تقديم
الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام ونصره، والصلاة والسلام على القائد الأعظم محمد بن عبد الله الذي أنقذ أمته من الهزيمة الفكرية والعملية، وعلى آله وصحبه المجاهدين البررة الذين ضحوا في سبيل إعزاز الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم، ورضي عن جميع من اتبعهم بحق وإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
يخطئ كل من يحسن الظن بالغرب والغربيين، قادة وشعوباً وأفراداً، سياسيين ومفكرين، وكتّاباً وإعلاميين ومستشرقين، وصنّاع قرار وتابعين، فلا يتوقع منهم الخير، ولا يطمأن لمخطَّطاتهم ومكائدهم، لتأصُّل نار الحقد والتعصب في قلوبهم، وسوء الظن بالمسلمين، على مدى التاريخ القديم والحديث، فهم فضلاً عن شنّ الحروب المتوالية على ديارنا وأمتنا، يمعنون في إبقائنا متخلِّفين مضطربين قلقين ممزّقين متفرقين، دون التمكين من قرار جماعي هادف، ولا من وضع خطة إنقاذ وحصانة، وستبقى مكائدهم ومؤامراتهم قائمة على الدوام، ولا يسمحون بقيام أو نشوء قوة عسكرية دفاعية على مستوى التوقعات والأحداث المتوالية، ولا من وجود صناعات ثقيلة، حيث يحبطونها ويغلقون مصانعها بكل ما يملكون من ثقل وإملاءات علنية وسرية، ويحرصون كل الحرص على إبقاء حكومات موالية أو عميلة أو ضعيفة هزيلة أو كرتونية، كما قال الشيخ زايد رحمه الله، أو إصدار قرارات قمة عربية أو إسلامية على المستوى المطلوب.
وتراهم بمنهج صريح يعاملوننا في مواجهة غيرنا بمكيالَين أو ميزانَين، سواء بإصدار القرارات الدولية الأممية في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، أو بتمكين أعدائنا من توفير أعتى الآلات العسكرية وإحراز القوة النووية الجبارة، فإن دولة الصهاينة مثلاً تملك مئتي رأس نووي، وتحرمنا من كل ذلك، سواء بامتلاك السلاح النووي، أم بالتفكير في إعداد أي مصدر للقوة، ولو في مجال الطاقة السلمية، لذا أوجدوا كيان (إسرائيل) على حساب شعب فلسطين.
ومع هذا كله يتسلطون على ثرواتنا النفطية والمعدنية ويسرقونها بأساليب مختلفة، ويصادرون أموالنا باسم التجميد ولا يعطوننا دولاراً واحداً.
ولم تختلف خطط الغرب المعادية للعالم الإسلامي بين الماضي والحاضر، في جميع الحروب الدفاعية التي دُفع إليها المسلمون دفعاً، سواء في التخلص من الشرك والوثنية في شبه جزيرة العرب، أم في الحروب الصليبية، وحروب التتار والمغول واجتياح العالم الإسلامي، وإسقاط الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ، ثم العثمانية سنة 1924، ثم الاستعمار الأسود والبغيض في القرنين الماضيين، أم في حال تصفية الخلافة العثمانية وتقطيع أجزائها، وإبراز بعض الأمثلة الانفصالية تحت مظلة القومية العربية، والدراسات الاستشراقية، ودعايات التمدن والتحضر.
والوضع نفسه في المعسكر الشرقي، حيث قتل زعماء الشيوعية في روسية ويوغسلافية وكذا الصين مئات الآلاف من المسلمين، وحالوا بينهم وبين دينهم وأخلاقهم وقيمهم في القرن العشرين، فمنعوا القرآن وإقامة شعائر الإسلام، وأدوا دوراً مهيناً في خداع العرب والمسلمين والتصويت على قرارات معادية في الأحداث الحاسمة.
ولقد حذّرنا القرآن الكريم من إيجاد الحد الأدنى من الثقة بالأعداء أو الاطمئنان لهم في آيات كثيرة، منها:
- {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 2/120] .
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ *} [آل عمران: 3/118] [1]
لكن لا ننسى أيضاً ما أسهم به الحداثيون والمستغربون وبعض القياديين والمثقفين في تغريب[2] معالم الإسلام وإهمال تحذيراته وتحريم الفواحش والمنكرات، وإبعاده أو إقصائه عن ساحة الأحداث العامة، ثم أعلنوا العلمانية (اللادينية) صراحة، كلياً أو جزئياً وفسروها بالحرص على الوحدة الوطنية، لتبقى الساحة فارغة من المواجهات والمضادات الفعالة في صد أمواج المؤامرات والمكائد الغربية والخيانات الشرقية في عام 1948، 1956، 1967، 1973م، ويظهر كل هذا ومفرزاته السامة وآثاره الوخيمة على الواقع العربي والإسلامي بصورة جلية في أحداث القرن الماضي ومطلع القرن الحادي والعشرين.
وهرول كثيرون من القياديين والمفكرين إلى مجاملة الأعداء في أشكال ومناهج مختلفة دفاعية هزيلة، مثل عقد مؤتمرات الوسطية والاعتدال، والتسامح والانفتاح، وتجديد الخطاب الديني، فقد حضرت ما يقارب عشرين مؤتمراً منها للوسطية في البلاد العربية، وبعضها ثلاث مرات فأكثر في الدولة نفسها، وأقام بعضهم مراكز للوسطية، تقرباً من رجالاته الخبثاء والأشداء والماكرين، ولإرضاء الفكر الغربي السياسي الجامح أو الماكر المخادع.
و نظل سادرين لا نعتبر ولا نتعظ بالمواقف والأحداث وألوان المكر والخداع، بمجرد إعلان مظاهر سياسية هشة، وتصريحات زائفة مخدِّرة أو مسكِّنة لتمرير عنصر الوقت والرضا بالواقع المؤلم، أو بإرسال المندوبين والوسطاء واللجان للدراسة والتحقيق بين الفينة والأخرى، ثم لا شيء في الواقع على الإطلاق، سواء في كارثة فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو غيرها من بلدان الإسلام.
فإلى متى نبقى أغبياء أو متغابين، أو غافلين أو مغفلين عما جرى ويجري، من ابتكارات الخطط ذات المضمون الواحد ألا وهي تحجيم الإسلام ومؤسساته، وإسكات نداءات الوطنية، وإبقاء الاستغاثات والاحتجاجات الجوفاء، وتقديم الشكاوي والتنديدات، والاستنجاد بالمؤسسات الدولية الكبرى التي تسيِّرها الدول الكبرى، وتوجهها نحو غاياتها الحاقدة والعدوانية السافرة؟!
وصدق سيدنا عمر رضي الله عنه حين قال: «اللهم إني أعوذ بك من عجز الثقة، واستخذاء الضعيف».
خطة البحث
تتجلى الصورة المنهجية والفكرية والعملية السافرة أو المقنَّعة للسياسات الغربية والشرقية في ضوء بيان مضامين هذا الكتاب، ولا سيما بيان التحديات الصهيونية والغربية، وتنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان في جميع مجالات الحياة، حتى يستيقظ الوجدان العربي أو الإسلامي أو الوطني، وتظهر الحقيقة الدامغة في ضوء مقالة النبي شعيب عليه السلام: {قَال ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ *} [هود: 11/88] .
وكذلك في توجيهات القرن الكريم والسنة النبوية إلى إقامة حصون إيمانية وفكرية أمام التحديات الغربية القديمة والحديثة، حتى يظل الإسلام الرباني المصدر هو الحصن المنيع للإنسان وكرامته وبقائه واستقراره، وإشعاره بوجود العدالة والرحمة والحرية والمساواة في العالم.
وسيجد القارئ أن عدداً محدوداً من موضوعات هذا البحث سبق وتم نشرها سابقاً في سياق كتب أخرى، ولكني وللوصول إلى رؤية متكاملة حول العالم الإسلامي وما يواجهه من تحديات؛ رأيت إعادة وضع بعض منها هنا في سياق أبحاث هذا الكتاب.
وموضوعات البحث هي عشرون:
- استراتيجيات غربية لاحتواء الإسلام.
- الإسلام والغرب - ظاهرة كراهية الإسلام.
- الإسلام وحقوق الإنسان - الإسلام والمرأة.
- الإسلام والتفرقة العنصرية - الإسلام والاستشراق.
- الإسلام والعولمة.
- الإسلام والسلام، حقيقة الجهاد.
- الإسلام والمقاومة.
- الإسلام والتكفير.
- الإسلام والتطرف أو (الإرهاب).
- الإسلام والوسطية.
- الإسلام والحداثة وما بعد الحداثة.
- الإسلام والعلمانية.
- الإسلام والديمقراطية - الشورى والديمقراطية.
- الإسلام والحوار الحضاري - ضرورة الحوار الحضاري.
- الإسلام والرأسمالية.
- الإسلام والاشتراكية الماركسية.
- المستقبل للإسلام - ضرورة وحدة الأمة.
- تجديد الخطاب الديني - وحدة الأمة الإسلامية في القرآن والسنة.
- المسلمون والعرب و(إسرائيل) - الكيان الصهيوني العنصري البغيض.
- الإسلام والأزمة المالية الاقتصادية العالمية في عام 2008-2011م بحسب التقدير المتوقع.
وقد حرصت على تقديم زاد ثقافي مكثف وموجز لكل إنسان، علماً بأن كل موضوع قد يصنف فيه كتاب مستقل.
استراتيجيات غربية لاحتواء الإسلام قراءة في تقرير راند 2007م
[3]
في كل دولة غربية (أمريكة وأوربة) أو شرقية (روسية وغيرها) مستشارون متخصصون بدراسة أوضاع كل دولة عربية وإسلامية، واقتراح ما يرونه مناسباً لتحقيق أهداف الغربيين والشرقيين، ووضع الاستراتيجيات أو الخطط اللازمة في الحاضر والمستقبل، حيث توجد لجان ومستشارون واحد أو أكثر لدراسة أحوال هذه الدول العربية والإسلامية، ورصد ما لها وما عليها وتقييم أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وتقديم التقارير الخطيرة عنها.
وقد تخصصت مؤسسات ومراكز علمية وسياسية لتحقيق هذه المهام، منها مؤسسة (رند) في دولة قطر، التي قدمت تقريراً إضافياً عن خطة أمريكة تجاه العالم الإسلامي، علماً بأنها ترتبط بالمخابرات الأمريكية لتحقيق أهداف أمريكة، ووضع خطط سياستها، وتوصيف الخطر الإسلامي، والقضاء على ما سموه بالإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001م، وبيان الاقتراحات المحددة، ويتضمن هذا التقرير قضايا خطيرة، منها تحجيم المؤسسات الإسلامية، واحتواء الإسلام، والعمل على إبقاء حالة توتر أو حرب باردة في العالم الإسلامي، وإيجاد تيار اعتدال إسلامي، ودول معتدلة، وتحديد الطريق أمام المعتدلين، وتشجيع التيار العلماني، والتيار المعاصر (العصراني) المسلم، والدعوة لتطبيق الديمقراطية، وتشجيع التيار التقليدي (الصوفي)، وتطويق التيار السلفي، وغير ذلك.
أشرف على إعداد تلك الدراسة (أنجل راباسا) فهو معدّ التقرير الجديد الذي يتناوله هذا البحث، وتدعو الدراسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى توثيق الجهود بنحو كبير لتقويض الدعم لقاعدة ابن لادن، وخاصة من داخل الدول الإسلامية.
وتقارير مؤسسة (راند) تتسم بقوة الفكرة، وجرأة الطرح، وحسن الصياغة، ومخاطبتها الفعالة لصانع القرار، من خلال تقديم مقترحات عملية وخطط جاهزة للتنفيذ، مما يسمح لها بقدر أعلى في صنع القرار الأمريكي والغربي عموماً، وكذلك التأثير على صانع القرار في العالم العربي والإسلامي في بعض الأحيان، حتى الجامعة العربية.
ومن أهم توصيات تقرير (راند) ما يأتي:
- الاعتماد على المسلمين الليبراليين (الأحرار) والمعتدلين.
- التعريف بالمعتدلين وتمكينهم من زيارات الكونغرس الأمريكي، علماً بأن تعريف الاعتدال بالمفهوم الأمريكي لا يعبر إلا عن المصالح الأمريكية الهادفة إلى تحويل المسلمين بعيداً عن الإسلام، تحت دعوى الاعتدال العالمي، على أن تكون الدعوة للاعتدال بعيدة عن المساجد، مع تأكيد أهمية استخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي في مفهوم الاعتدال، وترويج هذا المفهوم داخل المجتمع المسلم، حيث لا يستند تعريف الاعتدال من الآن فصاعداً إلى مبادئ الوسطية والتراحم التي حثّت عليها الشريعة، وإنما يتحول مفهوم الاعتدال إلى مجموعة من المسلَّمات الغربية التي تقدَّم للعالم على أنها مبادئ دولية.
- تشجيع التيار العلماني.
- الفئات الذين يمكن للإدارة الأمريكية أن تتعاون معهم أقسام ثلاثة:
1- العلمانيون.
2- الإسلاميون المعاصرون (العصرانيون).
3- التيار التقليدي المعتدل.
وطريقة التعرف الجيدة على المعتدلين هي من خلال ارتباطهم بمبدأ (الإسلام الأوروبي) أي والأمريكي، الذي يدعم التيار الليبرالي المسلم بوصفه نموذجاً جديداً مستقبلياً للإسلام داخل الحداثة الغربية، ومن أمثلة هؤلاء المعتدلين: سامة لبيبي المقيمة في أوربة، والتي تصدر مجلة بعنوان (إلكتروشك) أي (صدمة إلكترونية) وقامت إدارة التحرير في عدد ربيع 2006م بإجراء حوار خيالي مع نبي الإسلام r عن موقفه من زواج الأطفال، وعن رأيه في أسامة بن لادن، ويقدِّم الحوار ردود النبي صلى الله عليه وسلم المتخيلة، وكأنها ردود ليبرالية معتدلة بالمفهوم العلماني للاعتدال.
ومن المعتدلين في زعمهم الدكتور بسام طبيبي الذي يقول: «إن العلاقة بين الشريعة وبين حقوق الإنسان هي كالعلاقة بين النار والماء».
ومن نماذج الاعتدال بالمفهوم الأمريكي شيخ صوفي في أوربة اسمه عبد الهادي بالازي يرى أن الشريعة تمنع المسلم من القيام بأي أعمال إسلامية تتعارض مع قوانين الدول التي يعيش فيها، وهو ما يؤكده القرآن - في زعمه -.
وأهم التحديات أمام التوصل إلى خطة السياسة الأمريكية خمسة أمور:
أ- ما يقوم به المسجد في المعارضة السياسية.
ب- آيات القرآن الجهادية.
جـ- تجمع المسلمين حول الكعبة.
د- وجود الأزهر في مصر.
هـ- ظاهرة المدارس الدينية في البلاد الإسلامية.
- وأساليب الدعوة إلى تيار الاعتدال المستوحاة من «خبرة الحرب الباردة»[4] كثيرة، منها التزام سياسة الاحتواء في التعامل مع التيار الإسلامي، مع إقامة (مؤسسات بديلة)، واستخدام القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، في كل من الغرب والعالم الإسلامي، لدعم المشروع الأمريكي الاستراتيجي لإنشاء شبكات مسلمة معتدلة بديلة عن التيار الإسلامي.
يُعْنى (يهتم) التقرير بمشكلة (إثبات العمالة) بالنسبة إلى من يختارون التعاون مع أمريكة، وهذا هو ثمن تحقيق الانتصار على التيار الإسلامي الذي يتمتع بالمال والتنظيم.
ولكي يتمكن الغرب من تغيير المعادلة لصالح التيارات العلمانية المعادية للدين الإسلامي لابد من الاستفادة من التجربة السابقة في القضاء على الشيوعية، وهذا يستدعي إيجاد فريق من أعداء التيار الإسلامي للقيام بمهمة تحجيم واحتواء ومقاومة المدّ والفكر الإسلامي في عالم اليوم. وهذا ما تضمنه الفصل الأول من التقرير.
وَشَرَح الفصل الثاني وهو بعنوان (خبرة الحرب الباردة)[5] كيف تحولت المواجهة مع الاتحاد السوفييتي من مواجهة اقتصادية وعسكرية إلى مواجهة فكرية، وأنه تم إنشاء قسم خاص في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تلك الفترة، كان هدفه الرئيس هو العمل على تغيير مواقف المفكرين والطلاب والعمال في شرق أوربة ضد الشيوعية، وأوضح التقرير أن الدور الأمريكي في تلك الاستراتيجية قد جمع بين التنظيم والتخطيط، إضافة إلى الدعم المالي، وقد شاركت أوربة الغربية وخصوصاً بريطانية في تلك الخطة الاستراتيجية، وكانت المواجهة الفكرية هجومية وليست دفاعية.
وأوضح الفصل الثالث[6] أوجه الشبه بين الحرب الباردة، وبين المواجهة الحالية مع العالم الإسلامي، وأبان التقرير أن أحداث سبتمبر (أيلول) من عام 2001م مثَّلت خطراً حقيقياً من العالم الإسلامي على الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد التقرير أن طبيعة الصراع مع الاتحاد السوفييتي قد تحولت سريعاً إلى مواجهة فكرية، تعكس التنافس حول قيادة البشرية.
وركز الفصل الرابع على جهود أمريكية في تقليل موجة التطرف بين الحركات الإسلامية التي تدعي الاعتدال[7]. وقامت بجهود مركزة في الأعوام الماضية على الدعوة إلى الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي. لكن هذه الدعوات الديمقراطية قد تسببت في خسائر حقيقية للولايات المتحدة الأمريكية، لأنها أثبتت أنها قد تأتي بالإسلاميين إلى السلطة، وتكون الدعوة إلى الديمقراطية فقط عندما تخدم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، وتحدّث التقرير بعد ذلك بإسهاب عن دور المال الأمريكي في دعم ومساندة بعض منظمات المجتمع المدني في العالم الإسلامي، لتحقيق التحولات الفكرية التي تسعى إليها الولايات المتحدة الأمريكية. وتدعم أمريكة نشر ما يسمى بالتحرر والديمقراطية في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، وبالذات تجربة تغيير إندونيسية، ومن المهم استخدام مدخل التعليم من أجل التغيير لما يخدم المصالح الأمريكية، لأن مشروعات التعليم مشروعات تحظى برضا الخارج.
ويتم ذلك بالإنفاق المالي الأمريكي السخي في منطقة الشرق الأوسط والعالم المسلم من أجل منافسة التيار الإسلامي.
وتعمل وزارة الخارجية الأمريكية أيضاً على إعداد قاعدة بيانات مركزية عن الشخصيات الدينية والثقافية المهمة والمؤثرة في المنطقة الإسلامية.
والفصل الخامس بعنوان: خارطة الطريق لبناء شبكات معتدلة في العالم الإسلامي[8]، أي بناء شبكات المسلمين المعتدلين، وتتحدد ماهيتهم فيما يأتي:
1- القبول بالديمقراطية الغربية مؤشراً مهماً على التعرف على المعتدلين.
2- القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين، ويعني ذلك اتخاذ موقف مضاد من مسألة تطبيق الشريعة، لأن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان (في زعمهم)، اعتماداً على مقالٍ لكاتب سوداني اسمه عبد الله نعيم، قال فيه: إن الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقاً متساوية في الشريعة الإسلامية.
3- احترام حقوق النساء والأقليات الدينية: أي إن المعتدلين أكثر قبولاً بالنساء والأقليات المختلفة دينياً.
4- نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع: يؤكد التقرير أن المعتدلين يؤمنون - كما هو الحال في معظم الأديان - بفكرة الحرب العادلة.
ويضع التقرير أحد عشر سؤالاً لاختبار الاعتدال، باللغة الإنكليزية لا العربية، مراعاة للحساسيات التي تثيرها هذه الأمثلة، كالموقف من العنف، والرأي في حرية التدين، وقبول تبديل الدين، وافتراض تطبيق الشريعة في التشريعات الجنائية والمدنية، وقبول تشريع علماني، وحصول أعضاء الأقليات الدينية على نفس حقوق المسلمين، وإمكان تولي غير المسلم من هذه الأقليات مناصب سياسية عليا في دولة ذات أغلبية مسلمة، وبناء هذه الأقليات دور العبادة الخاصة بدينهم (كنائس أو معابد يهودية)، وإيجاد نظام تشريع يقوم على مبادئ تشريعية غير مذهبية.
والحاصل أن تعريف الاعتدال بالمفهوم الأمريكي لا يعبر إلا عن المصالح الأمريكية الهادفة إلى إقصاء المسلمين بعيداً عن الإسلام تحت دعوى الاعتدال العالمي.
ويؤكد التقرير أهمية استخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي لدعم هذه اللائحة وتأكيدها.
وأهم شروط المتحرر (الليبرالي) هو أن يكون متعصباً ضد فكرة قيام الدولة الإسلامية، فلا يقبل التيار العصري (العصراني) المسلم الذي يحاول أصحابه إدخال الإسلام في العالم المعاصر، أو يرى أنصاره «عدم التعارض بين الإسلام والديمقراطية والحقوق الفردية». ورموز هذا التيار ترى أن الإسلام هو نظام ديمقراطي ابتداء، وأن أي نظام حاكم لا يلتزم بالنظام الديمقراطي، فهو نظام غير إسلامي.
ويوصي التقرير أن يستخدم التيار التقليدي والتصوفي في مواجهة الإسلام السلفي، وأن من مصلحة الغرب إيجاد أرضية مشتركة مع التيار الصوفي والتقليدي من أجل التصدي للتيار الإسلامي.
ويرفض التقرير فكرة التعاون مع الإسلاميين على مختلف اتجاهاتهم، وحتى العصريين (العصرانيين) منهم، بدعوى أن التيار العصري (العصراني) المسلم ليس تياراً تحررياً، وأن العصرانيين يحملون بداخلهم رؤى ومواقف محافظة، ولذا لا يصح دعمهم أو مساندتهم، وفي المقابل يرى التقرير أن عدم دعم ومساندة الإسلاميين لا يعني عدم الحوار مع المعتدلين منهم، أو الليبراليين، والمهم إقناع الإسلاميين بالرؤى الأمريكية.
ولا بد من إيصال الدعم المالي والمساندة الإدارية والتنظيمية إلى الأفراد والمؤسسات التي ستتعاون مع الاستراتيجية الأمريكية لبناء الشبكات المضادة للتيار الإسلامي، وعلى من يتعاونون مع أمريكة أن يدركوا أنهم سيتعرضون لكثير من الهجوم والأذى أيضاً، وأن تلك ضريبة النجاح في هذا المشروع.
والشركاء في المشروع خمس فئات وهي:
1- التيار الأكاديمي الليبرالي (المتحرر) والعلماني (اللاديني).
2- الدعاة المعتدلون الجدد الذين يسمون «بالدعاة المعتدلين الشباب».
3- القيادات الشعبية العلمانية.
4- جمعيات المرأة.
5- الصحفيون والكتاب والإعلاميون.
والأولويات العملية تتركز بعملية التعليم الديمقراطي، وذلك يتطلب مقاومة ظاهرة المدارس الدينية والمناهج التي تركز على التعليم الديني المحافظ، ويوصي التقرير باستخدام الإسلام في مواجهة الإسلاميين.
وخلاصة التقرير في هذا الفصل لبناء الشبكات المضادة للتيار الإسلامي، أو الشبكات المسلمة المعتدلة الاعتماد على محورين:
المحور الأول: هو التعاون مع المعتدلين من العلمانيين في دول الأطراف للعمل معهم بحرية.
المحور الثاني: هو عكس مسار الأفكار بحيث تكون من الأطراف نحو المركز المضاد.
ويوصي التقرير باستخدام المسلمين في الغرب في الحملة الداعية إلى الاعتدال بالمفهوم الأمريكي، والتركيز على استخدام جنوب شرق آسية في مواجهة الشرق الأوسط، أو غير العرب في مواجهة العرب مثل إندونيسية وماليزية.
والفصل السادس: الركن الأوربي في الشبكة[9]:
يذكر التقرير الاعتماد على الأقل على خمسة عشر مليون مسلم في أوربة الغربية وحدها، للتعبير عن الإسلام في أوربة، ويركز على ثلاثة تيارات رئيسية وهي:
1- تيار الاندماج في الحياة الأوربية، وتغيير الإسلام ليتناسب مع الحياة الأوربية المعتدلة.
2- تيار الاعتناء (الاهتمام) بالهوية الإسلامية داخل أوربة.
3- تيار الاعتزاز بالإسلام بأكمله، ومحاولة تطبيق تعاليمه كافة، وأنصاره أنصار التيار السلفي، وهو أخطر التيارات التي تواجه أوربة، ويجب تحجيمه ومقاومته، والعمل على تقليص وجوده العملي في الحياة الفكرية للمسلمين في أوربة.
والفصل السابع: الركن الخاص بجنوب شرق آسية في الشبكة[10]:
يؤكد التقرير على أهمية الاستفادة من التجربة الإندونيسية في إشاعة الليبرالية تحت مظلة الاعتدال، مثل جمعية العلماء والتيار المحمدي، ويرى التقرير أن كلاً من باكستان وماليزية تمثلان التيار الأصولي من الناحية الفكرية، وإن كانت ماليزية أقل تطرفاً من باكستان، لتأثرها بدرجة أكبر بالأزهر وبعلماء العالم العربي.
ويوصي التقرير بدعم التيارات العلمانية في جنوب شرق آسية، وخاصة في الجوانب التعليمية التي تحاول إعادة تقديم الإسلام بصورة أكثر تقارباً مع النموذج الحضاري الغربي، وهناك عديد من الجامعات الكبرى والمؤسسات التعليمية المهمة في إندونيسية وغيرها من دول جنوب شرق آسية التي تتبنى تقديم العلمانية في إطار إسلامي، والإسلام في إطار علماني.
والفصل الثامن: المكوَّن الشرق أوسطي[11]:
يحدد التقرير العائق الرئيسي أمام بناء شبكات معتدلة في الشرق الأوسط بأنه يتركز في عدم وجود حركة ليبرالية (متحررة) علمانية واسعة القبول، وفي غياب الحركة التحررية (الليبرالية) يصبح الإسلاميون والمساجد هم القنوات الوحيدة للتعبير عن المعارضة السياسية. وتعد (التجربة المصرية) طريقاً لدفع التيارات الليبرالية للتوحد والعمل سوياً، وهناك العديد من التوجهات المنفتحة على المشروع الأمريكي في كل من الأردن والخليج العربي.
ويعنى (يهتم) التقرير أيضاً بشرح العديد من مشروعات وبناء التوجيهات الديمقراطية في المنطقة العربية، ووجود مؤسسات دولية ترعى تلك الأنشطة في المنطقة، مثل (مركز ابن رشد) ومركز (الإسلام ودراسات الديمقراطية) الموجود بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي يقوم بإعداد بيانات عن المسلمين الديمقراطيين في العالم الإسلامي للتعاون معهم. وينتقد التقرير الإدارة الأمريكية في عدم بذلها الجهد الكافي لإقامة مؤسسات مدنية علمانية في العراق الجديد.
والمقصود إيجاد فئة من العلمانيين التحرريين من المسلمين، وإمكان التحالف مع العلمانيين التحرريين (الليبراليين) المعتدلين، مثل د. محمد شحرور الذي رفض مصادر الدين، ومنها السنة النبوية، وجعل الرسول r ليس أكثر من شخص مثير للإعجاب، ولكنه إنسان غير سوي.
ومثل وفاء سلطان القائلة: «ينبغي التساؤل حول كل درس من تعاليم كتابنا المقدس». ومثل إيان هيرسي علية، والشاعر أدونيس، والدكتور نصر أبو زيد، ومارسيل خليفة، وشاكر النابلسي، وطارق حجي، ومحمد أركون، وجلال العظم، وحسن حنفي، فهم نماذج للتحرر والعلمانية المسلمة، وكذلك توجد مؤسسات علمانية مسلمة في مختلف مناطق العالم الإسلامي وخارجه في أوربة وأمريكة.
والفصل العاشر: توصيات وخلاصة[12]:
يوصي التقرير بأهمية التركيز على أطراف الصراع مع التيار الإسلامي في العالم العربي والإسلامي، وأهداف البرنامج كثيرة، منها:
- ربط المسلمين التحرريين (الليبراليين) والمعتدلين بمركز قوي في أمريكة وأوربة.
- الإعلان عن شبكة دولية من المسلمين المعتدلين والليبراليين وجمعهم في مؤتمر يعقد في مكان ذي دلالة رمزية.
- التأكد من الظهور الإعلامي ووجود أرضيات كافية للتعريف بالمعتدلين، مثل دعوتهم لزيارات الكونغرس الأمريكي، وعقد اجتماعات مع الشخصيات الرسمية العليا، لجعلهم معروفين بنحو أكبر لصناع القرار.
ملاحظات ناشري التقرير[13]:
إن تقرير مؤسسة (راند) جاء في توقيت ملائم للمرحلة الحالية (عهد بوش) من المواجهة الفكرية بين الغرب والعالم الإسلامي.
ويشير هذا التقرير، لأول مرة، إلى أن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب قد تحولت إلى صراع أشبه ما يكون بالحرب الباردة، أي إنه صراع بين معسكرين، أي الأمة المسلمة من جانب في مواجهة العالم الغربي من جانب آخر.
وبدأت ملامح الخطوات العملية لتحويل مقترحات هذا التقرير إلى سياسات عامة على ساحة الفكر والعمل الإعلامي في العالم الإسلامي وفي الغرب أيضاً، حيث عقد في مطلع شهر مارس (آذار) 2007م مؤتمر سمي بـ(العلمانية الإسلامية) في أمريكة، وأصدر أعضاؤه بياناً يؤكد توجهات تقرير مؤسسة (راند) ودعمها.
فلا بد من وضع سياسات واستراتيجيات واقعية للتعامل مع هذه التحولات، وتقليل آثارها السلبية على وحدة صف الأمة المسلمة في مواجهة خصومها.
وتقييمي لهذا التقرير أنه تصعيد لمخططات ومكائد وأحقاد الغرب بقيادة أمريكة في مواجهة الإسلام وتجميده، امتداداً لما جاء في مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق (نيكسون) 1971م، من ضرورة مواجهة عدوين: الشيوعية والإسلام، وحينما انهار النظام الشيوعي في 1989م اتجه الغرب إلى تصفية العلاقة مع الأمة الإسلامية، من أجل القضاء على مقدراتها وتطلعاتها، ونهب ثرواتها، وتفريغها من ارتباطها بدينها، وتشويه القرآن في محاولة الرئيس الأمريكي السابق بوش (الابن) بإصدار ما سمي «بالفرقان الحق»[14] الذي هو تجميع بين الفكر الصهيوني والمسيحي المتصهين وبعض مضامين القرآن المعتدلة، والذي وضعه قسيس عربي فلسطيني، فأصيب هذا المشروع بالإحباط والانهيار، فهو محض الباطل..
وسار الغرب في أساليبه العدوانية بتنفيذ بند سري في معاهدة (كامب ديفيد) منذ ثلاثين سنة لتحجيم الإسلام، وهم يحاولون إضعاف الأزهر والعبث بالمعاهد الدينية في جميع البلاد الإسلامية تمهيداً لإلغائها، ويرون أن إندونيسية وغيرها من بلدان شرق آسية تصلح أنموذجاً للمسلمين المعتدلين، أي الإسلام بالمفهوم الأمريكي، وهو الفاقد لكل أصول العقيدة والنظام والأخلاق، وذلك من طريق الإعلام الماجن والمسيء في القنوات الفضائية والإذاعية مثل (راديو سوا) و(قناة الحرة)، وغيرها من الإذاعات كالإذاعة الموجودة في قبرص للطعن بالإسلام، ومنها خطاب البابا الحالي بن يكيت السابع عشر المسيء للإسلام في عام 2008م، والرسوم (الكاريكاتورية) الاستهزائية في الدانمارك وأوربة وإسرائيل وغيرها للإساءة لنبي الإسلام، ومؤازرة الصهاينة، وتطبيق مخططاتهم العدوانية.
وتم تفعيل كل هذه الاستراتيجيات في عهد الرئيس الأمريكي بوش الابن ورئيس الوزراء البريطاني بلير، وتأييد ألمانية وفرنسة وغيرها من الدول الأوربية، وتحولت هذه الخطط إلى أسلوب آخر يعتمد على الحوار والمسالمة وإظهار النوايا الحسنة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي أوباما، ولكن في حدود المجاملة فقط، حيث أصدرت جريدة في (لوس أنجلوس) أن سياسة أوباما مجاملة كل من اليهود والعرب. وعلى الأمة العربية والإسلامية تفعيل خطة التضامن للتغلب على هذه الخطط العدوانية الفكرية.
وعلى أمريكة والغرب أن يدركوا إدراكاً حقيقياً استحالة القضاء على العالم الإسلامي وتفريغه من محتواه العقدي والفكري، فإن الإسلام ليس كالشيوعية التي سقطت من دون حرب، لضعفها البنيوي والمبدئي، فالإسلام رسالة خالدة ودائمة في العقيدة والسياسة والعبادة والاجتماع والاقتصاد.
إن الإسلام عقيدة ونظام حياة، والعقيدة فيه أو الإيمان بناء صلب في قلب كل مسلم ودمه وشعوره وعقله وإدراكه، يلازمه مدى الحياة، ولا يتخلى عنه مهما كانت الظروف، ونظام الإسلام عبادة وأخلاق وقيم تصلح الفرد والجماعة، والقرآن محفوظ بحفظ الله تعالى إلى يوم القيامة، ومؤسسات الإسلام العلمية والتربوية في الأزهر والمعاهد الشرعية قلعة حضارية لحفظ نظام الإسلام، والكعبة لتوحيد عبادات المسلمين، والمساجد وخطب الجمعة للتذكير الدائم وتجديد العهد مع الله سبحانه، وتربية الأجيال، والسلام قاعدة أساسية في منهج العلاقات مع غير المسلمين، والجهاد شريعة دائمة لصد العدوان، ودرء الفساد والتسلط الخارجي، والدفاع عن مقدرات الإسلام وقيمه، فماذا تنكرون علينا أيها الغربيون سوى أنكم ابتعدتم عن أصول الدين وثوابت الأخلاق، ونحن نتمسك بها؟!
وكما أن أمريكة والكيان الصهيوني وحلفاءهما هُزِموا عسكرياً في كل من أفغانستان والعراق والصومال ولبنان وغزة وغيرها باعترافهم الصريح، فإنهم مهزومون سلفاً في مجال الفكر والصراع الحضاري، وسيبقى خالداً على الدوام المارد الإسلامي الجبار، والعملاق الإسلامي الصامد الذي استطاع طرد الاستعمار وأعوانه في القرن العشرين، لأنه صانع أمتنا وشعوبنا القادرة على المواجهة، ولو لم تمتلك وسائل القوة الجبارة، فإن عقيدتنا وأفكارنا تلازم دماءنا وقلوبنا ومشاعرنا في كل وقت، سواء في الماضي والحاضر والمستقبل، وستتحطم على هذه الصخرة العاتية كل مخططات الغرب وأمريكة ومكائدهم ومؤامراتهم.
ولعل الرئيس الأمريكي (أوباما) يستطيع التخفيف من غلواء السياسة الغربية، والاستكبار العالمي، وإن كان - في تقديري - يلتزم الأصول والمبادئ الأساسية لهذه السياسة.
وأما نقيق العلمانيين الضفادع ممن ينتمون للعروبة، فهم مجرد نكرات وإمِّعات، رضوا بأن ينسلخوا من جلودهم لمطامع مادية ومعنوية، وقبلوا بأن يكونوا مجرد ببَّغاوات للمنهاج الغربي، ونقيقهم لا يتجاوز حناجرهم، وهم أدوات هزيلة ومريضة فكرياً، فقدوا كل مقومات الشخصية الذاتية، وانصاعوا لمطالب أمريكة العجوز والصهيونية الهابطة التي تتعرض اليوم للهزائم المتوالية، والجري في سُلَّم النزول، لينهاروا في النهاية في نار الدنيا وجحيم الآخرة.
و (العلمانيون الإسلاميون) جبناء، وعملاء الاستعمار يزدردون أقوى المستشرقين ويقلدونهم، وهم من سلالة المنافقين الذين وصفهم الله تعالى في قرآنه: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ *} [التوبة: 9/87] وسيلفظهم التاريخ كما لفظهم عوام الأمة، وسخروا منهم، وأصبحوا هياكل منبوذين في زوايا المستنقعات والمياه الآسنة، ورموزاً للخيانة الفكرية والدينية والوطنية والقومية.
وأما (المعتدلون المسلمون) فهم لا يدركون ما يفعلون، وإن أدركوا فالاعتدال ليس هو الاعتدال الإسلامي القرآني النقي الرفيع، وإنما هو بالمفهوم الأمريكي الذي يعني التبعية والذلة والمهانة، وذلك هو أدنى درجات الهبوط الفكري، من أجل إرضاء الأمريكان والأوربيين وأتباعهم، فهل لهم من يقظة ووعي وإحساس بما تُعاملنا به أمريكة وجنودها؟! إن هذه الفئات الضالة يستحقون صفعة أخرى من حذاء البطل الجريء منتظر الزيدي العراقي الذي صفع به وجه الرئيس بوش في أعز سلطانه الصفعة التاريخية الخالدة في العراق، والذي لا ينسى له التاريخ هذا الموقف الوطني المشرف لأسوأ رئيس معاصر في العالم الحديث.
وأما استراتيجيات احتواء الإسلام[15] فهي وإن لم تكن محل إجماع في الغرب أو الشرق، لكنها مثيرة للقلق، على الرغم من أن الإدارة الأمريكية بعد أحدث سبتمبر (أيلول) في عام 2001م وشاركها العديد من المراكز الفكرية، أكدت أنها ليست في حالة حرب مع العالم الإسلامي، وإنما المواجهة فقط ضد التيارات المسلحة التي هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2001م، ولكن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) أظهرت الأعوام حدوث تحول آخر في الفكر الأمريكي، وهو الانتقال من معاداة التيارات المسلحة فقط، إلى إظهار العداء والتخوف من معظم تيارات العمل الإسلامي سواء في أمريكة وأوربة، أو في العالم العربي والإسلامي، وهي نقلة نوعية تتركز في جانبين:
الأول : هو أن المواجهة ليست مع فئة أو فصيل من التيار، وإنما مع كل التيار الإسلامي.
والثاني : هو الانتقال من مواجهة هذا التيار إلى توجيه التيارات العلمانية في العالم الإسلامي إلى خط المواجهة الأول مع التيار الإسلامي، أي الانتقال من مواجهة التيار الإسلامي إلى الحرب الشاملة على غرار الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي.
وبعبارة أخرى: المقصود هو إعلان المواجهة الفكرية الشاملة ضد الإسلام أولاً، وضد التيار الإسلامي بمختلف توجهاته ثانياً، وأخيراً ضد كل من لا يعادي الإسلام علانية وصراحة حتى من الغربيين أنفسهم، أو من باقي الشعوب.
موقفنا من التقرير:
ذكر مترجمو التقرير بعض الخطوات العملية تجاه التقرير وأهمها ما يأتي[16]:
- تحرير وضبط مصطلح الاعتدال: ينبغي التحذير من اختطاف المصطلح من أنصار التحرر والعلمانية والليبرالية في العالم العربي والغربي على حد سواء والالتزام بوسطية الأمة المسلمة في الميزان الصحيح، وليس بحسب منهج التشريعات العلمانية الموجهة سياسياً لقمع الآخر، وإفساد العقول ومحاربة الأديان.
- التعريف الإعلامي بالتقرير والتحذير مما تضمنه من أفكار خطيرة.
- التصدي للمواجهة الفكرية الغربية فكرياً وعسكرياً.
- توضيح طبيعة المواجهة، ليكون رد الفعل من قبل الأمة متناسباً مع الخطر.
- الحث على حماية أطراف الأمة الإسلامية، لأن نصرة جميع الدول الإسلامية ومساندتها وتقويتها هو حماية للمركز الإسلامي الذي حدده تقرير مؤسسة (راند) وهو أنه العالم العربي تحديداً.
- الدفاع عن التوجهات والتيارات الراشدة في العمل الإسلامي، منعاً من استخدام سياسة (فرِّق تسد) بين فئات وتيارات العمل الإسلامي.
- كون المواجهة الفكرية المتوقعة لا تقتصر على التيار الإسلامي، وإنما تشمل الدول التي تتعاطف بأي درجة مع الإسلام، والدول التي تتحرج من معاداة الإسلام فعلياً.
- توازن الرسالة الإعلامية، بأن يكون الإعلام المتّزن والجاد هو أحد أسلحة المواجهة الفكرية المضادة للدفاع عن حقوق الأمة المسلمة، وأن يبتعد ما أمكن عن مجرد الخطاب العاطفي غير العملي، لتحقيق المطلوب، وللدفاع عن دين الله تعالى ومصالح الأمة وحقوقها.
- عدم الاكتفاء بالمقالات الصحفية، وإنما بإعداد دراسات نقدية للفكر الغربي المعاصر، والرد على التقارير المجحفة، وصياغة تصورات عملية لمساعدة الأمة على إدارة المواجهة الفكرية بكفاءة.
- إيجاد ورش عمل لوضع التصورات المقابلة، وإجراء حوار بنّاء بين كل من لا ينتمون إلى معسكر معاداة الإسلام، لوضع سياسة عامة للنهوض الحضاري والفكري.
- الحاجة إلى رصد الإمكانات الملائمة التي تتناسب مع طبيعة المواجهة، والمراد: الحاجة إلى استراتيجية كاملة، تتكاتف الأمة على وضعها، تشمل كل أوجه الأفكار الإبداعية والخطط التنموية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية والزراعية والتجارية، وتهيئة كل وسائل القوة المادية لتحقيق قفزة حضارية من أجل إثبات التقدم والنهضة في كل مجالات الحياة.
- التأكيد على أن التيار الإسلامي جزء من الأمة وحياتها ووجودها وبقائها، وهو ضروري لحماية دينها ومعتقداتها ونصرة أهل الإسلام في الجملة.
- توجيه رسالة إلى عموم المسلمين توصي أن الولاء الحق للأمة في المرحلة القادمة، يقضي الدفاع عن الإسلام في مواجهة الحملات المغرضة.
- رسالة إلى التيار الإسلامي تبين أن الولاء الصادق للإسلام في المستقبل والحاضر يقتضي مواجهة خصوم الأمة في الغرب فكرياً وحضارياً وثقافياً وغير ذلك للدفاع عن ديننا، ونصرة أمتنا، وحماية مصالحها وحقوقها الإسلامية والدولية أيضاً، ويتطلب ذلك الاعتزاز بأصول الإسلام والاقتناع بمشتملات الشريعة، وأهميتها في الحياة الآمنة والمتقدمة.
- وأخيراً استحضار القيم الإسلامية والقناعة بها وفي قمتها العدل والإنصاف والمساواة والحرية والشورى والعمل المبدع والتحضر اللائق لبيان قيمة رسالة الإسلام العقدية والحضارية للبشرية كلها، وعلى المسلمين أن يكونوا على مستوى المواجهة الدائمة والمخطط لها.
والخلاصة: إن تقرير مؤسسة (راند) الأمريكية في غاية الخطورة وهو ينبع من منطلقات الاغترار بالقوة المادية، وممارسة الاستكبار العالمي والظلم، والتسلط، وكراهية المسلمين، وعداوة الإسلام، والمقصود الأساسي هو إقصاء الإسلام والشريعة الإسلامية عن الحياة، وإحلال القوانين الوضيعة الغربية محل الإسلام، كما حدث بعد رحيل الاستعمار، ويحدث الآن في الدول الناشئة كالصومال وغيرها، لتظل الساحة كلها ملأى بتوجهات الغرب، وتمكين سيطرة الغربيين ومنطق الغرب على العالم كله، بمفاهيمه ومبادئه وتقاليده، وتركيع الآخرين أمام موجة العولمة والأفكار الجامحة.
ولكن {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} [الكهف: 18/5] وتصوراتهم وسياساتهم هي محض الظلم والعنصرية، ولا يفلح الظالمون، وغرور وعاقبة الغرور الدمار، وليعلم الغربيون والصهاينة وغيرهم أن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن والإسلام وأصوله، وسيظل حصن الإسلام بحول الله وقوته قائماً لن يتزعزع مهما حاول الأعداء توهينه، لأن عقيدة الإسلام ومبادئه تلازم دماء المسلمين ووجودهم.
وفي تقديري أن هذا التقرير وبيان العراقيل الإسلامية التي تقف في مواجهة أمريكة وحلفائها يصور حالة التوتر بين العالم الإسلامي والغرب، أو ما يسمى بالحرب الباردة، في عهد الرئيس الأمريكي بوش (الابن) وما بعدها بأسلوب مختلف.
لكن اللهجة الأمريكية خفت حدتها في عهد الرئيس أوباما حسين الذي صرح في أثناء زيارته إلى تركية في 6/4/2009م بقوله: إن الولايات المتحدة الأمريكية تتطلع إلى شراكة مع العالم الإسلامي، وليست في حرب مع الإسلام، وتعمل على إزالة الجفوة مع العالم الإسلامي، كما صرح بعدها في زيارته إلى العراق في 7/4/2009م بأن أمريكة لا تطمع في ثروات العراق، وسوف يتم سحب القوات الأمريكية من العراق وعددها (600.000) جندي في آخر آب (أغسطس) 2010م وذلك بعد انسحاب تدريجي قبل ذلك.
ولعل (أوباما) يتمكن من تنفيذ وعوده وخططه المتعقلة والحكيمة، ولا يتورط في بقاء قواته في أفغانستان لمحاربة الإرهاب، ويلجأ إلى الحوار البنّاء وتحقيق السلام ونشر الأمن القائمين على العدل والحرية والإخاء الإنساني وإنصاف المظلومين في فلسطين وأفغانستان والعراق والسودان والصومال بعد اعتراف (البنتاغون) وزارة الدفاع الأمريكية بالهزيمة والتعرض لصعوبات قاسية جداً في هذه البلاد، ولكن المؤشرات تدل على أن أوباما يمثل سياسة ثابتة أمريكية، وها هو في 8/5/2009م يجدد العقوبات على سورية المفروضة عليها منذ عام 2004م، وقد تضمن خطاب أوباما في القاهرة 4/6/2009م عزمه على طي الخلافات مع العالم الإسلامي وإجراء مصالحة معه، وأن الإسلام وأمريكة يدعوان إلى الحوار والتسامح والسلام، وأنه لا بد من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تكوين دولته، وأن على (إسرائيل) إيقاف بناء المستوطنات، لكن سمحت واشنطن في 8/8/2009م ببناء 2500 مستوطنة جديدة، فأين تصريح أوباما بمنع ذلك؟!
وإنجاح مهمة (أوباما) في التغيير يتطلب تضامناً عربياً وإسلامياً فعَّالاً، للرد على نظام الكيان الصهيوني بمختلف وزاراته السابقة واللاحقة، فكلها متطرفة وإرهابية وظالمة، وأعمالها تعد دائماً جرائم حرب، وممارسة سياسة الإبادة سواء في أرض فلسطين قديماً وقطاع غزة في سنة 2008 و2009م، وفي لبنان عام 1958م وعام 2006م.
فإن لم تنجح المساعي المخلصة الودية والضاغطة لأمريكة وأوربة على (إسرائيل) فسيبقى خالداً وجود المارد الإسلامي والعملاق العربي الأبي، المتجسد في الشارع الإسلامي والمقاومة الإسلامية، فإن الإسلام هو الذي سيظل مصدر القوة والصمود والمجابهة، وهو صانع الأمة، والكفيل بسحق كل المخططات الصهيونية والغربية.
الإسلام والغرب - ظاهرة كراهية الإسلام
العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب ازدادت تعقيداً وسوءاً في مطلع الحرب العالمية الأولى 1914-1918م، وسادها الظلم والتعسف والاستكبار والتعصب العرقي وإهدار المصالح العربية والإسلامية، وظهور طغيان المصالح الغربية والنظرة الدونية للشعوب الآسيوية والإفريقية، وإشاعة الدسائس والفرقة وإضمار الحقد واستغلال التخلف، والاعتماد على قوة البطش والتدخل العسكري، ومحاولة نهب الثروات القومية المعدنية النفيسة الجامدة كالذهب والفضة والبلاتين والأورانيوم، والسائلة كالنفط والغاز. وزادت أطماع الدول الغربية سواء فيما بينها، أو بينها وبين غيرها. واكتوى العالم العربي والإسلامي بنار الاستعمار البغيض والتجزئة، وكانت بريطانية هي زعيمة الاستغلال والتخطيط لتجزئة العالم الإسلامي، وتقطيع أوصاله في النصف الأول من القرن العشرين، ثم ورثتها أمريكة بعد الحرب العالمية الثانية وإلى اليوم.
ومنشأ التدخل الغربي في قضايانا أمران: النهضة الصناعية الغربية في القرن التاسع عشر، وتفاقم القوة العسكرية الرهيبة لدى الغرب، مما أورثهم عنفواناً واستكباراً وطغياناً ومحاولة مستميتة للتسلط على مقدراتنا، ولفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الصناعية المتطورة.
وشهد العالم في مطلع القرن العشرين حرباً عالمية أولى في أوربة أقحم فيها العرب والمسلمون، وكانت هناك أسباب خمسة خفية لنشوب هذه الحرب وهي[17]:
1- نظام المحالفات السرية، إذ عقد تحالف ودي بين ألمانية والنسمة وروسية سنة 1872م، ثم أبرم تحالف ثلاثي بين ألمانية والنمسة وإيطالية، وعقد تحالف بين فرنسة وروسية سنة 1891-1892م، بعد سقوط (بسمارك) مؤسس الاتحاد الألماني، وعقد وفاق بين فرنسة وإنكلترة سنة 1904 - 1905م، ثم وفاق ثلاثي بين هاتين الدولتين وروسية سنة 1907 - 1908م من أجل تقييد مطامع ألمانية، وإيجاد التوازن الدولي الأوربي، وإنشاء قوتين متكافئتين في أوربة.
2- تنامي الروح العسكرية في أوربة، حيث شاعت فكرة توحي بأن قوة الشعوب الحربية هي مصدر كل قوة وسلطة، وأن الحق دائماً في جانب القوة، وظلت هذه الروح مهيمنة في أوربة وأمريكة وروسية وغيرها إلى الآن، كما كانت كذلك ظاهرة شائعة في الإمبراطورية الرومانية.
3- نشوء الفكرة القومية بين شعوب أوربة، فاتجهت شعوبها المرتبطة برابط اللغة والجنس والتقاليد وأساليب الحياة إلى الحرص على هذه الفكرة التي وحدت ألمانية وإيطالية، وكانت سبباً في تمزيق شمل الإمبراطورية العثمانية، مما أدى إلى نشوء سلسلة الحروب البلقانية.
4- الاستعمار الاقتصادي، فإن الثورة الصناعية التي انتشرت في أوربة أدت إلى زيادة الإنتاج، والبحث عن أسواق تجارية لبيعها، واستيراد مواد أولية لصنعها، مما أدى إلى التنافس الاستعماري في الدول الغربية، على حساب البلاد المتخلفة في آسية وإفريقية ومنها العالم الإسلامي.
5- تأثير الصحافة: أخذت صحافة الدول الكبرى تسمم الرأي العام، وتثير النعرات الوطنية، وتغالي في بحث القضايا السياسية علناً، مما أثر في السياسة وقادتها، حفظاً على مراكزهم، وانعكست آثار هذا التدخل صراعاً بين الأوربيين، ونزاعاً في الأسواق المالية الآسيوية والإفريقية.
ثم نشبت الحرب العالمية الأولى بين معسكري المحور (ألمانية والنمسة ثم تركية وبلغارية) والحلفاء (فرنسة، وروسية، وإنكلترة، وإيطالية، واليونان، والصين، واليابان، وبلجيكة واليونان، والجبل الأسود، ورومانية، والبرتغال، والولايات المتحدة الأمريكية) وكان العرب ضد تركية في هذه الحرب، وانتصر الحلفاء على دول المحور، وهزمت ألمانية ومعها حليفتها تركية.
وكان من آثار هذه الحرب أن الحلفاء أجبروا الدولة العثمانية على توقيع معاهدات الصلح التي تقضي بحل المسألة الشرقية (مسألة تركية) حسب مصالحهم، وسلخ البلاد العربية عن جسم الدولة، واحتلال المضايق والعاصمة إستانبول، وقسم من الأناضول، فقامت حركة وطنية في الأناضول بقيادة مصطفى كمال أتاتورك الذي ألَّف حكومة في أنقرة، ورفض معاهدة سيفر، وجمع مجلساً وطنياً وضع دستوراً جديداً للبلاد في سنة 1921م، وهاجم الجيوش اليونانية في غربي آسية الصغرى، واسترجع المضايق، وعقد مع الحلفاء معاهدة جديدة في لوزان في 24 تموز سنة 1923م، وألغيت بذلك بنود معاهدة سيفر، واستعادت تركية أراضيها المحتلة، وأخرجت الحلفاء من إستانبول، وألغت الامتيازات الأجنبية، وفي سنة 1923م تقرر النظام الجمهوري في تركية، وانتخب مصطفى كمال رئيساً للجمهورية، وألغى الخلافة الإسلامية، وقام بمشاريع عمرانية واقتصادية، وبعد موته انتخب صديقه عصمت اينونو مكانه، الذي قاد تركية خلال الحرب العالمية الثانية، ووقف على الحياد طيلة الحرب.