Page 1
تقديم
جمعة اللامي:
السرد باحثاً عن يقين
الدكتور: محسن الموسوي
لربما توارث الأدباء والقراء القناعة بأن الشعر معطى نهائي، غارق في يقينه، تنتهي تساؤلاته عند مرافىء الحكمة والمأثور، ونكد المجتمع ومروق الذات في هواها وملذّاتها· وأنه، وكما يرى (باختين): لغة خارج التاريخ، لغة أشدّ ما تكون بعداً عن الدوائر الصغيرة للحياة اليومية، لغة ]مصنوعة بخاصة[ للآلهة وهذا صحيح عندما كان الشاعر هو العرّاف الذي يرى اللامتناهي والأزلي خلف تضاريس الحياة والواقع· لكن الشعر لم يعد كذلك منذ أن احترف التجريب وامتهن الحياة، وعرض الشاعر/الشاعرة لنفسيهما طريدين، شريدين، واقعاً وفناً·
وما يقال عن شعر الحداثة ينطبق بشكل أوسع على مفاهيم السرد التي تناءت عن العرافة والنبوءة منذ ظهور الرواية الحديثة وليدة بين فئات الطبقات الوسطى، وتحوّلها (ملحمة برجوازية) قبل أن يطالها التجريب الواسع أيضاً في مديات (الحرم الجامعي) والقرية والصحراء، لتأتي السرديات بمثال آخر غير ما ألفناه لقرون: فالرواية هي الأخرى لم تعد ابنة الحياة المدنية ضرورةً أو لزاماً، وما هي إلا تجربة أخرى تستكمل حضورها لغةً وتتجسد وضعاً مدوناً معنياً بالإنسان والمخلوقات أو بالطبيعة ذاتها· والبطل قد يظهر بشراً، كما قد يستعاد مخلوقاً من بين خرافات كليلة ودمنة، أو حتى من بين الروابي والصخور، كما يفعل ابراهيم الكوني، في رواياته وقصصه الطوال·
لكن جمعة اللامي يختط طريقاً آخر· وجمعة اللامي عراقي التكوين والهوى، ويصعب أن تضعه في غير هذا المسار، إلا إذا راهنت على أمر آخر يقيم ما بين الميراث الحسيني والتصوف، عند ذلك قد تخرجه من حدود جغرافية وتضعه في فضاء آخر واسع من الموروث الحسيني، وملاذات المتصوفة· لكن هذا قد لا ينصف جمعة اللامي، إلا إذا عرفنا تاريخه داخل تاريخ القصة العراقية والحياة الأدبية والسياسية، وعندها يمكن أن نرى فيه تلمساً للواقع العراقي الذي تختلط فيه الحياة السياسية المحتدمة، بين نبلائها ومبدئيتها وبين الانتهازيين والمنتفعين والمحترفين· وقد يختلط حابلها بنابلها أيضاً، وعلينا أن نتبين الخيط الاسود من الخيط الأبيض في خارطة مزدحمة تستخدم فيها الالفاظ من دون حساب، وتلصق فيها الحكايات والتهم باطّراد·
Page 2
وجمعة اللامي ابن هذه الحياة، عاشها، وهو في الجيش العراقي، برتبة صغيرة، لا يتاح ما هو أعلى منها للقادمين من الجنوب العراقي، حتى وإن كان هذا القادم سليل (ألم)· الذي يجمع قدم الكوفة بألم الحياة في مدينة العمارة: فالجيش العراقي بقي حكراً متوارثاً لشرائح محدودة، كما أرادها العثمانيون ومن بعدهم نظام نوري السعيد· وكان أن جنى هذا التوزيع على العراق أشنع جناية، وأوجد نزوعاً تمييزياً سعت ثورة 14 تموز 1958 وما بعدها إلى الحد منه وإعادة الأمور إلى وضع طبيعي يصنعه أبناء الشعب الواحد بقومياته وأقلياته ودياناته· وعندما انتمى الى الحزب الشيوعي وجد فيه مظانه، وقاده المعتقد الى معتقل نقرة السلمان في الصحراء المحاذية للمملكة العربية السعودية· وهناك أخذت تجربة جمعة اللامي الأدبية تكبر وتنمو، ومعها تتعقد علاقاته مع الأحزاب والفئات، فلا فكرة مقولبة تستهويه ولا شعار واحد يكفيه، وكان أن تزاوج النزوع الإصلاحي لديه بالرؤيا التصوفية، بذلك العرفان الذي يتعالى على ما هو أرضي لكنه يبقى مشدودا اليه، فلا نكران لخليقة الا اذا جرى التنكر للخالق، وهو ما لا يرتضيه صاحب المعرفة، ولا يمكن له في ظل إيمان متسامٍ بملكوت السماوات والأرض· وستكون (ثيمة) هذا التلاقي والتوحيد أساسية في كتابات جمعة اللامي، بل يمكن أن أقول إنها هدمت الحدود القائمة بين الأجناس: فلا قصة أو رواية أو شعر أو مقالة تقوم وحدها لأن (الكتابة العابرة) هي الأخرى معادل لما يجري اليوم في العالم، عبور لا نهاية له: مع فارق واحد، ان هذا العبور مستثمر من قبل الارادة المادية، إنه استثمار الشركات عابرة القارات، أما في (الكتابة العابرة) فهو استثمار آخر، عطاؤه الايمان وحده، وهذا الايمان هو الذي ينزلق القلب اليه، وتتراءى الروح شفافة، ما بين الحياة والموت، تتعالى على أفانين الدجالين والكذابين والمحترفين، جماعة الجنرال في (مديرية الاستعلامات الوطنية) التي تحولت الى اخطبوط داخل ثلاثة اسوار، سلالة غريبة امتدادها هرطقة مسلية أول الأمر تنفرط عن (جريبان السايب) صاحب الشارب الأشقر، ذلك النهم الذي يتجول في أزقة المدينة ويعتاش عليها قبل أن يكبر اخطبوطاً يصعب النيل منه، بينما تتوالد أدواته وآلاته داخل الغرباء الذين ملأوا المدينة وصادروها في (المقامة اللامية): والمقامة الأخيرة لا علاقة لها بالمقامة الهمذانية أو الحريرية الافق حيث وجود راويها: أحمد العبد الله، الذي يكتب نصه حياً ميتاً، واعياً وحالماً، مظلوماً ومناكداً· وهي شأن المقامات بحكم اعتمادها على مؤلف معلن، يختلط بالسارد والبطل: فنحوه يتجه اثنان من جماعة السايب، (تقدم الرجلان الغريبان حيث يتمدد شبحي، فاقتلع أحدهما عينه اليمنى بسبابته، بينما استل الآخر العين اليسرى بمدية صغيرة)· وهذا الكابوس لا يريح المؤلف لأنه لا يريد أن يخسر فرصة المجاهرة بالاشياء وتسمية الأمور بمسمياتها: (فأنا لا أريد أن أخسر الفرصة الوحيدة المتاحة أمامي لأن أكشف فيها كل ما جرى لمدينتي)· سيقول له ابن السلالة الموكول بمصارعة هؤلاء الغرباء (أنت شاعر)، بمعنى أن (المادة) لا تأخذ نصيبها في الرؤية والتحليل عنده، لأن وليد الأحمد الذي يقارع المادة بالمادة يرى (ليس ثمة سوى المادة انها الاولى والاخيرة)· أما هو، المؤلف، هذا الذي تتقاطر عليه وتتنزل صحف ابراهيم، فإنه غير ذلك، إنه الاشتباك الذي تنامى منذ سجن نقرة السلمان وسكنه، إنه الوعي بفداحة الرؤية المادية وحدها: (كان وليد الأحمد يقول لي: المساواة تعني عودة البشرية الى عذريتها الاولى، هذا هو طريقنا الجديد· فأقول وأنا أنظر في القرآن الكريم، كما قال أبوك، هذا لا يحدث إلا في الجنة)·
Page 3
ولا غرو أن ينزعج الجنرال من صحف ابراهيم، وتحديداً من قصيدة (صحيفة العزلة): فالجنرال هو احتراف مادي بامتياز، هو جريبان السايب الذي ينمو في السلطة فيكون هو السلطة التي ليس لها حدّ والتي تحاسب المدوّن والمخطوط والقائم في الذهن وفي الحلم·
وهذه (ثيمة) أخرى ستكون رفيقة جمعة اللامي في حياته القصصية: فالقاص الذي أكلته الصحافة بعد حين يقع أدبياً بين نزعات الغوص النفسي لجماعة الخمسينات، كفؤاد التكرلي وعبد الملك نوري، وبينهم وبين الواقعيين الاجتماعيين من جماعة عيسى مهدي الصقر وغائب طعمة فرمان وشاكر خصباك، إنه بشكل آخر محايث لهؤلاء وبعيد عنهم، لكنه ليس ستينياً، بمعنى الخروج من الشخوص الى اللغة، ومن المجتمع الى فعله الكلي داخل اللغة والأشخاص، كما هو الآخر عند موسى كريدي وعبد الستار ناصر وعبد الرحمن الربيعي وأحمد خلف·
كما أنه يختلف عن جماعة كركوك، أولئك الذين وجدوا في (المعادلات) غير البشرية إفصاحاً عن الغرائز البشرية· يمكن أن نقول جاء جمعة اللامي الى القصة بعدة الغريب الذي تصوف فاشتاق الى الرؤيا: وكان أن انفرطت عقود الكلمات لديه وتبعثرت، وكان عليه أن يلتقي القطب وإلا ضاعت الرؤيا· وما بين جذل السكر فاصل ونشوة السكران، وغناء التصوف، التقى عزيز السيد جاسم في بغداد عندما حط الاخير فيها على مضض في 1969 بناءً على وفاق بينه وبين خلوق الملاّ (أي عبد الخالق السامرائي) في (الثلاثية الاولى) التي نشرها جمعة اللامي في الأديب المعاصر مطمورة التسميات سنة 1978، وأعاد نشرها في نيقوسيا (بابل برس 1985)، وأعاد نشرها منقحة الى ما هي عليه اصلاً سنة 2000 (أبو ظبي)· ولم يتردد جمعة اللامي في استعراض لقطة اللقاء بين الاثنين، فالملاّ عبد الخالق قال (لن تتكرر تجربة شباط)، ثم كرر على عزيز السيد جاسم (هذا وقتك)، ثم (عزيز·· ضع يدك في يدي)، ثم (ثق بي يا عزيز، هذه هي لحظتك التي كنت تبحث عنها)، بينما يرد عزيز: (أنا أثق بك، لكني أشك كثيراً بغيرك)· ينبغي أن نعلم أن اللامي ليس في معرض تقرير صحفي عما جرى حينذاك، ما بين 1969 - 1973، لكنه يريد أن يتلمس اجتماع (العفة الثورية) باليقين، وهو يقين يتأتى عند عزيز كلما تمكن (الثوري) من مجاهدة نفسه· اليقين الذي يبحث عنه الثوري لا يتأتى إلاّ فعلاً، ولا يمكن أن يبقى مأسوراً في التأملات والمناقشات والتعالي والعرفان· اجتماع الاثنين أمر لا بد منه، وهو ما لا يراه الثوريون الآخرون، أمثال خالد الأمين، وهم شخصيات حقيقية: فالأمين في الرواية يقول (ليس الماضي كله خطأ، ولكن كيف النظر الى الماضي من خلال الحاضر)· كان لا بد من رفض هؤلاء الذين تلوثوا أيضاً في عام 1963، بينما يبقى الثوري الحقيقي نادراً، ومهدداً بالانقراض ايضاً· وقتل الأمين فعلاً، وجرت تصفية غيره· وظهرت مقالة لعزيز السيد جاسم نددت بناظم كزار عنوانها (العنف الثوري لا يكون إرهاباً)· وأيده عبد الخالق السامرائي، لكن العنف والارهاب أصبحا خطاً متصاعداً يأكل المعترضين كافة، وبضمنهم عبد الخالق السامرائي، أو خلوق الملاّ، كما تسميه (الثلاثية الاولى)·
Page 4
ولكن (الثلاثية الاولى) معنية أيضاً ببناء هؤلاء الشخوص، ظهورهم في الحياة العراقية، وخفوتهم عندما تزداد الغمة وتمتلىء الدنيا جوراً: فجمعة اللامي يريد من (الثلاثية الاولى) أن تكون سيرة موضوعية، لكنها ليست السيرة المدونة بتباطؤ تاريخي يلجأ الى التسلسل، وإنما هي السيرة التي تنتفض في حلقات: فبطله تميز بعدم الخوف، بالتحدي الفائق، والشجاعة، منذ أن أطل على الدنيا، وهو يقول: (لم يعد المطر يخيفني، ولا الرعد عاد مدعاة للاختباء في المنازل، أحسست أن في جسده قوة أسطورية، وأنني أستطيع منازلة العاصفة في بؤرتها)· وتحقق ذلك، ونازل العاصفة في بؤرتها، وبقي ملازماً لأفكاره، ما بين (الماركسية) و(التصوف)· كان يدري بمصيره أيضاً، وأن أمه التي يراها متابعة له في سجونه منذ عام 1960 بدت تسجيداً لأمهات العراقيين اللواتي حملن ألمهن في فجيعة السياسة العراقية ما بين محتل غاصب وسلطة ما بعد الاستقلال التي ضاعفت من بطش المحتل وزادت عليه دهاءً وقمعاً· ولربما نجا عبد الرزاق الناصري (كريم البقال) وذهب (غريب المتروك) - أي رزاق النجار - شهيداً كما أراد عندما رأى ما رأى وتوقع ما توقع وترك بندقيته عند قدمي مدير الشرطة مستسلماً أمام الوعد الثوري الذي جاء مع تموز 1968· هؤلاء الاشخاص هم مقاطع أساسية في تاريخ مدينة الناصرية، وشعروا بالضياع بعدما غادرهم عزيز السيد جاسم الى بغداد، وأرادوا اليقين وبحثوا عنه بطرائق مختلفة· ولم يكن عزيز الموسوي، كما هو في الرواية، يطمئن الى تجريد (العفة الثورية)، فهو يراها مهددة هي الأخرى، وذاكرته تدلهم ما بين المرتجى والمؤمل، الفهم المادي للتاريخ وشطحات المتصوفة· تقول الرواية: (ان عزيز الموسوي يعرف مخابىء ذاكرته وزواغيرها، كذلك يعرف كم هي موحشة مفازات قلبه· وهو لذلك لا يطيق صبراً على أن يظل خارج حركة الفصول· إن الذاكرة ستظل ملكاً للماضي، وليس كل الماضي خاطئاً، بينما العقل والقلب يحاوران الحاضر)· إنه يجمع التصوف بالماركسية، ويبقى مأسوراً بين الاثنين ساعياً الى التأثير في الناس، تفعيل وعيهم، وإلا تبقى دنياه موحشة·
والسيرة تصبح سيرة الباحثين عن يقين، من دون رتوش، فالمتصوفة والثوريون الأنقياء والطاهرون لا يريدون صكوك الغفران والرضا من أحد، ولا يتبارون في محافل العلاقات العامة بحثاً عنها، وهم لذلك بدون شبكة انتشار، لا يريدون علواً في الأرض، ولهذا يصعب العرض لهم سيرةً· وبمثل هذه المهمة، مهمة اصطفاء الطاهر المظلوم لا بد لجمعة اللامي أن يخلط شجنه بالكلمات التي ينمو داخلها عزيز الموسوي· فالثلاثية الأولى هي قطب الرحى وقطب السرور، هي الألم، ولكنها المنتهى، ألم يبق الحسين الشهيد في الذاكرة برغم المنابر التي وظفت لشتمه ولشتم آل البيت؟ ألم ينته خصومه بعد أجيال وأجيال وذاكرته وذكراه هي الباقية؟ لهذا تكتسب كلمات أبي مخنف طراوة لم يخنقها التاريخ كعبرات الثكالى وصرخات الرباب· وهكذا لم يختف عزيز السيد جاسم من كتابات جمعة اللامي: بقي القطب، السيد، الشهيد، صاحب الحق والفكر الثاقب·
Page 5
وجمعة اللامي روائياً وقاصاً لا يوارب: ولأنه كذلك لزم عليه أن يستعيد للكلمات حياءها الحسيني، بهاءها الرسولي، وصرختها المكتومة· إنه يطلقها من إسارها، فتكون قصصه مقطوعات لا تبتغي الاستكمال النهائي، وهي أشبه ما تكون بالدوائر والحلقات، فيها استبطان الجيل الاسبق وتوتر مجايليه، لكنه المتصوف بينهم بامتياز، ولربما يريد لهذا النفس أن يشتبك بالطهارة الثورية، كماهو أمر الحسين بن منصور الحلاج، لكن عليه أن يسبغ على نقطة ما توتراً مناكداً أوسع وأكبر· فـ (من قتل حكمة الشامي) تعتمد تعدد الأصوات لكن هذه الأصوات تحتضر بين وتدين، أهما سري نبوئي والآخر صوت ونسة، (النموذج الأفضل لنا) و (النتاج الفاضح لسلوكنا العقلي) إنها القصة التي تتمسرح على أرض القرية، ويظهر فيها الشحاذ حاملاً لرؤيا المخبولين والعرافين، لكنه ليس من شحاذي (المقامة اللامية) التي مرّ ذكرها، أولئك الذين يملأون الشوارع أيام الأزمات بأمر من المديرية المعنية·
إن شحاذي القصص القصيرة هم وجوه المؤلف الجوّاب، شأن شعراء الخمسينات الذين تبدت لهم بوضوح خسارة الحلم القومي: فلا رسالة في الأفق، والجنرالات ينحرون الديمقراطية أمام مرأى أصحاب الإيديولوجيات· وقصة (اهتمامات عراقية) هي واحدة من هذه: فالمؤلف كالشاعر الفريد وصل الى القناعة ذاتها، ووجد نفسه مأخوذاً بالمأثور الحسيني· لكن جمعة اللامي وهو يكتبها في سجن نقرة السلمان 1965 لم يعد مقتنعاً باصطناع عوالم القصة، فعلى القاص أن يظهر كما هو· يقول: (الحكاية وما فيها أن السيد المؤلف يريد أن يكتب قصة· كان متأزماً ولم يسكر البارحة كما تعود· ذهب قبل أيام الى النجف وفي ذهنه بعض صور الموت والفجيعة· وردد أمام أمه أنه أصبح الآن مسيطراً على وعيه· كان يفكر باستشهاد الحسين منذ صغره)·
القاص لا يبتغي اصطناع واقع آخر، فها هو أمام حقيقة نفسه والكتابة· وما الجمع بين المتناقضات إلا ميزة عراقية، لا يسميها ازدواجية عراقية كما يراها العلامة الراحل علي الوردي، وإنما -كما يراها القطب عزيز السيد جاسم- خلاصة موروث، شخصية تحمل معها عمقها التاريخي ونكدها اليومي، ويصعب تسطيحها من قبل الإيديولوجيين والساسة، هكذا كتب في مقالة ناقش فيها علي الوردي سنة 1964 (مجلة الاقلام/وجريدة الثورة العربية)·
Page 6
ولهذا سيموت من يموت في هذه المجموعة كلما أرادت السلطة، ولتكن مجلس العلماء في قصة كيف اغتيل جمال الدين ابو يسار أن تفرض رأياً قاطعاً على الناس· فأبو يسار شاهد على جرائم المدن الآثمة، ولأنه كذلك لا بد من أن ينتهي: لأن (ديرة حلم العمر) كالمدينة الفاضلة حلم لا يحققه الساسة· ولتنقيط هذه اللحظة، لحظة رؤية الاشياء كما هي، يستعين جمعة اللامي بالمعادلات الموضوعية، والتي استخدمها تجاوزاً، فهو ليس معنياً بوضع تجسيد ما لانفعال عابر أو طاقة شعورية ما، وإنما هو بإزاء حالة: فالجواد الطريد ذو الغرة البيضاء هو الرمز للأمل والحياة البهية، وبموته تنتهي مدينة اليشن لتقبع في الرذيلة، لكنها ليست الرذيلة بمفهومها الاجتماعي: فسليمة البغي لم يلامسها رجل، لكنها عرفت كذلك تجاوزاً· فالمدن الآثمة تسبغ مسمياتها كما تشاء، لا كما يشاء الله عزّ وجلّ، ويمكن لهذه التداعيات، والغرائز والانفعالات، أن تأخذ (مظهريات) الكتابة عند محمد خضير: إذ تتماهى المرأة بفعل ما داخل الصورة· وبينما ترتقي الأنثى في (الليل في غرفة الآنسة م) الى الرسم وتشتبك معه وتستمد فعلها الجنسي من وحيه، تتحرك الصورة نحو الأنثى، وبمثل هذا الاشتباك تزول الحدود ما بين الرسم والتصوير والكتابة والغريزة، وتستعاد الكتابة طافحة بالنشوة والشهوة·
وهناك داخل هذه المجموعة قصص ذات وقع خاص· كقصة (ابراهيم العربي) التي كتبها سنة 1968، و (ساعات من زمن الآتي حكمة الشامي) والتي كتبها في سجن الحلة المركزي سنة 1968، أيضاً:
وعندما لا يظهر جمعة اللامي بصوته لديه احمد العبد الله وحكمة الشامي، وحتى سيدنا ابراهيم، ليظل من خلفهم، أو يسكن الكلمات فيهم· فالمحقق في (ساعات···) يواجه بحالة اختفاء عليه أن يبحث فيها مع والد المفقود· وقاده البحث الى بار كاردينيا على شاطىء أبي نؤاس في بغداد· وهناك قيل له إن عامل البار (هرمز) هو آخر من رآه: وقال هرمز إن المفقود حدثه عن (ماركس):
Page 7
المحقق: لا تكن سخيفاً، هل هذا اسم قريتك؟
هرمز: لا، يا سيدي·
ابو حكمة مقاطعاً: هذا هو العالم الجديد الآتي من زمن العنف·
والقصد، أن اللامي من وراء هذه الحوارات يريد أن ينبه الى التفاوتات ما بين المثقفين الذين تهيأ لهم لزوم معرفة الناس بالمسميات والايديولوجيات، وبين فعل العامة وبضمنهم المحقق الذين ليس من شأنهم الأسماء· والقصة تحتمل لوماً وتقريعاً للذات، ولذلك الانهماك التثقيفي الذي جرت عليه الأحزاب دون فعل حقيقي لنقل فعل الثقافة لا مسميات أشخاصها الى العامة·
لكن الأمر يختلف في قصة (ابراهيم العربي)، فالحانات والبارات هي مقرات المتشردين من هؤلاء المثقفين، هي محطاتهم التي يتوارثونها نكداً وصراخاً وصمتاً بعدما انعدم الفعل الثوري أو شلّ في ظل الحكومات (الثورية؟)، أي دولة ما بعد الاستقلال وانهماكاتها الشديدة في البطش بالمعارضين·
لكن ذلك لا يعني أن البارات محطات آمنة، فهذا هو ابراهيم العربي صامتاً في حانة الأندلس في حارة العرب في منطقة الأثوريين ببغداد، لكنه يؤخذ معتقلاً أيضاً· فتستغرب (ماجي العجوز) صاحبة الحانة عندما تعلم أنه في سجن نقرة السلمان:
قال شيوخ الأثوريين إن ماجي العجوز حزنت عندما علمت أن ابراهيم العربي سجين في صحراء السلمان، وقالوا إنها أنزلت صورة (الزعيم) من غرفة زينتها ووضعت مكانها نعلاً لقوادة أرمنية معروفة·
واذا كانت الحانة مكاناً أثيراً عند القاصين والشعراء العراقيين، فإنها تشكل واحدة من الأماكن عند جمعة اللامي· فمحطاته هي مدن وشوارع وقرى وبارات، لكنها لا تكتسب دورها وقيمتها الحضورية إلا من خلال أصحابها، فالشخص هو الذي يمنح المكان طاقته ويحرك امكانياته· ويمكن للمخلوقات الاخرى كالخيول أن تفعل ذلك وهي تستعيد للوديان والبوادي حركة ما، ليست مقرونة بالفعل الروائي التقليدي، أي عمل الفاعل، وإنما بطقوسه· فالمكان ضاج بالطقوس كلما تيسر من يقدح الزناد ويحقق الاشتباك ما بين الواقعي والروحاني، وما بين الحياتي والعرفاني·
والباحث عن القصة والرواية بتمارينها المعروفة في البناء والتسلسل والحبكة قد لا يجد ضالته ومنشوده في كتابات اللامي، لأنها تعطي نفسها بسهولة لمن جاءها بعدة أخرى، تجاوزية ومتسامية، لا تبحث عن حدود، وإنما تعيش في أصدائها وهي تتوزع في فضاءات الروح، كما يقول الراحل موسى كريدي عن همومه التي يتخذها عنواناً لواحدة من رواياته·
وكتابة جمعة اللامي بهذا المعنى هي بكر، لأنها لم تبن على أرض سابقة في العراق، ولا حتى في جيل ادوارد الخراط في مصر· فهي كتابة عنود تناكد نفيها لتتحرر من ربقة الانصياع للمعاني المعروفة: وهذا ديدن الهذيان، أو السكر، الذي يرتجي النشوة، لعلها تبيح المحظورات باتجاه أفق أوسع بَلَغَهُ الشهداء، وسيدهم تحديداً الحسين بن علي، وتراءى للحسين بن منصور الحلاج، وصاح به عزيز السيد جاسم (كدت أرى الله، فلماذا تحرموني من رؤيته) في سجنه سنة 1988 وهو يقدم على مسعى انتحار في غفلة من رجال الأمن الموكلين بزنزانته· وقد تحقق له ذلك من بعد·
وبقي اللامي يطالب بهذا الاختراق تجاوزاً للحجب، وكانت الكلمة طريقاً وحجاباً، تستجيب اليه مرة، وتهرب منه مرات، فكانت الكتابة جادته ومبتغاه، تعامل معها بطهارة وعفة، وانقادت اليه طيعة سلسة أيضاً·
الشارقة 2004
Page 8
نشيد جمعة اللامي
وهكذا، فاننا نشهد وما زلنا نشهد تواترا لواقعيات لا تحيد عن المرئي ، ولصيقة بخطوط التماس العيانية ، ومن المنظور الذي يرشح الايديولوجيا كنسق نظري او كأحتفال تاثيثي لأشياء الخارج لتكون الدلالة الوحيدة على سائر الدلالات ، بل وتلغي ما عداها ·
وزعمنا يذهب لا الى الغاء الرؤية الواقعية المباشرة ، وليس ، ايضا ، الى اختفاء كل منظور ايديولوجي ، ولكن الى اعتبار الكتابة القصصية ، وهي ابداع وليس نسخا ، مسافة بين الحلم والواقع ، امتداد نصي بين المرئي والخفي ، صدع بالانسان المعرض لكافة ظروف القهر واشكال الامتهان ثم الانشداه بهاجس الشجن ·
وعندئذ تنعتق القصه القصيرة من أسار الحلم الوظيفي المؤقت والقاصر وتتحول صلاة ضاجة ، وقداسا كما يتوحد لسقوط قنابل النابلم في فجرا شفافا مع سمفونية لفاجنر في مخيلة فرانسيس كوبولا السينمائية انه نشيد جمعة اللامي·
الدكتور أحمد المديني
مقتطف من دراسة موسعة نشرها الكاتب في العدد السابع/ السنه الخامسه عشرة- نيسان(ابريل)1980- مجلة الأقلام العراقية تحت عنوان:(جمعة اللامي ونشيد القصة القصيرة)
كنت في العشرين من العمر ، لن أترك أحداَيقول أنه أجمل أعمار الحياة
بول نيزان : عدن - العربية
Page 9
الثلاثية الأولى
بعض ما جرى للصديقين الحميمين
عزيز الموسوي وغريب المتروك
بين بغداد وديرة حلم العمر
Page 10
-1-
حدث هذا في الرابع عشر من تموز· في إحدى الساعات الثلاث التي تلي انتصاف النهار على وجه التحديد· ضوضأت السيارة بعد أن فرملت فجأة ثم توقفت· تنشق الركاب هواءً حاراً: رائحة الصحراء، قال عزيز الموسوي:
نادى السائق: تفضلوا وصلنا ديرة حلم العمر·
وبصق أمامه مباشرة، وكانت الصحراء تتشكل، أمام عزيز الموسوي، بحراً، بحراً ساكتاً صلداً، لم يحدث فيه هدير السيارة سوى حركة تلاشت في الحال·
أخذ الركاب يترجلون من السيارة، كانوا يحملون زنابيل ملئت بالخضار، وسلالاً خيطت على فصوص تمر، وتعالت قوقأة دجاج تدلت رقابها الملساء ذات اللون الأحمر، من بين أصابع بعض النسوة، واختلطت بصيحات ندب ولطم وعويل، تصدر عن نسوة رافقن رجلاً ملثماً بكوفية مرعز، وكان آخر ممدداً داخل تابوت، وضع فوق سطح السيارة، بينما كان ستة رجال يجرون خلفهم خرافاً صبغت الحناء مؤخراتها·
أخيراً، هي ذي ديرة حلم العمر، افتكر عزيز الموسوي، وتدافع مع زحمة رجال تكوموا جنوب السيارة يتلقفون التابوت الذي كان ينزلق نحوهم من الأعلى· تكاثرت الأيدي حول التابوت، كان الجميع يتنفسون هواء مشبعاً برمل أحمر· حاول ملامسة التابوت ورفعه مع تلك الأيدي والأكتاف، ولكنه وجد جسده خارج الزحمة، يلهث·
كيف حدث هذا··؟ تبين لعزيز الموسوي، بعد هنيهة، أن كراديس من الرجال والفتيان تدافعوا على التابوت صائحين: الله أكبر، لك العقبى يا فاعل الخير· حتى إنه شاهد التابوت ينزلق بتموج، كقارب ورقي في جدول صغير منحدر، فوق أكتاف المشيعين·
إنه عزيز الموسوي، إزاء الموت الآن·
وتحولت ذاكرته إلى منقع للعذاب، ذلك العذاب الذي ما افترق عنه وقال لنفسه: أما يزال غريب المتروك مقمطاً بتاريخه؟ ولم يكن على استعداد لينسى كل شيء· لقد تراكضت الأحداث في ذاكرته، وتداخلت الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات أمام عينيه، وأحس أنه يتنفس هواء يتقدم من أمكنة بعيدة، ويسمع هدير آلة الرونيو المخفية بعناية تحت الأرض، في الكهوف الجبلية، في عرائش البساتين، أو في بيوت التنك· تك·· تك· كان يحب صوت الرونيو ويجلس إليها مترقباً صدور الورقة الأولى، وبعد أن ينظر إليها بعينين أتعبهما السهر والجو الشبيه بالظلام، يتصور أنه يمسك بين كفيه رائحة رغيف الخبز الساخن، إذ تلتقطه أمه من التنور في عِزّ برد الشتاء الجنوبي، ويقربه إلى صدره·