eKtab
EN ع
الأعمال الروائية - الجزء الأول
Read free sample

الأعمال الروائية - الجزء الأول

by عبد الله خليفة

Page 1
1
 
لا أثر يا محمد سرحان لسفينةٍ أخرى· زحفتْ جميعُ العناكب الخشبية نحو الغرب محملةً بالثمار والحنين· ستبقى أنت هنا أياماً وتكنسُ هذا القاع البحري وتحيله إلى حباتٍ من الضوء في يدك·
 
اقرعْ أيها الموج بابي، أقرعه فلن أفتح ·
 
انفتح الماءُ وظهر رجلان ألقيا حمولتيهما وعادا إلى الظلام·
 
تدفقْ أيها المحارُ، استحل ناراً وكواكب، سأكنس الأكواخ والمستنقعات والكلاب والبلاهات· أصعدي معي أيتها الحشرات الغبية وأنت يا آهات، سيكون ثمة عرسٌ في القمة وفرحٌ·حتى لو حملتْ الريحُ عفونةَ جثثٍ عند السفح فلن أغادر هذه المغاصة··أضحكي!
 
جاءّ الصبيُ حاملاً التمر والقهوة· اقترب بوجهه منه، رأى كم لوحته الشمسُ وسوّده البحرُ·
 
لن يذكرني بامرأتي أبداً· ذاك الوجهُ المتورد، والأظافر المغسولة بحناء كخدود الزهر، غيرُ هذه الأظافر المشحونة بالقذارة، وذاك اللحم الناعم الذائب في الفم كالزبدة، غيرُ هذه العظام الناتئة· في الليل يرقدُ كالحجر· أنحن بشرٌ؟!
 
سأل الصبي :
 
- ألا تريد يا نوخذا أيضاً؟!
 
- يكفي هذا·
 
هذه الحشرجة التي تنتابكَ تنمو في الصدر·
 
التفتَ إلى الغرب وحدقَّ في الأفق·
 
أنتَ أيضاً مثلهم· ينزفُ قلبك حنيناً ولوعةً، تحلق كطائر أضاع عشه، أولئك الصغار ينتظرون عند الشاطئ· مـُدّ يدك إليهم واحتضنهم، مـُدَّ يدك وغيـّـر الاتجاه، أسرع نحو الشطـآن، قد ترحل عنك الموانئ، وتحتضنك القيعان· مــُدَّ يد إلى الشراع واحضن المرأة·
 
بوابةُ الماء مشرعةٌ الآن· ينهمرُ المحارُ من القاع ويتكوم فوق السطح الخشبي· مطرٌ لا يغوصُ· يصعدُ ويتحدث إلى ناصر بضراعة· أبوه، مؤذن المسجد، الذي لا يبصر إلا بعصاه، ينحني بهذا الشكل، ويتهدج بذاك الصوت الخائف أمام الله والناس·
 
ناصرٌ يهز رأسه غباءً، ثم يتحرك ببطء مقترباً منك· هذه العضلات التي تتغذى على النوم وتمشي نحوك متى تشتعلُ بالفهم؟!
 
- سيدي، إن مطر لا يستطيع أن يغوص بسبب أذنه··
 
- ما بها؟
Page 2
- إنها تكاد تنفجر· تؤلمه جداً·
 
- دعه ينزل وإلا أنزلته مقيداً· فليكفوا عن هذا التدلل· وأنت أملأ أذنك بالطين والحجر·
 
نهض محمد سرحان· تراجع الآخر نحو مطر وأبلغه· تغيَّـر وجهُهُ، رفع يده، غمغم وأراد أن يقف لكن ناصراً قاده إلى الحافة·
 
انزل أيها التافه إلى القاع· اشرب ماءً وأعطني لؤلؤاً· أمسكْ الحبلَ· لن أحضرَ أيتها الشطآن، ثمة كنزٌ هنا من حبيبات الضوء· وجدتـُه في هذه المجاهل الخضراء·
 
نزل مطرٌ إلى الماء·كانت عيناه مفلوقتان بفأس الألم·
 
احتملته كما احتملتكم أيها البحارة الكسالى، وجهه، جسمه، يترجرجُ في الماء ويختفي رويداً كخطوط دوامة· لن أحضر في الغد أيها الصغارُ· هنا بوابةٌ لعالمكم القادم· كلما امتلأت يداي امتلأتم بالسعادة· انظروا إلى الأكواخ، ثم تعالوا طالعوا الصور التي رسمتـُها، مدينةٌ جديدةٌ تنمو، هنا في القاع، لا شيء سوى المحار الكبير العجيب، يتحاوطهُ الموتُ وأيدي البحارة المعروقة الممزقة·
 
يسحبُ السيبُ(1)غواصاً تعباً· تقفُ الشمسُ فوق رأسه كمظلةٍ من نار·
 
أصبر أيها البحار قليلاً، يومين أو ثلاثة، وتلتحق بالزرائب·
 
يخطو ناصر قربك، لا يعرف كيف يقتحمُ المسألة، لا تزال أذنه باباً مشرعاً للأصداء·
 
- نوخذا(2)··
 
تتكسرُ الكلماتُ في فمه· زوجتهُ الجميلة تخرجُ من بيتها وتتجه إلى بائع الحلوى· تقف عند الباب وتثرثر وتضحك· الرجلُ يرصدُ مفاتنها ويَعـِدُها بالأحلام· لم لا تسمع ضجيجَ الخيانة أيها البرميلُ الفارغُ؟
 
يهمس :
 
- إن الرجالَ·· الآن··
 
- ماذا تريد أن تقول؟
 
- أنت تعلم جيداً أن الموسم قد انتهى، ونحن متلهفون لرؤية أولادنا وزوجاتنا··
 
سكتَ· ظهرَ عدةُ رجالٍ من البحر· أصغى الجميعُ إلى الهمس علهم يسمعون شيئاً· حدّق مطر في وجهه وانتظر مراسيم الفرح·· وتابع :
 
- وصيدنا، كما ترى، وفير· ولا شك أن ثروةً كبيرةً ستكون لك· لقد خاطرتَ إلى هذا المكان البعيد، وقد رزقك الله خيراً وفيراً·· والآن أما آن لنا أن نتنفسَ بارتياح؟
 
الوجوهُ اليابسةُ تشققت بسياطِ الشمس وزجاج البحر ، سارتْ على الأحجار المسنونة، ترصدتها أسماكُ القرش، أسرعت إلى الهواءِ، صفقتْ في الليل حول القهوة والحكايات، وشمت عبير الريحان القادم من الشطآن·
Page 3
 لقد حطمنا التعبُ··
 
انداحتْ ( الآه ) كدائرة تضمُ المنازلَ والبراريَ وغرفَ الشتاء وجمرَ النساء، وجلس خالدٌ ومدَّ يده إلى الماء ومدَّ صوتــه إلى البر، وتراقصتْ الظلالُ في الأزقةِ وسـُمعتْ دقاتُ الحلقات الحديديةِ على الأبواب، وامتلأت المجالس بالرجال··
 
يقول :
 
- زوجاتنا··
 
تصده :
 
- اعرف!
 
- متى؟ متى؟
 
تغضبُ :
 
- ما بالك تلحُ هكذا؟
 
- أسمح لي·
 
- لن ننتظرَ طويلاً· ربما بعد غد· كلها ساعات ونمضي·
 
ابتسموا· كأن البرَ يقـتربُ· النساءُ المتجمعات يرقصن· الأطفالُ يخوضون الماء َ· قناديلُ الفرحةِ والفرجة تزهرُ على الشاطئ، والأغنياتُ تمسحُ الجراحَ، وكلُ الألم النازف والموت والأعداء تؤجل لموسم آخر·
 
أيا جيلاً من الغبار لستَ سوى زيتٍ قديم· ناصرُ يحتضن امرأته التي اغتسلت جيداً من أوساخها· أمسكها بشوقٍ ضارٍ وربما كانت معه تتذكر البائع·· أيا جيلاً أصم!
 
- انزلوا إلى البحر· انزلوا!
 
اختفوا·أجمعوا الكنوز· ضعوا في يديَّ وقوداً كي أحرق سعفكم المهترىء، تعالوا إلى البراري كي أشق لكم القنوات، سيملأ الدخانُ الصحراء· وهذه المراكبُ العجائز ستكون ذكرى بائسة· أنتم لا تعرفون شيئاً· لا تفهمون معنى الحروف··
 
انزلوا· سنبقى أياماً· يخطو إلى مجلسه· يمتدُ البحرُ إلى ما لانهاية، صفحة زرقاء، متوهجة بألوان الصيف والخريف· لم تزل الشمس في عنفوانها·
 
صرخَ أحد الرجالِ· كان أحدُ السيوب يجرُ شيئاً· ثمة بقعة دامية تطفو فوق الماء· الرجلُ يُسحبُ بذعر· اقتربَ الوجهُ، اليدُ المأكولةُ، الجسمُ الممزق·
Page 4
وقف محمد سرحان مع السيب وسحب· ماذا حدث لك يا مطر؟ رفعه إلى السطح· يده سليمة وجسمه· ولكن من أين ينهمر كل هذا الدم؟
 
ترنحَ رأسهُ فوق السطح الخشبي· أبعدوا كومة المحار· جعلوه يستنشق الهواءَ بكل صدره· ولكن هذه الدماء تسيلُ كالماء من أذنيه وفمه· أنفه قد فـُتح فهل يتنفس؟ غارقٌ في بحيرة من دم· وأنت قد سحبتَ حبل مشنقـته· العيونُ تطالعك، الشمس تنورٌ يجاور الرأس، يهجسون : ماذا نفعل للرجل؟
 
دعوه يغطس، طالعوا الدمَ الذي يتسربُ بين المحار ويتجه إلى البحر· اغتسل أيها المحار وأشربي أيتها البحار· اتهموني بقـتله، اتهموني لكن في صدوركم·
 
- آ··· أب··ي·
 
ويصمتُ· أبوك يسير الآن بين الأكواخ، متلمساً طريقه الذي لا يتغير، وعصاه تشمُ الأرضَ· هل سيسمع نداءك· لن يلمسك ثانية·
 
سيمضي إليه رجلٌ وهو خارج من المسجد، ويــسُرُّ إليه بالخبر· يتجمدُ العجوزُ لحظات ويردد كلمات باهتةً، ثم ينهارُ في كوخه وهو يبكي·
 
تمددتْ أعضاؤه وتصلبت· الدمُ لم يتخثر بعدُ ويشقُ طريقه متسرباً بين المحار، يسقطُ في الماء نقطةً نقطةً· ومع كل صوتٍ، يتنفسُ بحارٌ وتتأوه الشمس وتطل العيونُ على الموتِ·
 
يتوقفُ الغطسُ، تتجمدُ الحبالُ والموجُ· ترفعُ رأسكَ وتــُدهشُ لرؤية هذه الغيمةِ·
 
ليستْ كالغيمات الصيفيات المثـقلات بالرطوبة· غيمةٌ بيضاءُ صبيةٌ هفهافة·
 
يرفعُ الآخرون رؤوسهم ، الدهشةُ والألم وشيءٌ باهتٌ من الأمل· جاءتْ رشيقةٌ، تقفزُ وتجري وتمرحُ، وطالعتهم باستغراب· وقفتْ فوق رؤوسهم وظللتهم لحظةً· ثم واصلت طريقها وقد بدأت تتفرق وتتمزق·
 
- كفنوه·· ثم اغسلوا المكان·
 
ابتعدَ عنه· تناول علبته وأشعل سيجارة· امتصْ الدخان وأنس الصورَ البشعة·
 
لأغادرن هذه المراكبَ الموبؤة، لأعش على الأرض الساكنة الناعمة· كان الرجل الهندي يدخنُ سيجارته بارتياح في مكتبه· العمال يشتغلون بين الآلات· العجين الغريب يتحول إلى ورق مصقول تــُرسم عليه صورُ آلهتهم العجيبة وحروفهم·· ليست ثمة عواصفٌ أو وحوشٌ في الأعماق ، ليس ثمة تيهٌ في البحر، والمنازلُ على بعد خطى قصيرة من بوابة المصنـع··
Page 5
التم البحارةُ حول الجثة، وبدا مطرٌ في إزاره الملون كأنه على موعد مع حفلةٍ في الأعماق· يحدقون فيه بنظرات بين اللامبالاة والفجيعة· وهو يحدقُ في الظلام· كنتَ يا مطر على موعد مع امرأة تحضنها والآن أنت على موعد مع قرشٍ نهم ٍ·
 
تكلموا· تأملوا الموجَ المتخثرَ والمحارَ الملوث وصعدتْ آهةٌ متكسرة·
 
يتساءلون :
 
- هل مات أم قــُتل؟!
 
لا يمكن أن يختفي القائلُ عن بصره· يتجه محمدٌ إليه ، السؤال يحملُ نـُذُراً، يحملُ أكواخاً وجثةً· ربما نبتَ في السذاجة ولكن من يضمن عدم تحوله إلى خنجر؟
 
تواجهه :
 
- بم تهذي يا علي؟!
 
- من، أنا؟
 
- نعم أنت، ماذا قلتَ؟
 
- لم أقل شيئاً·
 
- بل قلتَ· تجرأ وأعد ما قلته·
 
تلعثم، وقفت الكلماتُ عاجزةً في الممرات المظلمة لرأسه· صامتٌ دائماً، يحملُ أمتعته ومحاره ويسير، يتكلم الآخرون ويثرثرون وهو يتطلع إليهم ويلتقطُ كلماتهم ويبتسم ويفكر·
 
وفي أوقات متباعدةٍ يطلقُ كلمةً· وربما ظنَّ أن الناسَ ينتظرون حروفه بفارغ الصبر· ولكن كلمته تـُطحن في منتصف الطريق، ويضيعُ الصوت والصدى·
 
تجرأ، كيف سيتجرأ؟
 
- لم لا تتكلم؟
Page 6
يصلُ البرَ ويختفي عن المجالس والمساجد· ينطلق بقاربهِ في عرض البحر، ويرجعُ حاملاً بعض السمكات لأمه وأبيه وأخوته· يسيرُ في الأزقة صامتاً· يفكرُ بمن؟ ماذا يريد في حياته الرديئة الصامتة؟
 
- إنني··
 
لأول مرةٍ تــُصبح لكلماته قيمة، وربما نسيها هو نفسه فهل تريد أن تلفتَ الانتباهَ إلى وجود هذا المنسي؟
 
- حسناً، إنني أعرفُ أنك متألمٌ لهذا الموت، أنا لا أقلُّ عنك تألماً، ولكن ماذا نفعلُ؟ لا أحد يستطيعُ أن يجابه الموتَ· هل نتذمرُ ضد الله؟ هي كلماتٌ نطلقها عفواً، ولكنها سيئة الوقع وذات عواقب··
 
نظراتهم تدورُ حوله، وهذا الشابُ بلع شجاعته، وعندما يغدو وحيداً سيؤنب نفسه، ويستعد للنزال في المرة القادمة، الذي لن يأتي كما توقع·
 
نظراتهم تنتظرُ، وهذا السفر الطويل إلى متى؟ والميتُ وإزارهُ الملوثُ العتيق والأسماك المنتظرة بفارغ الصبر·
 
- أنزلوه··
 
هذه صلاةٌ رائعةٌ يوججها الحقدُ، وللموتى احترامٌ عظيم عند الأحياء الذين ينتظرون حفلةً، صلوا واستحموا في النسيان·
 
- أنزلوه·· وعودوا إلى أعمالكم··
 
كونوا بجواره وأنتم تكدحون· المطرُ لا معنى له أبداً في قاع البحر·
 
سمع موسى يرد
 
دُ بألم :
 
- إنا لله··
 
(1)السيب : مساعد الغواص الذي يحمله من البحر بالحبل·
 
(2) النوخذا : ربان السفينة·
Page 7
2
 
لليلِ عيونُ النجوم الساهرة· والتعبُ أسرَ الرجالَ، فلك أن تقرر يا محمد سرحان الموتَ أو الحياة· الخواء أو الحب· ذراعا زوجتك البيضاوان ينتظران صدرك، وأصابعها ستتخلل شعرك، كقطة تفرك نفسها في الوبر· تشمُ رائحتك وتفتحُ أبوابها للأسرار وأعشاب البحر، تتدافع الكلماتُ في فمها، وشفتاها الصغيرتان متلهفتان للقبل·
 
يسألها عن الصغيرين، ويتتبع حركاتهما طوال أشهر· لو كان ثمة ساعي بريد هنا!
 
يدخلُ أنفه وشفتيه في شعرها ويرى الليل مفعماً بالوحشة ويدخلُ، ويسأل الشتاء عن لهيب الصيف· إنها تحكي للولدين قصصاً· جالسون في الحوش عند شجرة اللوز· أحمد مستلقٍ على بطنه ويداه تحت خديه ورجلاه مرفوعتان نحو النجوم· مريمٌ متوسدة فخذ أمها وتحدقُ في شفتيها متتبعة الكلمات وعلى صدرها تنامُ عروستها الهندية·
 
لو يدخلُ عليهم فجأة ماذا سيفعلون؟
 
لأنتظر أياماً حتى يمتلئ الصندوق· سيصبح ثمنه كبيراً، ويجعلك تسبحُ في البر على الأحلام، ما عادت هذه السلاحفُ البحرية مجديةً· أخلقْ أحجاراً ومدناً جديدة· سدَّ منافذ هذا الموت البحري، ومطر لا يجب أن يموت مرة أخرى· ·
 
سمعتَ حركةً بين الرجال· أحدهم يأتي· إنه الصبي· يجلسُ تحت قدميك· لا تدع الصغار ينتظرون· يمسحُ أصابعك·
 
تهمسُ :
 
- هل نمتَ؟
 
- لا·
 
- لمَ لا تذهب للنوم·
 
- وأنتَ ستكونُ وحدك·
 
- نعم·
 
يجلسُ منتظراً·
 
- أذهبْ!
 
فزع الصغيرُ· قامَ وعاد إلى مكانه·
Page 8
جاءت أمهُ وهي تجرهُ وراءها· دخلتْ عليه في المجلسِ بين الرجال· تساءلَ : ماذا تريد هذه المرأة؟ تطلعوا إليها وإلى الصغير الذي اختفى وراء عباءتها· إن وجهها لم يزل جميلاً· وهذه عيناها وراء البرقع تنبئ بذلك· لم تزلْ تملكُ بعضَ الموارد حتى وزوجها مشلول·
 
- هذا يا نوخذا ولدي· خذه معك·
 
- هذا الصغيرُ الخجول كالبنت أيصلح للبحر؟
 
انتفضت المرأةُ وجرّت الطفل بغضب وأوقفته في منتصف المجلس·
 
- صرْ رجلاً وكلم الرجال!
 
نكّس الولدُ رأسه، وأخذ يحدقُ في البساط ويداه وراء ظهره وفي جيوبه وعلى رأسه!
 
قالت المرأةُ :
 
- أنت تعلمُ إن والدَهُ قد منعه المرضُ، وديونه كثيرةٌ لأبيك - الله يرحمه - ولك· ها هو أبنه يحتل مكانه· أجعله رجلاً·
 
حسنٌ، ها أنذا أجعله رجلاً، يتفطر بالحنظل ويتعشى بماء النار·
 
رمقَ القمرَ وهو يتقدمُ في السماء، مرآةً مصقولةً يتطلعُ فيها البحرُ إلى وجهه· خيمةٌ بيضاءُ نـُصبت في الأعالي ونساء جميلات انتثرن قربها·
 
اصعدْ أيها القمرُ ودندن مع الأمواج· هذه سحابةٌ سوداءُ تشق وجهك، كرمح من غابات بعيدة يقذفه عمالقةٌ شرسون·
 
اغتسلَ الماءُ بالفضة، وانتشر الضياءُ في الأعماق· قصورٌ ملونة تــُضاءُ فجأة· دررٌ، لآلئٌ ، تتنفسُ حرةً طليقةً في الظلام·
 
نمْ أيها الصغيرُ· ستنامُ قرب أبيك العاجز بعد أيام· وأنت أيها القمرُ لا توقظه، فهذه الوشوشات التي تسمعها غزلٌ يوجهه البحارةُ إلى نسائهم في الأحلام· هذه السعلاتُ بقايا أنصالِ النهار· لا توقظهم· لكن حتى لو أردت لن تستطيع·
 
يخطو محمد سرحان بينهم· جثثٌ· جثثٌ· ماتت الحكاياتُ والكلمات· وأثر الدم لم يغسلوه جيداً· والمحارُ ينتظرُ هنا· تتسربُ أشعةُ القمر فيه فتبيضَّ· من منكن ستحمل أولاً؟ جثثٌ أخرى، أغلبها، كلها، في مقبرة الماء·
 
لم ينمْ الصغيرُ بعد· يطالعك بنظرةٍ غريبة· كيف انتزعوك من ملعبك ووضعوك في هذا الجحيم؟ أين الدوامة؟ في هذه الليلة المقمرة تحلو لعبة الاختباء، أليس كذلك؟
Page 9
يمسكُ قدمَك· تتسربُ إليكَ رعشةٌ خاصة، لغةُ الليلِ والصغار والأعشــاش والبراحـات والطبـول· تحسُ إنك ستبكي· تنتزع قدمـك·
 
لن أبكي أبداً ·
 
همسَ الصغيرُ :
 
- أريدُ أن أرى أمي!
 
عيناهُ في لجة البحر· في بكاء القمر، في صحوة النوم، لا كلماتٌ كثيرة، البيتُ والشاطئ، وحضن الأم ولعبة الرفاق والقوارب الصغيرة والكلاب، في ماء العين·
 
- ألم تزلْ طفلاً بعد؟
 
- لا· لستُ طفلاً·
 
- إذن أصبرْ·
 
قال شيئاً· ترجرجَّ صوتهُ· تكسرَّ· بكى بصوتٍ خافت·
 
ــ نعم، رجلٌ!
 
ارتفع صوتهُ، نشيجٌ ينمو في الخلاء· ينتشرُ ويمضي إلى السواحل البعيدة· لا يتوقفُ!
 
- اصمتْ!
 
لا يصمتُ· يمضي في نحيبه·
 
- ألستَ رجلاً؟ أصمتْ!
 
يرفعُ أحدُهُم رأسه· وآخرُ وآخر· ماذا حدث؟ لماذا يبكي هذا المتدرب على الرجولة(3)؟
 
أصمتْ· لا يصمت·
 
انحنى عليه· مسحَ رأسه بهدوء· سكتَ شيئاً فشيئاً· رقدَ على السطحِ ثم دخل في النوم فجأة· تهامسَ الرجالُ قليلاً وما لبثوا أن عادوا إلى صمتهم·
 
قناديلٌ عند الأكواخ، رغم نورك الباهر أيها القمر، تبحثُ عن حطام سفينة·
Page 10
نساءٌ، نساءٌ، جيشٌ من الفتيات والصبايا والعجائز والأرامل والزوجات عند الشواطئ·
 
جيشٌ من القناديل والعيون الزائغة، تبحثُ في الماء عن أيدٍ ووجوه· عن أيام وأحلام· لمن هذا الريحان؟ لمن هذه الروائحُ والمباخر والمساند؟
 
تبحثُ عن طفلٍ يبكي كرجل، ورجلٍ يبكي كطفل، عن سواعد للبيت الجديد، عن صدور للأسرّةِ· لمن هذه اللثغاتُ والضحكاتُ؟ يخضنَ في الماء، ويسمعنَ صوتكَ أيها الربان القاسي، يقتربنَ، يكسرن المياه ويقتربن، للقناديل المذعورة والأوجه المكفهرة طعمُ الكابوس·
 
يزحن السائلَ العميق ويقـتربن، وأنت مقيدٌ بين صخرتين· أنت القاتلُ، ووحدك الناجي!
 
يقلن : أنت من لا نبحث عنه· كلُ قطعةٍ من لحمكَ وحلٌ متعفن·
 
أين رجالنا؟ أين أحبابنا؟
 
طالعن الشاطئ جيداً· أنت من نبحث عنه· حطموا وجهه بالحجارة وأحرقوه بالنار·
 
أيتها النسوةُ، لي بينكن، امرأة، دعوني أراها، أقبلـُها·
 
يشعل سيجارةً ويستلقي· يتلفتُ إلى أردية العباءات الشبحية· يهمس:
 
- ليكن الغد موعد الرحيل، ليكن·· أنتـُنَّ أقوى مني·
 
(3)المتدرب على الرجولة : تعبير لوظيفة الصبي في البحر وهي التباب حيث يعمل بلا أجر!