أمام تماثيلك أم دخلت قاصدة كاهن المعبد ذاك؟
لا أدري من هي، ولا من أين أتت، ربما من بقايا الماضي وذاك الزمن الحافل بالتجارب والنساء والكلمات؛ جريئة هي لتمتطي رياح الماضي وتحمل بقاياها وتدخل حاضري، وأنا الذي كنت أظن أن الرياح الشمالية أو الشرقية تجلب معها، وحين ترحل تأخذ ما تجلبه...
ها هي تلك الرياح تعود عاصفة بواقعي وجالبة معها ماحملته من قبل...
ترافقني وتجلس معي وتلف المدينة بضحكتها وجنونها، وأنا بشرودي بك وتفكيري الذي لا يتوقف في حبك أرافقها...
ألم تلاحظ ياترى أنني شريدك في كل لحظة أكون معها، ألم تلاحظ برودة يديّ حين تمسك بهما، وصقيع شفتيك حين تقبلهما.ألم تكتشف بعد بقاياك على عنقي، ألم تجدك في سريري، ألم تشم عطرك على وسادتي؟
ألم ترَ طيفك جالساً معنا، وأنا الذي أخاف من أن يراني طيفك ويكلمني حين أكون برفقتها.
أخجل منك حين تكونين جالسة بقربنا، نفعل ما كنا نفعله أنا وأنت.
أخاف من أن يحاسبني وجهك على تصرفاتي وملاقاتي إياها.
فأنت الغائبة الآن وهي الحاضرة... قلت لك سابقاً إننا تناقض مثير بما يحمل من مفاجآت وأسرار.
غريبة هي، ألاحظت وجودك وساكتة؟ ألمستك في يدي؟ وقبّلتك حين قبّلتني؟ أعانقتك نيابة عني؟ أردّت على رسائلك بهاتفي؟ أكلمتك حين طلبتني وأنا معها؟ أشعرت بك حين كلمتك كصديق يطمئن إلى حالتي...
ألمست كل هذا وسكتت كي لا تنجرح كبرياؤها؟ تلك الكبرياء التي حملتها مع رياح تشرين، ولكي لا تعود مع أول عاصفة شمالية تهب لتصبح كالسابق غبار ماض؟
* * *
Page 6
اليوم رأيتك حين كنت ألعب دور أستاذ المسرح وأنت الممثلة الواقفة على تلك الخشبة، كنت تمثلين دورك ببراعة، كل أدوارك تتقنينها بامتياز...
أكنت في لحظتها تمثلين دورك كطالبة أم كنت تمثلين دورك في حياتي؟
أَلَاحَظَ أصدقاؤك أنك تلعبين الدورين أم فقط أنا المخرج المجنون رأيت ذلك؟
ما أصعب الذي رأيته وما أجمله، أحب أن أمتع نظري بك وأنت تختالين أمامي كممثلة هوليوودية، أرى فيك نيكول كيدمان وأنجلينا جولي وأنوثتك الفنية، وأحب ممارسة دور المخرج المتسلط عليك، أفجر رجولتي التي تصبح طفولة بين يديك في وقت لاحق...
أمرّ معك وأعيش كل هذا التناقض الجميل والبشع في آن واحد...
يأكلني عطرك دون أن يلاحظ أحد من الموجودين ذلك، وكأنني مدمن لو استطاع لالتقط عنقك وشمه إلى آخر نفس.
أليست الحياة مسرحاً ونحن الممثلين؟ أليست بأيامها وأوقاتها وتفاصيلها عبارة عن مسرحية مكتملة المشاهد...وما أصعب لعبي وإتقاني كل تلك الأدوار التي أؤديها فوق مسرح حياتك وعلى مسرح حياتها هي أيضاً...
عشيق أنا أم خائن لك؟ أمخرج وأستاذك في المسرح؟ أم ممثل في مسرحك الحي؟ دور ألعبه أم ضائع فيّ هذا الدور؟
سابقاً لم أكن أعرف من أنت، وكيف دخلت حياتي وحائر في هويتك السرية، الآن ضائع في هويتي الحقيقية، وفي معرفة دوري في هذه الحياة... برغم معرفتي نفسي حائر أنا في نفسي...
حائر فيك وفيها، ومتشرد في أحداث الأيام، ألتقط نفسي من رصيف إلى آخر ومن صفحة إلى أخرى بين الكلمة والحرف.
* * *
قالت إنها ستوافيني الليلة في مقهاي في الأشرفية، حيث أكتبك دائماً وحين ترافقينني أنت لتكتبي تفاصيلك وتكتبيني تفاصيل في أيامك وفي سر حياتك.
وكالمعتاد يسألني النادل (سايد) عن قهوتي البيضاء:
  • - لا، شكراً (سايد) أكتفي فقط بنرجيلتي المعتادة.
  • - وليه يا باشا؟
لأنني اليوم لن أرشف شفتيك ولن أدعهما تقبلان أول قبلة لفنجاني، اعذريني سيدتي، اليوم لن أستحضرك في قهوتي، فرائحة عطرك لا تزال تسكنني.
وهي آتية الآن لن أدعها تلعب دورك بمراقبتي أقبلك في قهوتي.
لن أدعها تضع لي قطعة السكر الواحدة وتذوب نفسها في فنجاني.
أستسمحك صغيرتي، دعي الفنجان وقطع السكر، دعيني... فقد قلت لك: صعب لعبي لدوري المتناقض السيئ، صعب أن أمرر نفسي وأذوبها في دخان نرجيلتي كل مرة.
سوف أدعها تكتب أحداثها هي، فمن الآن فصاعداً لكل منكما أحداثه وقصصه ولي أنا الحق في جمعكما في روايتي.
يقترب مني (سايد) ليسألني عمّا أكتبه...
في كل مرة يكسر حاجز النادل الموظف والكاتب القابع في زاوية مطعمه ويرتاح في أسئلته لي...
هو بدوره مشارك في هذه الأحداث دون أن يدري، يلعب دوره في هذه المسرحية دون العلم بمشاركته التمثيلية في هذه الرواية...
يرتاح قلمي قليلاً وأرتاح أنا من اضطرابي النفسي وضياعي بينكما.
Page 7
  • - من وين أنت يا (سايد).
  • - من منطقة العاشر يا بيه في مصر الجديدة.
ويخبرني كيف يأخذني سائق التاكسي إلى هناك يرتاح في تفاصيله يوماً بعد يوم...
يخبرني عن وضع الأنظمة في بلده، التي تجتاحها الثورة الآن، والانقلاب الجاري هناك.
وأسأله بدوري عن حياته ووضعه في لبنان، يقلب التلفاز، يبحث عن أخبار بلده ومع كل محطة يسترسل بالكلام أكثر عن وطنه وعن نفسه، وتمتلكه الجرأة أكثر بالأسئلة.
  • - بتكتب إيه يا أستاذ..
  • - ولا حاجة يا (سايد) رواية صغيرة عن يومياتي وحبيباتي.
  • - أنت بتكتب؟ كاتب يعني!
  • - لأ، أنا بخربش، بخربش أيامي وأوقاتي.
  • - مش مسرحية يعني زي شاهد ما شافش حاجة... ويضحك.
  • - نعم قريباً منها، ماشفتش حاجة يا صاحبي، لسا ماشفت أنا حاجة.
  • - لم أر بعد شيئاً ولم أدر شيئاً، ولست أعلم بالآتي.
* * *
حين تقترب مني شفتاك يستيقظ الرجل في داخلي من ثباته الطفولي، أستيقظ لأبارك عينيك بقبلاتي وألتهم بناري شفتيك وأركض في زوايا جسدك أبحث عن طفولتي الضائعة في هذا الجسد.
يمزقني نفسك حين تزأرين من رعشة النشوة أيتها اللبوة في موسم التزاوج ويكافئني صدرك بقبلات حارة حين أفرج عن أسره وأخرجه من زنزانته الصوفية والقطنية المقفلة بصف من الأزرار.
الليلة جعلتني رجلاً كاملاً، وطفلاً رضيعاً في فراش واحد، ألم أقل لك إنك تناقض مخيف؟ حتى الجنس معك تناقض مخيف، أخاف حين أكون معك في قمة الشهوة أن أبكي كالأطفال بين يديك، أخاف حين ألامس نشوتي معك أن يبكيني حبي لك، وبسرعة يحطم دمعي رجولتي التي قاتلت للوصول إلى نشوتها.
وعدت إلى البيت حاملاً ذكرى الوقت الذي مضى مخلداً إياه في روزنامتي الحياتية، واضعاً بصمة عليه لآخذه معي إلى قبري لاحقاً وأدفنه ويبقى سراً لايعرف به أحد سوى أنا وأنت والتراب الذي يلفنا.
كنت آمل ألّا يرن هاتفي تلك اللحظة حين وضعت كأس النبيذ لأسكر مع ذكرى ما حدث، وأهيم بك وحدي، وأقبل خديك في حمرة نبيذي، إلا أنّ صوتها قطع سكرتي وأتى من بعيد ليشاركني في جلستي.
Page 8
  • - ماذا تفعل؟
  • - لاشيئ أمارس طقساً يومياً متعوداً إياه!
  • - وما هو هذا الطقس؟
  • - نوع من عبادتي لنفسي لوحدتي، لعالمي.
  • - وهل أشاركك في هذا الطقس يا ترى؟
  • - لا، فقط نبيذي وأنا وذكرياتي...
  • - ألست إذاً في ذكرياتك؟
  • - بلى، لكن يحدث أن الذكرى التي أسكر بسببها لست أنت فحواها.
  • - من هي صاحبة الحظ يا ترى، صاحبة كأس النبيذ.
  • - وهل لمّحت لك أنها امرأة؟ قلت ذكرى؟
  • - إذاً محظوظة هذه الذكرى التي تمر ببالك وتسكر في كأسك...
على كل حال طلبتك لأراك...
  • - أنهي طقسي وعبادتي وآتي.
  • - هل أقول سخرية قدر، أم ماذا؟
  • - كيف لليلة واحدة أن تحمل كل هذه المفاجآت لي، كيف لعدة ساعات أن تجعلني أسيرك وأسيرها معاً، كيف لي أن أكون معك ومعها، لك ولها في الليلة ذاتها.
وبدأت أشك في أنك تعرفينها وأنني أصبح أنا اللعبة بينكما، وأنكما متفقتان عليّ، لا كيف يعقل، هل أهلوس، ماذا يجري لي، لماذا ذهبت لآراها، لِمَ أفعل هذا؟ هل تروقني فكرة هذه الرواية أم أنني بدأت أكتبها وأخططها أنا؟ هل بدأت أرسم أحداث قصتي مسبقاً؟ هل أرى كلماتي قبل أن أكتبها وأنزلها على صفحاتي؟ هل أستدرجكما معاً لأكمل بكما روايتي؟
لا، أقسم لا، فالصفحات التي ستأتي تبرهن لكما هذا، ماذا يجري معي أخائن أنا أم كاذب، أحقير أم مخادع، أم ضحية تائهة في ضباب حبك وشاطئ جنونها...؟
Page 9

الفصل الثالث

يمتلكني الخوف دوماً حين أبحث عن قلمي لأكتب، لا أدري لِمَ أشعر بالخوف منه، وهو بدوره يهرب مني دائماً، أفهمه وقد قلت لك سابقاً أنه لا يريد أن يكون شاهداً ملكاً في جريمتي الروائية ولكن لِمَ خوفي منه، أهو خوف منك ومنها ومن أحداثكما اليومية؟
جعلتني اليوم أعود إلى طفولتي، وأرى أمامي ماضيّ الطفولي، أخرجتني من نفسي وتركتني أراقب أنا الطفل...
أضحكتني وشاركتني في اللعب مع أصدقائك في الحديقة العامة، أعدتني إلى طفولتي على متن ذلك القطار الذي أهداني إياه بابا نويل في سنتي الخامسة، رميتني في غرفة لُعَبي مع ذلك القطار وسكته، وذلك المسدس المائي وسيارة البورش الصغيرة ودمية الباربي التي تركتها معي ابنة الجيران قائلة: اهتم بها إلى الغد.
من صغري وأنا مأخوذ بمفاتن الأنوثة، حتى في دمية الباربي كنت أبحث عن هذه المفاتن وأبعث فيها روحاً حية، لتصبح بشرية الجمال.
أحب التنزه والتنقل بين حالاتي النفسية معك، فتارة أعود طفلاً وأخرى أفجر معك رجولتي، وحيناً آخر أمارس رومنسيتي وحناني بين أحضانك.
منذ وقت قليل كنت طفلاً ألعب مع ابنة الجيران، وها الآن قد نما فيك هذا الطفل واستحال رجلاً يدخل مسامات جلدك...
أحب تقلباتي الشخصية معك.
فحين أكون طفلاً أخجل من عينيك، وعندما أكسر خجلي أصبح ذاك الرجل العاطفي والرومنسي والشهواني..
هل أستحق حبك وليلتك، أم أنني رجل أركض خلف نزواتي وشهواتي، لا شيء من هذا، جميعكن، أنت وهي ومن سبقكما من نساء في حياتي، تكتبنني، ...تماماً كما أكتب روايتي، وتخططن السطور وأنا المترجم الأبله لهذه السطور...
كالعادة، في المقهى ذاته وحول الطاولة ذاتها بدأ حديثنا:
  • - ألن تقول ذكرى من كنت تحتفل بها؟
  • - ذكراها هي... من لم تخرج بعد من حياتي...ولا أدري إن كانت ستخرج، ذكرى صراعي مع مجتمعها الطائفي ومجتمعي الفاسد...
  • - إذن تحتفل بها كلما سنحت لك الفرصة؟ وهل تمارس كثيراً هذه الطقوس؟
  • - في الآونة الأخيرة، نعم..
  • - ومتى أصبح أنا احتفاليتك؟
  • - حين تصبحين وجعي...
  • - وماذا تصنفني الآن؟ من أنا إذن، أملهاة بين كأسك ووجعها أملهاة أنا بين حبك ونبيذك؟
  • - أنت العائدة من الماضي الموجودة في خطأ الحاضر.
  • - وكيف أصبح أنا الحاضر؟
  • - حين يصبح الحاضر... خطأ الماضي.
Page 10
  • - إذن أمامي وقت طويل؟
  • - لا، أمامك فعل كثير، ... لا يمحى الحاضر والوجع بسهولة بل يمحى الخطأ بفعل يصلحه.
  • - أهي خطأ إذن؟
  • - لا هي الصواب بعينه، إنما حاضرنا وما يحمل لنا هو الخطأ؟
  • - وماذا تتوقع مني؟
  • - لا شيء، لم أتوقع في حياتي شيئاً من أحد ولم أنتظر يوماً أحداً، كل ما جرى ويجري لي وليد المصادفة.
  • - أأنا وليدة المصادفة إذن؟
  • - أنت وليدة الماضي في مصادفة الحاضر...
  • - لِمَ تسألين؟ لِمَ تستوضحين عن وجودك؟ لِمَ لا تكونين أنت الوجود، لِمَ لا تكونين الفعل، الحاضر والماضي، لِمَ لا تكونين السؤال والجواب، الخطأ والصواب... أرأيت هذا ما يفرقك عنها، هي عرفت من هي أما أنت فضائعة في رياح الماضي والحاضر...
  • - إذن دعني الليلة أكن خطأ الحاضر...
  • - ولِمَ الليلة بالذات؟
  • - لنشرب غداً كأس هذه الليلة..
لا تحتمل ليلة تحمل كل هذا، لا تحتمل ليلة بامرأتين وكأس نبيذ، لا تحتمل ليلة تجمع خداعي وخيانتي وضياعي وصراعي مع امرأتين.
لا أحتمل أنا في ليلة كهذه، فبالرغم من حرارة إثارتها بارد أنا كطقس هذه الليلة، ومجلد كقطرات الأمطار المتساقطة، وشاحب مثل قمرها الهارب وراء غيومها الرمادية.
عدت إلى البيت، لا أحتمل نفسي على جسدي، ولا أحتمل جسدي بما يؤوي من جنوني... دخلت أستحم بالمياه الدافئة التي قد تغسل روحي وتنقيها، قد تغسل جسدي من دناءته...قد تسقط عني هذه الليلة..
ولكن حين أويت إلى فراش وحدتي أدركت أن مياه الدنيا لن تغسل وجع روحي في ليلتي هذه.