Page 1
ميلاد نسر
النَّسر في أوراس أفرخَ
أفرخ النَّسر الجريح
سبعٌ من السنوات عاناها
فأعطى كلَّ ثانيةٍ مسيح
بالنَّار تنتف ريشَهُ··
تفري براءةَ حسِّهِ··
تمحو ملامحَ وجهه العربيِّ
ريحٌ·· أيُّ ريح!
***
سبعٌ من السنواتِ والتنُّور في أوراسَ فائر
فكأنّ بركاناً
تميد الأرض من لهثاته الغضبى
يفتِّقُ جرحَه الناريَّ في ليلِ الجزائر
والريح تعوِل في المزارع والسهوبِ
كأنَّ آلافَ الجيادِ
فقدت أعنَّتَها، فوارسَها وهامت دون زاجر
سبعٌ···
وأمطارُ الجحيمِ عن المدائنِ والبراري
Page 2
لم تنقطعْ يوماً
ولم تُرضعْ بها الأرضُ البتولُ
سوى الضحايا من ثمارِ!
سبعٌ··· دروبُ الفجرِ تعرفها وأدغالُ السهاد
سبعٌ شداد
والنَّسرُ يحضنُ حلمَه فوق الذرى
ويقيه غائلةَ الفساد
فالنَّسرُ أدرى كيف يقتحم العواصفَ كلُّ ثائر
***
ولأنَّ ضيعتَنا تعيشُ بلا نسور
ولأننا فيها، بإدمانِ، نعيشُ على القشور
اليأسُ شرَّشَ في جوانحِنا
فأنهارُ المداد
تجري بلا جدوى، بلا جدوى
كما نُثِرت بذور
فوق الصخور!
وعلى الذرى السمراءِ
كان النّسرُ يحيا كلَّ أوجاعِ المخاض
لكنّه لم يشكُ، لم يتعبْ
ولم ييأسْ·· وقطعانُ الجراد
Page 3
تسطو على خيراتهِ
وتقصُّ عن جنَّاتِه الفيحاءِ أجنحةَ الرحيل
كالليلِ قطعانُ الجراد
كزوابعٍ سودٍ تسدُّ الشمسَ
تتركُ ما تصادفُه رماد
وتشلُّ في هيجانها الوحشيِّ أعصابَ الفصول
والبعثُ، كان البعثُ في رحم العصورِ
تملمُل الصبحِ المغلَّف بالضباب
عينَيْ جميلةَ وهي تنتزعُ الحجاب
صوتَ ابن بلَّلا في سراديبِ العذاب:
آن الحصاد
يا زارعين دماءَهم، آن الحصاد
فالحنطةُ السمراءُ أغرقتِ البلاد
وعنابرُ الزيتونِ نوَّرتِ الشعاب·
***
النّسرُ في أوراسَ أفرخَ
أفرخ النّسرُ الحبيب
Page 4
وهناك في قمم الجنوب
وعلى جبينِ (الأخضر) العربيِّ: أوراسِ الجنوب
للثَأرِ يولد من حديد
نسرٌ جديد
في صمته بأسُ الضّحايا دون مفتاحِ القناةِ
في عينه زخَّاتُ نور
وبصدره غَدْقٌ من النارِ التي
أعطت (أبا ذرٍّ) أعاصيرَ الحياةِ
فإلى متى؟
حتى متى بلدي تظل بلا نسور؟!
1962
Page 5
النَّهْرُ وَالْحَطَب
أراكِ تسلسلين الدفءَ والبسماتِ
في أغوار أغواري
فما أدراكِ أنَّ الشّمسَ لا تصحو على داري؟
وأنَّ كرومَنا شبَّت وشاخت دون إثمارِ؟
وأنَّ شتاءَنا قاسٍ وضيعتُنا بلا نارِ؟
أراكِ، أُحسُّ في دمكِ الفتيِّ هزيجَ تيّارِ
وأقرأُ في سَمَا عينيكِ، خلفَ سَمَاهما
ميعادَ أمطاري
فكيف طفرتِ للنَّهرِ الذي فاضت عطاياهُ
على الدنيا؟
وقطعانُ اللِّحى السوداءِ ترصد خدرَك الغافي
بلا ضوءٍ، بلا رؤيا!
ومن أنباك عن جرحي وعن ثاري؟
ترى حملت إليك الريحُ أفكاري؟!
***
كنايٍ غارقٍ في وحشةِ الغابِ
Page 6
كقبَّرةٍ بلا وطنِ
غريباً كنتُ في أهلي وأحبابي
بلا جذرٍ، بلا ثمرٍ، تغوصُ عرائشي في تربةِ الزمنِ
وألفُ غمامةٍ موبوءةٍ أدهى من الكفنِ
تسدُّ عليَّ، خشيةَ أن أضيفَ الشمسَ، أبوابي
توطِّد رجسَها لبناتِ محرابي
وتسبك من جماجم إخوتي الأحرارِ أكوابي
وتمزج بالصديدِ عصيرَ أعنابي···
ومرَّ خيالُكِ البدويُّ في وسني
فأحرقه، وكاد يبيح إحراقي
وأترع باللّهيب الغضِّ أعراقي
لكِ البشرى
أتُعجَن بالسنا الودريِّ آفاقي؟!
***
حياتي لم تعد درباً بلا هدفِ
ومائدةً من الخزفِ
عليها ينتشي، طيَّ الظلامِ، طحالبُ المدنِ
وتحت الشمس تقبع دون حلم، دونما شجنِ
فيا لهفي··
Page 7
أأنسى كم تقاسي قريتي السمحاءُ من شظفِ
وكم قاست من المحنِ؟!
أأنساها؟
أأنسى صيفَها وندى عشاياها؟
وموتَ الغولِ في مجرى حكاياها؟
أأنساها؟
وأنتِ صليبُها المغروسُ في دمعي وفي شَرَفي!
***
تموج حروفُك الخضراءُ في بيداءِ إحساسي
بحيراتٍ من الحنطة
ويغمر روحيَ المحرومَ عيدٌ سرمد الغبطة
أريقُ ظلالَه ريَّا على الناسِ
لتنفضَ أمتي عنها بقايا نيرِها القاسي
***
ديوكُ الصبحِ صاحت ملءَ أسحاري
وأجراسُ العطاءِ الغمرِ دقَّت عرسَ نوَّار
رياحٌ من دمِ الحرَّيةِ العزلاءِِ
هزّت صمَّ أسواري
رؤىً تنثالُ من ساحاتِ ذي قارِ
Page 8
خيولٌ تعبرُ الصَحراءَ في عنفٍ وإصرارِ
فوارسُها كما يتنفَّس البركانُ
في غابٍ من العتمة
رعاةُ الأمس، معجزةٌ··
مزيجٌ من حصادِ الشَّمسِ والبطحاءِ والغيمة
تخلَّوا عن مواشيهم بلا ندمِ
وراحوا ينهبون شعابَ مسراهم إلى (الغارِ)
ليبنوا، من جديدٍ، في ثباتِ الأنبياء
رسالةَ الأمَّة
وكلٌّ قد أعدّ صليبَه من دوحةِ الإيمانِ والألمِ
***
مواكبنا معاً، يا أنت، فوق مدارجِ الشهبِ
وفي نظراتنا نارٌ وفي همساتنا رعدُ
وحبِّكِ لن يعوقَ النّهرَ عن جريانِه سدُّ
فكيف به من الأعشابِ والحطب؟!
معاً يا ثورتي نحيا، معاً نقضي
فجنتنا التي نشقى لها في هذه الأرضِ
معاً نمضي
Page 9
ورجعُ صلاتنا ينسابُ عبر مساربِ الحقبِ:
أبانا في السماواتِ
لك الملكوتُ في الماضي
لك الملكوتُ في الآتي
فخذ ما شئتَ من أياميَ القصوى
ودعْ لي هذه اللحظة
لأحياها··
لنحياها·· كما نهوى!
***
معاً نمضي ومزودنا
بأشهى ما تضم حدائق الأدبِ
على الأيام مشحونُ
ففي ثمراتِها أمضى سلاحٍ كامنِ اللهبِ
معاً والليلُ شمَّرَ عن سطوحِ بيوتِنا القُشُبِ
فقد دارت على المتخشِّبين الجوفِ طاحونُ
وإنَّ لشعبيَ الكابي،
ولو كَرِهَ الدجى، يقظة!
1962
Page 10
شَمْشُون(2)
اللَّيلُ والقَدَرُ العجوزُ وقهقهاتُ الشَّامتين
اللَّيلُ·· لا يدري
والشَّوكُ، واللَّبلابُ·· لا يدري
وبناتُ آوى في رحابِ كرومِنا
بَشِمتْ·· ولم تدرِ!
وغداً كأني بالدمِ الموَّارِ في صُلبي
وبكبرياءِ اللهِ في شعبي
تنهالُ طوفاناً من النارِ
وتعود تلك الدار عامرةً
بالغار، بالزيتون، بالحبِّ
ونعود أحراراً إلى الدارِ
فالرَّملُ صادٍ، موجعُ الأحشاءِ، للثّار
والشمس تكتم بسمةً نشوى
بأفراح الغد الزهرِ
وهناك·· خلف الصحو، في أفق الدموع
خلف ابتساماتِ الأسى الصّفرِ
ووراء هذا الأزرق العاري
أفكارنا تحبو··