eKtab
EN ع
إلى الوراء في نقد اتجاهات التقدم
Read free sample

إلى الوراء في نقد اتجاهات التقدم

by حبيب معلوف

Page 1

بمثابة مقدمة

يطرح الكتاب قضايا وجودية تم التعارف على تسميتها بـ"البيئية".

يبحث في أسس أخلاقيات جديدة فرضت طرحها المشكلات الجديدة للبشرية، مثل تغيّر المناخ العالمي وانقراض الأنواع وتهديد التنوُّع البيولوجي وانتشار الأوبئة الجديدة المعولمة... بالإضافة إلى المشكلات المزمنة من سوء التفاهم وغياب العدالة وتزايد التسلّط والحروب والعنف والتطرّف والجرائم... الخ.

كما يتضمّن الكتاب محاولة لإعادة الاعتبار لفلسفة العلم، ومراجعة لما تطرحه الاكتشافات الحديثة التي تتطلب أخلاقيات جديدة أيضاً، فرضت وجودها تطورات كبرى في العلم، من النانوتكنولوجيا إلى الهندسة الجينية إلى التكنولوجيا الحيوية التي تلاعبت في الكائن الحي وهدّدت أسس الحياة بدل أن تدعمها... ولا سيما بعد أن تراجعت أدوار الدول في دعم البحث العلمي (من أجل المصلحة العامة)، لمصلحة الشركات الكبرى الخاصة (من أجل مصالح خاصة).

ويتطرق الكتاب أيضاً إلى بحث مختصر في الأصول والجذور والثقافات الدينية الشعبية، للمقارنة وأخذ العِبَر... ومحاولات لرصد أصل العنف، وأصل فكرة البحث عن الأصل.

يرصد الكتاب "بصمتنا الإيكولوجية"، على هذا الكوكب الصغير الهش، يطرح حجمها وإشكالياتها وطرق مراعاتها لتحقيق العدالة البيئية.

إلى الذين لا يزالون يؤمنون بأن الخلاص لا يمكن أن يكون فردياً. إلى الذين لم يشعروا بعد بالفشل واليأس... أقدّم هذا الكتاب كمساهمة في النقاش من أجل حياة أكثر أمناً وطمأنينة.

Page 2

سؤال الهوية

حين هممت للعودة باكراً الى المنزل يوم تطورت الأحداث أمام الجامعة العربية (الأحداث الأهلية في بيروت بداية العام 2007)، سألني زميلي في جريدة "السفير": "أي طريق ستسلك؟"

ولما توقفت مندهشاً، أضاف: "انتبه هناك حواجز لملثمين يدقّقون بالهويات!"

يومها قلت له بعفوية غير المصدق: "لا تعتل هم، سأقول لهم بأني بيئي".

مشيت قليلاً، ثم عدت وسألته: "ماذا تتخيّل أن تكون ردود فعلهم إذا قلت لهم إني من حزب البيئة؟ هل سيعتقدون أني أسخر منهم فأغضبهم، أم أنهم هم الذين سيسخرون مني ويتركوني أمرّ؟"

صحيح أني تابعت طريقي تلك الليلة من دون أن ألتقي بأحد، إلّا أنّ سؤال الهوية لم يتركني.

من أنا فعلاً؟ وهل يمكن للبيئة أن تكون هويتي وطائفتي؟

أسئلة تأخرنا في طرحها "كبيئيين".

التهينا وانشغلنا بكسارات الجبال ونفايات المدن والقرى وبحماية التنوع البيولوجي للوطن وكوكبنا المشترك... و"طنشنا" على باقي أنواع تنوعه!

اعتبرنا أن الجواب عن سؤال الهوية سهل بالنسبة لنا، إذ يكفي أن نكون، أو أن نقول، إننا "نوع إنساني" من بين ملايين الأنواع من الكائنات، فنرضي أنفسنا بهذا الجواب... ولكننا لم نسأل إذا كان هذا الجواب يرضي الآخرين، كون سؤال الهوية يحيلنا إلى الـ"هو"، الآخر، أكثر مما يحيلنا إلى أنفسنا، بعكس ما يعتقد كثيرون!

ولكن كيف نفهم "التنوع" داخل النوع الإنساني نفسه؟

ما الذي يميز نوعاً إنسانياً عن أي نوع إنساني آخر؟ ما الذي يحدِّد هوية كل نوع؟ كل مجموعة؟ ومهما كانت صغيرة؟ وكيف يمكن أن نساهم في ابتداع "صيغة جديدة" لتعايش تلك الأنواع مع حد أدنى من الاستقرار؟

من مفارقات مفهوم "الهوية" عند العرب عموماً، أنه لا يشير إلى الذات، بل إلى الغير، إلى الآخر، كونه يعود إلى الضمير "هو". بينما الهوية identité بالأجنبية (الفرنسية والإنكليزية) تعود إلى الجذر اللاتيني "ايدم"، والتي تعني "الأنا" أو "ذات الشيء" .

فالهوية عند العرب، حسب الاشتقاق اللغوي، تحدّد بالآخر وليس بالذات!

وهذا ما يحمل تفسيرات عدة، يجب أن ندرسها لاحقاً، والتي يمكن أن تؤسس لفلسفة بيئية عربية تقوم على الانفتاح على الآخر، واعتباره جزءاً مكوناً للنحن، وتساهم في إيجاد الحلول العالمية للمشاكل التي تركتها الفلسفة الغربية المفرطة في آنيتها وفرديتها وأنانيتها وإنسانيتها.

في دراستنا للهوية، ربما قد نجد ما يفسر بحث أي مجموعة عن عدو خارجي دائم لتأكيد ذاتها! وما يفسر أيضاً زيادة التعصّب في الدفاع عن الذات عبر الاعتماد على "تنميط الآخر"! وصعوبة اندماج الأقليات ( ذات الهويات المتعددة) في كيانات وأفكار ومشاريع أوسع... الخ.

هذه الرؤية إلى الهوية، لم تشكّل عنصر اطمئنان، كما كان يفترض في وظيفة كل هوية، بقدر ما شكلت عنصر قلق دائم. ولا سيما أن المشاريع الأوسع للهويات (سواء القومية أو الطبقية أو الدينية أو الوطنية)، لم تكن واسعة كفاية، وعلى كل المستويات، وهذا ما يتطلب إعادة تفكير ومراجعة كبيرة.

تحن مجموعات كثيرة من بين الأنواع الإنسانية المتعددة، بالعودة إلى "الأصل"، إلى "الجذور"، كلما أرادت أن تبحث عن هويتها. وربما تبحث أيضاً عمّا يسمى "شجرة العائلة".

ولكن لماذا "الشجرة"؟

Page 3

المسألة عندنا إذاً؟ من أولى من البيئيين في البحث عن الجذور والأشجار والطبيعة (الإنسانية والطبيعية معاً)؟

هل تتشكل طبيعة كل منا حسب الطبيعة التي ينشأ فيها، فتطبعه بطبعها وطبيعتها؟

هل لكل واحد منا شجرة مزروعة في رأسه إذاً؟

قد يكون مريحاً وجميلاً إذا كان في رؤوس البعض أعشاب غير متجذّرة (مع العلم أن الدماغ البشري نفسه هو عشبي أكثر ممّا هو شجري)؟

الطبيعة هي التي تحدِّد هويتنا إذاً؟

نكون شجريين إذا كنا من سكان الجبال.

ماذا إذا كنا نسكن قريباً من البحر؟ فهل يفرِّخ في رأسنا سمكة بدل الشجرة؟ وهل هذا ما يفسّر شخصيتنا وأسلوبنا بالتفكير والتحليل والعيش فيما بعد، فنكون سمكيين، نتمتع بالحركة والليونة، أم نكون شجريين متشرشين ثابتين على أفكارنا، عنيدين؟

وماذا عند الذين يعيشون في السهل أو قرب الأنهر؟ في الأماكن الحارة أو تلك الباردة؟ في الأماكن الزراعية أو تلك التي تقوم على الصيد مثلاً؟ ما الذي يتغيّر وما الذي يتحدّد؟

هل يساعدنا ذلك في فهم مصادر"التحجّر" الفكري، و"البرودة" في العلاقات، و"الحماوة" في المواقف، و"إشعال" الأوضاع والإطارات...الخ.

يعتقد البعض أن الأصل لا يكون في الطبيعة، وقد تتحدد الهوية بحدث (أو أحداث) معين يحصل مع جماعة معينة، أو قد ترتبط بأفكار شخص مميز أو بدعوة آخر، بنضال وتضحيات "بطل" أو مجموعة، بقصة، بسيرة، بأسطورة... إلّا أن ذلك، يزيد من التنوّع، ولا يلغي فكرة الأصل. إذ يبقى لكل فكر جذره، أو جذوره، في الطبيعة التي ينشأ فيها.

الهنود الحمر (السكان الأصليون لما يسمى أميركا اليوم) لم يكن لهم هوية ونسب. كانوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من نسيج الطبيعة، وروحهم جزءاً من روح أي من كائناتها.

البدو في الشرق أيضاً، لا جذور لهم، وهم يحددون كجماعة مترحلة دائماً وغير مستقرة، هاربة أو متنقلة باستمرار.

علينا أن ندرس لاحقاً ما المشترك بين الهنود الحمر والبدو (قبل أن تسحقهم حضارتنا)، لربما ساعدنا ذلك في إيجاد الحلول لصراعاتنا ولـ"صراع الحضارات" أيضاً.

الفكر القومي جزء من الفكر الشجري القائم على الجذور والجغرافيا والحدود، على "الذاكرة الطويلة المدى". قد نكتشف أيضاً أن الفكر الطائفي، يأتي من الجذور نفسها، مع فارق بسيط أن ذاكرته "قصيرة المدى"، على ما يبدو.

في الفلسفة اليونانية، طرحت مسألة الهوية والكينونة التي تعني الثبات، كما طرحت مسألة الصيرورة، التي تعني التغير مع عامل الزمن. إلّا أن هذه الفلسفة لم تخرج عن فكرة الأصل والجذور والفكر الشجري.

تشترك المجموعات اللبنانية في وحدة الأصول الشجرية على ما يبدو. إلّا أنّ الشجريين أنواع أيضاً. من الشجرة، رمز التجذُّر والثبات، صنع القارب، رمز الإبحار والتغيير والتحوّل والانفتاح والاتساع ... صحيح إنّ الإنسان يمكن أن يحمل الشجرة في رأسه أينما ذهب، إلّا أنّ لذة اكتشاف الجديد تفسح في المجال لزراعة أنواع أخرى من الشجر أيضاً. والسفر يوسع من حقل التفكير الذي يفتح لإمكانيات زراعة أشجار جديدة ومتنوعة تغني هذا حقل. وهذا ما يفسر ربما الاتجاه التاريخي إلى "الهجرة" عند المجموعات اللبنانية.

من الشجر أيضاً تصنع العصي. ولكن لا نعلم لماذا لم يحلو لفتيان هذا الزمان إلّا استعمالها في صدامات الشوارع، مع أنهم قد يكتشفون لاحقاً أن لهم جذوراً مشتركة، وإن لم يكونوا من نفس أنواع الشجر؟

يبدو أني أنا شجريّ أيضاً في تفكيري، وقد حملني أبي باكراً معولاً وشوكة، "لأنكش" الأرض في قريتنا زبوغا، حين توقفت الدروس وأقفلت المدارس مع بداية أحداث العام 1975... مع أني كنت أفضل اللعب في الكرة الطائرة آنذاك!

Page 4

المعلّم الأول

الشجرة في عيون أهل الجبال مصدر للغذاء والتموين وللدفء والفيء، وعلف للماعز والحيوانات الأليفة، وهي أيضاً مصدر لصناعة العصي، عصاة الراعي وعصاة المعول... و"سانوداً" للأشجار المثمرة. وهي السند والرجل الثالثة للمعمرين في آخرتهم أيضاً.

ربما نستطيع أن نفهم أنواع الناس من أنواع الأشجار التي تنوجد (ولا سيما البرية منها) أو تزرع في مناطق النشأة. فمن يعش مع أنواع من الأشجار دائمة وغزيرة العطاء، أصبح مبذراً ومهملاً، ومن يعش على الأشجار الشحيحة المواسم والإنتاج، يصبح مقتصداً (البعض يسميه بخل). في الغالب، الشجرة تعلم الاقتصاد. الشجرة تعلم الادخار والتموين. الشجرة هي المعلم الأول بالنسبة إلى سكان الجبال. وربما لهذا السبب أطلق على المدارس الأولى في جبل لبنان اسم "مدرسة تحت السنديانة". مع الإشارة إلى أن معظم الروايات والقصص الشعبية ومعظم الصور عن تلك المدارس، كانت تظهر "الأستاذ" حاملاً عصاه في يده، كجزء من مشهد "الفلاحة"، إذ كان التعليم فلاحة أيضاً. وقد لا يذكر التلاميذ مما تعلموه سوى أوجاعهم من عصا المعلم.

وكانت العصي، هي نفسها، أداة للمشاكل، للدفاع أو للهجوم أيضاً. بدءاً من مشاكل البيت إلى المشاكل مع الجيران وبين العائلات وفي القرية نفسها. فهذا لن يتهذب إلّا إذا "أكل عصاتين"، وذاك لم ولن يتعلم إلّا إذا "علّمت العصا في جنابه"، وفي جميع الأحوال تعتبر "العصا لمن عصى".

Page 5

حجر وعصا

ولكن قبل العصا، كان الحجر. في البداية كان الحجر. كان الأداة الأولى ربما. وبالحجر تم قطع الشجر. الحجر الأصلب من الشجرة، استخدمه الإنسان الأول لقطع الشجرة. ثم جمع بينهما، فكان الفأس الحجري. ومن احتكاك الحجر على الحجر، بدأت عملية السن والصقل. لتسهيل عمليات القطع. الحجر ساعد نفسه أولاً، ثم قطع الشجرة لتساعده بدورها، بعد جمعهما، في استكمال عمليات القطع.

باحتكاك الحجر على الحجر وعلى الأعواد اليابسة، كانت الحرارة والنار والطاقة الأولى. يرمز جمع العصا بالحجر إلى بداية التعايش والتعاون والحياة.

إنها بداية استخدام الأدوات، التي لم تكن لتتجاوز اليد. كانت العصا والحجر، امتداداً لليد، تكملة لعملها وشكلها.

ويمكن القول إن الإنسان والحجر والعصا واحد.

الإنسان مع الحجر والعصا، ثلاثي مقومات الحياة.

الحجر يرمز إلى الصلابة. حجران يرمزان إلى الطاقة. حجر وعصا يرمزان إلى القطع. وفي الحجرين والعصا رمز الخصوبة والحياة.

Page 6

"صراخ الأشجار"

كم كان حدس شاعرنا شوقي بزيع عالياً، حين أصدر ديوانه الشعري تحت عنوان "صراخ الأشجار". فمن لم يسمع صراخ أحراج لبنان وهي تحترق في السنوات الأخيرة الماضية، يكون كمن أصيب بصمم «إنساني» عميق وخطير.

بات مسلماً به بأن 95% من أسباب حرائق الغابات، هي "إنسانية" مفتعلة وليست طبيعية. أي بفعل سوء تصرف الإنسان مع الطبيعة.

إلا أن المشكلة الحقيقية، هي في ابتعاد الإنسان عن الطبيعة وليس في سوء تعامله معها فقط، بعكس ما يعتقد البعض.

فمجرد عودة سريعة إلى طريقة تعاطي أجدادنا التاريخية مع الغابات، نكتشف أن عدد الحرائق كان أقل وأصغر حجماً بكثير، وتكاد لا تذكر ولا تتجاوز عدد أصابع اليد في السنة، بينما أصبحت المعدلات الحالية تتراوح بين الألف والعشرة آلاف حريق في السنة... في وقت كانت مساحة الغطاء الأخضر في لبنان تزيد ثلاثة أضعاف عمّا هي عليه اليوم، في أقل تقدير!

السبب الرئيسي لقلة حرائق الماضي، أن الإنسان القديم، كان يعيش في الغابة، ويعتاش منها. وكان حطب الأحراج لا يكفي لاستهلاكه واستعمالاته المتعددة... حتى إن ألسنة النيران كانت هي التي تصرخ وتشكو كونها لا تجد شيئاً لتأكله. الاستهلاك الأكبر كان في "أتون" أو "ياتون" أحجار الكلس، وهي عملية طويلة لإحراق الأحجار وتحويلها إلى أحجار كلسية، والتي كانت تتطلب الحطب اليابس بكميات كبيرة. أما المستهلك الثاني، فكانت المعاصر، ولا سيما معاصر دبس العنب والنبيذ الحلو والعرق وماء الزهر... وغيرها من المواد الغذائية التي كانت تحتاج لكميات كبيرة من الحطب وقوداً لإنتاجها. وكذلك الأمر بالنسبة لحاجات مواقد الغسيل والطعام كخبز التنور وخبز الصاج والقاورما والمربيات... حيث لا يترك عود يابس إلّا ويتم الاستعانة به. بالإضافة إلى حطب التدفئة في الشتاء وفحم الشيّ والتدفئة أيضاً، وعادات تجميع الأعشاب لإشعالها في الأعياد والمناسبات، وعادات وتقاليد المزارعين في إحراق "تقشيش" البساتين، اعتقاداً منهم أن النار تساهم في تطهير الأرض وطرد الحشرات الضارة بالمزروعات.

وهكذا عندما تأتي النار، عن طريق الصدفة أو الخطأ أو الإهمال أو القصد، لا تجد شيئاً لتأكله. وهذا ما يفسّر قلة الحرائق في ذاك الزمان.

Page 7

كانت الغابة مصدر الرزق الرئيسية. هي مصدر الطاقة والغذاء والدواء. وكان الحطاب، قاطع الشجر، هو صديق الغابة الأول، والعارف العميق بدورة حياتها.

كان الحطاب الأصيل، يعرف متى يقطع وكيف يحمي أيضاً، ليعود بعد 20 سنة ويقطع من جديد. ومن يقطع يزرع. بعكس الشعار السخيف الخاطىء الذي أطلقه بعض الجهلة بحياة الغابات: "إزرع ولا تقطع". هذا الشعار الذي طبق بقوانين وقرارات جائرة، بمنع القطع الكلي، والتي تسببت، بوقف اندفاع الحطاب الحقيقي وعمله، فجاء المتطفلون، تجار الحطب، من خارج الكار، يقطعون ويتاجرون، ولا يزرعون... مما هدد معظم غابات لبنان بالزوال! بدل أن تكون أعمال القطع منظمة ومدروسة ومرخصة للحطابين الأصليين فقط،الذين يعتاشون من هذا الكار ويعرفون بأسرار الغابة وبدورة حياتها.

الماعز أيضاً صديق الغابة، بعكس ما يعتقد معظم البيئيين المبتدئين. كان للماعز دور أهم من سيارات الإطفاء الحديثة أيضاً، كونها تساهم في رعي الأعشاب وأسفل الأشجار، المسببة الرئيسية لاشتعال الحرائق، ولا سيما عندما تجف وتيبس في فصلي الصيف والخريف. فكم كانت قرارات منع دخول الماعز إلى الغابات جائرة، بدل أن تكون عمليات المنع بعد "الفرع" أي القطع، أو الحرق، بعشر سنوات فقط، لحين أن تكون الغابة قد استعادت مجدها.

لقد ابتعد الإنسان المعاصر كثيراً عن الغابة، باستثناء بعض الحطابين الأصليين، وبعض الشعراء والمصورين، والفنانين، أصدقاء الغابة الدائمين...الخ.

للأشجار أصوات ولغة سرية ما عاد إنسان علب الباطون المغلقة يفهمها.

فمن لم يسمع صراخ الأشجار للحطابين الأصليين لكي يشحلوها، وللمعازة الحقيقيين لكي يقششوا تحتها، وللنجار والنحال وقاطف الأزهار البرية والمتنزه المتمتع بجمالها وهوائها وعطرها، وللرسامين والنحاتين والشعراء والفنانين لكي يترددوا اليها باستمرار... كيف سيسمع صراخها وهي تحترق؟!

Page 8

... من عصر الحجر إلى حضارة البحص

لطالما أُخذ على المندفعين والمنظرين لعمليات إعادة الإعمار، أن مفهومهم للإعمار كان مقتصراً على إعمار الحجر دون البشر.

بقدر ما كان هذا المأخذ صحيحاً، لناحية إهماله العنصر البشري، بقدر ما كان ظالماً بحق الحجارة في بلادنا أيضاً!

ولطالما اعتبر أصحاب نظرية "أنسنة التنمية" أن البشر أهم من الحجر، وأن الثاني مسخّر للأول... إلا أنّ التجارب برهنت، أن سوء حال البشر هي من سوء حال الحجر، ولا نستطيع أن نفصل بينهما، كما بين الإنسان وجلده، أو بينه وبين بيئته.

كم تغيرت أحوالنا حين أصبح الحجر مرذولاً ومحتقراً، بعد أن كان رمزاً لعصر بكامله!

هو الذي كان رفيق الإنسان الأول، جزءاً منه، من حياته.

كان امتداداً ليده قبل أن يصبح أداته الأولى.

منه عرف أو اكتشف النار، ومنه صنع الموقد الأول.

به اصطاد وقطع ودافع عن نفسه، وسد باب المغارة من البرد والأعداء.

كان رمز النظام والانتظام. بواسطته ينظم الراعي مواشيه ويحدّد لها مسارها.

بفضله صنعت الحفافي وتأسست الزراعات الأولى، فكان الحصن والدرع والحاضن.

وبه تمت الاستعانة لقطف الثمار وجنيها.

ساهم في صنع الأواني والفخار، وهو الذي كان يسند الخابية...

Page 9

كان كتاب العصور الماضية. عليه نقشت الإشارات والأحرف الأولى. ولولا صلابته لضاعت حضارات وتجارب ومعارف ومعتقدات الأجداد... ولضاع علماء الآثار أيضاً.

كان لعبة الأطفال الأولى، ومنظف الأجسام، ودفتر الحساب، ومثقال الأوزان.

هو رمز التنوع. تأمل في الرجمة، لا حجر مثل الآخر. لكل حجر فرادته وشخصيته المستقلة. إنه رمز الاستقلالية والتحرر. بعكس "بحص" هذه الأيام، رمز التبعية والانسحاق والعولمة.

مسحوقاً يخرج من أحشاء كسارة، ذليلاً، مغبراً، محط شكوى وإزعاج.

فقد حجر اليوم كينونته. فقد خصوصيته وأهميته والكثير من مهامه. فقد كل أدواره الأساسية السابقة. أصبح عبداً.

فقد الحجر هويته. فقد كرامته. صار "بحصاً"!

"حجر الزاوية" الذي بنى عليه المؤمنون بيوت العبادة حجرة حجرة... أخلى مكانه لبحص تبرعات عبدة المال، "حيتان الكسارات"...

أضاع الحجر طريقه. انتقل من راحة اليد إلى ما تحت الأرجل، بلوكاج للطرقات، ومرتعاً لكاوتشوك الدواليب.

أصبح رمزاً للباطون البشع والشكل الموحد، بعد أن كان رمزاً لتعدد الألوان ومعلماً لخصوصيات المناطق وتنوع جمال طبيعة كل منها.

أصبح رمزاً للذل والانسحاق والتصغير والطحن، بعد أن كان رمز الفرادة والتميز.

كان ابن الطبيعة وأباها، حراً طليقاً، فأصبح ابن كسارة، مقيداً محصور الوظيفة.

Page 10

حبيبي الحجر

يا مقعداً صلباً يوم احتاجك مزارع لاستراحة قصيرة... لا تترك مكانك للبلاستيك.

يا حجر المعمار لا تغضب.

يا مخدة الفلاح لا تيأس.

يا ركيزة فحّام دع الهواء يتسرب.

يا مبرد نجار، يا مسن حطّاب، لا تشعر بالدونية أمام الحديد والمعادن .

يا مسطرة معاز، لا تترك القطيع يتجاوز الممنوع.

يا دافئاً، يا مقعد عجوز في شمس شباط.

يا بارداً، يا مسند عاشقين في صيف حار.

يا لعبة طفل.

يا فشة خلق غاضب.

يا رمز الثورة الأقل عنفاً.

يا صلباً، تفهم عنجهية وادعاءات الجنس الخشن.

يا قاسياً، خذ بالاعتبارغنج الجنس الناعم.

يا عارياً، لبس منازل البردانين.

يا خالداً، اشفق على أصحاب الأجسام المتحللة والفانية.

يا متحجر... ستفتقدك الأجيال الآتية "المبحصة".

أما أنت، اذا أحببت، فلا تهدي حبيبتك وردة. الورد والزهر لا يدومان.

اهدها حجراً. غير مغشوش، وغير منقوش... واترك له الكلام.

يا حجر الماضي، يا أجمل قصيدة حب لم تكتب، ادخل قلب حبيبتي، وتحجر هناك.

أنت أجمل الهدايا.

أنت أجمل حكاية.