Page 1
مقدمة
ظل الإنسان على مرّ العصور محط اهتمام كافة النشاطات التي يقوم بها الأفراد والجماعات، واهتمام كافة خطط الحكومات، وكانت التنمية بجوانبها المختلفة أحد الوسائل والأدوات لتقدم المجتمعات بهدف تحسين مستوى حياة الفرد.
إن مساهمة كافة القطاعات في المجتمع كل من موقعه في عملية التنمية هي من أهم متطلبات نجاح أي خطة أو محاولة تنموية.
ولهذا كان دور الإعلام مهماً في بيان جوانب الخطط التنموية، وكذلك تحفيز الأفراد والجماعات للقيام بواجبهم في هذه الخطة.
لقد حاولنا في هذا الكتاب أن نتناول دور الإعلام والمؤسسات الإعلامية في دفع عملية التنمية بكل جوانبها، ومدى تأثيرها، معوجين على تعريف التنمية وتطورها خصوصاً في بلدان العالم الثالث "النامية"، ومررنا بسرعة على نظريات التنمية، ودور الإعلام في مواجهة النشاط المضاد للتنمية، وعلاقة الإعلام بالتنمية على اعتبار أنه شريحة مستهدفة ومساعد في توضيح جوانب التنمية المختلفة.
عرضنا كل ذلك بأسلوب سهل بين القارئ هذه الإضاءات وسنحاول في موقع آخر تفصيل أكبر وشرح أوفى لهذا الموضوع.
والله نسأل أن نكون قد وفقنا في تقديم الفائدة.
المؤلف
Page 2
ما هي التنمية
يعرف بعض المختصين التنمية بأنها تحسين نوعية حياة الفرد أو مجموعة من الأفراد.
وهي: سلسلة من التغيرات الكمية والنوعية بين جماعة معينة من السكان من شأنها أن تؤدي بمرور الزمن إلى ارتفاع مستوى المعيشة وتغير أسلوب الحياة.
وأنها: مجموعة المحاولات التي تهدف إلى تغيير الهيكل الاقتصادي للمجتمع بما يترتب عليه تحسين الوضع النسبي لرأس المال، وبنفس الوقت استخدامه بأقصى درجة من الكفاية.
وهناك أربعة مفاهيم يجب أن يتضمنها التعريف:
- أن التنمية معيارية ترمي التقدم نحو أهداف محدّدة.
- أن هذه التنمية ذات أبعاد متعددة تتناول مختلف جوانب الحياة.
- أن لها سماتها الخاصة في كل بلد تتناول مجموعة محددة من الأهداف صيغت في زمن محدّد.
- يجب أن تكون عملية مترابطة: التوفيق بين الأهداف في الوقت الواحد.
وقد عرفت الأمم المتحدة في العقد الماضي التنمية بأنها "النمو مضافاً إليه التغيير اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً". ولكن برنامج العقد الثاني استفاد من الأخطاء التي لم يحسب لها في العقد الأول، فجاء أوسع من مجرد نمو في الناتج القومي الإجمالي وشمل أهداف العدالة الاجتماعية وتوفير حياة أفضل لجماهير الشعب، وتوسيع فرص العمل والاهتمام بالتعليم والتدريب. فالإنسان هو ثمرة التنمية مثلما هو بذرتها، وهو غاية التنمية ووسيلتها.
والتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تبدأ أو تستمر من غير تنمية اجتماعية ومن غير تنمية سياسية. فالنظام السياسي بفلسفته واتجاهاته وتنظيمه يمثل بنية تحتية للاقتصاد. ونفس الشيء يحدث على البناء الاجتماعي بنظمه وقيمه وعادات أفراده. فهو سبب مثلما هو نتيجة للتطور الاقتصادي. والتنمية ليست مجرد نمو للدخل القومي أو نمو للكفاية الإنتاجية، وإنما هي توفير العمل المنتج وتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين المواطن من المشاركة الفعالة في توجيه وتطوير مجتمعه. ومن هنا تأتي العلاقة بين الكفاية والعدالة والمشاركة والديمقراطية ضمن إطار النظرة الواسعة للتنمية.
وعلى هذا الأساس اعتبر فشل تجارب التنمية في بعض الدول النامية سببه الرئيسي (غياب النظرة السياسية في العمل)، وليس فقدان العناصر التقنية أو العلمية أو إحدى مستلزماتها من تمويل ويد عاملة فقط، فافتقاد الرؤيا السياسية الواضحة لهدف التنمية يجعل من كل الجهود التي تبذل مجرد إنجازات متناثرة لا تحقق بنياناً متفاعلاً ومتكاملاً في المجتمع، حيث أن التنمية تتحدى الجانب الاقتصادي إلى مجمل حركة المجتمع وتغطي جميع جوانبه الاجتماعية والثقافية والعلمية.
فمن المؤكد أن التنمية الاقتصادية لا تتحقق بغير تنمية اجتماعية وبغير تنمية سياسية، حيث تشكلان الوجهين الآخرين للتنمية. فحاجة التنمية الاقتصادية إلى تحول اجتماعي تبدو واضحة في الدول النامية. وهذا التحول يتضمن عدداً من العناصر هي: التعليم ، مواقف وقيم يجب تبديلها أو تعديلها، طقوس وسلوك اجتماعي وعلاقات إنسانية يجب تغييرها. فتحويل الزراعة إلى زراعة حديثة يتطلب تعليم مهارات جديدة وعادات جديدة وإقناع المزارعين بالتخلي عن أساليبهم القديمة ووسائل نقل واتصال حديثة وغير ذلك من التوظيفات الاجتماعية. كما أن التعليم يهدف إلى تكوين إنسان ذي آفاق ومهارات وأهداف جديدة. والعلاقة متبادلة بين التعليم والتنمية. الأولى تمدّ التنمية بالعناصر الكفؤة والخبرة، والتنمية تغذي التعليم بالمال وتفتح الآفاق المعيشية لمخرجات التعليم.
أما التنمية السياسية فهي أيضاً ضرورة ملازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتهدف إلى إيجاد أرضية ملائمة للتنمية الشاملة. إن المجتمع السياسي المطمئن هو المجتمع الذي تعتمد فيه عمليات صنع القرار على وسائل متسعة وعامة.
ومن كل ما تقدم يتضح أن التنمية عملية متكاملة، لا يمكن تجزئتها إلى اقتصادية واجتماعية وسياسية. ذلك أن كل الدول "المتخلفة" أو النامية تعوزها الأوجه الثلاثة، ولا يمكن تحقيق واحدة دون الأخريات.
فالتنمية يجب أن تسير بشكل متوازن، لتغذي إحدى فروعها الأخرى.
Page 3
فكما أن التنمية لا يمكن بلوغها في مجتمع جاهل لا يدرك أهميتها، ولا يسعى لتحقيقها، تتحكم فيه علاقات الطائفية وسيطرة التقاليد والعادات القديمة، يعج بالمشاكل الاجتماعية (والتي هي معوقات التغيير) لا يقبل تيار التحديث، يحارب الطرق الحديثة في الصناعة والزراعة أو لا يؤمن بها. كذلك الحال بالنسبة للتنمية الاجتماعية التي لا يمكن أن تتحقق في مجتمع فقير لا يملك مقومات التنمية الصناعية، تعوزه الأموال اللازمة للصرف على تحسين الخدمات الصحية والتعليم والسكن الملائم ومدّ الريف بالحدّ الأدنى من الخدمات التي تقتضيها الحياة الإنسانية والغذاء، وبناء شبكات الطرق وأجهزة الاتصال وغيرها. فذلك يستدعي تنمية اقتصادية لتوفير الموارد لهذه الإجراءات التي هي من أساسيات التنمية. وفي كثير من الأحيان يمكن أن تؤدي التنمية الاقتصادية إلى تنمية اجتماعية وسياسية. فالرخاء والمستوى الاقتصادي والمعاشي اللائق يدفع الفرد إلى تحسين نوعية حياته في الحصول على خدمات وسلع، كان حاجز المال يقف حائلاً بينه وبينها، فيندفع للتعليم ويعتني بصحته وغذائه وسكنه ويكتسب كثيراً من العادات التي تفرضها حياة اليسر والرفاه، والتخلص من التقاليد التي لا تتفق مع مستواه الاقتصادي، والنزوع إلى الثقة بالعلم والمخترعات والنصائح العلمية.
كما أن حدوث التغيير الاجتماعي يسهل كثيراً من مهمة التنمية الاقتصادية فوجود أناس مدربين ومتحمسين للتنمية ولإجراءاتها، ومستعدّين للعمل على تحقيقها، مزوّدين بخبرات وعادات جديدة لصالح التنمية الاقتصادية لهو مما يساعد على الإسراع بتحقيقها، بل حتى إن البعض يذهب إلى أن التنمية الاقتصادية في المجتمعات المتخلفة تبدو مستحيلة دون تغيير اجتماعي.
والتنمية الاقتصادية أيضاً تبدو صعبة التحقيق دون تنمية سياسية ضمن وحدة وطنية متماسكة، وشعب متعاون، وفي جو يتوفر فيه الأمن للفرد والمجتمع في ظل استقرار سياسي، وشعب يعتز بوطنه عملاً، ويسعى لتقدمه يبجّل علَمَه وتاريخه. وذلك كله واجب التنمية السياسية، والتي من نتيجتها خفض تكاليف حفظ الأمن وصيانة الوحدة الوطنية واستقرار وتنفيذ الخطط والبرامج وتوجيه الكثير من الموارد المتوّفرة إلى ميدان التنمية الاقتصادية بدل صرفها لأغراض أمنية.
Page 4
مؤشرات قياس التنمية
نلاحظ في البداية عدم وجود مؤشر واحد متفق عليه بين جمهرة العلماء لقياس التنمية في بلد ما. وبالتالي استخدامه كمعيار لتقسيم الدول على أساسه إلى متقدمة ومتخلفة. وهناك كثير من المعايير المستخدمة في هذا الصدد منها المؤشرات الاقتصادية ومنها الاجتماعية والتي يتفرع منها مؤشرات فرعية أخرى فهناك فجوة واسعة بين البلدان المتخلفة "النامية" والبلدان المتقدمة سواء في الدول أو مستوى التكنولوجيا أو الظروف الاجتماعية والسكانية أو طبيعة البنيان الإنتاجي أو درجة الاستقلال الاقتصادي. إن إطلاق التسمية على (البلدان النامية) لم يكن جوهر المشكلة، بل إن الإشكال يتجلى في التفتيش عن معايير للتفرقة بين هذه الشعوب ونقيضها من الصنف الثاني فجاؤوا بمعايير متعددة لم تأخذ الطابع العلمي في كثير من الأحيان.
النصف الثاني من القرن العشرين شهد اتجاهات جديدة في التمييز تعتمد على محاولة استنباط الصفات المشتركة لتلك الشعوب والتي يمكن إخضاعها للمسح أو التكميم ثم التحليل والمعالجة. ومن هذه المعايير: الدخل القومي، المستوى المعاشي، التغذية، غلة الأرض، التعليم، الأمن، العمل وظروفه، السكان، الضمان الاجتماعي، الملبس، التسلية، الخدمات، الحرية، الاستقرار السياسي.
Page 5
المؤشرات الاقتصادية
إجمالاً تتميز الدول المتقدمة برقم دخلها القومي المرتفع للفرد والمقصود به حصة الفرد من مجمل الدخل القومي. ومن ثم يمكن المضي في تحديد المؤشرات الاقتصادية الرقمية، ومنها الاستهلاكية، مؤشر كمية الوحدات الحرارية للمواطن الواحد. ويمكن وضع جدول بالاستهلاكات: أجهزة راديو أو سيارات بالمواطن الواحد. ومؤشرات أخرى مثل توزيع النشاطات داخل المجتمع العامل كالنشاطات الزراعية والصناعية في عام معين واستخدامها المعايير أو مؤشرات للمستوى المعاشي للمواطن.
ويرى البعض أن أكثر القياسات شيوعاً هو القياس الاقتصادي الذي يقيس مستوى المعيشة عن طريق مقارنات الدخل الحقيقي للفرد أي القوة الشرائية لمتوسط دخل الفرد أو الأسرة على أساس الأسعار الثابتة ويتصل بذلك قياس استهلاك الفرد من السلع الضرورية.
ومن المؤشرات الاقتصادية الأخرى: الزراعة، وتتضمن:
- النسبة المئوية لنصيب الزراعة في الخطة العامة للتنمية.
- إنتاج الفدان من المحاصيل الهامة والاستراتيجية.
- نسبة إنتاج البذور المحسّنة إلى الاحتياجات السنوية الإجمالية.
Page 6
المؤشرات الاجتماعية
وهذه المؤشرات ذات علاقة بالنواحي السكانية، وهي:
- المواليد والمعدل العام للوفيات.
- الهجرة: وتعتبر عاملاً اقتصادياً اجتماعياً سواء كانت داخلية أم خارجية.
- المؤشر المؤلف: وهو معدل نمو السكان، ويتأثر بالمواليد والوفيات والهجرة. وهناك مؤشرات مثل طول العمر بالنسبة للمواليد ومعدل العمر نفسه واحتمالات بقاء المولود على قيد الحياة بعد الولادة ومؤشر نسبة الإعالة.
أما المؤشرات غير السكانية: فأهمها تلك التي تتعلق بالتعليم ومحو الأمية.
البلدان النامية: إن المصطلحات الأكثر رواجاً لهذه الدول هي: العالم الثالث. والبلدان النامية. ويستخدمان كمترادفين ويطلقان الآن بدل (البلدان المتخلفة). ويعتبر مصطلح (الدول النامية) أصح في التدليل على وضع هذه الدول من عبارة (المتأخرة) الشائعة إلى فترة قريبة ذلك لأن كثيراً من الدول الفقيرة اقتصادياً لها تراثها الفني والخلقي والديني وهو تراث عريق.
أما (العالم الثالث) فإنه أطلق على هذه الدول تمييزاً لها عن العالمين الاشتراكي والرأسمالي.
والدول النامية تمثل الجزء الأكبر من الكرة الأرضية، ويشكل سكانها ثلثي سكان الأرض، تعيش تناقضات وتحيط بها مناخات وبيئات جغرافية واجتماعية متنوعة، تشكو الفقر، إلاّ أنها أقاليم أغلبها تحتوي على ثروات جبارة تنتظر استثمارها وهي شعوب تدحض أي نوع من التصميم ولا يمكن وصفها إلاّ عند رؤيتها.
هذا ويجب ألا يتبادر إلى الذهن أن الدول النامية كتلة متماثلة ودول متشابهة في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعادات والموارد والنمو الصناعي والدخل الفردي، فهي في كل هذه الأمور مختلفة عن بعضها البعض.
ولكن (شرام) يرى أن هناك صفة واحدة مشتركة بين جميع هذه الأقطار، وهي أنها لم تمرّ بتجربة الثورة الصناعية، بينما مرّت بها الدول الأكثر تقدماً، لأن العوامل التي توفرت لأوروبا والتي مهّدت للثورة الصناعية، وهي النهضة والحرية السياسية الواسعة وتقدم وانتشار التعليم وتطور التجارة ورأس المال ونسبة عالية من المقاولين والمبتكرين وأفكار ملائمة لبذل الجهود، لم تكن متوافرة في بقية أنحاء العالم، ولهذه الدول.
Page 7
متغيرات التنمية
إن الاتجاه بالإنسان التقليدي (الفلاّح) إلى العصرية يتوقف على عدد من المتغيرات منها التعليم، تبني الأفكار المستحدثة، استخدام وسائل الاتصال المباشر ووسائل الإعلام، التقمص الوجداني، التطلعات، الدافع إلى الإنجاز، الإنفتاح على العالم الخارجي، والإدراك السياسي.
1- التعليم: هو ضرورة من أجل العصرية التي تعمل بدورها في زيادة محو الأميّة، ويعرفها (روجرز) بأنها الدرجة التي تصل بالفرد إلى معرفة الرموز بإتقان في شكلها المكتوب، وبعبارة أخرى أن يعرف كيف يقرأ ويكتب وإتقان اللغة يفتح للفرد آفاقاً جديدة على العالم.
وهناك تعبير جديد برز ولمع ونادت به منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) وهو ما سمي بمحو الأمية الوظيفي. ويعبر عن الحاجة لإعطاء الأميّين تدريباً وتعليماً كافيين. ومحو الأمية هنا يجب أن يتجاوز مجرد القراءة والكتابة إلى كيفية ممارسة الدور الكامل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.
2- تبنيّ الأفكار المستحدثة: هو متغير من المتغيرات الأساسية لعملية العصرية. إن الميل إلى تبنيّ الأفكار المستحدثة يعطي مؤشراً يبيّن إلى حد كبير المدى الذي وصلت إليه العصرية والحداثة. وفي النهاية فإن درجة تقبلّ الفرد لأسلوب من الحياة أكثر تعقيداً وتقدماً، من الناحية التكنولوجية، تظهر بوضوح عندما يقوم بتطبيق الأفكار المستحدثة في الزراعة والصحة وطريقة معيشة الأسرة.
والهدف من تعليم الفرد وانفتاحه على العالم الخارجي والتعرض لوسائل الإعلام هو تشجيعه على تقبل نوع جديد من الحياة. وأفضل مؤشر لهذا هي تبنّي الأفكار المستحدثة التي تدلّ على أن الاتجاهات تتغير سلوكياً أكثر منها إدراكياً وبقدر استيعاب الفرد للتغيرات التي يجب أن يجريها يكون بسير باتجاه التطور والتقدم.
3- وسائل الإعلام: يعتبر التعرض لوسائل الإعلام شرطاً من شروط التنمية التي يمكنها أن تصبح بلا شك، أحد المتغيرات الهامة التي تلعب دوراً في التغيّر الاجتماعي الموجه وفي العصرية، على نطاق واسع، في الدول الأقل نمواً. والفكرة الأساسية هنا هي أن تعرّض الفلاّح للإعلام يؤدّي به إلى طريق العصرية مستفيداً مما يقدمه الإعلام من تجارب وخبرات إنسانية أو عملية تحسن أنشطته الاقتصادية.
4- التقمص الوجداني: يعرف (ليرنر) التقمص الوجداني بأنه مقدرة الشخص على أن يضع نفسه في مكان الآخرين. ويعتقد أنه من المتغيرات الحاسمة في عملية العصريّة.
إن التقمص الوجداني يمكن أن يكون سمة من سمات المجتمع الصناعي الحديث، المتعلم، المتحضر، والمشارك، بينما يقل ظهور هذه السمة أو يفتقر إليها في المجتمع التقليدي.
إن مقدرة المرء على أن يضع نفسه في مكان غيره تأتي نتيجة لعملية الاتصال، التي تجعل الإنسان يحتك بالعالم الخارجي. وهذه المقدرة عامل مهم في عملية العصرية. كما أن البيئة الاجتماعية عامل مهم في تنمية القدرة على التقمص الوجداني، بالإضافة إلى الاختلافات الفردية بين أفراد المجتمع التي تؤثر أيضاً على درجة التقمص الوجداني عند الناس.
وعلى سبيل المثال، يتم تشجيع الصحفي على معرفة جمهوره لكي يكتب له بفاعلية أكبر. وبطريقة مماثلة، يمكن للرسالة أن تكون ذات فاعلية أعظم عندما يكون المستقبل قادراً، إلى حد ما، على تقمص دور المرسل أو الأشخاص الذي يأتي وصفهم في محتوى الرسائل.
Page 8
5- التطلعات: يمكن القول إن التطلعات أو الطموحات هي المستويات التي يتمنى أن يصل إليها الفرد في المستقبل مثل مستوى المعيشة والمكانة الاجتماعية والتعليم والمهنة.
والتطلعات، كأحد المتغيرات، هي شرط أساسي للعصريّة. وتستطيع وسائل الإعلام زيادة تطلّعات أبناء المجتمعات النامية، ومن غير المعتقد أن تحدث التنمية بدون زيادة التطلعات، أو بدون إثارة الناس للكفاح من أجل المعيشة الأفضل والنمو القومي. ويجب أن يرغب الأفراد في معيشة أفضل مما هم فيه، وأن يكونوا مستعدين للعمل من أجل الوصول إليها كما ينبغي عليهم كمواطنين أن يتطلعوا إلى أن تصبح بلادهم أقوى وأعظم مما هي فيه. وهذه مسألة غاية في الأهمية للبلاد النامية.
6- دوافع الإنجاز: يمكن تعريف الدافع إلى الإنجاز بأنه الرغبة نحو الكمال والإجادة من جانب الفرد كي يصل إلى إنجاز بعض ميادين النشاط. وتعمل وسائل الإعلام على خلق مثل هذا الدافع. ذلك أنها تعرّض الفرد لأنواع أخرى من المعيشة، وبالتالي فهي تعطيه الفرصة للمقارنة بينها وبين معيشته. ولكن (ليرنر) يعتقد أن هناك فجوة بين ما يريده الفرد وبين ما يحصل عليه بالفعل. وربما تؤدي هذه الفجوة في تحيق الرغبات إلى تصاعد موجة الشعور بخيبة الأمل.
7- الانفتاح على العالم الخارجي: ويعني درجة اهتمام الفرد بما هو خارج بيئته المباشرة. أما الشخص الذي ينحصر اهتمامه فقط فيما يحيط به ولا يسمح لاهتماماته أن تتجاوز هذا الحد فيسمى إنساناً محلياً. بينما يقصد بالشخص المنفتح على العالم ذلك الذي يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من عالم أكبر.
ومن المرجح أن الاتصال بالعالم الخارجي يجب أن ينظر إليه كبداية الدافع إلى حياة أكثر عصرية.
ويتصل الفرد بالعالم الخارجي بمجموعة متنوعة من القنوات منها:
- الأشخاص الخارجيون عن المجتمع الذين يفدون إليه.
- الرحلات إلى خارج المجتمع
- وسائل الإعلام والاتصال.
8- الإدراك السياسي: يمكن القول إن الإدراك السياسي هو الدرجة التي يصل إليها الفرد في فهم كافة المعلومات عن بلاده بصفته مواطناً يقوم بواجباته السياسية على وجه صحيح. ويمكن الحصول على هذه المعلومات عن طريق التعليم الرسمي، والتعرض لوسائل الإعلام، والرحلات إلى المراكز الحضرية، أو عن طريق الاتصال المباشر للفرد بالآخرين الأكثر منه علماً في هذه المسائل. وغالباً ما يدل الوعي أو الإدراك السياسي على السعي الدائب وراء المعلومات، وعلى الشعور المتميز للفرد بأنه جزء من مواطني الأمة.
وبينما يمثل الادراك السياسي معرفة الأحداث السياسية والقادة خارج مجتمع الفرد، فإن التقدم السياسي ينبغي أن يتضمن تعبئة عامة الشعب للجهود القومية وتوسيع دائرة المشاركة بالطرق التي تؤثر على عملية اتخاذ القرار.
يضاف إلى هذا أن تعرض الفرد المتزايد للعالم خارج مجتمعه ينعكس غالباً على إدراكه السياسي والاجتماعي إيجابيا.
Page 9
تنمية المجتمع وخصائص الدول النامية
نلاحظ أن كلمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أكثر الكلمات تداولاً في لغة السياسة والصحافة المعاصرة وبخاصة في الدول النامية كحل لا بديل عنه في مواجهة المتطلبات القومية في ميدان الإنتاج والخدمات. ولتحقيق ما تكون به الدول متقدمة بالمفهوم السائد في هذا العصر، وبالمعايير السياسية والفكرية والاجتماعية العالمية. إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما يبرزها الإعلام اليوم تعني من الناحية الحضارية تغييراً أساسياً في كل أنماط الحياة السائدة. ويتبع هذا تغير نوعي وكمّي في صور العلاقات الاجتماعية في كافة مجالات النشاط البشري في المجتمع. وهذا يعني أن تنمية المجتمعات المتخلفة هو نقلها من حالة أو مستوى إلى حالة أو مستوى أفضل ومن نمط تقليدي معين إلى نمط متقدم كماً ونوعاً.
وقد أطلق علماء الخدمة الاجتماعية على تنمية المجتمع لفظ خدمة المجتمع، واعتبروها إحدى طرق الخدمة الاجتماعية.
وعرفت الأمم المتحدة تنمية المجتمع عدة تعريفات منها:
1- العملية المرسومة لتقدم المجتمع كله اجتماعياً واقتصادياً والمعتمدة بأكبر قدر ممكن على مبادرة المجتمع المحلي واشتراكه.
2- العمليات التي يمكن بها توحيد جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية ولمساعدتها على الاندماج في حياة الأمة والمساهمة في تقدمها بأقصى قدر مستطاع.
إن التنمية الاقتصادية على حد تعبير (الدكتور عمرو محي الدين) هي ثورة العالم الثالث ضد الفقر والبؤس والتخلف بصفة عامة. ولقد ظفرت المكتبة الاقتصادية خلال النصف الثاني من القرن العشرين بسيل من الكتابات الاقتصادية حول التنمية، وكأنّ أساتذة الاقتصاد قد اكتشفوا فجأة حقلاً جديداً يصولون فيه ويجولون. ولكن حقيقة الأمر أن بروز العالم الثالث ومشكلاته الاقتصادية التي لا تعيش بعيداً عن ظروفه الاجتماعية والثقافية جعل الموضوع ساخناً.
وإذا نظرنا إلى واقعنا العربي في الربع الأخير من القرن العشرين نجد أن أسئلة مختلفة مثارة منها: كيف ألبّي بمواردي القليلة احتياجاتي المتزايدة؟ أي نظرية من الفكر الاقتصادي أنفع لواقعي؟ كيف نوائم بين الأجر وبين أسعار السوق؟، هل الوحدة الاقتصادية العربية أو التكامل الاقتصادي أو السوق العربية المشتركة هي البداية أم هي المحصلة؟ بأي الصناعات أبدأ؟ هل القروض تدفع عجلة التنمية دفعاً حقيقياً أم دفعاً زائفاً؟ هل أفتح باب الهجرة للعمال والعقول العرب أم لا؟ كيف نتوسع في سياسية الانفتاح دون أن نغرق في التضخم والاستهلاك؟ كيف أوازن بين الخدمات والإنتاج والمواليد؟ ماذا للقطاع العام وماذا للقطاع الخاص؟ ما هو الاستثمار الأمثل لعائدات وفوائض البترول والمال العربي؟.
من هذه الأسئلة ومحاولة الباحثين الاقتصاديين الردّ عليها يتشكل مفهوم التنمية الاقتصادية وإطاره العلمي والتطبيقي.
أما البعد الاجتماعي للتنمية فيشمل تحليل القوى الاجتماعية السائدة في المجتمع. وطبيعة السلطة، ونظرية الحكم، ومدى مشاركة الجماهير في صنع القرار، إن الجانب السياسي برمته جزء من البعد الاجتماعي للتنمية، ثم الجانب الموروث في عادات المجتمع وتقاليده والحوار بين قديمه وجديده، ووضع المرأة في المجتمع. ثم الشخصية القومية وأبعادها كل ذلك يمثل لنا معنى التنمية الاجتماعية.
Page 10
كما ترتبط مفاهيم وحدود الحرية في المجتمع بالتنمية، وبمعنى أخص ضرورة حرية الصحافة لإحراز التقدم. فالسؤال الذي يطرح نفسه في البلدان النامية هو ما مدى تعبير الصحف بوجه خاص عن الرأي العام من جانب، ومدى قدرة هذه الصحف وقدرة محررّيها على كشف الفساد الاجتماعي من جانب آخر، وما قدر الحرية الممنوحة لها في النقد، وما هي ضمانات هذه الحرية، ضمانات من مِلْكية الصحف ومن نقابة الصحفيين ومن المؤسسات والأحزاب والتنظيمات الدستورية والقانونية في المجتمع.. ضمانات للصحيفة كمؤسسة اجتماعية وضمانات للمحرر كمهني يزاول عمله.
إن القانون الذي يقيّد حرية الصحافة يعوق التنمية في المجتمع. لأنه يحرم الرأي العام من المعرفة ومن تصحيح أخطاء المخططين أو سلبيات وحدات الخدمات أو عبث وحدات الإنتاج.
أما التنمية الثقافية: أول ما تهدف إليه هو بناء الإنسان معنوياً، ومن هذا الهدف تبرز الأهداف الثانوية، ويبرز في نفس الوقت دور الإعلام في تحقيق هذه الأهداف. وتتوافق معظم أهداف وزارات الثقافة ووزارات الإعلام في البلدان النامية مع مفهوم التنمية الثقافية. ولكن الصعوبة تبدأ مع التطبيق ومع التخطيط الثقافي والإعلامي. وذلك لأن العمل اليومي يستوعب في كثير من الأحيان طاقات أجهزة الثقافة والإعلام فيتوه منها الطريق الذي رسمه المخطط أو يتعثر تنفيذ أمهات الأعمال الثقافية بسبب تركيز الجهد على عناوين الصحف ونشرات الأخبار في الإذاعة والتلفزيون وما حول ذلك.
وترى (الدكتورة جيهان رشتي) أن الصعوبة التي يواجهها الباحث وهو يحاول تحديد خصائص المجتمعات المتخلفة تتلخص في صعوبة الفصل بين خصائص تلك المجتمعات وتلاحظ أن الباحث يلجأ إلى الاستقطاب أي شرح للخصائص السائدة في مختلف المجتمعات على أنها خصائص مطلقة وهذه النظرة لا ترى أن هناك بين الأبيض والأسود مناطق رماديّة.
وتحذر (الدكتورة جيهان) من الاستقطاب، لأن أي نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي سواء كان تقليدياً أو انتقالياً أو حديثاً، قد يجمع بين الخصائص التقليدية والحديثة. فإذا تصورنا مجالاً يبدأ من واحد وينتهي بعشرة نستطيع أن نضع المجتمع التقليدي عند رقم 3 مثلاً والمجتمع الانتقالي بين رقمي 5 و7، والمجتمع الحديث عن الرقمين الثامن والتاسع، باعتبار أن المجتمع كلما اقترب من رقم 10 كان مجتمعاً حديثاً أو متقدماً وكلما اقترب من رقم 1 كان متخلفاً أو تقليدياً. ولكن لا نستطيع أن نجزم بأن هناك مجتمعاً حديثاً 100% يقع في آخر الطرف الأيسر وليس هناك مجتمعاً متخلفاً 100% يقف في أول الطرف الأيمن لأن الصفات الحضارية والتقليدية تتواجد في كافة المجتمعات، وإنما تختلف الدرجة وتتفاوت النسبة.
إن هناك خصائص سكانية (ديموغرافية) عامة، تتميز بها البلدان النامية:
أولها: ارتفاع معدل المواليد بصفة عامة حيث يصل هذا المعدل في كثير من الدول النامية إلى أكثر من أربعين لكل ألف من السّكان.
ثانيها: ارتفاع معدل الوفيات عامة، ومعدل وفيات الأطفال بصفة خاصة، وانخفاض متوسط عمر الفرد عن نظيره في الدول المتقدمة.