eKtab
EN ع
الأعمال القصصية الكاملة- المجلد الأول
Read free sample

الأعمال القصصية الكاملة- المجلد الأول

by محمود شقير

Page 1
1
 
خُبز الآخرين
 
مقدمة
 
بقلم: توفيق زياد
 
الكاتب الفلسطيني محمود شقير، هو أحد كتاب القصة القصيرة المعروفين. بدأ نشر إنتاجه في الصحف والمجلات وإحدى قصصه القصيرة «خبز الآخرين» – التي أخذت هذه المجموعة القصصية اسمها منها،كانت قد نالت في حينه جائزة وزارة الاعلام الأردنية.
 
ولد محمود شقير في منطقة جبل المكبر بالقدس، عام 1941 من عائلة كادحة، وتلقى علومه في العاصمة الفلسطينية. ثم انتسب إلى الجامعة السورية فحصل على ليسانس في الفلسفة. وهو مرب معروف ثقف أجيالاً كاملة من طلابه على حب الأرض والوطن والشعب، وغرس في نفوسهم الشوق إلى الحرية وحب الكفاح في سبيل مستقبل أفضل.
 
ومحمود شقير، قبل ذلك كله، شخصية اجتماعية وسياسية معروفة، وصاحب موقف فكري ثوري واضح، نذر نفسه لأجل قضية تحرر شعبه من نير الاحتلال، ومن حكم الاستعمار وأجرائه التعسين، وللقضاء على مجتمع العبودية الطبقية وبناء مستقبل شعبه ومستقبل الإنسانية، وموقفه الفكري هذا هو مضمون حياته ونشاطه.
 
وقد جمع محمود شقير بين هذا الموقف الفكري الثوري الواضح وبين الكفاح الشخصي لتحقيقه، فرمى بنفسه منذ أن فتح عينيه على الحياة، في معمعان الكفاح الثوري في صفوف شعبه العربي الفلسطيني الطامح إلى استعادة حقه في وطنه وعودة لاجئيه وإقامة دولته المستقلة، كشرط لا بد منه لتحقيق السلام العادل والثابت في منطقتنا.
 
بعد الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 أصبحت قضية الكفاح ضد المحتلين، وتطهير أرضه من دنس الاحتلال وجرائمه قضيته الشخصية المركزية، فنذر نفسه لها، ودفع بشرف واعتزاز ثمن ذلك.
 
اضطهد ولوحق واعتقل أكثر من مرة. لقاؤه الأول مع زنازين الاحتلال كان في 28/7/1969 عندما فصل من عمله كمدرس واعتقل بموجب أمر إداري حيث تعرض لأبشع أنواع التعذيب. واضطرت سلطات الاحتلال إلى إطلاق سراحه بعد حوالي السنة بتاريخ 26/5/1970، أما آخر لقاء له فكان عندما اختطف من زوجته وأطفاله واعتقل، إدارياً أيضاً، في 19 نيسان 1974 مع العشرات من رفاقه، بهدف كسر عنفوان الشعب الفلسطيني الذي يرفض الانحناء أمام سطوة المحتلين وقمعهم. ومثل رفاقه، الذين ما زال القسم الأكبر منهم يقبع في السجن حتى اليوم دون أية محاكمة أو تهمة، لاقى على أيدي سجانيه مختلف صنوف التعذيب والإهانة، فلم يزده العنف إلا عنفواناً. وخلال وجوده في السجن رزق بطفلة.
 
وبعد أكثر من سنة قضاها في الزنازين والسجون، قامت سلطات الاحتلال بإبعاده، مع عدد من رفاقه خارج حدود وطنهم. وهو اليوم يواصل طريقه، في منفاه الاضطراري في لبنان، في الصحافة والتنظيم الكفاحي في خدمة شعبه وقضيته.
 
إن مجموعة «خبز الآخرين» التي بين أيديكم، هي الأولى التي تنشر في كتاب وهي تضم جزءاً فحسب من قصصه.
Page 2
وبالإضافة إلى أن قصص محمود شقير تمتاز عموماً بحب الناس، وبروح الصمود والوعي والتفاؤل الشديد بالمستقبل، فإن قصصه التي كتبها بعد عدوان 1967 والاحتلال الذي أعقبه تتميز بحيوية الأسلوب، وعنف الحركة، والزخم الثوري. ومن ناحية المضمون فإنها تتميز بالغضب المقدس على الاحتلال وجرائمه التي لا حصر لها، وبالإصرار الشعبي الإجماعي على رفض الاحتلال والاستعداد لبذل التضحيات الضرورية للتخلص منه. ولأسباب لا داعي لشرحها، نلتقي هنا باثنتين من قصصه هذه هي «في الطريق إلى البلدة القديمة» و «متى يعود إسماعيل». في الأولى يصور لنا محمود شقير جانباً من اللحظات الأولى للاحتلال. إن «فرج الحافي» بطل «في الطريق إلى البلدة القديمة» يقرر أن يزور المسجد الأقصى، ضارباً عرض الحائط بما سمع من الحكايات المروعة عن الاحتلال والمحتلين، فيركب حماره ويتوجه إلى القدس الشريف. وهنالك يصطدم لأول مرة بجنود الاحتلال أصحاب الرطانة الغريبة، فتتحول زيارته إلى رحلة عذاب فلا يحقق غرضه في «الصلاة ركعتين في بيت الله»، ويعود إلى قريته وإلى جراحه التي سببتها أعقاب البنادق، ولكن كل جراحه تلك تهون أمام الجرح الأكبر: جرح الاحتلال نفسه الذي «يحطم داخله أشياء كثيرة»، ويفجر غضبه المقدس والرغبة الملحة في مقاومة المحتلين.
 
أما في «متى يعود إسماعيل»، فيصور لنا محمود شقير حالة الذعر التي تصيب مجموعة من النسوة والأطفال قبيل وصول المحتلين إلى بلدتهم. ثم كيف تفقد «عائشة» ولدها «اسماعيل» أثناء هرب العائلة من «العيادة» فتكتشف الأمر بعد فوات الأوان، ومع أن «إسماعيل» الصغير الذي لم يتمكن من الصعود إلى السيارة بسبب حالة الذعر أثناء الهرب، يختبىء من الرصاص فوق شجرة. ولكن تصرعه رصاصة فيسقط وينزف دمه حتى يموت. لكن «عائشة» ترفض أن تصدق ذلك. ولا تزال تقعد في بيتها منتظرة عودته، وهي تحكي لإخوته عن ذلك اليوم الرهيب مطمئنة إلى أنه سيعود حتماً. كذلك يكشف لنا محمود في قصته تلك اعتزاز «صفية» بزوجهاالثائر وسلاحه.
 
أما في قصصه التي كتبت قبل 1967 فإن محمود شقير يقدم لنا القرية الفلسطينية بطبيعتها الجميلة وأهلها الطيبين البسطاء، الذين يكدحون بقسوة ويجوعون وهم يحلمون بحياة أفضل يسودها العدل والاكتفاء. وهو يعالج بوعي مسألة التناقضات الاجتماعية بين أغنياء القرية وفقرائها، حيث تحس أن القرية وناسها تحت جلده. وشخصياته التي يرسمها نموذجية تستطيع أن تتعرف إليها في نفسك أو الذين من حولك، وهو يكشف لنا عن طبيعة القهر الطبقي والاجتماعي الذي هو نصيب فقراء الفلاحين، ويغوص في أعماق حياة الفقر المدقع التي يحيونها، والدنيا التي ضاقت في وجوههم، وكيف يتحولون إلى قوة عمل رخيصة في أسواق العمل في المدن. وأنت تشعر بالمكانة الخاصة التي يحتلها هؤلاء العمال في قلب الكاتب الذي يعلق أمله عليهم. إنه يعالج حياتهم ونصيبهم من الشقاء في الحياة، في عدد من قصصه. وهو يضعنا أمام ذروة مأساوية في اليوم الأخير التي تصور حياة الطفل طاهر الذي يقضي نهاره ينتظر والده العامل في المدينة، الذي يعود ليوم واحد في الأسبوع إلى أهله، وهو يحلم بالهدايا التي سيحملها له ولأخيه وأمه.
 
وعندما تحين اللحظة المناسبة، يلبس طاهر ثوبه النظيف ويقعد في طرف القرية ينتظر أباه الذي بدل أن يأتي محملاً بالهدايا، يأتون بجثته محملة في سيارة، بعد أن انقطع به الحبل وسقط عن العمارة التي كان يشتغل في بنائها.
 
وفي قصصه المشار إليها تحس بالحب الجارف الذي يكنه الكاتب للأطفال، فينحت أبطاله من بينهم في كل قصة تقريباً. إنه يدخلنا إلى عالمهم، ويكشف لنا عن قدرهم القاسي، وأحلامهم الرائعة، وتطلعاتهم إلى مجتمع سليم يضمن لهم القوت والفرحة وإمكانية التطور، فتتمنى لو تستطيع أن تحققها لهم بضربة واحدة.
 
وبعد، فأحر التحيات إلى محمود شقير كاتباً ومكافحاً.
Page 3
أهلُ البَلَد
 
كانت حرارة الصيف تغلف القرية بالفتور، وظلال الجدران المتهدمة تكاد تنحسر معلنة انتصاف النهار، والمختار يتهادى في قنبازه فيما هو يقترب من رجال يتحلقون لائذين بالظل.. بعضهم يلعب السيجة والآخرون يراقبون أو يغطون في النوم. ارتفع صوته في عجرفة يفترض فيها أن تدل على الشهامة:
 
- والله يا عالم إن الناس ذلت.. ما ظل رجال ولا ظل شرف.
 
وكأنهم فهموا ما يقصده توّاً.. نفض عجوز وقور يده في رجاء:
 
- يا أبو ماجد طوّل روحك، والله يهديك.
 
وأتم بنبرة إشفاق:
 
- استروا عالناس يا جماعة.. الله يستر على جميع خلقه.
 
واحد من الذين يلعبون السيجة غطس طاقيته في رأسه، وقال في تملق:
 
- وانت مالك يا أبو ماجد.. الله لا يردّه، هذا نذل.
 
وانتفخ أبو ماجد:
 
- يا جماعة ما ظل شهامة.. يتركه يتعدّى على زوجته، ولا يفور له دم.
 
توتّر العجوز الوقور:
 
- لا.. لا، خاف الله، خاف الله. يقولون هجم عليها، وملأت الدنيا زعيقاً، وما نال منها شيئاً.
 
- اسمع انت الآخر.. خالد العلي يكذب؟بعينيه رأى كل شيء.
 
قال العجوز محاولاً اختزال القضية:
 
- يا سيدي، اليوم راح يشكو عليه، والمحكمة تبتّ في الأمر.
 
- يا رجل هذا عرض.. يذهب إلى المحكمة!
 
قال المتملق:
 
- والله لا يصل المحكمة إلا الرجل الرديء.
 
بعض الجالسين استمروا في صمتهم، وأيديهم فقط، كانت تتحرّك لتمسح قطرات خفيفة من العرق، وآخرون علّقوا في حياد تام:
 
- يوم ان حسين أبو صفية تعمد بنت الجرّاش وهجم عليها ورجعت تدب الصوت، يومها ضربهم الجرّاش بالبارود.
Page 4
تزحزح رجل عن صمته:
 
- - يا اخوي الجرّاش ان قتل رجال يقدر يدفع ديتهم.. أما هذا مسكين لا فوقه ولا تحته.
 
أردف آخر:
 
- يا عمي العيب عيب المرأة لولاها لانت له كان ما قدر يتعمّدها.
 
كان المختار منتصب القامة، وعيناه سارحتان فوق البيوت العتيقة، والحظائر المحاطة بالجدران، وكان يحلم بأيام جدّه، الذي كان يعبر أزقة القرية فوق صهوة جواده، والرجال يحنون له الرؤوس، بينما النساء يختبئن ذعراً حينما يبصرنه.
 
تراجع الظل حتى أن لاعبي السيجة كانوا يتكومون تحت نيران الشمس. أما المتفرجون، فقد أخذوا يتراجعون ملتصقين بالجدار.. وفجأة انتبه المختار صوب أطفال يتراكضون عبر الزقاق.. كانوا يزعقون في دهشة.. ويتلفّظون بكلمات غير واضحة:
 
- خير يا أولاد.. حصل شيء؟
 
اندفع الأطفال يحكون كل من جهة، وأيديهم تهتز وتؤشر:
 
- يا ألله. طوشه كبيرة.
 
- أمسكن بشعور بعضهن البعض.
 
- واحدة جرّت الثانية.
 
اندفع المختار، وأحسّ بأنه مسؤول عن البلد، لذا فقد كانت خطواته حازمة، وتبعثر من ورائه الجميع.. واحد يعرج، وآخر يرمي بثقله فوق عصاه، وبعضهم يمشون في أذيال المختار.. وكلما اقتربوا من الحارة، كان اللغط والزعيق يشتدان، وثمة نسوة وصبايا يقفن على الأسطحة وفوق الجدران. اقترب المختار، أبصر امرأة تجدل شعر أخرى على يديها وتجرّها، واستطاع أن يتعرف على عزيزة رغم أن شعرها كان ينتشر على وجهها.. كانت هي التي تجرّ الأخرى من شعرها.. قال في صوت خافت:
 
- آه.. يا ملعون أبو عينك.
 
اندفع في هياج يضرب النسوة حتى أوقف القتال: الذي نشب حينما كانت أم عزيزة تعبر الزقاق.. وطرقت أذنيها كلمات تنبعث من أم عواد وهي جالسة على مصطبة بيتها:
 
- الله يخونها.. جرّت رجله، وها هم وضعوه في الحبس.
Page 5
ثار غضب أم عزيزة، ولم تستطع أن تواصل سيرها دون أن ترشق أم عواد ببضع كلمات:
 
_ يخونك انت.. ويخون بناتك البائرات، ما خلّين واحد إلا تعمدنه.
 
وكأن حية لسعت أم عواد، لعلعت الأصوات من كل جانب، ورغم أن المختار يكره كل أهل الحارة، إلا أن إحساسه بالمسؤولية دفعه إلى إنهاء الطوشه. كان صوته يعربد وسط ضجيج مجنون من أصوات النساء وزعيق الأطفال:
 
- ملعون أبوك على أبوها.. انقلعي إلى بيتك.. ارجعي يا بنت، ملعون أبوه الذي يحويك في بيته.
 
توقف القتال رغم أن تبادل الشتائم وتقصّي العيوب ما زال مستمراً..
 
كان المختار يروي للرجال المتحلقين حوله عن أيام زمان، حينما كانت المرأة لا تجرؤ على رفع صوتها أمام الرجل، وإن قابلته في الطريق تذبل وتتضاءل وترمي رأسها في الأرض..
 
هزّ رجل رأسه:
 
- يا عمي الدنيا تغيرت، والله ما كان يصح للمرأة تغادر بيتها.
 
علق آخر:
 
- يا خلق الله اسكتوا.. الفضايح ولعنة الوالدين في كل مكان.
 
خفّت حدة الشتائم، أطلّ طفل يعدو عبر الزقاق وصاح:
 
- عزيزة.. زوجك جاء، والله إني رأيته.
 
صاح فيها رجل:
 
- أي امشي يا عزيزة.. استحي قليلاً.. زوجك جاء.
 
كان يمشي بخطى مترنّحة فوق الطريق الترابية الكالحة.. يرتدي جاكيتاً متهدل الياقتين، يصل إلى ما فوق ركبتيه، وبنطاله المرقّع يطفح فوق حذاء أجرب، وإلى صدره كان يحمل كيساً، وكان متلثماً بكوفيته، وعيناه يطل منهما ذل وأسى: وكيف تقطع الزقاق الآن! وإن مررت عن أبناء بلدك، فهل تطرح عليهم السلام! ومن أين لك صوت يرتفع بالسلام! وإن انبعثت ضحكاتهم من خلفك، فهل تجرؤ أن تقف وتحدق في وجوههم! طبعاً لا، وإنما تطأطىء رأسك وتندفع بخطى محمومة، وتودّ لو أن الأرض تبلعك وترتاح من عذاب الدنيا. اقترب من القرية.. وكان أولاد يلعبون.. هوّمت نظراتهم فوق وجهه، وراح بعضهم يحكي له عن المشاجرة دون أن يلتفت إليهم، وغنى ولد آخر:
Page 6
طلعت عالتينة طلعت مطرحها
 
سبّتْ عليّ الله يفضحها
 
ويلك يا بنت عينك ما ابرحها
 
في بطنك ولد طالع له سنونا..
 
غاصت في قلبه شبرية، وواصل سيره: الملعونة فضحت حالها وما هي خجلانة، وتنزل إلى الحارة وتقاتل الناس، وماذا تقدر أن تفعل! دم قلبك دفعته حتى استطعت أن تتزوجها، وإن طلقتها فمن يخبز لك لقمة الخبز! من يرعى أطفالك ويحرص على بيتك، ومن طلعتها حتى غيبتها وانت تركض وراء لقمة السم.
 
انسرب عبر الزقاق.. كان رجال يجلسون أمام دكان، وآخرون يقفون قرب جدار، وصوت المختار يلعلع، والآخرون يهزّون الرؤوس مجاملة.. رمى عينيه في الأرض، ولم يطرح السلام على أحد، كان يحسّ عيوناً حادة كالإبر تخترق جلده.. خيم صمت على الزقاق، وليس ثمة إلا خطواته الواهنة، وأغنية نائحة تنطلق خافتة من مذياع. اندسّ في الزقاق الفرعي المؤدي إلى بيته.. ولم تعد الإبر تلسع بدنه: خلّيهم يحكون ما يريدون.. والله لا أقدر اقتل ولا أضرب.. والشرف والشهامة والرجولة، خلّيها لهم.. والله ما ظل شهامة ولا هواء.
 
صفق باب الحوش وأبصره أطفاله.. انطلقوا صوبه في براءة وعيونهم تأكل الكيس، انخلع قلبه حينما تعلّقوا به في خفة وجذل، كانت عزيزة تتربع في وجوم.. انتشر صمت خانق، وانطرح ساعات يتفكر مجهداً محموماً.. بالأمس، حينما عاد من المدينة في المساء، كان أهل البلد يطبّلون ويتحدثون عن عزيزة.. لم يجد له لساناً ليسألها عن تفاصيل ما حدث.. وها هو اليوم يعود مبكراً من المدينة، ويتابع زوجته في حيرة.. وكلما همّ بإلقاء سؤال عليها عاد وانكمش، كان يبحث عن خيط واهٍ يستند إليه. ليخفّف من حدة الإبر التي تلسع جدار قلبه، وأخيراً، انحلّت عقدة لسانه:
 
- يا امرأة.. احكي لي الصحيح، جرى بينك وبينه شيء؟
 
أحست بالندم، وأشفقت عليه، رغم أنها كانت ترى فيه تجسيداً للشقاء والتعاسة، وياما لعنت أباها الذي أغصبها على الزواج منه. قالت بصوت خافت يدل على البراءة:
 
- خاف من الله. ماذا جرى لك انت الآخر!
 
توسل إليها أن تقصّ عليه ما حدث.. وزاد إشفاقها عليه حينما لمحت العجز عن فعل أي شيء يطل من عينيه.. قالت:
 
- قوم اغسل رجليك.. وسوف احكي لك.
Page 7
كان يتأوه بأسى ثقيل.. صبّت عزيزة فوق زوجها نظرات فاحصة، وفجأة قفزت إلى ذهنها صورة عواد.. يا ما كان قلبها يمتلىء إعجاباً به في الأعراس، كانت تقف في الشباك وتحشر رأسها بين رؤوس النساء، وهن يتفرجن على حلقة الدبكة في الساحة.. كان عواد يحتل قلوب العذارى والمتزوّجات، حينما يكون على رأس الدبكة وحينما يغني على أنغام الشبابة.. وبالأمس، ذهبت تحتطب، كانت تغني نشوانة، وعواد يختال بحيوية وأغنامه ترعى، وشبابته تصدح، والشهوة ترقص في أعماقها وعواد يقترب منها:
 
- على الصبح يا فتاح يا عليم.. صبّحت حاملة الندى على كتفيك!
 
- والا ماذا! الحياة تتطلب..
 
عندما انتهت من جمع الحطب، رفع عواد الحزمة، ثبتها فوق رأسها، وكان في عينيه شيء غريب، ترجرجت رقبتها، وكان بدنها يرتخي، أطلقت ضحكة رعناء، تهاوت الحزمة عن رأسها، وطار مخّ عواد حينما سمعها تضحك، كان الكحل يملأ عينيه، وكوفيته الحمراء تضفي عليه وسامة.. ضمّها بين ذراعيه ورصع على خدها قبلة.. رماها على الأرض كأنه فارس.. رنّ جرس في رقبة نعجة.. أجفلت وانتفضت مذعورة وركضت كأرنبة، جالت عيناها في الخلاء دون أن ترى احداً.. وبخطوات مرتجفة عادت.. أصبح العالم من حولها سديمياً.. ورن الجرس، وكان صوته لذيذاً، وفجأة، أبصرت وجهاً مرعباً كأنه القدر يمرّ من خلف جذع زيتونة.. زعقت بأعلى صوتها، وتململت في عنف.
 
كان زوجها ينشّف يديه بخرقة، والألم يجرح أعماقه، كان ينظر صوبها بتهيّب، وكل ما يطمح إليه أن تخفّف عذابه بكلمات تخرج من أعماقها حارة مؤثرة.. حاول أن يتكلم، لكنه وجد نفسه مرة أخرى عاجزاً عن التلفظ بشيء.. وقد لاحظت عزيزة ذلك.. قال بعد صمت:
 
- الحق عليك.. كان لازم ما تبعدي عن البلد.
 
- وحق الله يا ابن الحلال ما كان عندي نية سوء.
 
- والا كيف تعمّدك؟
 
- وانا اجمع الحطب هجم عليّ مثل الغول.
 
- طيب.. حجر في راسه يا ملعون أبوه.
 
- الخوف ربط يدي.
 
- رماك على الأرض؟
 
كان بدنه يصطك بعنف، وصوته يزداد حدة، خفضت رأسها وقالت:
 
- يمكن
 
- كيف يمكن؟
 
- أقول لك عقلي غاب، وكنت أصرخ، والا خالد العلي يطل علينا.
 
كان الألم يجرح أعماقه أكثر فأكثر، أحسّ أن محاولته لن تدخل على قلبه أي اطمئنان. حدق في وجوه أطفاله المندسين في ركن البيت، ونفخ مغتاظاً:
 
- جاوبيني صراحة.. احكي، احكي.
 
طفرت الدموع من عينيها، وبعد فترة قالت:
 
- وحق الله لا.. حرام عليك، لماذا نيتك سوء؟
 
حدق فيها.. حاول جاهداً أن يفهم معنى دموعها، لكنها لم توصله إلى قرار، بكى وكأنه طفل.. انتبه الأطفال إلى والدهم ينتحب، واهتزت في أذهانهم صورة أب، يأتيهم بالحلوى ويعطيهم النقود، وليس في البلد من هو أقوى منه.. تقوّست شفاههم.. وما لبثوا أن أمعنوا في العويل..
 
كان كالملسوع يغلي السمّ في عروقه، فلا يستطيع أن ينام ليله الطويل، وكان المختار يتحسّر على أيام زمان.. وفوق القرية، توسوس رياح صيف غريبة.
Page 8
خُبز الآخرين
 
كانت تنطلق صوب سوق العطّارين. وليس ثمة غير أشخاص قلائل يتحركون بعجلة، وأجسادهم تنكمش تحت وطأة برد الصباح، وأغلب المحلات التجارية لم تفتح أبوابها بعد.. وجوانب السوق غاصّة بالبائعات، اللواتي سرين من القرى منذ الفجر.
 
أنزلت سلّ العنب عن رأسها، ووضعته أمامها في فسحة على أرضية السوق.. قرفصت وكانت حركة السوق تشتد كلما ارتفعت الشمس، وهي ترنو صوب الغادين والرائحين،وبين الفينة والأخرى تحدّق في سل العنب، تنشّ عنه الذباب.. ثم تتسلى بترتيب القطوف وإبرازها بشكل أخّاذ.
 
باعت عنباً ببضعة قروش. وكانت جلبة السوق تصدح من حولها في صخب لذيذ.. وفجأة، وقع نظرها على رجل أنيق، معتدل القامة، يحدق فيها من زاوية عينه، تبادر سل العنب إلى ذهنها، فأرسلت يدها تداعب القطوف بطراوة.. رفعت عينيها ثانية، كان الرجل قد انصرف.. سوف أشتري لإسماعيل قضامة وبسكوت.. وسوف نشتري يوم الجمعة كيساً من الطحين بدل الرطل والرطلين.. رأت الرجل يعود ثانية، ويحدق فيها بشكل غريب.. أحست بالحرج، وانتفضت.. توقف الرجل بعد تردد.. وبلهجة وديعة وابتسامة غامضة أشار إلى سل العنب:
 
- بكم الكيلو؟
 
- بثلاثة قروش.
 
- أي لا.. غالي.
 
- وحياة الله.. ما بعته بسعر أرخص.
 
- أريد أربعة أرطال.
 
صدحت في أعماقها أغنية خصبة. وبحركة عفوية، قبضت على الميزان.. لكنها توقفت حينما سمعته يقول:
 
- لا يوجد معي وعاء.. كيف أعمل!
 
ابتسمت ببلاهة. ولم تدرِ ماذا تقول.. لكنه أردف على الفور:
 
- البيت قريب.. ما رأيك أدلّك عليه! وأهل الدار يشترون منك.
 
وقبل أن تجيبه قال بإلحاح:
 
- احملي السل.. والحقيني.
Page 9
أدار ظهره.. رفعت سلّ العنب، وتبعته بعجلة.. صلّت لله في سرّها ألف صلاة.. وكانت ترقص في أعماقها أمنيات منعشة. دلفت عبر بوابة حديدية مهيبة.. وتذكرت مصطبة بيتها والبوابة الخشبية العتيقة. صعدت درجات السلم اللامعة.. انفتح باب البيت الخارجي، اجتازت بهواً واسعاً.. حدّثت نفسها بصوت مسموع (الصلاة على النبي.. هذا قصر).. وعلى جانب البهو، كانت تنتصب أبواب من خشب لامع مرصّع.. انشق باب، وأضيء مصباح كهربائي.. وكانت فوق النوافذ ستائر وردية يانعة.. قالت في ارتباك:
 
- طيب كان وأنا على الدرج، وزنت العنب.
 
_ لا .. لا .. أريد أن أضعه في الثلاجة فوراً.
 
قرفصت بحياء.. وقبضت على الميزان:
 
- أين أهل الدار؟
 
ابتسم في خبث:
 
- ما فيه غيري.. راحوا إلى النزهة.
 
خافت وسألت بصوت مرتبك:
 
_ أربعة ارطال يا خيي؟
 
قرفص أمامها.. مدّ يده كالأفعى صوب صدرها.. وقال بميوعة:
 
_ أربعة.. خمسة.. ستة، على كيفك.
 
أبعدت يده بتلطف.. وبدأت تضع العنب في كفة الميزان. قرص فخذها.. جرفها الغضب، ولكنها لم تشأ أن تقطع الحبل بينها وبينه حتى يتمّ بيع العنب.. قالت بصوت يثير المروءة:
 
- عيب.. أنا مثل اختك.
 
- أنت متزوجة؟
 
- نعم.. وعندي طفل اسمه اسماعيل.
 
- اسماعيل! اللهم صلي على سيدنا اسماعيل.. انت صبية حلوة.
 
كانت تكوم العنب في كفة الميزان بعجلة:
 
- أنا فلاحة شقية.. زوجي عامل.. الغبار يملأ ملابسه.
 
- أعوذ بالله.. أنا احب الفلاحات.. أفخاذ صلبة.. ونهود مثل حب الرمان.
 
مد يده إلى صدرها.. فأبعدته بعنف.. ويبدو أن غضبهاأنساها العنب:
Page 10
- انصت يا بارد.. ما عندك حياء.
 
كان ينتصب بصمت. أيقنت أنه لا يودّ شراء العنب.. اغبرّ وجهها. وكانت صورة زوجها الطيب.. وملامح طفلها البريء وعجرفة هذا الأفندي، تملأ رأسها..
 
- تريد أن تشتري والا أطلع.
 
قال بخبث وهو يمد يده إلى جيبه:
 
- عندي عنب خليلي الحبة قدر العصفور.. لا أريد عنبك.. لكن اسمعي.. أعطيك نصف دينار، وكوني عاقلة..
 
التمعت في وجهها عينا قطة متوحشة:
 
- وأنا عاهرة يا ملعون أبو أصلك.. والله سوف أملأ الدنيا صراخاً.
 
اقترب منها بخشونة ووقاحة.. تراجعت، وتبعها كالغول.. أطبقت ذراعاه حول خصرها.. وكانت تزعق وتدفعه بشدة.. مزع ثوبها عن صدرها.. عضّته، وطال الصراع.. وكان صراخها يتردّد في أركان الغرف وفي البهو.. أحس التخاذل يتسرب إلى أعماقه.. قال في تهدج:
 
- انصرفي.. هيا.. انصرفي.. اخرجي.. صحيح فلاحين بقر.
 
اقتربت من السل.. كان العنب يجثم في صمت ذابل.. خرجت تجرجر قدميها بفتور.. وبنات بلدك، ماذا سيقلن حينما يبصرن سلّ العنب رجع مثلما ذهب، وثوبك قد انمزع.. سوف يتغامزن، ويهمسن وسوف تنتشر الفضيحة في البلد وزوجك سوف يدري.. تدحرجت من عينيها دموع ذليلة.. ولم تعد إلى سوق العطارين حيث بنات بلدها.. انسلت إلى باب العامود.. انكمشت بكل مهانة وهي تحدّق في العنب بنظرات زائعة.. وفجأة انتهرها صوت عنيف:
 
- يا بنت .. قومي.. قومي من هنا.. ممنوع البيع في هذا السوق.
 
كان موظف البلدية يهز عصاه الطويلة في وجهها دون رحمة.
 
_ بحياة الله خليني.
 
- قومي.. إلى سوق العطارين.. السياح يمرون من هنا.. ممنوع.
 
حملت سل العنب.. وغادرت السوق.. وصلت إلى حي في طرف المدينة.. كانت البنايات الضخمة تتربع كأنها القدر.. وكان صمت مترفّع يلفّ الحي.. لا أطفال يلعبون.. ولا صوت ينادي: يا بائعة العنب تعالي.
 
- عنب يا بنات.. عنب.
 
بُحّ صوتها. وكانت أغلب البنايات الضخمة تتجاهل صوتها المتوسّل.. باعت قليلاً من العنب.. وعادت منهوكة إلى باب العامود.. قرفصت بحذر.. وكان نسيم العصر يتهادى فوق المدينة.. والفلاحات يهرولن إلى قراهن، ويتحدّثن بأصوات عالية بهيجة.. وسائق تاكسي ينادي الركاب بصوت ذابل ممطوط.. حدقت في أرطال العنب أمامها، وشعرت أنها هم ثقيل يتربع فوق صدرها.. داهمها نزق حاد.. لم تكن جائعة، ولكنها التهمت قطفين بعصبية. ودّت لو تأكل ما تبقّى في السلّ كله.. ثم تعود إلى القرية.. وانتهرها الصوت