eKtab
EN ع
العالم رحلة
Read free sample

العالم رحلة

by عبد الله منّاع

Page 1

الكلمة الأولى..

لولا الشوق إلى المعرفة.. لما كانت هذه الرحلات.. ولما كانت هذه السطور.

ولولا حثِّ ذلك النَّفَر العزيز من الأصدقاء ممن يتفضلون بقراءة ما أكتب.. على جمع تلك السطور وإصدارها في كتاب.. لما كان هذا الكتاب "العالم.. رحلة" بين يدي قارئه.

على أن هذا الكتاب.. ليس رحلة في "التاريخ".. ولا حديثاً عن "الجغرافيا" و"تقويم البلدان"، فقد سبق الرحَّالة الأولون بذلك وانفردوا به.. بدءاً من رحلة "ابن جبير" الأولى في القرن السادس الهجري التي وصفها في كتابه "الإحاطة في أخبار غرناطة" إلى رحلة الرحَّالة الأشهر "ابن بطوطة" لدول العالم العربي والإسلامي في القرن الثامن الهجري والتي سجلها في كتابه العظيم: "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".. إلى رحلة "خير الدين التونسي" لأوروبا في القرن الثالث عشر الهجري والتي دوّنها في كتابه: "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك". لقد ضاق العالم بعد ذلك.. وأصبح "قرية" معروفة "التاريخ" و"الجغرافيا".. إلا أنه غدا على الجانب الآخر بحر بلا شواطئ من الرؤى والأفكار والأحلام والمعتقدات والصراعات.

إن هذا الكتاب في مجمله.. هو حوار مع الزمان والمكان والشخوص الحاضرة والغائبة..!!

وبقدر ما سمح "الحوار".. كان التوقف لاسترجاع لحظة من لحظات التاريخ. وبقدر ما سمح الحوار.. كان التوقف لاستنطاق ملمح من ملامح الجغرافيا..!

عبداللّه منّاع

Page 2

استانبول: "مفرق" الشرق والغرب.. وملتقاه؟

كان هدف الرحلة إلى "تركيا".. هو المشاركة في أعمال ندوة عن "العلاقات الثقافية والإعلامية بين المملكة وتركيا"، نظّمتها ودعت إليها جمعية الصداقة العربية السعودية- التركية المشتركة.. التي يرأسها رجل ديناميكي شديد الحماسة والإخلاص، يجيد العربية بمثل ما يجيد لغته "التركية". له صفحة ناصعة في خدمة اللغة العربية تعليماً، والقرآن حفظاً، لمختلف الراغبين من الرجال والنساء الأتراك.. مع جهد مثير للإعجاب في نقل جانب من الفكر الإسلامي المعاصر إلى اللغة التركية هو: الشيخ صالح أوزجان.

ويبدو كما لو أن هذه الندوة "قد حالف التوفيق موعدها" إذ جاءت بعد قدوم الرئيس كنعان إيفرين إلى السلطة وتصويت الأتراك بما يشبه الإجماع على الدستور الجديد الذي طرحه عليهم وما تبع ذلك من عودة الديمقراطية ووصول حكومة منتخبة برئاسة "تورغوت أوزال" إلى الحكم وما صاحب ولَحِقَ كل ذلك من توجّه جديد مغاير نحو الدول الإسلامية.. بما يفتح الطريق لتذاكر أسباب الفتور الإعلامي والثقافي بين تركيا والعرب بصفة خاصة.. وتركيا والدول الإسلامية بصفة عامة.

وليس من شك في أن ذلك الفتور الإعلامي والثقافي.. كان حقيقة.. وكانت له أسبابه التاريخية والسياسية المختلَف حولها بين العرب بعضهم البعض من جانب.. وبين الأتراك والعرب من جانب آخر، ولكنّ نتيجته الفعلية كانت كليَّةً في ضمور وتقاصر معرفة الشعبين بعضهما ببعض.

وإذا تركنا "غليان" السياسة.. فإن واحداً من أبرز كتّاب صحيفة "الترجمان" هو الأستاذ "أرغون كوزه" قد جسد ذلك الضمور والتقاصر.. عندما روى في آخر جلسة من جلسات الندوة حقيقة - تشبه.. النكتة – عن رجلين "تركيين" ذهبا إلى الحج في عام من الأعوام.. وبعد أن أتما حَجَّهما وعادا إلى تركيا حضر بعض أصدقائهما للسلام عليهما وتهنئتهما بأداء الفريضة.. وقبل أن يغادرهما سأل أحد هؤلاء الأصدقاء "الحاجَّيْن" التركيين: كيف وجدتما مكة والمدينة.. وأهلها..؟

فأجاب أحد الحاجَّين.. قائلاً: لقد اكتشفنا هناك – المقصود مكة والمدينة – أن الناس يؤذنون بـ"التركي" ويقرأون القرآن بـ"التركي".. ولكنهم عندما يتكلمون فإننا لا نفهم اللغة التي يتكلمون بها..؟!

وواضح من هذه "النكتة" – الحقيقة، أن "الحاجَّين" التركيين اعتقدا أن الأذان الذي يسمعانه من آلاف المنائر في مختلف المدن التركية.. هو بـ"التركية" وليس بـ"العربية".. وأن القرآن الذي يُتلى في المساجد التركية هو أيضاً بـ"التركية" وليس بالعربية.. ولذلك فقد هالهما أن "الناس" في المدينة و"مكة" يتكلّمون لغة غير مفهومة لهما!!

* * *

Page 3

منذ وطئت أقدامنا مطار استانبول الدولي.. لاح أن هدف المشاركة في الندوة الإعلامية الثقافية.. سيكون واحداً من هدفين، أما الثاني.. فهو هدف معرفة واقع الحياة التركية الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. والاقتراب من كنوز الماضي وذخائر التاريخ التركي، ومحاولة التعرف على هذه الدنيا الطويلة العريضة والتي اسمها "استانبول".. والتي تنام على ضفتي (البوسفور) الآسيوية والأوروبية والتي تزخر بأعداد هائلة من المتاحف والمكتبات والمساجد التي تنصح الكتب السياحية بعدم زيارتها جميعها.. لاستحالة أن يستطيع سائح زيارة أربعمائة وخمسين مسجداً قبل أن يتحول من السياحة إلى "الإقامة"!

إن مدينة "استانبول".. تاريخ بحالها.. فلها أطول وأعرق تاريخ بين المدن التركية.. وفيها كنوز ونفائس ما خلفه السلاطين العثمانيون على امتداد قرون الخلافة.. ولها أكثر من اسم، فهي: "بيزنطة" و"أغوستا" و"أنتونما" و"روما الجديدة" و"القسطنطينية" و"إسلام بول" – أي مدينة السلام – التي تحولت فأصبحت "استانبول" عاصمة الخلافة العثمانية التي امتدت من عام 1453م وانتهت بقيام الجمهورية في عام 1923م، وقد بدأ عهدها الإسلامي مع يوم انتصار محمد الفاتح على إمبراطورها الأخير الروماني "قسطنطين بيليو لوغو" الذي قُتل على سلالم كنيسة "آيا صوفيا" في التاسع والعشرين من مايو 1453م. لقد رفع يومها الأذان.. وصلى الناس خلف محمد الفاتح.. لترتفع في ما بعد المآذن فتكون شاهدة على نهاية عهد وبداية عهد.

إن استانبول تنام على سبعة تلال.. ولذلك أطلق عليها الإمبراطور قسطنطين: روما الجديدة أو روما الثانية.. لوجه الشبه هذا بينها وبين روما، وبين قمم التلال وعلى امتداد الأودية وضفاف البوفسور ترك المعماريان التركيان الفنانان "سنان" و"غاربيت بيليان" روائع من القصور والمساجد التي يحار العقل في الكيفية التي تم بها تنفيذ مثل تلك الأعمال المعمارية الباهرة والمعجزة والباذخة والمعقدة من دون عون آلي.

لكن "استانبول" ليست مدينة القصور والمتاحف والمساجد.. أي مدينة "الماضي".. بل هي أيضاً مدينة الحاضر.. فهي تضم أكثر من خمسة ملايين ونصف مليون نسمة وبذلك هي أكثر المدن التركية سكاناً.. وينتشر فيها سدس البيوت التجارية التركية الكبيرة.. ونصف القوى العاملة المنتجة التركية.. وفي مينائها يتم استقبال أربعة أخماس الواردات التركية ومنها يصدر ثلث الصادرات التركية.. وفيها أكبر وأعظم مكتبة في العالم هي مكتبة السليمانية والتي "فيها.. على سبيل المثال 48992 مخطوطة عربية".. وفيها أولى الجامعات التركية وأقدمها: جامعة استانبول.. كما تصدر فيها معظم الصحف التركية اليومية والأسبوعية كصحف "الفجر" و"صباح الخير" و"الترجمان" و"الجمهورية".

وليس من شك في أن "البوسفور".. هو ذروة جمالها.. فهو في زرقة البحر.. وتعرّج النهر.. وفيه تختلط مياه البحر الأسود من الشمال مع مياه بحر مرمرة من الجنوب.. لقد شاهدت الجغرافيا.. التي قرأتها طالباً هناك.

ومع أن لشاعر العربية أحمد شوقي.. أسبابه في حبه لتركيا الخلافة على أيام السلطان عبدالحميد.. وتركيا الزعيم مصطفى كمال أتاتورك، فقد عذرته وقد أكثر في الشوقيات.. الحديث عن "استانبول" و"آيا صوفيا" و"البوسفور".. ووجدتني أردد معه: "على أي الجنان بنا تمر – وفي أي الحدائق تستقر" إلى أن ينتهي من قصيدته الرائعة عن "البوسفور" وهو يقول:

فيا من يطلب المرأى البديعا
ويعشقه شهيداً أو سميعا
رأيت من محاسن الدنيا جميعا
فهن الواو. والبسفور عمرو

من المسجد الأزرق..

إلى المكتبة السليمانية..!

منذ ساعاتنا الأولى في "استانبول".. وخلال الأيام الثمانية التي أمضيناها فيها.. كان إيقاع المفاجآت الجميلة والطريفة والغريبة يتتابع الواحد بعد الآخر.

لم تكن أولى المفاجآت.. قولة الشيخ صالح أوزجان - رئيس جمعية الصداقة العربية السعودية - التركية المشتركة – بأنه سيتعهد برنامج إقامتنا في استانبول "نهاراً".. ولم يكن آخرها قوله بأن وكيل وزارة المالية لشؤون الجمارك وعضو جمعية الصداقة المشتركة سيتعهد برنامجنا "ليلاً".. بل كان "قبل" و"بعد" و"بين" ذلك عشرات المفاجآت.

ولعل أولى تلك المفاجآت الجميلة.. كانت لحظة وصولنا إلى مطار "استانبول" الدولي عندما استقبل "البعثة" كل من الشيخ صالح أوزجان وقنصل المملكة في استانبول الأستاذ (محمد المهدي المصلح) وعدد من الرسميين الأتراك والسعوديين.. لست أدري ما الذي أحدثه في نفسي سماعي لاسم الأستاذ محمد المهدي المصلح؟ ولكنه على وجه اليقين أيقظ فضولاً نائماً في داخلي منذ أوائل الثمانينات الهجرية.. عندما كان يحدثني عن "مهدي بك المصلح"، رجل فاضل من جيله، حديث الإكبار والإعجاب بصرامته كمدير عام للأمن.. وبإنسانيته كواحد من المصلحين الاجتماعيين، فهل يكون الأستاذ محمد المهدي هو ابنه..؟!

Page 4

عندما جلست إلى جواره.. في الطريق من المطار إلى "الفندق" وضعت سؤالي.. بشكل مباشر؟ فقال: نعم..!! ثم روى لي طرفاً مقتضباً من حياة والده الذي خدم على امتداد حياة المغفور له الملك عبدالعزيز في أكثر من موقع.. كان آخرها: مدير الأمن العام، إلى أن توفاه الله تعالى قبل شهور من رحيل المغفور له الملك عبدالعزيز وبعد قرابة عام من تقاعده.

إن الأستاذ محمد المهدي.. يمثّل بحق الرجل "الجنتلمان": الأنيق الملبس والعبارة.. الذكي في اختيار ما يقول والصمت عما لا يريد.. والعزوف عن الصحافة والأضواء إلى الحد الذي جعله يمتنع عن إهدائي صورة لوالده وله عندما علم بأن واحداً من أهداف استهدائي له هو غرض النشر في الصحافة.

ثم كانت مفاجأتنا الثانية.. عندما أخبرنا الشيخ صالح أوزجان.. بأن موعد "الندوة" تأجل لخمسة أيام وذلك بسبب انشغال كثير من الرسميين الأتراك باجتماعات حلف "الناتو" الذي تُولي تركيا عضويتها فيه اهتماماً متزايداً بعد أن دخلته بشهادة بلائها الحسن في الحرب الكورية وليس قبل، لتكون الدولة الإسلامية الوحيدة فيه رغم أن مقدمة ميثاق الحلف تقول بأنه يقوم من أجل الدفاع عن الغرب "المسيحي" ودوله، وقد استطاع – الشيخ صالح أوزجان – أن يعدّ برنامجاً سريعاً ممتلئاً بزيارات متلاحقة لعدد من المؤسسات الأكاديمية والصحافية والمراكز ومدارس تعليم اللغة العربية ومدارس تحفيظ القرآن التركية وتلك التي تتبع جمعية الصداقة العربية السعودية - التركية المشتركة.

وبالتأكيد.. فإن زائر "استانبول" قد ينسى بعض مشاهداته وبعض أيامه ولياليه.. ولكنه أبداً لن ينسى "البوسفور" وضفافه وزرقة مائه وجسره المعَلَّق.. ولن ينسى قصور "يلدز" و"توب كابي" و"دولما بخش".. ولن ينسى المسجد الأزرق أو مسجد السلطان أحمد ومكتبة السليمانية التي تعتبر بحق أم مكتبات العالم أجمع.

إن المسجد الأزرق – والذي يُعرف بمسجد السلطان أحمد 1616م – هو قمة قمم عمارة المساجد الإسلامية جمالاً وفخامة وترفاً.. وهو شهادة على عظمة الإمبراطورية العثمانية التي سميت باسم مؤسسها السلطان "عثمان أرطغرل" 1299م – في مرحلتها الأناضولية البلقانية، والتي اتسعت في عهد السلطان سليم 1512م لتصبح بلقانية آسيوية أفريقية، ثم لتبلغ أوج مجدها في عهد سلطانها العاشر سليمان القانوني (1520م) عندما أصبحت إمبراطورية أوروبية آسيوية أفريقية، وبقدر ما كان المسجد الأزرق شاهد عظمة على دولة الإمبراطورية.. بقدر ما كان قصر "دولما بخش" بذهبه وفضته ورخامه وكريستاله وبذخ عمارته شاهداً حياً على أسباب زوال الدولة ومجدها..!!

إن المسجد الأزرق – أو مسجد السلطان أحمد – يقع في الجزء الأوروبي من استانبول إلى جانب مسجد "آيا صوفيا" وقصر "توب كابي".. وقد كان أحد أسباب بنائه هو منافسة عمارة كنيسة القديسة "صوفيا".. التي تحولت على يد محمد الفاتح إلى مسجد آيا صوفيا – وقد قيل إن السلطان أحمد طلب من المعماري الذي كلفه ببناء المسجد أن يبني منائره من الذهب الخالص، ولكن المعماري – وربما آخرون معه – لم يجدوا أن ذلك ممكناً – وفي الوقت نفسه لم يجرؤ المعماري على الإفصاح للسلطان باستحالة بناء المنائر من الذهب الخالص. وفضَّل أن يستفيد من التشابه بين كلمتي "ذهب" و"ستة" باللغة التركية – إذ إن الأولى تعني ALTIN بينما الثانية تعني ALTI فاعتمد بناء ست منائر بدلاً من خمس كما هو العرف في بناء المساجد الكبيرة.. لتكون منائر مسجد السلطان أحمد الست هي إحدى مميزاته وتفرده.

ويمتلئ المسجد الأزرق بثلاثين قبة صغيرة محمولة على ستة وعشرين عموداً.. تتوسطها قبة كبرى يبلغ طول قطرها ستة وثلاثين متراً (لا يوجد خطأ في الرقم).. وتغطي جداره وأعمدته آيات قرآنية ونقوش تحير العقول في دقتها وجمالها وإعجاز تنفيذها، على أن الأجمل من هذا كله.. أن الصلوات الخمس تقام فيه على مدار أيام الأسبوع إلى جانب الجُمَع والعيدين.

* * *

وفي المساء تعهَّدنَا وكيل وزارة المالية لشؤون الجمارك.. عندما دعانا إلى اللقاء في أحد المطاعم التركية التي تقدم إلى جانب العشاء برنامجاً موسيقياً "محتشماً" – كما قال عند توجيه دعوته – وقد لبى أعضاء البعثة جميعاً الدعوة.. لنفاجأ في البداية بأن وكيل الوزارة – الأستاذ يحيى أمان – أديب وروائي قدم له التليفزيون والسينما التركية عدداً من أعماله.. وأنه يضع اللمسات الأخيرة على قصة حياة "رابعة العدوية" ليقدمها التليفزيون التركي على شاشاته.. والأكثر من هذا أنه شاعر غنائي يكتب بين الحين والآخر بعضاً من تلك الأغنيات التركية.. التي نشعر بما فيها من شجن من دون أن نفهم معاني كلماتها، وكان ترتيباً منه.. أن نستمع في ذلك المطعم لأغنية من أغانيه. لقد كان بحق مضيفاً مريحاً يتجنب الإثقال بالكلام على ضيوفه. لكنه – هو الآخر – كان يدّخر لنا مفاجأة – عندما عرَّفنا إلى مدير عام مصانع التليفزيون التركية والتي يتم إنتاجها محلياً بأيدٍ وخامات تركية.

قد لا تكون هذه مفاجأة.. ولكن المفاجأة هي أن هذه المصانع تنتج نصف مليون جهاز سنوياً يتم امتصاصهم في السوق المحلية (عدد السكان في تركيا 55 مليون نسمة). وأن أول شحنة تصدير يتم الاتفاق عليها.. ستكون إلى الجزائر.

في اليوم الثالث أو الرابع من أيامنا في "استانبول" فاجأنا الشيخ صالح أوزجان بـ "اقتراح" لزيارة "جمهورية قبرص التركية" لـ "السياحة" ليومين أو ثلاثة.. ولكننا استطعنا أن نتخطى هذا الاقتراح المفاجأة بتفضيلنا البقاء في "استانبول" لأنه ما زال فيها الكثير والكثير مما لم نره بعد، ولعل مكتبة السليمانية كانت في مقدمة هذا الكثير الذي لا يصُحّ تجاوزه.. خاصة وأن شيخنا الحبيب "حمد الجاسر" قد نصحنا بزيارتها.. بل وأغرانا بذلك من حيث لا ندري من خلال ذكرياته معها و"فيها".

ومكتبة السليمانية.. هي واحدة من أقدم المكتبات في العالم.. فقد أمر بإنشائها السلطان سليمان القانوني في العام 1549م، واستغرق إنشاؤها ثماني سنوات.. لتحمل اسمه في ما بعد.. ولتصبح اليوم معلماً يحج إليه المثقفون والدارسون والباحثون وطلبة العلم بمختلف لغاته (لغات المكتبة هي: العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية والروسية والألمانية).

إن مكتبة السليمانية.. تشبه القصور العثمانية: ضخامة.. ودور العلم: بساطة.. وتضم مائة وثلاث مكتبات وخمساً خارج مبناها.. وهي بحق واحدة من مراكز الإشعاع في العالم، فطلبات الاستعارة والتصوير للمخطوطات تأتيها من جميع أنحاء العالم، ومع قِدمها.. إلا أنها تعمل بأكثر الأساليب حداثة وعصرية.. ففيها نظام حراسة إليكتروني.. ونظام المايكروفيلم.. وغرف مخطوطاتها مزودة بأجهزة تحافظ على درجة الحرارة في داخلها ما بين 24-10 درجة مئوية ودرجة الرطوبة بين 50و55 في المئة، وفيها معمل فني فريد.. لترميم المخطوطات.. وفيها ذخائر ونفائس العقل البشري وفيها نسخة من القرآن الكريم مخطوطة في القرن الهجري الأول.. وفيها نسخ عديدة وفريدة للقرآن الكريم بخطوط مشاهير الخطاطين العرب والمسلمين.

إنها بحق عالم عظيم.. وجميل قد يكفيه الحد الأعلى الذي ذكره شيخنا الحبيب الأستاذ حمد الجاسر عندما ذهب مرة لزيارتها فقال لصديقه وهو يودّعه في أنقرة: سأذهب إلى استانبول.. إلى مكتبة السليمانية.. وقد أبقى يومين.. أو أسبوعين.. أو شهرين!!

إن مكتبة السليمانية.. هي إضافة عقلية لـ جمال "استانبول".

في القصــر

المملوء بهجة..؟!

Page 5
يبدو أن وجهة نظر.. "معاوية بن أبي سفيان" أول ملوك بني أمية.. قد تبناها السلاطين العثمانيون على امتداد سنوات إمبراطوريتهم والتي امتدت من عام 1299م إلى عام 1923م.. فبنوا عدداً من القصور الباذخة والفخمة والضخمة لإبهار "الخصوم" والفوز بإجلال وتقدير الأصدقاء، ولكن أهم تلك القصور التي لا تُعّدّ ولا تحصى.. قصران: قصر "توب كابي".. الذي ظل قصراً للحكم منذ السلطان محمد الفاتح (1453م) إلى عهد السلطان عبدالحميد (1856م)، وقصر "دولما بخش" – أو القصر المملوء بهجة – الذي بناه المعماري "غاربيت باليان" بأمر من السلطان عبدالمجيد الذي عاش ومات فيه شاباً في الثامنة والثلاثين من عمره.. ليكون قصر الحكم الخلف حتى نهاية الإمبراطورية مع هزيمتها في الحرب العالمية الأولى واقتسام أجزائها بين المنتصرين في تلك الحرب: روسيا وإنجلترا وفرنسا.
 
إن قصر "دولما بخش" هو إعجاز معماري من دون شك.. ولكنه إلى جانب ذلك نموذج فريد غير مسبوق من نماذج البذخ العثماني يتواضع إلى جانبه – إذا تجاوزنا المساحات – قصر "فرساي" بضاحية فرساي الباريسية.
 
بُني القصر من المرمر الأبيض والأزرق المحفور من الخارج.. والمزدانة سقوفه وجدارنه من الداخل بالذهب والفضة وأحجار الزمرد والياقوت.. وعلى أسواره تسع بوابات.. وفي داخله مائتان وثماني غُرَف أهمها: الصالون السلطاني الذي خصص للاحتفالات والاستقبالات.. وقاعة السفراء التي يصل إليها السفراء عبر سلالم من الذهب والكريستال. لقد كلف بناء هذا القصر خمسة ملايين جنيهاً ذهبياً.. أي ما يعادل بليوناً من الدولارات في ذلك الوقت.
 
لقد شهد القصر أحداثاً تاريخية عظيمة.. فقد عقدت فيه أول جلسة للبرلمان العثماني (1877م).. وفيه عاش ومات آخر السلاطين العثمانيين.. وفيه أقام كبار زوار الإمبراطورية من أمثال إمبراطور النمسا: "جوزيف كارل".. وإمبراطورة فرنسا: "أيوجين".. وملكا بريطانيا: إدوارد السابع والثامن.. وإمبراطور ألمانيا: وليم وغيرهم.. وإليه جاء مصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية وزعيم تركيا الحديثة.. وفي غرفة من غرفاته تمت الموافقة على قرار إبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني في اللغة التركية في عام 1932.. وفي غرفة من غرفاته مات ليتم إيقاف الساعة التي كانت إلى جوار مخدعه.. على اللحظة التي مات فيها: التاسعة وخمس دقائق "صباحاً" (هذه المعلومة الأخيرة.. ليست مدونة على الساعة.. ولكنها في كتب التاريخ الكثيرة التي صدرت عن مصطفى كمال).
 
ومصطفى كمال.. الذي منحته الجمعية العمومية التركية في عام 1934 لقب: "أتاتورك".. أبا الشعب، هو زعيم مختَلَفٌ حوله خارج تركيا.. ولكنه في داخل تركيا يحظى بحب وتقدير غالبية الأتراك، فبالرغم من مضي قرابة خمسين عاماً على وفاته.. وبالرغم من أنه لم يخلّف حزباً من ورائه يرعى فكره ومبادئه.. إلا أن الأكثرية من الأتراك يرون فيه بطل الوحدة وزعيم الاستقلال، ومؤسس تركيا الحديثة التي انطلقت بجهوده الأولى نحو عالم جديد مغاير للعالم القديم الذي تركته.
 
إن عشرات "الساعات" في مختلف الدوائر والمواقع.. ما زالت تقف عند لحظة وفاته.. وعشرات القصص ما زالت تُروى عن عَظَمَتِهِ.. وعشرات الأحاديث ما زالت تفلسِف أعماله وإنجازاته وتدافع بحب له وإيمان به عن سنوات حكمه والديكتاتورية المطلقة التي شهدتها.
 
إن قصر "دولما بخش" أو المملوء بالبهجة.. يدير الرأس فعلاً، وبالتأكيد فإن استعادة التوازن قد تحتاج إلى "حَمّام تركي" في موطنه، فبعض أعضاء "البعثة" – خاصة من ولدوا.. أو عاشوا في مكة والمدينة المنورة – كانوا يعرفون "الحمام التركي".. وقد روى أصحاب التجارب منهم قصصاً مشجعة وأخرى مثبطة.. على أن اتفاقاً ظل قائماً بينهما في أن الذهاب إلى هذا "الحمام" يحتاج إلى توافر شروط، أهمها.. أن لا يذهب الإنسان إليه وهو ممتلئ المعدة – وبالطبع لا مانع من أن يكون ممتلئ البهجة – فإذا تركه.. فإن عليه أن يحتمي بغرفته لليلة، وقد أخذ بعض أعضاء "البعثة" بالنصيحة فذهبوا إلى "الحمام".. ولكن أخبار الذين ذهبوا لم تشجع من تخلَّفوا.
 
وبالرغم من التحفظ الإسلامي على "العلمانية" – فصل الدين عن الدولة – التي تبنّاها "أتاتورك" .. وبالرغم من إبدال الحروف العربية باللاتينية في اللغة التركية التي قاد إليها أتاتورك الشعب التركي بصرامة بلغت حد السجن والفصل من الوظائف الحكومية.. إلا أن الإسلام لا يزال بخير في قلوب الغالبية من الأتراك وإن تحاشى الجهر بالعبادة قلة منهم!!
 
وعلى سبيل المثال.. كان في استانبول ست جامعات.. واحدة منها هي: جامعة مرمرة.. والتي فيها واحدة من كليات الشريعة الثماني (عدد الجامعات في تركيا.. بلغ سبعاً وعشرين جامعة)، وهم يسمونها "كلية الإلهيات".. أي التي تعنى بالدين.. قرآناً وحديثاً وفقهاً وتفسيراً.
 
لقد قُدِّر لنا.. أن نزور كلية الإلهيات بجامعة مرمرة.. فسمعنا قرآناً جميلاً من بعضهم.. ولغة عربية فصيحة من معظمهم.. وتناقشنا وسألنا وعلمنا أن في الكلية نحو ألف وسبعمائة طالب ومائة طالبة.. وأن الطلبة،والطالبات – مغطاة رؤوسهن ويلبسن ملابس محتشمة – يدرسون مع بعضهم منذ عشر سنوات.. وأن المشكلة الوحيدة التي نجمت عن اختلاط الطلبة بالطالبات كما قال أحد الأساتذة هو أن زيجات كثيرة حدثت بين الطلبة والطالبات.
 
ليس من شك.. في أن هناك أكثر من وجه شبه بين مدينتي: استانبول والقاهرة.. فـ"استانبول" يزيد عدد سكانها على الخمسة ملايين.. ومآذن استانبول تشبه مآذن القاهرة.. وبوسفورها الجميل يذكِّر بالنيل والحياة على ضفتيه، بل ويبدو أن وجه الشبه يتعدى استانبول والقاهرة.. إلى وجه شبه عام بين تركيا ومصر، فالدولتان تشكوان من نسبة تزايد عدد السكان ولم تستطيعا أن تحوِّلا شكوى "الزيادة" إلى فرحة بها.. كما أن مشاكل الإسكان والأجور متشابهة.. ومعارك التصنيع بنوعيه الخفيف والثقيل متشابهة. ولا يخفى على زائر استانبول.. أن يرى ويسمع وراء القصور القديمة والمتاحف بعض الأنين والحزن بين الطبقات الدنيا في المدينة الكبيرة. إن المغنّي التركي.. يعبر بأنينه ونواحه عن بعض تلك المعاناة، فالقصر المملوء بالبهجة لم يستطع أن يمتد بهذه البَهجة إلى ما حوله.. لأنه ماض لا يسعف الحاضر وإن كان يقدم "استانبول" سياحياً للبعض أفضل وأجمل تقديم! إلا أنه يظل عالقاً على لسان وعقل الآخرين سؤال واحد: لماذا كان كل ذلك؟
Page 6

من "استانبول".. إلى "أنقــــرة"..؟

لتركيا سلام جمهوري.. ونشيد وطني لا أدري إن كان ينشد في صحبة السلام الجمهوري أم لا.. ولكن طوله رغم جمال كلماته وجلال معانيها يوحي باستحالة إنشاده في صحبة السلام الجمهوري، وقد كتبه شاعر تركي كبير.. هو الشاعر: محمد عاكف أرصوي.. من عشرة مقاطع، ونقله إلى العربية شاعر عراقي.. هو الشاعر محمود الدغيم.. يقول المقطع الأول من النشيد:

لا تخف فالراية الحمرا
سوف تبقى طالما
نجمة الشعب ستبقى
ابتسم لي يا هلالي

رمز في علاك
توقدت نار في ذراك
تتلألأ في سماك
وخذ الروح فداك

ويقول ما قبل آخره:

أسمع التكبير دوماً
وهو أس الدين يد
سوف يبقى ما بقينا
يفتدى بالدم بالأر

إن فيه أملي
عو من قديم الازل
دون أدنى وجل
واح بل بالمقل

ويقول آخره:

خذ دمائي بل لوائي
سوف تبقى ما بقينا
إن الاستقلال يبنى
سوف يبقى ما بقينا

فلك الدمّ حلال
رمز مجد يا هلال
فوق هامات الرجال
ومعبودنا ذا الجلال

لم يقدَّر لي الاطلاع على هذا "النشيد" إلا في صحيفة "الميثاق" التي قدمها لي مدير مكتبة السليمانية – على ما أذكر – ولم أفتح تلك الصحيفة – وهي شهرية حديثة الصدور.. لغتها العربية – إلا بعد أن أخذت مقعدي في الطائرة التركية المتجهة إلى أنقرة.. مودِّعاً "استانبول" وآثارها وقصورها وبوسفورها وأيامها السياحية المَرِحة الدافئة. لقد أحسست بأن قراءة "النشيد الوطني" – في تلك اللحظات – هي مقدمة طبيعية جادت بها الصدفة قبل الوصول إلى "أنقرة" عاصمة الجمهورية التركية.. حيث البرلمان والحكومة والسفارات الأجنبية.. و"الياقات المنشّاة" والمسرح القومي ودار الأوبرا والأوركسترا السيمفوني والكثير من بقايا وذكريات "أتاتورك": مقبرته التي تضم رفاته وتحتل تلاً من تلال أنقرة السبعة ويؤمها كثير من الزوار صباح مساء.. ومزرعة تحمل اسمه خارج أسوار المدينة.. وشارع يحمل اسمه هو أهم شوارع أنقرة وافخمها.

تقع "أنقرة" على هضبة الأناضول بارتفاع تسعمائة قدم فوق سطح البحر.. ولذلك فهي شديدة البرودة شتاء، شديدة الحرارة صيفاً، وأفضل أيامها الربيع والخريف، وهي بموقعها تتوسَّط السبع والستين مقاطعة التي تتشكل منها الجمهورية التركية.. ولقد جعل منها مصطفى كمال أتاتورك عاصمة لتركيا في الثالث عشر من ديسمبر عام 1923م بعد نجاحه في إنقاذ معظم الأجزاء التركية من دولة الخلافة العثمانية التي انهارت في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثورة العربية.. وإعلانه الجمهورية، ربما لتوسّطها – كما سبق أن قلت – وربما تقديراً وإكباراً لها لأنها احتضنته واحتضنت انطلاقاته الأولى.

Page 7

حطّت الطائرة على أرض مطار أنقرة.. ولاح من كل المظاهر التي قابلتنا.. أن الجانب "الرسمي" – من هذه الزيارة – قد بدأ فعلاً. فـ"الندوة" التي دعتنا إليها جمعية الصداقة العربية السعودية - التركية المشتركة.. ستبدأ بعد ساعات مع النصف التركي، وسعادة سفيرنا النشط الشيخ صالح الصقير.. قد أعد برنامجاً مكثفاً من اللقاءات مع القيادات التركية العليا وصنّاع القرار والقوى المحرِّكة لعجلات السياسة التركية.

إن الوزارة التركية التي شكّلها زعيم حزب الوطن الأم في ديسمبر الماضي.. لا تزال حديثة العهد، وقصة تشكيلها.. بل وقصة فوز حزب "الوطن الأم" الجديد على حزبي الشعب والديمقراطي الوطني المدعوم عسكرياً من قبل الجيش لا تزال أحاديث جذابة في الشارع السياسي التركي.

إن حكومة الرئيس أوزال.. هي حكومة حزبية.. ولا يضيرها أن تكون كذلك في دولة ديمقراطية لها تنظيماتها السياسية والحزبية. ولكن يرفع من قدرها – من دون شك – قولة "أوزال" بعد أن حازت حكومته على ثقة البرلمان التركي: "إنها حكومة للأمة بأسرها وليست لحزب الوطن الأم" كما أن تشكيلها من أجيال مختلفة.. يعطيها ذلك التوازن المطلوب بين حكمة الشيوخ وحماسة الشباب، فوزارة "أوزال" التي تضم "علي تانريار" للداخلية وهو في السبعين من عمره تضم أيضاً "ويسل أناصوي" للمواصلات وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

وليس من شك في أن "واحد خلف أوغلو" وزير الخارجية في حكومة "أوزال".. هو واحد من أهم الوزراء، وقد كان لنا لقاء طويل معه.. في مكتبه بالخارجية التركية.

لقد فاجأنا بهدوئه ودقته وحيويته وتخييره لنا في أن يكون الحديث بـ"العربية" أو "الإنجليزية" – إلى جانبهما يجيد اللغتين الفرنسية والألمانية – وقد اخترنا أن يكون الحديث بـ"العربية".. ولكننا وجدناه أسرع وأقدر تعبيراً عما في نفسه بـ"الإنجليزية" عن العربية، فدار الحديث بالإنجليزية.

قال: "المملكة لها مكانة خاصة في سياستنا.. ورؤيتنا للكثير من القضايا تتشابه وتتطابق، إن التعاضد بيننا وبين المملكة.. هو لخير المنطقة وقضاياها".

* "القضية الفلسطينية" منذ عام 1948 وإلى الآن تمثل جرحاً دائماً. إن حل القضية لن يتم إلا بإقامة وطن للفلسطينيين".

* "لنا في إسرائيل بعثة لا سفارة.. وهي على أقل مستوى.. التمثيل نصف الخامل أفضل من عدمه".

* "نريد أن يكون لبنان بلداً حراً. والتدخلات الخارجية لا نراها تساعد على حل مشكلته".

* "قلقون من استمرار الحرب العراقية الإيرانية. ولأننا جيران للدولتين فإن قلقنا أشد وأكبر. إننا حياديون بين طَرَفي الحرب.. ولكننا في ذات الوقت نريدها أن تنتهي، فمصلحتنا هي في إيقافها لكن الدبلوماسية هي فن الممكن".

* "ولسنا ببغاوات للغرب.. فإن لنا سياستنا باعتبار أننا في موقع استراتيجي، إن انضمامنا لحلف الأطلنطي هو للدفاع عن أنفسنا، وتركيا القوية.. قوة للاستقرار في المنطقة.. وتركيا المحايدة سوف لا تستطيع أن تلعب دورها بأفضل مما تلعبه كدولة أطلنطية".

* * *

Page 8

كانت ساعات "الندوة" تقترب.. وكان علينا أن ننسق الأدوار في ما بيننا خاصة وأن برنامج الندوة قد أصبح واضحاً بين أيدينا: جلسة افتتاح وثلاث جلسات عمل.

بعد عشاء أقامه السفير على شرف أعضاء البعثة السعودية لـ"الندوة".. تبلورت الأفكار على النحو التالي: أن يتحدث رئيس البعثة وأستاذنا علّامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر للردِّ على كلمة الافتتاح.. وأن يتحدّث الدكتور محمد زيان عمر في الجلسة الأولى.. وأن يترأس الدكتور فايق الصواف الجلسة الثانية والتي سيتحدث فيها الدكتور أحمد الضبيب ثم كاتب هذه السطور.. وفي الجلسة الثالثة يتحدّث الدكتور عبدالرحمن الأنصاري فالأستاذ أياد مدني.. على أن نشارك جميعاً – بحسب الموضوع – في المناقشات التي قد تدور خلال الجلسات أو في ختامها.

ولاح لنا.. أن هذا التنسيق المقترح مقبول منا جميعاً، ولكن شيخنا الحبيب وأستاذنا حمد الجاسر.. فاجأنا برغبته في "الاعتذار" عن كلمته، لنسأله جميعاً عن السبب..؟

فكان قوله الطريف.. بأنه "لا يحسن القول في مثل هذه المناسبات" فلما ألححنا عليه.. اقترح علينا اقتراحاً أكثر طرافة عندما قال: "إذاً اكتبوا.. أنتم الكلمة، وأنا أتلوها".

ضحكنا جميعاً من طرفة شيخنا الحبيب: فمن منا الذي سيكتب كلمة.. يقرأها حمد الجاسر؟ قلنا له ذلك.. ثم واصلنا إلحاحنا فقال: ومن يضمن صمت "اقرأ" عن نقدي إذا أدليت بـ"كلمة" دون المناسبة (يشير الشيخ حمد بهذه اللفتة إلى تعليق مجلة "اقرأ" على مستوى كلمات الحائزين على جائزة الدولة التقديرية.. عندما قالت بأنها دون المستوى)..؟!

ضحكنا لما قاله الشيخ.. وواصلنا ضغطنا عليه ليصدح في جلسة الافتتاح بكلمة ارتجالية ضافية.. قوطعت بالتصفيق أكثر من مرة، لقد كان إلقاؤه جزءاً من بلاغته.. وكان صوته حين يتحدث.. وصمته حين يصمت جزءاً من لوحة الإبداع في كلمته.

أنقرة: طقس بارد

وأحاديث "دافئة"..؟!

كان قرار جمعية الصداقة العربية السعودية - التركية المشتركة بأن تكون لغتا "الندوة" هي: العربية والتركية.. قراراً له إيحاءاته، ولعل أول تلك الإيحاءات وأهمها.. هو أن الشعبين: العربي السعودي والتركي.. ليسا بحاجة إلى لغة "وسيطة" ليتم التفاهم بينهما. ولكن.. كان لهذا القرار – على حكمته – ثمن دفعه بعض المتحدثين في الندوة من الجانبين: التركي والعربي.. على حساب فهم كلماتهم التي ألقوها خلال جلسات الندوة الثلاث.

لقد اعتمدت الندوة تبعاً لذلك على المترجمين الفوريين من العربية إلى تركية والعكس.. وكان طبيعياً أن يتفاوت مستوى الترجمة بتفاوت مستوى المترجمين في سرعة استيعابهم للمعاني وقدراتهم على التعبير عنها، ولذلك فقد وقع المتحدثون في الندوة.. في دائرتين: دائرة أصحاب "الحظوظ".. وهم الذين فازوا بترجمة فورية دقيقة لما قالوه. ودائرة أصحاب "اليخوت".. وهم الذين خسروا بضعف الترجمة نصف ما قالوه على الأقل.

ويبدو أن السيد جعفر ديميريل – مدير عام الأخبار الخارجية بالإذاعة التركية وأحد المشاركين في الندوة من الجانب التركي – قد تنبه مبكراً لما سيكون عليه أمر الترجمة!! فقام بترجمة كلمته إلى العربية.. وطبعها طباعة عربية أنيقة لتوزع على الحاضرين لحظة بدئه إلقاءها، بل وأحضر معه – تحوّطاً – إذاعية في القسم العربي من الإذاعة التركية.. وكأنها من "هذيل" لغة ونحواً وصرفاً.. لتقدم ترجمة فورية لـ"كلمته".

ولقد أشار الأستاذ ديميريل في كلمته إلى أكثر من نقطة مهمة.. استهلها بالإعراب عن رغبة مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركي بتوقيع بروتوكول ثنائي مع إذاعة وتليفزيون المملكة لدعم التعاون الإعلامي بين البلدين وفتح آفاق مشتركة بينهما، ثم انتقل إلى القول.. بأن الإذاعة التركية.. توجّه إلى المملكة ثماني ساعات من إرسال برامجها الموجهة: ساعتان باللغة العربية.. وساعة بالإنجليزية.. وخمس ساعات بالتركية لمواطنيها الأتراك الذين يعملون في المملكة (نحو مائة ألف تركي) بينما ترسل المملكة ساعتين عبر إذاعتها الموجهة بـ "التركية"، ثم انتقل إلى الحديث عن برامج التليفزيون.. التي قال عنها بأنها لا تشهد نشاطاً متقابلاً.. وأنها تقتصر فقط على تبادل البرامج في مناسبات معينة، لينطلق من كل هذا إلى بحث إمكانية تطوير هذه العلاقة.. مع الإعلان من جانبه عن الاستعداد التركي التام لذلك.

ولقد كان من أصحاب "البخوت" في الترجمة – مثل الدكتور عبدالرحمن الأنصاري وكاتب هذه السطور – الكاتب الصحافي المعروف بجريدة "الترجمان" التركية: الأستاذ أرغون كوزه.. الذي لمس وتراً حساساً في كلمته التي ارتجلها عندما روى قصة ذهابه إلى إحدى الدول العربية في مطلع السبعينات بهدف إجراء حديث صحافي مع رئيسها، وقد حدث خلال انتظاره للقاء.. أن اطلع – أو أطلعه أحد آخر – على بعض كتب التاريخ المدرسية ليفاجأ – كما قال – بأن عهد الخلافة العثمانية كان يدرس للطلبة باعتباره عهداً "استعمارياً". فقام بنقل ذلك – مستنكراً – لرئيس تلك الدولة عند لقائه به.. مع إيضاح منه بأن العهد العثماني كان عهد خلافة إسلامية كانت تركيا "أحد" أقطاره إلى جانب أقطار عربية آسيوية وأفريقية أخرى.

Page 9

ليس من شك في أن "الندوة" وبرغم الجفاف الأكاديمي الذي كان يحاصرها حيناً وتتغلب عليه حيناً آخر.. قد نجحت في التمهيد لقيام علاقات إعلامية أفضل وأوسع بين البلدين الإسلاميين: المملكة وتركيا.. إذا قدر لهذه البداية أن تتواصل وأن تمد بخدمات إذاعية وتليفزيونية وصحافية تقضي على "العتمة" الإعلامية القديمة، وتنعش الحاضر بالأحاديث والبرامج الإذاعية والتليفزيونية المختارة بعناية عن الإنسان والأرض والمدن والثقافة والعلماء والأدباء والمصانع.. لإيجاد قواسم مشتركة من الفهم بين البلدين يمكن أن تؤسس عليها علاقات أقوى وأعمق بين الشعبين.

إنني ما زلت أذكر بكثير من الإعجاب أحداث الفيلم التسجيلي عن حياة وأعمال ووفاة الخطاط التركي الفنان: "واصف".. الذي عرضه علينا رئيس مركز الأبحاث والتاريخ والثقافة الإسلامية باستانبول – التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي – الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو في ختام العشاء الذي استضافنا فيه مع نخبة كريمة من الإخوان الأتراك في أحد فنادق استانبول الأثرية، كمؤشر جيد.. لما يمكن أن يقوم به الإعلام بوسائله المختلفة في خلق التأثير العميق وربط الوجدان بروابط مشتركة.

إلى جانب أعمال "الندوة" وبينها وحولها.. كانت هناك لقاءات وأحاديث دافئة مع شخصيات شاركت في الندوة وأخرى من خارجها، ولا أظنني سأنسى السيد نجاتي أوزفانر "الجنرال" المتقاعد الذي أصبح مديراً عاماً للصحافة والإعلام.. فقد رحب بالبعثة السعودية للندوة في مطار أنقرة.. ولم يغب عنا بعدها في معظم أيامنا الثلاثة التي مكثناها في العاصمة التركية. فقد كان دائم الحضور.. دائم الحيوية.. دائم السعادة بـ"حاضر" تركيا.. شديد الحماسة لكل ما فيها وما عليها.

ولعل هذه الصفات إلى جانب إنجليزيته الطليقة – والتي تعلمها بنفسه من دون معلم.. كما قال – جعلت الحديث يتواصل معه عن "الديمقراطية" التي تعيشها تركيا.. و"الحرية" التي تتمتع بها الصحافة.. وصحافة الغرب التي تتسقط "السلبيات" التركية القليلة وتضخّمها مع ما تختلقه أحياناً.

إن كل شيء يبدو جميلاً رائعاً في الصحافة التركية.. على لسان الجنرال نجاتي مدير عام الصحافة والإعلام وفي عينيه. وبعضه كان أيضاً على لسان الصحافي الشاب: "أنور شيفك" رئيس تحرير جريدة الأخبار اليومية التركية التي يملكها والده.. والذي لم يسعد بتقديري لسنِّه عندما قلت له بأنه نحو الخامسة والثلاثين، إذ أجابني.. بأن كل من رآه كان يعتقد بأنه دون الثلاثين.

إنه شاب نشط.. يمثل الجيل الجديد الذي يجيد لغة أو أكثر غير التركية ولقد رأيناه في حفل السفارة السعودية.. ولمَّا يمض على عودته من المملكة في معية الرئيس كنعان إيفرين غير أسابيع قليلة. لقد سعدت بما سمعته منه عن المملكة.. وعن تطورها.. وعن محادثات الرئيس إيفرين والتي قام بالترجمة فيها "سكرتيره".. لقد قلت له: لا بد وأن أخبار تلك المحادثات التي قام بترجمتها.. قد انتهت إليك لتختار منها لصحيفتك ما تشاء. قال: أبداً.. لقد كان سكرتيراً "عاقّاً" فلم يخبرني بحرف مما سمعه وترجمه.

كان الطقس في أنقرة بارداً.. رغم أننا كنا وقتها في نيسان، ولقد ضاعف من برودة الطقس وهطول أمطار بعد يوم من وصولنا.. ولكن يبدو أن هطول المطر في يوم جلسة افتتاح الندوة قد شجع إحدى السيدات التركيات – خلال الاستراحة بين جلسة الافتتاح والجلسة الأولى – على أن تسألني عن مصادر المياه في بلادنا ومن "أين نشرب"؟..

فقلت لها: إننا نشرب من البحر..

فضحكت بعد أن ظنت أنني "أمزح".. وهي تسألني كيف؟

قلت: من مصانع لتحلية مياه البحر على الخليج وعلى شواطئ البحر الأحمر.

قالت: ولكن المياه لدينا متوفرة.

قلت: ماذا تقصدين..؟

قالت: لماذا لا تأخذون منا "الماء".. وتعطونا بدلاً منه نفطاً..!!

وضحكنا لـ "النكتة" وضحكنا لأن الأمطار التي كانت تهطل في "أنقرة".. كانت تعطل أحلامنا في زيارة حديقة الشعب – في أنقرة – والتي تتميّز عن غيرها.. بإمكانية أن يعد الإنسان بنفسه فنجاناً تقليدياً من الشاي مستخدماً فيه "السموار" – أهل مكة والمدينة يسمونه.. سماور – وكان مؤسفاً أن يفوت عليَّ طقس "أنقرة".. شراء "سموار" لاصطحابه معي إلى جدة، وبقدر أسفي على ذلك.. بقدر فرحي لتمكن شيخنا الحبيب الأستاذ حمد الجاسر من شراء سجادة حرير صغيرة – أقل من متر مربع – لابنته.. التي كانت ولا تزال تصر على شيخنا أن يصطحب لها شيئاً من البلد الذي يزوره، وبالتأكيد.. فإنه أصبح لديها متحف صغير.. فشيخنا – أطال الله عمره ومتّعنا بحياته – هو من أكثر أدباء الجزيرة تجوالاً وترحالاً بين العواصم والمدن والبوادي.

قبل ثلاث ساعات من رحيلنا عن "أنقرة" – العاصمة التركية التاريخية الثالثة بعد "بورصة" واستانبول" – كان لقاء جانب من البعثة السعودية مع فخامة الرئيس كنعان إيفرين. لقد كان اللقاء حميماً.. حافلاً بمشاعر التقدير والإكبار للمملكة كما سبق وأن ذكرت مفصلاً.

ولقد كانت مفاجأتنا فيه.. أن الإذاعية "الهذيلية" في لغتها العربية.. كانت تقوم بالترجمة لفخامة الرئيس.

Page 10

قصة عازف الكمان الأرعن والمغني الموهوب والممثل الفاشل الذي تربع على عرش الإمبراطورية الرومانية!!

عرفت رومان الأزمان الغابرة.. رومان دومينوس اهيتو بربوس أو "نيرون" المغني والممثل والمصارع والخطيب المفوه والقرصان الآدمي، والإمبراطور وعازف الكمان معاً، الذي صعد إلى كرسي الإمبراطورية الرومانية بذكاء ودهاء وخبث أمه "أغريبينا".. وبلاهة وسذاجة الإمبراطور الصريع "كلاوديوس" ليحكم ثلاثة أرباع العالم.. وهو في السابعة عشرة من عمره.

لقد بدا نيرون أو التلميذ "النجيب" للفيلسوف القدير والكاتب البليغ "سينيك".. خطيباً وفارساً هز مشاعر نبلاء "روما" وأشرافها.. ثم معطاءً كريماً مصلحاً ملك أفئدة أبناء روما العاصمة.. ثم سفاحاً قاتلاً سفاكاً في الصباح وعازفاً ومغنياً وممثلاً في المساء، أحرق روما وهو يداعب كمانه ويغني في شرفة قصره:

"أنا نيرون..

أقتل من أشاء.. وأسفك الدماء..

الأرض التي أحكمها لا تغيب عنها الشمس..

الناس جميعاً يخضعون لأوامري.

لأنني سيف حاد.. ونار تحرق أجسادهم حرقاً..

أنا.. أنا نيرون".

وبين كل مقطع وآخر من القصيدة التي كتبها ولحنها وأداها عزفاً وغناءً كان يصدر أوامره لاستكمال إشعال النيران في الأماكن الخربة و"النتنة" – في نظره – التي كان يسكنها فقراء "روما".

وهدأت نار روما.. وكف المغني عن الغناء.. وانقطع صوت الكمان، وبدأت الثورة فكرة تشغل ذهن حاكم الغال – أو فرنسا اليوم – يوليوس فيندكس – ثم عملاً مشتركاً بينه وبين حاكم أسبانيا "غالبا"، ثم حقيقة تناهت إلى مسامع نيرون وهو يعزف ويغني على مسارح نابولي.. ويستعد لموسم مسرحي يمثل فيه مأساته الأبدية: "أبي وأمي وزوجتي جلبوا إليّ الهلاك"..!!