Page 1
مذبحَةٌ على شواطئِ عكّا
محمود مُصطفى أبو عليّان،
شابٌ ذو وجهٍ واحدٍ،
وأمٍّ،
ومجموعةٍ نادرَةٍ،
منَ الشمائل،
غادَرَ قريتَنا،
ضُحًى،
قُبيْلَ نُضجِ التّينِ،
وأوروبّا تُشمّرُ ثيابَها، حتّى الكِليَتَيْنِ،
لتخوضَ الحربَ الثانية.
****
تلكَ حربٌ!!
تَقشَعِرُّ لها جِلدَةُ الرأسِ،
فَفي النهارِ:
محمود يرتدي البنطلون،
ويغسلُ الصُحونَ،
ضدَّ المحوَر!!
في قاعدَةٍ للمدفعيّة،
تَبعُدُ شُرْبَ سيكارَةٍ،
عن تلّ نابُليونَ.
وفي اللّيلِ:
محمود يَحِنُّ إلى أمّهِ،
ويَحلُمُ يفاطِمةَ،
ويتمنّى أن يهبِطَ بالباراشوت.
لوْ مُدَّ في عُمرِهِ!!
لأصبحَ أبًا،
أو سائِقَ لوري،
Page 2
لكِنَّ...
دبّابَةً بريطانيّة،
فَارَّةً من مجازِرِ الدبّابات،
في الصحراءِ،
ضَبطَتهُ !!
يتنشَّقُ هواءَ البَحرِ،
على شواطِئِ عكّا؛
فَسَرَتْ في حديدِها الرَّعدَةُ،
وَجُنَّتْ مِنها المَدَافِعُ.
وممّا زادَ الألاي جنديّاً
أنها لمحَتْ على رئتَيْهِ
أوسمةً نازيّةً!!
تَتعَقَّبُ الغوّاصاتِ،
وتُضلِّلُ قوافِلَ الإمدادِ.
***
كانَ يبتسِمُ،
يتَمَثّلُ نفسَهُ صاحِبَ بُندقيّةٍ،
سريعَةِ الطّلقاتِ،
يُطلقُها في المًناسباتِ والأعراسِ،
ويَبتسِمُ !!
فلم تَجرُؤْ على مُنازَلتِهِ!!
وَجهًا لوَجْهٍ!!
***
توقّفَتْ فجْأةً ،
كَما يتوَقَّفُ القَلْبُ!!
بادَرَتهُ بالتحِيّةِ العسكريّةِ.
رَوَتْ لهُ عن حُبّها للعرب؛
مُنذُ الحربِ الأولى.
نَزَعَتِ الدُّروعَ،
Page 3
وتَظاهَرَتْ بالخَجلِ،
وهيَ تخلَعُ البُرْجَََ!!
لتُرِيَهُ مَواضِعَ الهزيمَةِ.
ابتَسَمَتْ لهُ،
ابتسامَةً شَقراءَ،
لزِجَةً،
ضَمّنَتْها رَجاءً من الحًلَفاءِ:
ألّا يُعينَ عليها!!
وأن يُغطّي انسحابها،
ميلاً أو ميلَيْن.
***
لَمَّا وجّهَتْ جنَازيرَها،
نحْوَ سُوريّا ولًبنانَ،
وأوْهَمَتْهُ!!
أنّها تُواصِلُ تراجُعَها الطَويلَ،
محمودٌ، ودَّعَها،
بِجَفْنٍ مَحزونٍ،
بِبَسْمَةٍ أليفَةٍ،
وكّفٍّ تُلَوّحُ بالهواء.
***
وفيما كانَ محمودُ،
يُصلّي لله،
وللخَضْرِ أبي العبّاس،
ويطلُبُ منَ الإثنيْنِ،
أنْ يضَعا حَدَّاً،
لهذه الحرب!!
وأن يُعيدَا كلّ دبّابةٍ،
غريبّةٍ،
إلى أهلِها، وبِلادِها؛
كانت دبّابةُ الحُلفاءِ،
تُطبِقُ علّيْهِ،
من ثلاثِ جِهاتٍ،
وتطعَنُهُ منَ الخَلْفِ!!
(1/7/1972)
Page 4
شَرخٌ في الجُمْجُمَة
حينَ تُوفّيَ مُدرِّبُ المدرسةِ
سَكّرَتِ البلد...
ترَهّلَتْ أثدَاءُ النساءِ
ونامَ الناسُ منَ العصرِ
من شدّةِ الحُزنِ.
***
أحضروا لهُ الطبيبَ،
فاهتمَّ كثيراً بالبَطنِ والدماغ.
جفَّفَ الدمَ عن ياقَتِهِ
وأخذَ من جُيوبِهِ عيِّناتٍ رماديّةً
وزّعَها على أفرادِ الأسرَةِ
كما يًوزّعُ الكعكَ،
أيّامَ الخميسِ.
***
رثَاهُ رجُلٌ
ذو حاجبيْنِ
ومِرْوَحَةٍ
يعملُ ضابِطَ إيقاعْ.
قالَ فيهِ كَلامًا
نَزَّلَ السُّنونُو من سابِع سماءْ
وجَمَّدَ الدواءَ
في الحُلُوقِ.
ذَكَرَ أهَمَّ أسبابِ الوفاةِ:
شَرْخٌ في النّقوشِ البيزَنْطيّةِ
التي تُغطّي جِدارَ الجُمجُمةِ
أورامٌ في الجُملةِ اللاتينيّةِ
اليُمنى.
Page 5
تَعَبٌ، جُوعٌ، وتشرُّدْ،
دُيُونٌ، وتَعاطِي مُهْلِكاتْ.
صاحِبُ المقبرةِ
نَفْسُهُ،
تذَكّرَ الموْتَ.
بَصَقَ على الدُّنيا
وقدَّمَ الجَدَثَ مَجّانًا.
أُغميَ على كبيرِ الحُرّاسِ.
لا شيْئَ كالفاجعةِ
يُعيدُ خَدَمَ المقابرِ
إلى لُغةِ الأمِّ.
أخذَ المسكينُ
يَشْهَقُ بالأرمَنيّةِ
"سأحمِيكَ!!
سأحمِيكَ ... يا ابنَ أمةِ اللهِ
منَ القاقِ
والضّباعِ المُرقّطَةِ".
***
نَقَشوا على قَبْرِهِ مواضيعَ إنشاءٍ
نَقَلوها من أصقَاعَ نائيةٍ
على عَرَباتِ خيلٍ
مَنَعوا التجَوُلَ
وطافُوا بهِ في البَراري والمُستَنْقَعاتِ
كَيْ يَحفظَهُ الرَّبُّ
عَن ظَهْرِ قَلْبْ!
(1/8/1971)
Page 6
ترُمبُوزة في شرايينِ النَّفْطِ
طَفلاً،
سَقَطّتُ في الغُرْزِ
ولم أمُتْ.
وفي الجابِيةِ،
غرِقْتُ يافِعًا
ولَمْ أمُتْ.
ومِن بعضِ عادَتي
الآنَ..
يا حَفيظَ السّلامةِ
أن أصطَدِمَ بكتَائِبِ الألغامِ،
على الحُدودِ،
فتَتَناثَرُ أغنياتي، وأيّامُ شبابي،
زَهْرَةً هُنا
وصرخَةً هُُناك،
دونَ أن أموتَ.
***
ذَبَحُوني
على العَتَبَةِ
كَخروفِ العيدِ
_ تَخثُّرٌ في شرايينِ النّفطِ
_ بسم ِ اللهِ...
وذَبَحُوني
منَ الأُذنِ إلى الأُذنِ
آلافَ المرّاتِ.
وفي كُلِّ مرَّةٍ
كانَ دمي يتأرجَحُ
Page 7
كَقَدَمِ المشنوقِ
ويستَقِرُّ، ورْدَةَ خُبّيزَةٍ
كَبيرَةٍ وحمراءَ
كاللّافتةِ البحريّة
تُرشِدُ السُفُنَ
وتُحَدّدُ مَواقِعَ القُصورِ والسّفاراتِ.
***
وَغَداً !
غَداً يا حَفيظَ السّلامةِ
لنْ يَدُقَّ جَرَسُ تلِفون
في قَصْرٍ أو مَبغىً
أو إمارةِ خليجٍ
إلا لتقديمِ وَصْفَةٍ جديدَةٍ
لإبَادَتي.
لكِنّي...
كما تَروي ورْدَةُ الخُبّيزةِ
وكما تَتَوقّعُ الحُدودُ
لَنْ أموتَ
لَنْ أموتَ
سأبقى شَرْنِيخَةَ فُولاذٍ
بِحَجْمِ موسى الكَبّاسِ
مَغروسَةً في العُنُقِ
سأبقى بُقعةَ دَمٍ
بِحَجْمِ الغَيْمَةِ
على قَميصِ هذا العَالَم!!
(23/9/1973)
Page 8
القصيدّةُ الرابعَةُ:
"اليمامةُ التي رحَلَتْ بقِطارِ الشتاءِ"
أميرَةُ !
عندَما يرْحَلُ أحِبَّاؤُنَا
كمَا رحَلْتِ
تبدأُ في داخِلِنَا هِجرَةٌ لا تنتَهي
ويحيَا معَنا يَقينٌ
أنَّ كًلَّ ما هوَ جميلٌ
فينَا ومِن حولِنَا
ما عَدا الحُزْنَ
يرحَلُ، يُغادِرُ
ولا يعودُ.
فَأشجَارُ الرُّمَّانِ
التي كُنْتِ تُحبّينَ أزهارَها
ترَهَّلَتْ أغصانُها
وغادَرَتها الظِلالُ
والطريقُ وأشجارُ الكينا
وجّداوِلُ الماءِ
كلُّها رحلَتْ
بعدَ رحيلِكِ
ولمْ تَعُدْ.
وفي الشتاءِ
تأتي طُيُورٌ غريبَةٌ لاجِئَةٌ
فيها سُمَّانٌ وفيها عصافيرٌ،
أجنِحتُها مُلوَّنَةٌ
فيها طُيورٌ جارحَةٌ
Page 9
وفيها طُيورٌ رقيقَةٌ حزينَةٌ
تأسِرُ بطيبَتِها
تًلْقُطُ الحَصَى والقَمْحَ
وترتَجِفُ من شِدَّةِ البَرْدِ
وَعُمْقِ الإحساسِ بالغُربَةِ
لكِنَّها جميعًا
ترحَلُ فَجْأَةً
تأتي فَجْأةً في الشتاءِ
وترحَلُ فَجْأَةً معَهُ
***
لدَيَّ يا أميرَةُ شُعُورٌ غريبٌ وقَوِيٌّ
يَتعزَّزُ كُلَّ شتاءٍ
لِيُصبحَ أكثَرَ قُوَّةً
وأشّدَّ غَرابَةً
فأنا أشعُرُ أنَّكِ ستَأتينَ يَومَاً
مع هذهِ الطُيورِ
ستَأتينَ يَمامَةَ زيتونٍ
يمامَةً فاتِنَةً
يمامَةً عَطِرَةً
يمامَةً رشيقَةً أليفَةً قَلِقَةً
تهبِطُ عندَ شجَرَةِ الكرَزِ مِن حديقَتِنَا.
يمامَةٌ شُعُورُها بالبَرْدِ قاتِلٌ
إحساسُها بالغُربَةِ قاتِلٌ
حنينُها لكرُرومِ الزيتونِ قاتِلٌ
يمامَةٌ تبتسِمُ وفي عيْنَيْها بسَاتينُ حُزْنٍ
تَنُوحُ وفي هديلِها بقايَا فَرَحٍ.
أنا سَأعرِفُها بمجرّدِ أن أراهَا
سأعرفُ أطواقَ النّكَباتِ
Page 10
المُعلَّقَةِ بعُنقِها الحَنونِ
سأعرِفُ نظَراَتِها الربيعِيّةِ الصافيةِ
نظراتِها النّدِيَّةَ
كَأحلامِ البُحيراتِ
سأعرِفُ خُطُواتِها المُخمَلِيّةَ الخجُولَةَ
خُطُواتِها الرّتيبَةَ
كأنفاسِ أشتَالِ الخَسِّ
وسأعرِفُ صَوْتِها اللّيلكيَّ المُتفَرِّدَ
صَوتَها العَذْبَ
صَوّتَها الذي ما سمِعْتُهُ
إلاّ أحسَسْتُ أنّهُ قادِمٌ من مكانٍ في أعماقِي قَصِيٍّ
مكانٍ في النّفسِ سَحيقٍ
ضائِعٍ ومجهُولٍ
هذا الصَوْتُ الذي يبلُغُني
فاُصافحُهُ وأعانقُهُ
قبلَ أن يَصِلَ سَمَعي
لا أخطِئُهُ
أستطيعُ أن أميِّزَ
من بينِ أصواتِ يمامِ الدنيا
وقد جُمِّعَ ووُضِعَ في حديقةٍ واحدَةٍ.
حينَ أراهَا سترحلُ كفِّي
إلى موضِعِ القلبِ من صدري
لكنّي لن أدَعْها
ترَى الدمُوعَ في عينيَّ
لا دُموعَ الفرحِ بها
ولا دُموعَ الخَوفِ عليها
ولا دُموعَ أعوامِ الحُزنِ
وسِنيِّ العذابِ.
سيُهروِلُ دمي في عُروقي
للِقائها
والتّسليمِ عليها
والاحتفاءِ بها.
هيَ أيضُا ستعرِفُنا
حُزنُنا سيدِلُّها علينا
انتظارُنا سيدُلُّها علينا
الحنينُُ يَدُلُّها
والغُروبُ والوَجْدُ
أللّيلُ يَدُلُّها
والغَمامُ والعُشبُ
ستَدُلُّها الغابَةُ
الفُصولُ
والطُرُقاتُ
والأنهارُُ
ستَدُلُّها علينا
ستَعرِفُنَا وتبكي
تتذكّرُنا وتبكي
تًلْقُطُ الحصَى والقَمحَ
وتبكي
ترتَجِفُ من شِدَّةِ البَرْدِ
وعُمقِ الغُربةِ
وتبكي.
نروي لهَا عن حُقولِ الشَّوْكِ
وثمارِ الحنظَلِ
ونشكو لهَا جِنايَةَ الريحِ
نَحكي لهَا عن براثِنِ الشَّتاتِ
عن لُؤمِ رَحَى اللّيلِ
وَجَوَى الأمسياتِ
نَحكي لهَا عنِ القَهْرِ
والمرارَةِ والضّياعِ
ونَذَكِّرُها ببراعِمِ الزّيتون