eKtab
EN ع
الإعلام وهوية الأمة
Read free sample

الإعلام وهوية الأمة

by عبد الله بن عقيل بن سليمان العقيل

Page 1

مقدمة المؤلف

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلى الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان، وكرمنا بدين الإسلام، وجعلنا تبعاً لسيد الأنام محمد (صلى الله عليه وسلم).
وبعد،،
فإننا حين نتحدث عن الإعلام الإسلامي قد يتبادر إلى بعض الأذهان أننا نتحدث عن الأحاديث الدينية المذاعة، والحقيقة أن الأمر أكبر من ذلك، فليس الإعلام الإسلامي محصوراً في الأحاديث والمواعظ فحسب، بل يتسع ليشمل كل مجالات الحياة؛ فكلمة التوحيد منهج متكامل للحياة، يصفها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنها "" تملأ ما بين السماوات والأرض""؛ لأنها تعني العمل لعمارة الأرض، والجهاد في سبيل الله، والسعي لإقامة شريعته في الأرض، وطلب العلم لأنه فريضة، والتخلق بأخلاق المؤمنين.
إن الإسلام يرحب بالكلمة الطيبة، ويدعو إليها، ويشجع الأدب الملتزم الذي يتناول الخير، ويبرزه، ويحث عليه، ويحذر من الشر، وينفر منه.. الأدب الذي يبرز جمال التكوين، وإتقان الصنع والإبداع في الكون، ويدعو إلى التفكير فيه والنظر في أسراره.
ويشجع الإسلام الكلمة الأدبية- أياً كان لون التعبير بها، نثراً أو شعراً- متى كانت تحض على صلة الرحم، وتدعو إلى التعاون على البر والتقوى، وغير ذلك من القيم الفاضلة التي تعلي شأن الفرد والمجتمع والأمة، ويرفض الإسلامُ رفضاً قاطعاً كلَّ صور الأدب وأشكاله التي تدعو إلى الفوضى السلوكية والإباحية، وتشجع على الفساد تحت لافتات وشعارات كاذبة لخداع الناس، ونزعهم من أصولهم، وتحويلهم إلى قيم بديلة من شأنها أن تجر الجميع إلى المهالك، وتفتح الطريق أمام تفكك المجتمع الإسلامي.
والإسلام كدين ينتظم كل شؤون الحياة، يؤيد نشر كل معلومة يترتب عليها فائدة للفرد والأسرة والمجتمع، سواء أكان النشر بالوسائل المسموعة أو المشاهدة أو المقروءة، فإذا كان نشر أخبار الحوادث والجرائم- مثلاً- يحقق تلك الفائدة، فليس ثمة مانع من ذلك؛ لأن النشر في هذه الحالة تنبني عليه مصلحة عامة للناس كالزجر والردع والتحذير والتبصير والوقاية والحيطة.
أما إذا كان النشر بصورة توحي بإغراء من يقرؤها أو يراها أو يسمعها فيقلدها، فهذا – بلا شك- ضرر متحقق، تندفع معه المصلحة المتوخاة، كما نلاحظ في بعض وسائل الإعلام التي تظهر المجرم بصورة البطل الشجاع المقدام العبقري، الذي لا يُشق له غبار، والذكي الذي يتخلص من جرائمه بالحيلة والدهاء، وهذا العرض بهذه الصورة يؤدي إلى آثار سلبية خطيرة على الأطفال والكبار على حد سواء، ويشيع الفساد، ويؤدي إلى استشراء الداء، ومن هنا لا بد من مراعاة أن المقصود ليس النشر لمجرد النشر، بل للفائدة المرجوة من وراء ذلك.
وفي هذه الدراسة الموجزة أردت أن أشير إلى بعض النقاط في مجال الإعلام؛ ليكون – بحق- إعلاماً إسلامياً، يعبر عن هوية الأمة الإسلامية، ويحقق غاياتها، ويكون خطوة على طريق السيادة والريادة وأستاذيه العالم.
وتضمنت الدراسة نشأة الإعلام الإسلامي، وحاجة الأمة الإسلامية – بل العالم كله- إليه، وأسس الإعلام الإسلامي وقواعده وأهدافه وخصائصه وأساليبه ووسائله.
ثم تناولت أبرز معوقات الإعلام الإسلامي، وكيفية مواجهتها والتغلب عليها، وأشارت الدراسة إلى مسؤولية الإعلاميين، وخصّت الصحفيين، من خلال ما ورد في وثيقة الصحفيين العرب، وميثاق الشرف الصحفي التركماني، وميثاق الشرف الصحفي الأردني، وميثاق الشرف الصحفي المصري.
والله أسأل أن ينفع بهذه الدراسة، وأن تكون عاملاً مساعداً على قيام إعلام متقيد بأخلاق الإسلام وتعاليمه، وأن تكون في ميزان حسناتي يوم تطيش الموازين.
اللهم آمين
وصلِّ اللهم على أشرف خلقك، وأعظم أنبيائك محمد، وعلى آله وصحبة، وسلم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المستشار
عبد الله عقيل سليمان العقيل
Page 2

نشأة الإعلام الإسلامي

ارتبطت نشأة الإعلام بنشأة التجمعات البشرية، حيث يكون أفرادها في حاجة إلى الاتصال فيما بينهم؛ لتستقيم حياتهم، ويتسنى لهم التعايش معاً، وكان أول شكل من أشكال الإعلام إعلام الملائكة بأسمائهم من قبّل أدم (عليه السلام)، قال تعالى: ( قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة:33].
وعندما هبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض، وتكاثرت ذريته توالت أشكال الاتصال البشري، وتنوعت ما بين اتصال فردي شخصي، واتصال جماعي بالكلمة المنطوقة، ثم الكلمة المقروءة.
وقد ارتبطت بدايات الإعلام الإسلامي بمراحل الدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية، وتمثلت تلك البداية في الاتصال الفردي (مرحلة الدعوة الفردية) حيث كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو سراً من يتوسم فيه الخير وقبول دعوة الحق، وكذلك فعل أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)، وفعل غيره من الصحابة الأبرار الأطهار، حتى دخل عدد من أهل مكة في دين الله سراً، ولكي يتعلموا أمر هذا الدين الجديد، ويقفوا على معالمه وتكليفاته، ويعرفوا واجباتهم حيال إسلامهم، كان الاتصال الجمعي السري في دار الأرقم ابن أبي الأرقم (مرحلة الدعوة السرية)، وعندما تربى هؤلاء الصحابة التربية الصحيحة في دار الأرقم على يد رسول الله (ص)، وفهموا إسلامهم حق الفهم، وأصبحوا مهيئين لتحمل العقبات في سبيل نشر دعوة الإسلام، ومواجهة الباطل المتغطرس، عند ذلك نزل الأمر الإلهي (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿٩٥﴾) [الحِجر:94- 95]، فكانت مرحة الاتصال الجمعي العلني (مرحلة الدعوة الجهرية)، وكانت كل مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية تحتاج إلى ما يناسبها من طرق التبليع والإعلام، ما بين أحاديث فردية ووعظية، وحوارات، وعرض على القبائل، ومحاضرات، وخطب، وأشعار، وبيانات، وتدريب عملي.
وكانت موضوعات الإعلام الإسلامي في تلك الفترة منصبة على دعوة الناس إلى التوحيد الخالص، وإفراد الله بالعبودية، وترغيب الناس في الإسلام، وبيان فضائله ومبادئه، وشرح تعاليمه لمن اتبعوه، وبيان ما يعتور الجاهلية من رذائل وعادات قبيحة تأباها الفطر السليمة النقية، وترفضها العقول النابهة، وإظهار عجز الآلهة التي يعبدها كفار مكة عن أن تضر أو تنفع.
واتسع نطاق الدعوة إعلامياً حيث لم يكتف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بدعوة من حوله من قبيلة قريش، وإنما تجاوز أهل مكة، وانطلق بدعوته إلى الطائف، وعرض دعوته على من أتى لزيارة مكة حاجاً أو قاصداً أسواقها، وتجاوز الأمر ذلك إلى إرسال الرسل والمبعوثين إلى البقاعالمختلفةكما فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عندما بعث أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير (رضي الله عنه) إلى المدينة قبل الهجرة، كما أرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عدداً من المسلمين إلى الحبشة هرباً من أذى مشركي مكة، فقاموا بالدعوة إلى الإسلام وروجوا له إعلامياً.
وكان كل حدث تمر به الدعوة الإسلامية يعقبه نزول آيات القرآن الكريم مبينة له وشارحة لما يتعلق به، ويتبعه من تساؤلات واستفسارات، بل وتشكيكات من قِبَل المنافقين والمشركين؛ مما يتيح له انتشاراً إعلامياً أوسع، حيث تلوكه الألسنة، وتتناقله من مكان إلى آخر، فيصدق فيه قول الشاعر العربي:
وإذا أراد الله نشرَ فضيلة
طويت أتاح لها لسانَ حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود
وبعد إقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة اتسعت الوسائل الإعلامية، ابتداءً من الأذان وخطب الجمعة والمناسبات ومواسم الحج إلى الوفود والرسائل إلى الملوك، ومع مرور الزمن واتساع رقعة الدولة الإسلامية في العصور الزاهية للإسلام، تطور الإعلام الإسلامي أكثر وأكثر؛ ليتمكن من مواكبة التغيرات السريعة والمتعاقبة الحادثة للدولة الإسلامية، وليقوم بدوره في توطيد أركان الخلافة الإسلامية المترامية الأطراف.
Page 3

الحاجة إلى الإعلام الإسلامي

يعتبر الإعلام الإسلامي أحد أبرز التخصصات في حقل الدراسات الإسلامية، نظراً لما يقوم به من دور مؤثر وفعال في نشر التعاليم الإسلامية، وتبصير المسلمين بدينهم، وتنبيههم إلى الأخطار المحيطة بهم وكيفية مواجهتها، وتدريبهم على كيفية التغلب على المشكلات والعوائق التي تقف حجر عثرة في طريق تنمية مجتمعهم، وقد جاء هذا التخصص بعد تطور مفهوم الإعلام الحديث، سواء في مضمونه أو في وسيلته أو في غايته.
ولأجهزة الإعلام أثر عظيم في نفوس جماهير المتلقين للدعوة الإسلامية؛ لذلك فإن تطويع هذه الأجهزة لخدمة العمل الدعوي ضرورة عصرية في مواجهة التيارات الفكرية العديدة التي تحملها تلك الأجهزة، وتغزو بها الدنيا كلها، ومنها العالم الإسلامي، بواسطة الأقمار الصناعية، إلا أن الواقع الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية في صراعها مع تلك التيارات لا يتفق مع المكانة التي ارتضاها الله- سبحانه وتعالى- للأمة الإسلامية من حيث الريادة والقيادة للبشرية كلها (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [البقرة:143]، فلا بد من تطوير وسائلنا لتناسب متغيرات العصر الذي نعيشه؛ وفي سبيل تحقيق ذلك نحتاج إلى وعي حقيقي بأهمية استخدام أجهزة الإعلام في التعريف بالدعوة الإسلامية، فالعمل الدعوي يحتاج إلى المقال الهادف، والقصيدة الجيدة، والقصة القصيرة والطويلة، والمسرحية، على أن يلتزم المبدعون في كل هذه المجالات بقيم الإسلام وأهدافه وآدابه.
وإذا كان العلمانيون وأصحاب المذاهب الباطلة والفرق المنحرفة وأعداء الإسلام "يُلمِّعُون" رموزهم، ويسلطون عليها الأضواء، وينفقون عليها، وينشرون كتبها، ويحيطونها بهالة من التمجيد والتعظيم؛ ليخدعوا العامة وأنصاف المثقفين، ومن ليس لهم في الثقافة والأدب والفكر أي جهد، ووسائلهم في ذلك: القصص الخليعة، والروايات المبتذلة، والشعر الرديء والكلام الساقط الذي يأنف الكريم أن يتلفظ به، أو يكتبه، أو يسمعه، إذا كان هؤلاء يفعلون ذلك رغم باطلهم، فإن الإعلام الإسلامي هو الأقدر على مواجهة هؤلاء، وكشف عوارهم، وإزالة ما يثيرونه من شبهات، وفضح ألاعيبهم، وكشف خططهم.
إن دور الإعلام أهم من دور الصاروخ، حيث يقوم برد الشائعات وإبطالها وعدم الالتفات إليها، لأن الشائعات من أهم أسلحة الأعداء، والإعلام في النص القرآني، لطالما رد على أكاذيب المنافقين وكشف الحقائق وقطع ألسنة مروِّجي الشائعات، فكان الأمر الإلهي بالتثبت والتأكد من صحة الأخبار قبل نشرها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحُجُرات:6]، وقال عز من قائل: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:83].
وقد اختُلِف في فرضية الإعلام من حيث النوعية، فهناك مَن يعتبره من فروض الكفاية، استناداً إلى قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122]، وفرض الكفاية إذا قام به بعض المسلمين يسقط عن باقي الأمة الإسلامية متى تحققت به الكفاية- أي تحقق الهدف منه- فلا إثم عليهم في هذه الحالة، أما إذا لم تتحقق به الكفاية، فلم يحقق الهدف منه، أَثِمَ جميع المسلمين.
والبعض يعتبره فرض عين على كل مسلم، استناداً إلى كونه شكلاً من أشكال الدعوة إلى الله التي توترات النصوص الشرعية بفريضتها، فالدعوة والإعلام يشتركان في العديد من المجالات، حيث إن الوظيفة الأساسية لهما هي تعريف الناس بالإسلام وإعلامهم بمبادئه وقيمه وأحكامه، وتحذير الناس من اتباع أية دعوة تخالف دعوة الإسلام.
Page 4

أسس الإعلام الإسلامي وقواعده

يقوم الإعلام الإسلامي على مبدأ بيان الحقيقة، وتعريف الإنسان بها، وكيفية الوصول إليها، وحمايته من التضليل والتزييف، وإضعاف موقف العدو النفسي، وإرهابه عن طريق استعراض القوة والإمكانات؛ ليكون ذلك مدعاة إلى تحقيق الردع والزجر لأي عدو تسول له نفسه الاعتداء على ديار الإسلام ومقدسات المسلمين، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [الأنفال:60]، ولما كانت وظيفة الإعلام دعوية في الأساس، وكل منهما (الدعوة والإعلام) يأخذ حكم الآخر، فإنهما يتفقان في الأسس والمبادئ والمحاور التي يقومان عليها، ومن ذلك:
- تعريف الناس بربهم سبحانه وتعالى، وبنبيهم (صلى الله عليه وسلم).
- تعريف بشريعة الإسلام قرآناً وسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة.
- التعريف بثواب الطائعين وعقاب العاصين.
- دعوة المسلمين إلى العودة إلى دينهم.
- دعوة عن الإسلام ضد الشبهات.
- الدفاع عن قضايا الأمة ومصالحها.
- الدعوة إلى وحدة المسلمين، وبيان الوسائل التي تؤدي إلى ذلك.
- مواجهة الشائعات والحرب الدعائية، والعمل على حماية المسلمين من التضليل والخداع.
- نشر الفضيلة ومواجهة الرذيلة.
- صيانة المرأة من أن تُتخذ كوسيلة للإغراء وجذب الانتباه.
- وضع أطر عامة تضبط العلاقات بين الرجل والمرأة، وتحدد دور كل منهما في حركة المجتمع.
- تجنُّب نشر الشر أو إظهار الفساد، ونشدان الخير والإصلاح، فالإعلام الإسلامي يرفع شعار: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود:88] .
- نبذ العنف والتشدد، وتجنُّب المشقة والحرج، واعتماد السهولة واليسر منهجاً؛ امتثالاً لقول الله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج:78]، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة:6]، وقوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185].
وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعائشة (رضي الله عنها): " يَا عَائشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفيقٌ يحبُّ الرِّفْق وَيُعْطِيِ عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفَ وَمَاَ لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" (رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد).
- الوضوح، حيث يجب أن تكون المادة الإعلامية ذات دلالة واضحة، لا غموض فيها، ولا مواربة، ولا تكون بين بين، وأن تبتعد عن الجمل والعبارات المطاطة التي لا تشير إلى دلالة واضحة محددة.
- سلامة اللغة، وسلاستها، وخلوها من اللحن، ومن التعقيد، ومن المشترك اللفظي الذي يحمل أكثر من معنى.
Page 5

أهداف الإعلام الإسلامي

الإعلام في حقيقته هو بحث السبل للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم، وتقديم الحقائق لهم مجردة من كل بهرجة أو زيف أو خلط أو كذب، والدعاية إذا كان المقصود بها وصف الشيء كما هو وإيصاله إلى الناس دونما زيادة أو نقصان، فلا غبار عليها. فما بالك إذا كان الإسلام يطالب المسلمين بذلك في الدعوة إلى دينهم، ويحثهم عليه، ويجعله فريضة في عنق كل مسلم.
ولا تقتصر مسؤولية هذه الدعوة على طبقة معينة، فليس في الإسلام رجال دين ورجال دنيا. يقول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فُصِّلت:33].
ويعتبر الهدف الأساسي للإعلام الإسلامي إرشاد الإنسان إلى ما يؤهله لأن يكون عبداً لله، وتبصيره بالغاية التي من أجلها خُلق، وهي عبادة الله وحده، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾)[الذاريات:56- 58]، وقال عز وجل: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البيِّنة:5].
إن الإعلام الإسلامي يسعى إلى تربية المسلم بحيث يكون:
- قوي الجسم.
- متين الخلق.
- مثقف الفكر.
- قادراً على الكسب
- سليم العقيدة.
- صحيح العبادة.
- مجاهداً لنفسه.
- حريصاً على وقته.
- منظماً في شؤونه.
- نافعاً لغيره.
وفي إطار ذلك يتولى الإعلام الإسلامي ترسيخ العقيدة في النفوس، ويقوم برد الشبهات المثارة بهدف التشكيك والإرجاف، ويعمل على بث الوعي، وتبصير المسلم بكل ما يحيط به من أخطار، ويرشده إلى أفضل الطرق لمواجهتها والتغلب عليها.
ومن أهداف الإعلام الإسلامي أيضاً، الحرص على تماسك المجتمع وترابطه، واتخاذ كل السبل المؤدية إلى ذلك، من خلال التربية الخلقية القويمة للمجتمع، مثل ترسيخ معاني الأخوة والإيثار، وغرس روح التعاون على البر والتقوى والود والتراحم.
Page 6
ومن أهداف الإعلام الإسلامي الأخرى التي أوردها عبد الله الوشلي في كتابة "الإعلام الإسلامي في مواجهة الإعلام المعاصر":
1- تزويد الجماهير بحقائق الدين الإسلامي المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
2- تكوين رأي عام صائب يعي الحقائق الدينية، ويترجمها إلى واقع في سلوكه ومعاملاته.
3- بيان الحق وتزيينه للناس بكل الطرق والأساليب والوسائل العلمية المشروعة بقصد جلب العقول إلى الحق، وإشراك الناس في نوال خير الإسلام وهديه.
4- كشف وجوه الباطل، وتقبيحه بالطرق المشروعة، وإبعادهم عن الباطل، وإقامة الحجة عليهم.
5- إيصال صورة التصور الإسلامي عن الحياة إلى كل أرجاء المعمورة.
6- توفير المعلومات عن الظروف المحيطة بالناس (الأخبار).
7- نقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، والمساعدة على تنشئة الجيل الجديد من الأطفال أو الوافدين الجدد على المجتمع، وهذا ما يطلق عليه: التثقيف والتعليم والتربية.
8- الترفيه عن الجماهير وتخفيف أعباء الحياة عنهم.
9- مساعدة النظام الاجتماعي؛ وذلك بتحقيق الاجتماع والاتفاق بين أفراد الشعب أو الأمة الواحدة عن طريق الإقناع في السيطرة على الجماهير وضمان قيامهم بالأدوار المطلوبة.
10- تحسين أوضاع الأمة في الكسب والإنفاق، وترشيدها في الأخذ والعطاء، والحماية من الغش والاحتكار، والتحذير من النهب والاستغلال، والمحاربة للربا وأكل الحرام، وعرض أفضل الطرق وأيسرها للتجارة وإدارة الأموال دون أن توجد في الأمة ضيقاً وعنتاً، أو تسبب للدولة أزمة وخنقاً.
11- التوجه والإرشاد، والنصح والمشورة، والتسديد والإصلاح، وتوثيق العلاقة وتنميتها بين الحاكم والأمة على أساس من العدل والطاعة والالتزام، والرعاية لمصالح الأمة، والمحافظة على أمنها وحريتها، هذا في الداخل، وتنظيم العلاقات الدولة وتحديد مسارها سلماً وحرباً وصداقة ومعاهدة.... الخ.
12- التوعية والاستنفار ورفع الروح المعنوية في صفوف المجاهدين، وشن الحرب النفسية على الأعداء المحاربين، وكشف المخططات، وفضح المؤامرات، والإسهام في التعبئة العامة والإعداد الشامل، من الناحية الفكرية والمعنوية والروح القتالية...الخ.
13- التسلية والترويح؛ لتجديد النشاط، وأداء الواجبات والقيام بالمسؤوليات، كما أنها أيضاً للتدريب على معاني القوة ووسائل الجهاد في سبيل الله، وهذه من مميزات لهو الإسلام وخصائصه؛ لأنه لهو يريح القلب، ويدخل السرور والمرح على النفس، وفي الوقت نفسه يُتَعَلَّمُ منه الجد والنشاط في العبادات، ولذلك كان الترفيه في الإعلام الإسلامي منضبطاً بكونه لا يتنافى مع الآداب وحسن الأخلاق، ولا يتحول إلى عادة في كل صباح ومساء، ولكن كما في الحديث: "ساعة وساعة"، رُوي عن علي(رضي الله عنه): "أن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة". وعنه أيضاً: "روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي".
Page 7

خصائص الإعلام الإسلامي

الإعلام الإسلامي مستمد من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويعكس جوانب العقيدة الإسلامية، ولذا فإنه لا يلجأ إلى الشطط والجموح في الكلمة المسموعة أو المقروءة أو المرئية كما هو الحال في إعلام اليوم المليء بالسباب والشتائم، وكَيْل التهم، واصطناع العيوب، وقذف الأبرياء، واتهام الأطهار وتشويه المقدسات، بل ينشد الحق وحب الخير للناس أجمعين، ويلتزم الإعلام الإسلامي الصدق في الخبر المذاع، فيكون ملتزماً بالواقعة، فلا يغير من الحقيقة شيئاً، والصدق في الكلمة؛ فينقل المعلومات بغير تقصير، وبغير دلالات توحي بغير معانيها، والصدق في الحكم؛ حيث يلتزم بالتفسير الصحيح للوقائع بغير هوى، ويعرض الوقائع بدقة.
والإعلام الإسلامي عام في محتواه ورسائله، ومتخصص في جانب آخر، فالإسلام هو دين البشرية يشمل خطابه عامة المجتمع، ومن ثَم فلا بد أن يصل إلى كل شرائح المجتمع وطبقات الناس من خلال الكلمة المسموعة والمقروءة.
وبالنظرة إلى الإعلام الإسلامي في عهد النبوة، نجد أن القرآن الكريم- وهو كتاب الله المنزل على نبيه (صلى الله عليه وسلم)- قد خاطب طبقات الناس جميعاً، بل البشرية كلها، وضرب الأمثلة للأمم الغابرة وللأنبياء الذين بلغوا رسالات السماء، وبيّن مواقف الناس حيال أولئك الرسل والأنبياء، وهذا الجانب من الإعلام الإسلامي يكتسب صفة العموم من حيث مخاطبته للجميع وتبيانه للعقيدة الإسلامية ووحدانية الله وربوبيته.
إلى جانب ذلك، عني الإسلام بالتوجيه إلى أن يتخصص نفر من الناس في علوم الدين، ويضطلعوا بالتبحر فيه وشرحه للناس، وهذا هو الجانب المتخصص من الإعلام الإسلامي، يقول تعالى: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122].
والإعلام الإسلامي إعلام هادف في مضمونه وأسلوبه وغايته، ولذا فإنه غير متورط فيما عليه الإعلام في واقعنا اليوم؛ حيث تختلط فيه الصورة، وتضطرب الرؤية، ويكون من حصاده النافع والضار، والغث والسمين.
والإعلام الإسلامي ينطلق في مضمونه من القواعد الإسلامية الثابتة، ويتقيد في أسلوبه بالضوابط الإسلامية التي تجعله يسلك الوسائل المشروعة في تحقيق غاياته.
والإعلام الإسلامي يلتزم الواقعية ويبتعد عن الإثارة، فهو يؤثر ولكنه لا يثير الشهوات بالصور الخليعة وغيرها من المشاهد أو الأخبار غير المرغوب فيها.
والإعلام الإسلامي يربط الحدث بخلفيته التاريخية وبالسنن الإلهية، وينطلق من الماضي ليقتبس منه العبرة، ويحلل الحاضر، ويستشرف المستقبل.
Page 8

وسائل الإعلام الإسلامي وأساليبه

ويتوسل الإعلام الإسلامي بكل وسيلة مشروعة لتحقيق غايته، ويسخر كل إمكانات العصر ومنتجات الحضارة، آخذاً النافع منها، وطارحاً الرديء، وسالكاً في مساره مخاطبة جماهير الأمة بالحكمة والموعظة الحسنة.
والإعلام الإسلامي ليس كثرة المواعظ وتكرارها؛ فقد كان الرسول (ص) لا يكثر من موعظة الصحابة مخافة السآمة، وهذا الشأن في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو سيد الدعاة، فما بالك بمن هم دونه؟! ففي الصحيحين عن ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه كان يُذكِّر كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن؛ إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
وقد بدأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعلم الناس هذا الدين، فعلم زوجته خديجة (رضي الله عنها)، ثم ابن عمه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ثم صعد على جبل "الصفا" وهتف بأعلى صوته لإعلام قومه رسالته.
ويمثل منبر المسجد وسيلة مهمة من وسائل الإعلام الإسلامي على مر العصور، وخاصةً في أيام الجُمع والعيدين والمناسبات، فمنه تنطلق دعوة الحق والخير لهداية الناس إلى الطريق المستقيم، ومنه تنطلق التوجيهات، وتطرح الحلول لعلاج ما يواجه المسلمين من مشكلات.
والإسلام لم يحدّد أسلوباً معيّناً للدعوة والإعلام، بل حدّد وجوبه، وترك اختيار الوسائل والأساليب للإنسان المكلّف نفسه، يختار منها ما يناسب الظروف والحاجة، وقد اعتمد دعاة الإسلام منذ عهد الرسالة النبويّة إلى هذا اليوم عدّة وسائل وأساليب، وفق الحاجة والضرورة والظروف والإمكانات المتوفّرة، ومن تلك الوسائل:
• المنبر والخطابة.
• الدرس والمدرسة.
• التأليف والكتابة.
• الإذاعة والتليفزيون.
• المسرح والرواية والشعر والمثل والقصّة.
• الصحف والمجلات.
• المحاضرات والندوات.
ومن أساليب الإعلام الإسلامي التي ذكرها الأستاذ عبد الله الوشلي في كتابه "الإعلام الإسلامي في مواجهة الإعلام المعاصر"، والتي استمدها من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة:
1- البيان المعجز: فلقد جاء القرآن الكريم كتاباً عربياً مبيناً يتحدث إلى الناس بلغة العرب، ولكنه جاء بأسلوب معجز تحدى به المعاندين والمتكبرين أن يأتوا بما يماثله في نصاعة التعبير وقوة البيان، ولا يزال هذا التحدي المعجز قائماً حتى اليوم، وسيبقى قائماً إلى يوم يبعثون. (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88].
Page 9
2- التنوع في الأداء القرآني: فالقرآن في حقيقته تركيب عجيب في بناء آياته وفي الموضوعات والقضايا التي يتناولها من خلال وعظه وتعليمه ومحاوراته التي يرد بها على المعترضين، أو يعقب بها مؤيداً أو مندداً أو مبشراً أو منذراً.
3- كان الشعر هو الأداة الإعلامية الموجودة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكان الشعراء هم من يقومون بهذا الدور، فكان حسان بن ثابت شاعر الرسول، وكان الرسول يطلب منه أن يرد على المشركين بالشعر، وقد ظل الشعر أداة إعلامية استخدمها الصحابة طيلة العهد النبوي، ففي غزوة خيبر قال الإمام على بن أبي طالب:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
كليث غابات كريه المنظرة
أوفيكم بالصاع كيل السندرة
وكذلك في غزوة مؤتة قال عبد الله بن رواحة، حين ترددت نفسه عن القتال:
يا نفس مالك تكرهين الجنة
أقسم بالله لتنزلنه
طائعة أو لتكرهنه
فطالما قد كنت مطمئنة
هل أنت إلا نطفة في شنة
قد أجلب الناس وشدوا الرنة
وهكذا، ظل الشعر أداة إعلامية قوية يستعملها الشعراء للرد على العدو، وكذلك في نشر القضايا الإسلامية التي تهم جموع الأمة طوال عصر الخلافة الراشدة والدولتين: الأموية والعباسية، فقد كان يثير حماسة المجاهدين، ويخيف أعداء الإسلام.
4- الواقعية في الحوار: والمقصود بالواقعية هو أن وحي السماء قد علمنا مواجهة الأحداث والوقائع حين حدوثها، ذلك أن الفكرة النابعة من المواجهة تتصف بالحرارة والحيوية، وتتميز بقدرة فائقة على التأثير في النفوس، ومما يلفت النظر أن الأفكار والموضوعات التي تبقى في حيز النظريات غير قابلة للتطبيق، أو التي لا تتهيأ لها الظروف الملائمة لتطبيقها تفقد تأثيرها في النفوس، وتتحول إلى جملة من الأفكار المترفة التي لا تصلح إلا لتقضية السهرات في الليل، أو لملء أوقات المترفين من المثقفين، وهذا هو السر في القرآن الكريم قد نزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منجماً، وبتعبير آخر كانت السور أو الآيات تنزل استجابة لحادث معين، أو جواباً عن سؤال معين، أو شرحاً لموقف من المواقف، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴿٣٢﴾وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴿٣٣﴾) [الفرقان:32-33]، ومن هنا يتبين أن استباق الأمور والقفز من فوق الأحداث لا يتفقان مع منهج المعاصرة في المحاورة والإعلام والمناقشة التي جاء بها القرآن الكريم، وهذا هو يفسر سقوط الأفكار والفلسفات والدعوات الأرضية التي لا تتصل بالحقائق والوقائع المعاشة عند الناس في كل عصر.
5- التزام الصدق: وهذه الصفة بالغة الأهمية في الإعلام الناجح، وفي الدعوة إلى الله، فإن تحري الحقائق والوقائع والالتزام بروايتها كما وقعت، هي الضمانة الأساسية للفوز بثقة الناس الذين هم غرض المادة الإعلامية، أو هدف الدعوة إلى الله، وليس أدل على أهمية الصدق، وتحري الحقيقة في الإعلام من تاريخ الوقائع الإسلامية نفسها، فلقد أثبتت مجريات التاريخ الإسلامي أن الأكاذيب والأساطير التي ووجهت بها الدعوة الإسلامية، قد سقطت كلها أمام الاستقامة والطهارة في مناقب أصحاب الدعوة إلى الله.
6- المواجهة الصريحة وتسمية الأشياء بأسمائها: فكل تسمية تتم على حساب العقيدة والشريعة في سبيل الحصول على مكاسب وقتية هي في الحقيقة جناية على العقيدة والشريعة في وقت معاً، ولنا فيما ذُكر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المواقف ما يؤكد هذا الرأي، ولا سيما يوم أن رفض التسوية التي عرضت عليه من قبل قريش بواسطة عمه أبي طالب، فقال قولته الخالدة: ""والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه".
Page 10
7- فعالية السلوك: حيث لوحظ أن القرآن الكريم قد ركز تركيزاً شديداً على الجانب الخلقي عند الرسول (صلى الله عليه وسلم)، واعتبر أن نجاح الدعوة إلى الله موصول بجانب كبير من سلوكه عليه الصلاة والسلام، فقد ورد فيه قوله عز وجل:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران:159]، ويقول في آية أخرى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]، ويصف القرآن أخلاق عباد الرحمن فيقول عز من قائل: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77))[الفرقان:63 - 77] . لكن روح الإسلام عند عباد الرحمن ليست روح الاستسلام؛ فقد ورد في آية أخرى قوله عز وجل: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح:29].
8- الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة حتى لا تُترك أية ثغرة في بناء الدعوة إلى الله: فكل من يتلو القرآن الكريم يتبين له أن الحوار يتناول كل الأحداث والمواقف، وكل الناس من كل الطبقات والفئات، ابتداء من المشرك الكبير حتى المؤمن الفقير، وابتداء من الوفود الكبيرة التي تحاور وتناقش، ومن كبير الخزرج عبد الله بن أبي الذي كان على رأس المنافقين، حتى المستضعفين الذين بقوا على كفرهم أو نفاقهم متابعة لكبرائهم، والقرآن لا يتردد في أي أسلوب من أساليب البيان، ولا يستحي أن يضرب أي مثل من الأمثلة في سبيل خدمة الدعوة إلى الله، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾)[البقرة:26- 27].
9- الأخذ بأسلوب الاستيعاب الإعلامي: والمقصود بالاستيعاب هنا هو أن القرآن الكريم قد أخذ بطريقتين أساسيتين في الأداء؛ لما لهما من أثر بالغ في تحقيق هذا الاستيعاب:
الأولى: طريقة التنويع في التعبير بحيث يتم التناغم بين المبنى والمعنى، فإذا كان المعنى شديداً قاسياً كان المبنى شديداً قاسياً أيضاً، والعكس بالعكس.
الثانية: طريقة التكرار في الأداء، والمقصود بالتكرار هو القيام بعميلة الإيحاء المستمر، وهي العملية التي يتكرر بها المعنى نفسه بعبارات مختلفة تجنباً للإملال، وقصداً إلى تعميق التوعية بالمعنى المقصود منه.
10- تناول الحقائق العلمية المسلمة: وبتعبير آخر تقديمها بالطريقة التي تتفق مع الفكرة، بحيث لا تتعارض مع البحوث التفصيلية اللاحقة، لا سيما وأن القرآن ليس كتاباً علمياً بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنه لم يورد من الحقائق العلمية إلا ما هو مسلم به، وفي الحدود التي يستوعبها عقل الإنسان في كل عصر من العصور.