eKtab
EN ع
الاعمال الشعرية الكاملة
Read free sample

الاعمال الشعرية الكاملة

by فوزية ابو خالد

Page 1

أتذكر نساء لابسات رشارش تبرق من أعلى نحورهن إلى ما دون أسفل السرة، تتمايل كل منهن كموجة من ذهب تتكسر على رمال الصحراء وهن يرسلن شعورهن الطويلة المائجة إلى ما تحت الورك عن اليمين وعن اليسار على صوت دفوف تنهب الأفئدة·

أذكر انقطاع الكهرباء وشح الماء وقرب ومطارات الماء وقناديل الجاز تتدلى على خواصر صبايا مصابات بمس لا يتداوين منه إلا بالقرآن وعزايم الزعفران·

أذكر من تلك المرحلة ضحكة نور أمي ممزوجة بضحكة عمتي طرفة بجمالها الفتان المتخفي بـشيلتها المنخل السوداء المضمخة بالمشاط والحناء· وأذكر طلات عمتي موضي بجلال الصلاة مثل سنبلة تلبس تاجا وبياض خالتي خيرية المستكاوي ككمثرى حيية· يجلس على حافة المساء أولئك النسوة يتساقين الحكايات والدمع والأسرار التي عبثا يحاولن أن يخبئنها عن جدتي عائشة وجدتي سارة فيفضحهن الهمس وميراث النساء من حمولة الآلام والأحلام· وربما من ذلك المير اث المتأجج كتبتُ في ذكرى ميلادي الثالث عشر قصيدة من يقاسمني إرث أمي؟ التي نشرت بديواني الأول إلى متى يختطفونك ليلة العرس؟؟؟ وكأني أبادل أمي وسواها ممن عرفت من نساء في طفولتي الأولى أنخاب الدخول إلى عالم الأنوثة··· · ·

فيما يلوح من شريط الأمس وكأنه التقط قبل ثواني بكاميرا رقمية وجه عبدالله أبي بقسماته السيفية الحادة ببشرته التمرية، بقامته الفارعة كسارية الرايات المنتصرة وصوته الرعدي الماطر وقد لوحته شمس الصحاري ومشاق أسفاره اللامنتهية وعمله وهو في الحادية عشر في رعي الإبل وتشغيل السواني مع خواله بكل ما في الحياة المنقسمة بين البداوة وبين الحضر من تركيب وبساطة ومن إئتلاف واختلاف وبكل ما ينضح عنهما من حنان وحزم أو رقة وقسوة أو تلقائية وتعقيد· فيبدو ذلك الفارس في حضوره وغيابه كحب عذري شغوف شفيف قريب بعيد لا أعرف بأي الكلمات يمكن أن أرسم تحرر روحه أو غلظة ورهافة طبعه اوكيف يمكن أن أعطي لمحة مجروحة عما تقسمناه معا في سخاء صمته وكلامه الكتوم من ملح وخبز الكتابة قبل أن أعرف أن هناك سحرا اسمه الشعر أو تهلكة اسمها الكتابة· فلأبي في كتابتي كما في حياتي ذلك الحضور الذي لم ولن يشفي غليل وجدي وعطشي من مناهله التي لم تتوقف لحظةعن التدفق بعد رحيله بأكثر من عشرين عام· كان؟؟؟؟

ولن أنسى أو أسمح بأن يُضيع تلاحق الأيام تلك الدائرة من الأطفال التي كانت تحف بسنواتي الأولى فتتشكل من أوقات اللعب معها بعض ملامح الأبجدية التي تعلمت الطيران بها بعد تلك المرحلة من طفولتي بسنوات عندما تعلمت التعلق برفيف القلم والأوراق· فهناك فوزية ومحمد أبناء صديقة أمي عواش التركي لزوجها عبدالله السليمان وهناك بنات الشلهوب فوزية ونوف وأولاد النجران/التويجري فوزية وبدرية ونورية وحميد ونوال، وأولاد جيراننا المدوح من الاحساء فوزية أيضا ونورة وحصة ونعيمة وعبدالله وعبداللطيف· وهناك فهد وموضي وخالد وسارة وسعد ونورة وهيوني/هيا أبناء عمى محمد وعمي عبدالعزيز وأبناء عماتي البندري وجهير وسارة وثاني ووسمية وأبناء وبنات خوالي وخالاتي هاشم وعبدالإله وحسن وفايقة ونوال ومها وملاك وراية وسرة وآمنة وخديجة وفوزية أيضا وأيضا وأيضا· فيبدو أن طفولتي كانت محاطة بالفوزيات وذلك الأسم الفوزي في محيط الأسرة والجيرة والمجتمع في تلك المرحلة لبنات جيلي حكاية بحد ذاتها ربما ليس مكانها هذا السياق·

وسواء كنتُ التقي بأوائل الإصدقاء في صيفيات طفولتي بين صخور الردف ورمال الحوية وشهقات الهدى والشفا وشهارو بساتين الفيصلية ووادي الوج والمثنى بالطائف أوكنت القاهم على اللعب بالرمل وعرايس القطن بباب بيتنا بالشميسي أو بيوت بعضهم في المربع وشارع الوشم والريل أو في رحلات البر بالرياض أو عند سواقي الخرج فقد كان كأن لعبنا ومشاغباتنا تدريبات أولية تسخينية للعبة الحرف التي كانت بانتظاري عندما أدركتني حرفة الكتابة فيما بعد بعيد وليس ببعيد عن ذلك التاريخ· بالظبط مثلما كانت مرحلة تخصيب لتطور وعي الطفولي بقيمة الصداقات·

لقد كانت تلك الصور العائلية أول حروف حفرت بها البوم الذاكرة الشخصية أو شريطها لتجربة الكتابة التي لا زلت أخوض غمارها كتلميذ غر تغمره الدهشة وولع الاكتشاف فلا يبالي بالعقوبات رغم ترويعها وقسوتها مما يترتب على مغامراته سواء فيما كتبته نثرا أو شعر· وليس في ذلك إيحاء ببطولة فردية أو بجرأة جمعية فنحن أفرادا ومجتمعا لانزال لم نتقن تلك الخبرات، بقدر ما فيه محاولة لقياس نسبة دم الغزلان في مياه الغدير في محاولة هروبها من قدر القنص لقدر الإنفلات في حرية الفلوات·

كانت خميرة الانتماء إلى المكان، إلى صوت المآذن ترتفع في اليوم خمس مرات إلى نداءات الباعة على بضائعهم إلى رنة فناجين القهوة المرة مبهرة بالهيل والزعفران أو بالذعة المسمار، إلى بيالات الزنجبيل والنعناع، إلى الشمس الصالية بالنهار والسماء الصافية بالليل وإلى برد المربعانية بالشتاء وسموم الهبوب بالصيف قد تمكنت مني قبل أن تلحق بي لعنة أو نعمة شلل الأطفال وترمي في دمي فيروس الأجنحة ربما كتعويض معنوي رباني عن صعوبة المشي التي بدأت أواجها قبل عمر المدرسة·

فلم تنتهي طفولتي الأولى إلا وقد دخلت طورا جديدا في العلاقة بالمكان والناس من خلال تجربة الرحيل· إذ لم يكن عاديا خاصة بالنسبة لأطفال ذلك الزمان تجريب الحنين للوطن والخروج إلى فضاءات أخرى·

فكانت رحلتي الأولى من الرياض إلى بيروت مع أهلي قبل الإلتحاق بالمدرسة بحثا عن علاج لشلل الأطفال كأنها تضرب لي موعدا مبكرا لآتي إلى تلك المدينة في رحلة ثانية كطالبة بالجامعة الأمريكية عندما كانت تلك المدينة وهي على شفا حرب ملاذا الكتاب العرب من كل مكان ومخبزا لكل كتابة جديدة· فهل كانت تفاصيل حياتي بمفاجأتها وفجائعها الغير متوقعة تأخذني من يدي لأكتب بيدي اللمسات الأولى على مستقبلي مع الكتابة؟

من قال أن الطفل يحتاج للغة ليستطيع أن يلعب مع الأطفال· في لبنان تنقلنا بين أحياء الدروز والشيعة والموارنة والسنة والأرمن والبوارته والجنوبيين والزغارته والحدشيتيه والشويرية فكانت تذوب غربتي بمجرد أن التقي أطفالا من عمري· بلبنان لعبت مع جابي وحسين ومارسيل وتريزا وإبراهيم ولوريت وعائشة وفيدا ورضا وليلى وسوسن ومحمد لعبة الإكس/ الزحفة ولعبة اللقيطة/طيري أو الحبشة ولعبة الغميضة ولم نتعب· أكلنا عروس الزيت والزعتر واللابريوش/ واطعمتهم الإقط والكليجة وحلاوة لدو ولم نختلف على المذاق·

وبقدر ماعلمتني رحلة لبنان الأولى تجربة الحنين إلى وطني بقدر مافتحت جوارحي على طاقات حب أخرى ومدت بصري لأرى العالم بعدة أطياف·

Page 2

مرحلة تجريبية

حين قامت معلمة اللغة العربية أبله نهى العبوة بالمدرسة الإبتدائية الخامسة بحي الرويس بجدة بنشر أول مقالة لي بالجريدة ولم يكن ذلك سوى أحد موضاعات التعبير التي كانت تطلب مني قراءتها في الفصل أو في الإذاعة المدرسية لم أكن أعلم أن الكتابة عن حب الوطن كما طلبت منا ستكون البداية المبكرة لانتمائي إلى فضاء بلا نهايات·

فما أن جاء الصيف وأقفلت المدرسة إلا وصرت كذلك الذي تعلق بريشة من جناح الرخ في الف ليلة وليلة فطار به إلى عوالم لم تبصرها عيونه من قبل فلما عاد لم يعد يسعه المكان المعتاد· فشاغبت وكسرت وعاندت لأعود إلى تلك العوالم التي لمحت ولم أكن أدري هل كان ذلك في أحلام الصحو او أحلام المنام لولا احتفاظي بالصحيفة التي نشرت مقالي الأول·

وحين استجبت لإلحاح أمي ومشينا على الأقدام بصحبة أخي محمد الأصغر مني (يرحمه الله)، من بيتنا بحي الرويس بجدة إلى وسط البلد بالقرب من قبر أمنا حواء لأعطي الجريدة موضوعا آخر من موضوعاتي لم أكن أعلم أنه بخطواتي الصغيرة تلك كنت أضع نفسي على بداية طريق لا رجعة عنه أومنه·

وحين فتحت لي جريدة عكاظ زاوية يومية صغيرة على صفحتها الثانية بعنوان قطرات بعد أن انتقلت من صفحة القراء كنتُ قد أوشكت الخروج من منطقة الشك بأن هذا الفضاء لي رغم مايحيق به من محدقات·

ربما أستطيع الآن بأثر رجعي كمن يفحص رماد الحرائق في محاولة تحديد شرارات الإلتماس أوكمن يقيس رطوبة التربة ليعرف سر شموخ السنابل أن أمرحل تلك الفترة الزمنية الممتدة ثلاثين عاما في تجربة الكتابة في علاقتها بمد وجزر الحالة المحلية والعربية وإن كنتُ أستبعد أنني حينها كنت على وعي واضح بها كما أراها الآن كمراحل من المخاض الاجتماعي والسياسي والثقافي الصعب·

Page 3

مرحلة أولى

كانت المرحلة الأولى محملة بمرارة هزيمة حزيران وبشعور الرفض الشبابي للواقع الذي انتج الهزيمة على المستوى العربي مع حس قومي عام يشرعن هذا الرفض بما لم يتوارى بعد من الزهو بما انجزته نضالات جيل جميلة بوحيرد في الجزائر وبتياشير صعود نجم المقاومة الفلسطينية من معركة الكرامة باغوار الأردن إلى جرأة ليلى خالد في اختطاف الطائرات للفت نظر العالم إلى قضية القضايا في المنطقة العربية وقتها وهي قضية الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي لأرض فلسطين وتشريد شعبها والبعد العربي والإسلامي الذي اتخذنه القضية خاصة بعد احتلال سيناء والجولان و سقوط القدس وغزة والضفة الغربية بعد تلك الهزيمة·

وكانت المرحلة على المستوى العالمي مرحلة لم تزل متأججة بمد حركة العصيان الطلابية بفرنسا عام 68 م وبأصداء التنظيرات الوجودية على المستوى الفلسفي وطروحات اللامعقول والعبث على المستوى الأدبي والمسرحي وبالتجريب السريالي على المستوى التشكيلي بما عكسته الترجمات العربية لأهم أعمال منتجييه حينها مثل بول سارتر وسيمون دي بوفوار وكولن ويلسن والبير كامو والبرتو مورافيا وصمويل بيكيت، وأشعار لوركا ونيرودا· و بما اختصرت به صيحة أنظر إلى الوراء بغضب للكاتب الإنجليزي جون أوزبن مجمل التعبير بالعالم الغربي عن موقف مخالعة المسلمات السابقة وسلطاتها الفكرية والاجتماعية· هذا بالإضافة إلى ماحملته الرياح الغربية من أشكال التمرد الحياتي لحركة الهيبز الشبابية باوربا وأمريكا سواء في أساليب المعيشة أو العلاقات أو الذائقة الجمالية كما انعكست في التثوير الموسيقي بما مثلت بعضه موسيقى الروك والرول والجاز وظاهرة كظاهرة البتلز·

ولم يكن الوطن العربي وقواه الشبابية بمنأي عن ذلك المد التمردي الفكري /الثقافي والاجتماعي العالمي في تداخله لاحقا مع مد التمرد السياسي الذي تمثل في هزيمة حكومة واشنطن وانتصار شعب هانوي· وقد انعكس المناخ العالمي لتلك المرحلة وخاصة في أوربا الغربية وأمريكا على تيارات الفكر والأدب بالوطن العربي· وقد أدى ذلك مع تبلور مد تيار أدب وشعر المقاومة الفلسطينية إلى خلق موجات ثقافية جديدة في الانتاج الفكري والأدبي· لم تتمثل فقط في ظهور أسماء فكرية وأدبية تطرح طرحا جديدا يشكل إضافة على التيار القكري والأدبي والشعري الحديث لما قبل حزيران 67 مثل ما أضافته أعمال غسان كنفاني وغادة السمان والطيب صالح وعبدالرحمن منيف على المستوى الأدبي العربي العام ومحمود درويش وسميح القاسم وأحمد دحبور وأمل دنقل وأمل جراح وقاسم حداد على المستوى الشعري وهشام شرابي وحليم بركات على مستوى الفكر الاجتماعي ولكنها تمثلت أيضا في بعض الأعمال الاحقة لمنتجين ضالعين مثل الأعمال المتأخرة لتوفيق الحكيم بعد عودة الروح وقبل عودة الوعي كالتعادلية، وفي أعمال لنجيب محفوظ كروايته مرمار وثرثرة فوق النيل وكظاهرة مسرح الجيب و تجارب فرج فوده و سرور نجيب ولينين الرملي المسرحية بمصر·

كما كانت المرحلة على المستوى المحلي بداية تبلور أجيالا جديدة من المتعلمين تعليما نظاميا يشمل العلوم الحديثة والتعليم الجامعي بالمملكة وخارجها بالنسبة للشباب كما كانت بداية لبزوغ نجم الأفواج الأولى من خريجات تعليم البنات والملتحقات للتو بالتلعليم الجامعي·

وقد كان حال جيل الكتاب الجدد وقتها على ساحة الثقافة المحلية موزع بين التواصل والتقاطع مع الرعيل الأول أمثال أحمد السباعي ومحمد حسن عواد وحمزة شحاته وعبداالله عبدالجبار ومحمد حسين زيدان وعزيز ضياء والآشي والانصاري وفوده وسرحان بمنطقة الحجاز والجيهمان وبن خميس وبن إدريس وسواهم بنجد وكذلك مع الرعيل اللاحق الذي كان في أوجه وقتها كعبدالله جفري ومشعل السديري ومحمد عبدالواحد وسباعي عثمان والصافي وسعد الحميدين وبين التلصص على ذلك المد العربي والعالمي واستراق السمع إليه من خرم الباب·

فبينما كانت الكتب والمؤلفات والصحف والمجلات والجرائد بمختلف تياراتها وتوجهاتها تباع على الرصيف في عاصمة مثل بيروت، كانت أمي تضطر وهي حامل أن تتحزم ببعض تلك الكتب لتلك المرحلة لتمر بها لي عبر حواجز المطارات·

على ان الاستثناء الوحيد في ذلك الحضور الذكوري كان لثريا قابل/شاعرة وفاتن شاكر/إعلامية وكاتبة وخيرية السقاف/ كاتبة ومحررة حيث كانت تحرر أول مجلة خاصة بالمرأة بما لا يقتصر على هموم الطبخ والبيت والأزياء هي مجلة هي عن مؤسسة اليمامة الصحفية·

مددت رأسي في تلك المرحلة حيث تدلت جدائلي المدرسية وتطايرت شبراتها الأورجنزا البيضاء تشاغب القراء بمحاولة طرح الأسئلة·

في تلك المرحلة كتبت بعض أسئلة عن واقع الحال ليس إلا التي لم يمر بعضها بسلام·

كان ذلك على مستوى تجربة الكتابة في الصحف أما على مستوى تجربتي الشعرية فقد كنت أكثر جرأة وطيشا حين غافلت قبل مرحلة الثانوية حراس الشكل الشعري الواحد المتمثل في الشعر العامودي الذي كان لايزاال وحده المتربع على مشهد الساحة الثقافية بالمجتمع السعودي وسرقت شعلة الشعر لانفخ فيها الشرارات الأولى لقصيدة النثر على مستوى المملكة· دون أن أعلم أي خبية من خبايا المخلوقات القارصة أدخلت يدي فيها حين طرحت في عنوان ديواني الأول ذلك السؤال الاحتجاجي والاستفهامي في آن إلى متى يختطفونك ليلة العرس؟؟؟

Page 4

مرحلة ثانية

وفي تجربتي الشخصية عندما تخرجت من مرحلة الدراسة الثانوية كنتُ قد جربت عدة أشكال من الأشكال الشائكة للكتابة· كنت قد كتبت عامودي يومي، مقالات وقراءات كتب بمجلة اليمامة، تحقيقات عن القضايا الطلابية والاجتماعية بجريدة البلاد وتحرير صفحة أسبوعية كاملة بجريدة عكاظ جذبت بشقاواتها مزيد من أسماء الشباب حيث كانت أول كتابات القاص عبدالله باخشوين وإبراهيم الفوزان بها وكنا قد بدأنا في تشكيل لغة وتساؤلات ورؤى أولية تشتق نفسها من ذلك المد العربي والعالمي الفوار خارج اسوار المملكة أكثر من ارتباطها بأساليب الكتابة السائدة في الصحف والمؤلفات حتى ذلك الحين وإن كان عبدالله مناع وعبدالله جفري والشدي والماجد والعبدالواحد والصافي والحارثي وفاتنة شاكر وخيرية السقاف لهم الفضل في إعداد المناخ لمزيد من الاجتراحات·

وأثناء دراستي بالخارج لم أتوقف عن الكتابة وإنما بدأت آخذ إتجاها ت أكثر تجريبا وحرية· فقد كانت بداية دراستي الجامعية بالجامعة الأمريكية ببيروت وكانت بيروت عاصمة الثقافة العربية والموطن والملاذ لكل تلك الأسماء الامعة التي كان التعرف عليها لفتاة لم تبلغ العشرين خارجة للساعة بملحها وأشواكها ووحشها من أجاج البحر ومفاوز الصحراء ضرب من الأحلام· فبالجامعة هشام شرابي وجهها لوجه، حليم بركات يعلم فصلي مباديء علم الاجتماع، خليل حاوي يُشرح مدام بوفاري وأزهار الشر لبودلير، إحسان عباس أحضر مع صديقتي محاضراته عن اتجاهات النقد العربي القديم والحديث· وغير بعيد عن شارع بلس الذي عليه الجامعة/ محمود درويش بالدولشفيتا أو مبنى مجلة شئون فلسطينية أو في أمسية شعرية على مسرح كلية البنات بقريطم، امسية لنزار قباني قراءة لكوليت خوري/غادة السمان بالكافيه دوبارياريس، أدونيس يتخطف أفراس الشعر بالهورس شو، قاسم حداد وعلوى الهاشمي يقرآن شعرهما برابطة طلبة البحرين بشارع عبدالعزيز، بيت الشاعرة أمل جراح وزوجها الروائي ياسين بشارع الكويت في آخر شارع الحمرا ملاذي في كنز مكتبتهم الخاصة المتكنزة بعيون الكتب، الشاعر سليم بركات بدار العودة غير بعيد عن ساحة رياض الصلح يراود الشعر في بداياته الأولى بوحش اللغة· أما مكتب العلامة حمد الجاسر ففي مبنى العزارية وسط بيروت حيث واظبت لاشهر على زيارته اسبوعيا والإرتشاف من معين غزارة علمه السخي· وعندها اخذت أغمس يدي في تجربة نوع آخر من الكتابة كانت أقرب إلى العمل الصحفي حيث أخذت اجري مقابلات صحفية مع بعض تلك الشخصيات نشر بعضها بمجلة اليمامة ومجلة إقرأ ومنها تحقيق مطول مع الشيخ حمد الجاسر نفسه·

Page 5

مرحلة ثالثة

تمثلت تلك المرحلة في بعدها الشخصي بالرحلة إلى أمريكا في بعثة دراسية لاستكمال ما قطعه اشتداد أوار الحرب اللبنانية من دراستي الجامعية· وقد كانت الدولة السعودية وقتها فتحت بابا واسعا لابتعاث الشباب السعودي للدراسة بأمريكا شمل عدد محدودا من الشابات· و مع ان تجربتي التعليمية بأمريكا لم تبتعد بي عن مصبات الكتابة إلا أنها أيضا أخذتني وجهة تجريبية جديدة حيث استغرقت في كتابة كان أجمل ما فيها أنها لم تكن للنشر فلم أكن اخضع فيها لتوجسات الرقيب التي خبر قلبي الصغير لوعاتها باكرا ولم تكن تعرضني للآلم المبرحة التي كانت تخترق صدري حين أرى في الصباح التالي كيف لعب مقص رئيس التحرير بكلماتي· كنت في تلك الفترة اتعاطى نوعين من الكتابة خارج تدريباتي البحثية· كان النوع الأول كتابة رأي حيث كنت أشارك من خلال جامعتي ومن خلال نشاطي الطلابي بمنظمة الطلبة العرب في كتابة تحليلية للواقع العربي تتوجه للشعب الأمريكي وخاصة المجتمع الطلابي كما يتوجه بعضها لنا كطلاب عرب· وإن كان بعض تلك الكتابات لم يخل من التشدد الأيدولوجي مما كان في جزء منه يأتي كردة فعل على العلاقة الفوقية من قبل الإدارة الأمريكا بقضاياالعالم العربي فقد كانت كتابتها بحد ذاته تجربة تشكل تحديا كبيرا لغويا وفكريا· أما النوع الآخر من الكتابة فكان تجربة أكثر حميمية استفزت وأرهفت حسي الشعري بكتابة قراءات تحليلية لقصائد عدد من الشعراء الأمريكين ومنهم وليم وليم وسلفيا بلاث ورستالا وروبرت فروست·

فلما تخرجت من الجامعة وعدت للوطن مطلع الثمانينات وجدت مفاجأة الأصوات الجديدة التي دخلت الساحة الثقافية والصحفية بعنفوان الشعر والنثر المجدد· كان المربد الملحق الثقافي لجريدة اليوم بالمنطقة الشرقية الذي كان طلاب جامعة البترول بعض أعمدته بعد تخرجهم مثل علي الدميني ومحمد الدميني وبمشاركة صالح العزاز وعدد آخر من شباب الشرقية ومن القادمين لها من شتى انحاء الوطن أستاذنا الكبير محمد العلي والروائي والتشكيلي المبدععبدالعزيز المشري (رحمه الله)، وجبير المليحان وسواهم· ثم كان ملحق أصوات لمجلة اليمامة وكان هناك الكتابات الجديدة بجريدة الرياض و عكاظ و جريدة الجزيرة· وتلك الملاحق وكتابات الصحف الأخرى كانت رمزا لولادة حركة كتابة جديدة متعددة سواء كانت كتابة رأي أو كتابة فكر أو كتابة صحفية أو ادبية أو شعرية· فكانت أصوات متوهجة مثل فوزية البكر ,دبيب الفوزان، حمد المرزوقي، جهير المساعد، العبدالكريم، غيداء المنفى، محمد علوان، عبدالله الصيخان، محمد جبر الحربي، خديجة العمري، سعد الدوسري، صالح الأشقر، وعبدالله بامحرز، ليلى الأحيدب هدى الدغفق أميمة الخميس، بدرية البشر، أحمد بافقيه، احمد عايل فقيه، الثبيتي، جار الله الحميد، نجوى هاشم، السريحي والغذامي والبازعي وعدد آخر منهم·

غير أن ذلك المد ما لبث أن خفت على مستوى ساحة الثقافة المحلية أو لنقل أنه تعرض لنوع من البيات الإجباري ما بعد منتصف الثمانينات الميلادية وإن كان بعض ذلك يعود لمواجهة عدد من التحديات لم تكن في جوهرها تحديات إبداعية أو فكرية بقدر ما كانت تحديات تتعلق بموازين القوى الاجتماعي بين التعددية والاحادية والتي مع الأسف لم تكن عادلة بما يكفي لتعلم ثقافة التعدد والاختلاف على اسس حضارية وبما لا يسمح بمحاكمة الإبداع والفكر بعتاد ودواعي أبعد ما تكون عن الإبداع وحرية الفكر· وإن كان ما أذكره ليس إلا تنويها بما أصاب تلك الحقبة من اشتعلات وانطفاءات وهو تنويه لا ينفي بل ربما يؤجج الحاجة البحثية لمراجعة ذلك التراجع وتأثيراته فيما بعد على ماحصدته الساحة الاجتماعية والسياسية من موجات التطرف والعنف مطلع الألفية الثالثة· إذ لا زالت أسباب ظهور ذلك المد الإبداعي والثقافي ودواعي تراجعه السريع ومراوحته فيما بعد تلح بالسؤال وتتطلب بحثا وإجاباتا تحليلية ليس مكانها هذه الشهادة الشخصية·

Page 6

محطات ليست عابرة و تحولات مفتوحة

الكتابة بين الهوية والهواية:

أذكر أو بالأحرى لن أنسى في موقف مُساءلة عصيب كنت أمر بتجربته السرية وحدي بسبب الكتابة حيث لم استطع من تاريخه إلى تواريخ تكراره بعدة أشكال أخرى تسريب أي من مراراته إلى حبر الكتابة تجنبا لكميائها الفضاحة· كان أحد أسئلة تلك المجابهة الذي لم يخل من سخرية بما يكشف هو أيضا عن طبيعة النظرة للكاتبة من قبل بعض الجهات ,سؤال : ماهي هوايتك؟

وحين أجبتُ ان هوايتي هي الطبخ· استشاط المتسائل غضبا وقال والزبد يتطاير من فمه هل تستهزئين بنا· وحين اكدتُ له بانني أدرك تماما أن الموقف ليس موقف هزل وبأنني اجيبه الإجابة التي أعرفها عن نفسي وبإمكانه التأكد من رفيقي ومرافقي· قال، بصوت نافذ الصبر إذا كانت هوايتك الطبخ فماذا عساها إذن أن تكون الكتابة بالنسبة لك·

حينها احتديتُ دون أن أريد وقلتُ له لا شك أنك ياسيدي تخلط بين الهواية والهوية· فالكتابة بالنسبة لي حياتي وليست هوايتي وإلا لما لما طلبتني لأمثل هنا ولما كنا في هذا الموقف·

هذا لم يكن مجرد التباس عارض من موظف مدرب على شأن أبعد مايكون عن الشأن الثقافي ولكنه في رأيي يشكل تمثيلا أمينا لذلك الالتباس العام في موقع الكاتبة والصحفية بالصحف المحلية سواء من قبل بعض رؤساء التحرير أو بعض الزملاء أو شريحة من القراء أو من قبل بعض الكاتبات أنفسهن· وإذا كان أحد الأبعاد الجمالية للكتابة أن تمارس كهواية وليس كاحتراف قد يطفيء وهجها بروتين الوظيفة أو المهنة فإن غي الكتابة أو كيف الكتابة أو حشيشة الكتابة إن جاز التعبير بأي منهم لا يعني ولا يجب أن يعني الخلط بين عملية الكتابة نفسها (process of writing) التي تقبل لحظة الكتابة فقط لا غير أن تمارس بروح الهواية وبين الكتابة نفسها كتعبير عن هوية وعن انتماء وعن تطلع أو تفجع وعن تقبل أو رفض وعن موقف ذاتي أو موضوعي أو كل منهم· و إذا كان من يرى أن هذا الأمر من شروط الكتابة الإبداعية وحسب فإنني من تجربتي الخاصة في الكتابة وكما ألمحت في غضون هذه الورقة أرى انه من صلب تحديات كتابة الرأي والرؤيا تحديدا نظرا لطبيعة سقفها الذي كان إلى يوم قريب يحك جماجم رؤوسنا حتى تدمى هاماتنا ونظرا لطبيعة أرضيتها التي كانت أيضا إلى وقت غير بعيد كالرمال المتحركة تغوص بنا كلما حاولنا أن نستوى، حيث أن من طبيعتها المشاعية للجميع من مختلف خلفيات المستويات المعرفية والثقافية و مختلف الارتباطات التي قد تترواح من المباديء إلى المصالح ويختلط فيها المتعاطفين بالمتربصين بالمتعطشين للمعرفة أو مجرد الفضوليين· وهذا الصعوبة التي مشينا على أشواكها من مشوار البدايات تتجلى حدتها ورؤوسها السامة حين تكون كتابة الرأي بالصحف وخاصة إذا كانت كتابة ذات موقف نقدي اجتماعي أو سياسي أو ثقافي على حد سواء·

لذا فبقدر ما كان ديواني الشعري الثاني قراءة الصمت العربي متأجج بالشعارات العروبية الحالمة والمصادمة، جاء ديوان الثالث ماء السراب بقصائده الصغيرة الحادة محاولة حارقة ومتكتمة لنبش مافي اليابسة من ماء·

الكتابة بين برزخ الماء وبرزخ النار:

من خلال انتسابي إلى عالم الكتابة العلمية كأكاديمية وانتمائي إلى عالم الكتابة الإبداعية كشاعرة أستطيع أن أقول أن تجربة كتابة النقد والتحليل السياسيي والاجتماعي بالصحف العربية عامة والمحلية خاصة هي التجربة الأشرس، ليس لاني كنت أعيش التشظي بين برزخ الماء وبرزخ النار وهوة الرمل المنصوبة بينهما ولكن لسبب آخر لا يقل تركيبا وهو أن كل من عالم الكتابة العلمية وعالم الكتابة الإبداعية يتمتع بفسحة أوسع من الاستقلال النسبي تسمح له أو على الأقل تتيح له مراوغة أو الإفلات من الشرط الاجتماعي الخناق في المحاسبة والملاحقة إن لم يكن المصادرة الذي تتعرض له كتابة الرأي والرؤيا خاصة عندما تمر هذه الكتابة عبر صحفا يومية تخضع للرقيب الاجتماعي وربما الذاتي بقدر أن لم يكن أكثر من خضوعها للرقيب السياسي والإعلامي· يضاف إلى ذلك أنه بينما تحظى الكتابة العلمية والكتابة الإبداعية في العموم بقاريء متعاطف نظرا لما تعارف عليه من نخبوية دائرتهما خاصة في مجتمعات كمجتمعتنا ,فإن كتابة الرأي والرؤي المعروضة في الصحف تكون كما أشرت في متناول الجميع· وهذه أحد ميزاتها ومأزقها في نفس الوقت بما لديها من ذلك الطيف العريض من الأصدقاء والأعداء معا، حيث مواقعهم نفسها ليست ثابتة بقدر ما تتمكن ملكة الكتابة من اثارة الأسئلة والتأثير في المواقف معها أو ضدها·

Page 7

أن تجربتي في كتابة الرأي النقدي في صحفنا المحلية على وجه التحديد كانت تجربة مفخخة بالتحديات مخفورة بخوف الكبوات التي رغم جموح أحصنة الكتابة أو ربما بسببها فإنه لن يكون شرف يدعى ولا تهمة تدفع القول بأن موكب المسيرة الطويلة قد طرزت الركب بالكثير من جروحها· ولو أن الجرأة واتتني لأكشف عن ساقي كما فعلت بلقيس فقد تروعني وتروعكم الندبات الطازجة والنزف الفوار لتلك الجروح· وربما تكون تلك الحركة المكوكية الصاعدة الهابطة من التعثر والنهوض هي بعض ما يجعل حبالنا الشوكية بعد فترة من الكتابة عصية على الكسر بقدر ما هي عصية على العصر أوالعقف·

ريش الكتابة في رياح التحديات:

حين كنت في طريقي إلى معرض الكتاب الدولي الذي عقد على أرض المعارض شمال الرياض هذا العام لأوقع لأول مرة كتاب من كتبي الشعرية على أرض وطني· كان مكر الذاكرة يستعرض لي موكبا حافلا بالمحطات التي لم تخلو من انكسارات فتفز بالمقابل تلك الانتصارات اليومية الصغيرة التي كان تراكمها التاريخي والشخصي يكيد لسلطة الجاذبية الأرضية بريش الكتابة لنشرئب من جديد إلى مشاوير مجازفة وطرقات غير آهلة إلا بأشواق الكشوف·

فيلوح الفضاء الإلكتروني وفضاءات متخيلة أخرى تدعوني لاستكناه مغاليق غامضة او مسكوت عنها أو لا زالات غفل لتزين لي مسافات أبعد من الطيران·

على أنني في غمرة حماسي الطفولي لمحطات حرقات التجربة ومعابر حبورها الراكضة لا أعني عدم الإقرار بأنها لم تكن في الكتابة شعرا أو نثرا أوفي معاناة المعاش اليومي تمر إلا في خط تصاعدي أو هبوطي واحد· فعلى العكس من هذا الانطباع كانت التجربة تمر بعدة خطوط متواترة ومتوترة من المد والجزر من الشد والجذب وكنت خلال تلك التجربة أعيش عدة حالات في اللحظة الواحدة· كنت صبورة ومعاندة وجامحة وحالمة ومتعددة ومبدأية· وكان ذلك بعض مما تعلمته من تجربة الكتابة نفسها· فهذه بعض خصائصها التي لم أكن أفعل أكثر من محاولة التشبه بجمرها ولهبها وأوارها وسلسبيلها وسرابها·

شركائي في فتيل المشكاة :

على إن تجربتي في الكتابة لم تكن لتكون نفس التجربة لولا أن الله شرفني بالإنمتاء إلى جذور النخل وبروق الصحراء لهذه البلاد· ومن مزايا هذا الانتماء ذلك الإرث المضيء لتاريخ كفاح النساء من خديجة وعائشة وأم هانيء وسمية وفاطمة وأسماء والشفاء إلى سكينة ونفيسة و الخنساء وليلى الأخيلية وولادة وسواهن مما وصلنا ومالم يصلنا من الأسماء· كما أن تجربتي لم تكن لتكون لولا أن شد الله أزري وأزرها بعدد لا يحصى من الزميلات والزملاء والصديقات والأصدقاء لاجيال متعددة ممن اعرف وممن لم اقابل قط من شركاء شرك الكتابة من الرجال والنساء ليس فقط على المستوى المحلي بل على الامتداد العربي والعالمي· بما لا يجعلني استطيع أن أدعي بأن تجربتي في الكتابة كانت تجربتي وحدي بل تجربة عدة أجيال وعدة قارات في الجمع بين عشق الوطن وحنين الحرية·

ولا يكون حديثى عن تجربتي في الكتابة إلا ناقصا إذا لم أنوه وإن باختصار مخل عن عبدالله أبي وغسان إبني على ما بينهما من مسافة عمرية في شد خصري بحزام من ذهب الحب ووهج الرأي بما كنت ولا زلت أصلب به ظهري عندي جلوسي الطويل الممض لساعات لا تحصى لحظة الكتابة وتوتراتها وتوجسها· وكذلك طفول ابنتي التي منذ طفولتها قبلت بالكتابة كشريكة لها في وقت أمها إلى أن صارت هي نفسها شريكتي في الكتابة·

أما نور أمي تلك السيدة على مد النظر فإن كل حرف تنفسته لم يكن ليكون لولا أن سحبت هواء نقيا له من رئتها وكل كلمة كتبتها لم تكن لتكون لولا استليت زيتها من ضوء عيونها ومن مفاصل تلعة عنقها· فما ذكرته من حملها سيرا على الأقدام لمقالاتي الأولى إلى الجريدة لم يكن إلا رذاذا من بحرأحلامها وإيمانها وجرأتها وإصرارها على نصيب النساء من عذابات وعذوبة الكتابة كأداة خلاقة من أدوات إنعتاق الإنسان أمراة ورجل وأطفال·

د· فوزية عبدالله أبوخالد

شاعرة كاتبة واكاديمية

الرياض

قصيدة من يقاسمني إرث أمي

الغالية الشامخة الجامحة ليلى

ياصديقة الصبابات شكرا لصبرك الطويل وكان بودي أن أضمن شهادتي مقطع من كتاباتي الأولى أو قصائدي ولكنني على سفر ولن أعود قبل يوم الأحد فأرجو المعذرة ولو سمح الوقت وأردت أرسلها بعد عودتي يسلم سلسبيل قلمك وتسلمين·

Page 8

في المؤتمرات التنكرية

أَأَخَونكَ···؟؟

يَصْهَلُ المُهرُ في صدري

يَسحبونَني من خاصرة جميلة

في عزِّ الظهيرةِ

والديوكُ تصيْحُ

والأطفالُ يلعبونَ في ساحات البيوتِ

وعلى الحواري المتربة

أأخونكَ··؟؟

يَسحبُونَني من خاصرة جميلة

والثيرانُ تَحْرثُ الأرضَ

والآباءُ يُمارِسونَ القمع على النساء والسائمة

أأخونكَ··؟؟

أَأذهبُ مَعهم، والضَّحى نار تستعر

في شعر جميلة··

بينما بنت السلطان تُسرح ضفائرها الماشطة

أأخونكَ··؟؟

المُهْرُ يَصَهلُ في صدرِي

وجَلاَّدُ يروض الخيل للجولة القادمةِ

أأخونكَ··؟؟

تُبَعثِرنُي خَلاخِلُ حَجْلِ صَبيِّةٍ

تُقادُ إلى

سوقِ النخاسةِ

وهديل حمامة

تذبح على غير قبلة

أأخونكَ··؟؟

تُرافِعُ سيمون دوبوفوار

عن من لم يولدن نساء

ونساء لا يعرفن إلا أنهن نساء

يسقن طوعاً وكرهاً إلى

المقصلة

والصِّبيانُ في طولِ السيف

يشاركون بحماس في المؤتمرات التنكرية

أأخونكَ··؟؟

لا أعبأ

أن تسامحني أولا تسامحني

غير أن لا دم أزرق يجري في عروقي

والطفل بالطبع لا تريده أن يشبهني

أأخونكَ··؟؟

أقطع لسانك بأساني

وأتقيء تقززا

فمن يبيع الوهم في الحارة

تجرحه الجوارح وتعافه الحرائر

أأخونكَ··؟؟

طِفلُكَ في أحشائي

والقوم يجتمعون على قصعة المؤتمرات التنكرية

يلوكون كلام الكبار وكأنه كلامهم·

أأخونكَ··؟؟

وجع الطلق يعبث بظهري

لا يسعفني أن أوقع اسمي على البيانات المعدة مسبقاً·

أأخونكَ··؟؟

الأطفال يلعبون بالكبريت

والأقزام يلعبون بالأوطان

والجميلة تبتسم وفي فمها سم التفاحة

وتلك البلاد يتخاصم على جمالها الخلاب التاجر واللص والسمسار

ولا من خلاص إلا حرائق الصغار·

Page 9

الكتابة بالوشم

رسالةٌ أخرى أيتها البنتُ الرضيةُ:

ما زلتُ أحترفُ غزلَ الشمس لشبابيككِ

أصابعي ما زالتْ مفاتيحَ أسئلةِ الصغارِ

التي لا ينالُها العمرُ

أصابعي ما تزالُ بعافيةٍ

لأن حرابَ رجالِ قبيلتكِ لا تمضي

في أبوابِ مدائنِ انبهارِ الصغارِ··

ولأن هذه المدائنَ لم تعرفِ الأسوارَ والأبوابَ يوماً

لو نالتني حِدةُ عينيكِ

لو أن أظافركِ هي التي نَهشتَني

لتغيرَ مجرى نزفي ولم تريْ وجهَ حروفي أبداً··

لكنكِ سلطتِ أسنةَ رماحِ قبيلتكِ

وربما لم تعرفي أن مضاءَها مضِ من زمنٍ

تحاورنَا بصمتٍ طويلاً،

لو أنك تركتِ بحّة صوتكِ وحدها تحدَّتني

لكنتُ الآنَ شهيداً

لا تُحصينَ شظاياهُ··

لكنكِ تكلمتِ بصوتِ شيخِ القبيلةِ

وتركتهِ يحكمُ على كلينا·

أنتِ ترفضينني

ما كانَ يُضيرُني أن أتحولَ إلى طائرٍ جريحٍ··

لكن القبيلة تسكنكِ،

تأمركِ،

تَئِدُ سمواتِكِ وتُنزلُ أحكامَها بكِ·

فهذا الذي أفنى دونَه

جئتكِ في وضحِ جرحكِ

لم أكنْ أتوقعُ أبداً

ألا أجدَ إلا أطلالَ حبيبٍ

لم تستطيعي اللَّحاقَ به

أو الانعتاقَ منه·

لم أكنْ أظنُّ أن فتاةَ العشرين َ

عمرهُا الأزمنةُ المتخلّفةُ

تجلسُ أمامَ الخيمةِ مبرقعةً

وتمسكُ المِغزلَ ولا تغزلْ·

إذنْ

القبيلةُ ترفضنُي، لأنكَ البنتُ القَبليةُ·

وأنا الصعلوكُ مُضيِّعُ الأصلَ

القبيلةُ ترفضُني لأنكِ من ملاكِ الأرضِ البكرِ

وأنا من متشرِّدي الأرضِ المحروقةِ·

القبيلةُ ترفضُني

لأنني مُجردُ إنسانٍ دَنفٍ·

القبيلةُ ترفضُني

لأنني أملِكُ مملكةً مواليةً لك من الخفقِ،

لكني لا أمِلكُ لمهركِ قطيعاً من السائمةِ والسَّبايا

القبيلةُ ترفضُني لأن·· و·· لأن· و·· لأن·

حدثْتِني عن القبيلةِ يا بنتَ الرضى والمقسوم،

حدثْتني عن قراراتِها الأبويةِ الطيبةِ

حدثتني عن أبناءِ الشجرةِ الشائخةِ،

حدثتني عن ثوبكِ القصبِ الباهظِ

وقلائِدكِ الذهبيةِ الثمينةِ

ولكنكِ ألغيتِ نفسكِ·

الوشمُ الذي يفترشُ دمكِ ولحمكِ وعواطفك ِ

ماذا أبقى منكِ؟

أنتِ أينَ في كلِّ هذا الممتلكاتِ الفانيةِ؟

أين أنتِ في عباءةِ الليلِ ورابعةِ النهارِ ؟

أيتها البنتُ الرضيةُ

تئدينَ نفسكِ إذا قلتِ إنك راضيةٌ قانعةٌ

بالقدرِ الذي وَشَمتهُ القبيلةُ على جبينكٍ وجلدكِ··

إذا كانتْ طبولُ القبيلةِ

ونباحُ كلابِها تصمُّ أذنيكِ

عن خرير جرحكِ

فهذا لا يعني أنكِ لستِ جريحةً

ولا يشيرُ إلى شفقةِ المعولِ في أنسجتكِ·

إذا كنتِ ما تزالينَ حبيسةَ خيمتكِ

فهذا لا ينكرُ وجودَ فضاءٍ في المكانِ

أيتها البنتُ الرضيةُ

إذا كنتِ ترفضينني فقولي:

لاااااااااااااااااا

بملءِ إرادتكِ وحنجرتكِ

وستنحلُّ حبالُ الحلمِ الجميلِ

التي حاولتُ أن أمدَّها

إلى وحدتكِ ووجدكْ

Page 10

كيف يغيبُ الغياب

كُنتُ قبلَ أنْ تَأْتي

شَرقيِّةً كَكُلِّ الشَّرقِيَّاتِ

آكُلُ البَقْلَ في أَوقاتِ الفراغِ

أُخبِّىءُ كُلَّ ليلةٍ تَحتَ الوِسادةِ عَشْرةَ صِبيانٍ وبَناتٍ

وَأَرْقُبُ قِطَطَ السَّطحِ بِغيْرَةٍ وَشَبَقٍ

وعندَما أتيتَ

تَغيَّرتْ خَارِطَتي النَّفسيَّةُ

نَسَفْتَ جُذورَ بَقليَّ

أَسبحتُ مَشتَلاً لزهرةٍ وَحشيَّةٍ في وادي الجِياعِ

خرجَ الصِّبيانُ والبناتُ من تحتِ وِسادَتي

إلى الشمسِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ

تَهجَّوا حُروفَ البَوْحِ والمُواجَهةِ لأَولِ مرَّةٍ

نَسفْتَ بُرْجَ مُراقَبَتي القِطَطَيِّةِ

وَعرفْتُ أنَّ في الطَّبيعةِ أَبراجاً

ونَيازِكَ وعَواصِفَ تُحضِرُ الغيابَ·