Page 1
(1)
من إحدى شرفات الطابق السابع أعلى البناء، وقفت، تتأمل الشـارع الذي شقّ طريقه بين البنايات وزينته مصـابيح صـفر على مد البصر، فغدا كأفعى سوداء مبقعة بالأصفر تزحف بين مجموعة صخور متباينة الحجم واللون·كانت عيناها تستجدي أي وجود إنسـاني يكسـر حدة الوحشة التي سكنتها· تجلس على طرف طاولة خشب دائرية توسطت شرفتها وتسرح بأفكارها غربًا، تتذكر رحيلها عن أهلها نزولا عند رغبة زوجها، فقد رأى أن تحسـين المعيشة لن يكون إلا بالانتقال إلى شـرق البلاد، يومها رفعت صوتـها بوجهه رفضًا، لكنها تحت تأثير أمره الصارم الذي لا يمكنها تحديه، استسلمت وحملت طفليها إلى هذا البـلد الغريب كما كـانت تصفه لزميلاتها في المدرسة·
ترفع عينيها فيما وراء البنايات فترى الأرض في البعد رملاً أبيض أحاطته مستنقعات مائـية زرقاء، وتزيّنت مساءاته بقمر كريستالي، اختار هذا الكوكب البيضاوي الأزرق ليدور حوله· شيءٌ ما جعله يلقي بضـوئه الفضيّ على الرمل لعله يكتشف سـر هذه الجاذبية التي تركته في مسـافة قريبة منه، دون أن تتاح له الفرصة أن يقترب أكثر، لأن الأرض ببساطة تضجّ بمائها بمجرد محاولته الاقتراب، ومن أرض متوسطية ولدت هذه المدينة· تفجرت بصعوبةٍ بالغة، ورويدا ظهرت أجزاء جسـدها الصغير طريّة ومشـوهة كمولود خديج، لها رائحة أشبه بالمعقمات التي ينتجها مصنع بتروكيماويات وحيد في طرفها القريب من البحر، ومع الوقت كبرت المدينة وزادتها التفاصيل جمالاً· توسط المصنع الأحياء الجديدة دافقًا فيها حياة مختلفة كل مرة، وتناثـرت حوله بيوت صـغيرة أخذت تكـبر على رائـحة الاحتراقات الدائمة وحرارة الشمس اللاذعة التي تعسِّر النظر، تقطع الأنفاس، وتزداد صيفًا لتلهب الأجساد الصغيرة التي انتشرت كنمل في المكان·
يشدّ انتباهها اقتراب سـيارة من العمارة، تنظر إلى الأسفل وتراه يخرج منها مسـرعا· تدخل شقتها وتغلق زجاج الشرفة وراءها· ترشّ القليل من عطر الليمون في الصالة، وتنتظر· بعد دقائق تذهب خلف الباب لعلها تفاجئه بعناق يحـلّ الخلاف الصباحي بينـهما، ثم تتراجع عن الفكرة حين تتذكر ردّات فعله غير المتوقعة من قبل·
تعود للصالون، تتناول مجلة كانت مرمية على الطاولة، دافنةً عينيها بين سطورها بافتعال واضح·
Page 2
عشر دقائق مرّت ولم تسمع صوت المزلاج· تخطو عائدة نحو الشرفة كي تتأكد أن ما رأت هي سيارة زوجها· تتأملها جيدا، وتؤكد لنفسها:
- نعم هذه الزرقاء وهذا هو القط الأبيض ذاته، المتربع تحت زجاج السيارة الخلفي··!
مرّت ساعة أو يزيد قبل أن يدخل بهدوء عابرا الردهة مقابل الباب· تسمع صوت مفاتيحه وهي تلقى على الطاولة، وغترته وهي تحتك بالشماعة، وقع خطواته وهو يعبر للوصول إلى الصالة ومنها إلى حجرة النوم· يمرّ وهي جالسة تنظر إليه دون أن يتكلم فتبادره:
-أحضّر لك العشاء ؟
-لا (يرد بلامبالاة)·
- لماذا ؟
- أنا مرهق، وورائي عملٌ كثير·· سأنام (يجيب بسرعة، دون أن يلتفت إليها)·
تركض مسرعة نحوه، قبل أن يغلق الباب خلفه وتسأله بحدة:
- أين كنت طوال الوقت ؟
- عند أصحابي·
- لكنّي شاهدتك تركن سيارتك منذ ساعة وتدخل العمارة··؟!
يلتفت نحوها ويقول بغضب:
- يعني حضرتك تراقبينني؟
-لا أنا كنت قلـ·······
يقاطعها صارخًا :
- يا حقيرة أنت تراقبينني؟!
- أنا لست حقيرة· أنا···(أنت الحقير) قالت في نفسها، وهي تبتعد بجذعها نحو باب الحجرة، يهجم عليها ممسكا بخناقها وبهمس يسأل:
- أنتِ ماذا ؟
Page 3
فترد بتلعثم :
- أنا أعرف أنك كنت عندها··!
ينظر إلى عينيها - اللتين تحرك سوادهما في محجريهما بسرعة - مباشرة· ينتظر أن تنطق باسم· وبعد أن يشدّ قميصها حول رقبتها بقوة، تقول بصوت مخنوق:
كنت عند····· غي·· د·· اء·
يرفع كفه الثانية ليصفعها، وقبل إنزالها على وجهها الذي تغضن خوفًا يسمع صرخة أحمد الصغير في حجرته فتنزل يده ببطء، يترك مقدمة قميصها القطني، ثم يدير ظهره متجها إلى الحمام·
تنظر إلى رأسه المتعالي، فتلمح بؤبؤي عينيه يتحركان في محجريهما نحوها، تهلع لكنها تؤثر الوقوف مكانها لكيلا تعطيه فرصة لأن يشعر بخوفها· تستقر عيناه بالفـراغ بينـه وبين آخـر الحجرة قبل أن يغلق الباب خلفه·
ترتمي على المقعد الوحيد في غرفة نومهما، وبعينين زائغتين تقلّب بصرها في جدرانها المصفرة إثر انعكاس الأضواء المعلّقة في السقف، وعلى المفرش الملوّن فوق السرير والقطع الخشبية المتناثرة على شكل دولاب كبير فاض بثياب مبعثرة، آخـذًا مساحة الجدار المقابل له، وطاولتين وتسريحة امتلأت بمستحضرات زينة وقوارير عطر من أحجام مختلفة·
يكسر خرير الماء المنزلق على جسده حدة الهدوء الذي ملأت المكان· يصبح طنينه عاليا في أذنيها اللتين تسـدهما بكفيها في محاولة منها لمنع الصـوت من التسرب لعقلها·
تدندن بإحدى أغانيها القديمة بصوت رخيم· ترفع صوتها بالغناء· لكن خرير الماء على الرغم من هدوئه قوي كمطرقة، حاد كاحتكاك أظافر على سطح معدني، مما يدفعها للهروب مسرعة نحو الصـالة وهي تضغط أذنيها بقوة، بينما تنزلق دمعة سـاخنة باتجاه الغرفة·!
تختار أريكة قريبة من الشرفة لتسكنها، يمر الليل عليها وهي قابعة مكانها بلا حراك، يأتي النهار، يعقبه ليلٌ· تمرّ بها أزمنةٌ كثيرة وهي في مكانها ذاته!، فيما تكبر المدينة، تتسع، لتجرّ أقدام البعيدين نحو ترابها الغني بكل شيء إلا بعض خضرة تناثرت على التلال في موسم المطر الشحيح·
رائحة الغاز اشتدت قسوتها على الأنوف الحادة، والهواء يحطّ ثقيلاً مع رطوبة البحر· وفي الوقت الذي أهمل النـاس الحديث عن النار والمصانع البترولية تتفتح أحاديث جديدة، وتختفي الأزقة الخلفية لتحل محلها شوارع واسعة مسفلتة دون أطفال، سيارات تتسابق في تجاوز الإشارات المرورية صباحا وتهدأ خطـوتها عند اقتـراب المساء، بينما أسوار المنازل والبنايات تعلو في صراع نحو السماء·
Page 4
(2)
المدينة تغالب نعاسها وتغني، تستيقظ فيها الحياة صباحا، ترقص مع اندفاع السيارات رقصة آلية، بينما يغطُّ البحر خلف المباني المتراصة مثل تنين نائم·وفي العمارة التي استحال بياضها إلى رماد تحركت الشرفات مع حبل الغسيل الممتد على شرفات طوابقها السبعة، تزهر بألوان مختلفة· مازالت الشـرفة في الطابق السـادس تسـتعد للون الزهر الذي تنفضه غيداء بقوة وكأنها تنفض كل ذكرياتها الليلية معه· تعيد عصره، وبعد أن تنتهي من تعريض قماشه الحريري المخرّم لهواء الشـارع الذي بدا اليوم أكثر رشاقة، تبتسم للشارع ثم تعود داخل الشقة·
قرب باب دورة المياه ترمي سلة الملابس، وتركض نحو حجرتها مسرعة· تتعثر بالطاولة الزجاجية الملاصقة للجهة اليمنى من حجرتها· تصرخ وهي تمشي· تفرك مكان الألم على فخذها· تدفع الباب وتتجه نحو التسريحة لاهثة، تضع حمرة لامعة فوق شفتيها وبعض أحمر خدود على وجنتيها· تتذكر شيئا فتعود أدراجها باتجاه المطبخ على يسـار الممر المؤدي للخارج· تُطفأ النار عن إبريق الحليب الذي فاض على الفرن وتلـوّن بسرعة بلون بني داكن· تهرول عائدة إلى حجرتها فتسمع أمها تناديها·
- نعم يا ماما··
(ترد، وهي تحشر جزءها الأسفل بتنورة كتان ضيقة، ثم تخلع قميص النوم القصير بسرعة، تلقيه على السرير وترتدي قميصًا حريرًا) تقول:
- نعم·· أنــــــا متأخرة··!
تمشي باتجاه حجرة الأم المقابلة لحجرتها في آخر الرواق، تجدها جالسة على سجادتها تتمتم ببعض الآيـات بينما تتحرك السبحة في يدها بسرعة· تقترب من رأسها المغطى بحجاب أبيض طويل يغمر جسـدها كله، وتقبلها على رأسها ثم تمد العجوز يدها المكومة على المسـبحة فتنحني غيداء فوقها لتقبلها وتضعها على جبينها بحركة سـريعة، فتقول الأم:
- بارك الله فيك يا ابنتي، لا تنسي أن تشتري خضارًا من عند البقال أبي حسين عندما تعودين، لأنني اليوم متعبة·
Page 5
- سلامتك· ركبتك مرة أخرى ؟
تحرّك الأم رأسها موافقة ثم تقول وهي تدفعها:
- قميصك مقلوب والخير مجلوب إنشاء الله! عدليه والحقي حافلتك·
تسير نحو غرفتها بخطوات أشبه ما تكون بالقفز· ترتدي العباءة بيد وتحمل حقيبتها بيد ثانية متجهة نحو البـاب· تحشـر قدمها بصعوبة في أحد الأحذية· يهتز المفتاح في ثقبه وهي تسمع بوق حافلتها أسفل العمارة·
طرقة خافتة على الباب ثم تسمع خطوات مبتعدة، وحين تفتحه تغطّ قدمها بمادة لزجة وتلمح سواد عباءة أخرى تصعد الدرج· تحاول اللحاق بها، لكن صوت البوق يعود مرة أخرى ليسحبها للنزول في المصعد الذي انفتح أمامـها، تقفز فيه مسـرعة، وحـين يبدأ بإغلاق بوابته الحديدية تخرج منديلا مـن حقيبتها، تمسـح اللزوجة التي بدأت تجف على قدمها والحذاء، لتشـكل خضرة خفيفة مسودة عند الأطراف الأكثر جفافا··
في المصعد يلح عليها السؤال :
- من التي كسرت البيضة ؟ ولماذا ؟
كانت حافلة المستشفى قد بدأت بالتحرك حين نزلت درج المدخل· تركض نحوه، وتتمنى لو كان لديها القدرة على الصراخ أو رفع يدها بحركة تلفت نظر السائق إليها· لكنها تؤثر المشي بسرعة خفيفة حين تلاحظ أن الشارع يضج بالأعين المتطفلة·
تتوقف الحافلة فتمشي نحوها برشاقة· تجلس على أقرب كرسي من الباب· تتنفس بعمق بينما تتحرك الحافلة من جديد، تنظر من الزجاج فترى عينين واسعتين تحدقان إليها بابتسامة، ترتسم على شفتيها ابتسـامة عريضة حتى تبتعد الحافلة·
يجلس مشدوها للحظات وهو يتأمل أثر ابتسامتها الساحرة على قلبه، قلبه الذي تعب من الركض المتناهي بحثًا عن لقمة العيش التي كلما كبرت زاد اللهاث سعيا وراء بقائها·
يمسح على المقعد المجاور ويتخيل دفئه - جراء احتكاك ردفيها المكتنزين- يسري في عروقه، يعدّل مقدمة غترته في المرآة· يرفع بصره نحو مدخل العمارة، فيرى زوجته تخرج مع صغيريها بخطى مرتبكة، تفتح باب السيارة وترمي بجسدها على المقعد جواره فتتأرجح السيارة· يحرِّك المفتاح، يديره وينطلق مبتعدا·
في الجهة المقابلة من الشارع كان يوسف يقلِّد الابتسامة على وجه عبد الحكيم وهو يتوجه إلى القبو الذي يسـكنه مع أمه وإخوته وأبيه العاجز، يقـلدها وترتخي عضلاته فيتسرب من أحشائه دفء لذيـذ يشـعره ببرودة الجو حوله فيرتجف وجهه بحركة لا إرادية حين تسـأله أمه :
Page 6
- اشتريت الخبز يايوسف ؟
- نع·· نعم·· يا·· يا أم·· أمي·
يجيب وهو يحرك شفتيه بتلك الابتسامة، مما يدفع أمه التي تحمل بيدها إناء العريكة أن تضعها على الأرض وتحرك يدها أمام عينيه اللتين بدأ حول إحداهما يستقر، ثم تصرخ فيه:
- يوسـف··!، ماذا حصل لك ؟
- ش·· شف·· شفت·· الع·· عم عب عبد الح·· حك·· كي·· كيم يب·· يبت تسم كذا قب·· ل·· ش·· شو·· شوي··
- لمن يبتسم ؟
- ما·· أد·· أدري، يم·· يمكن·· ل·· لنف·· نف·· سه··!
يجلس يوسف بسرعة على الأرض ويبدأ بالتهام ما تبقى من العريكة(1)، بينما ترتب أمه الملحق الصغير الذي تعيش فيه وأبناؤها الخمسة، والمكوّن من صـالة وحمام وغرفة للنوم يعيش فيها زوجها الذي عاد من حرب أفغانستان مقطوع الرجلين، تفترسـه الوحشـة فيحاول طردها بهذيان وردات فعل غريبة بين آن وآخر·
الشمس هنا شحيحة، تمر عبر منـافذ صغيرة أعلى الجدار المبني نصفه تحت الأرض· تفتحها صـباحا للتهوية فيمر شعاعها كضوء بسيط لا ماهية له، أشبه بظل يتسلل ليزيد من قتامة المكان حين تغلق أضواء النيون الأزرق، لذا لا يفارق السـعال أبناءها ليلا· أما في النهار، وبعد عودتهم من المدرسة؛ فإنهم يقضون معظم اليوم في الشارع يلعبون أو يمسحون السيارات·
تحكم ربط العصابة الصفراء فوق المشمر أعلى رأسها، وتترك المشمر الأسود يتحرر حول ثوبها الفضفاض· تنفض نعالها البلاستيكي من بقايـا الطين وتلبسـه· تأخذ حلقة المفاتيح من المسمار المعلّق قرب الباب، تطلب من ابنها أن يهتم بالبيت لحين عودتها من عند الجارات، وتذكره بأعماله:
- يوسف·· لا تنس أن تعتني بوالدك، وتعطيه دواءه·· أنا لا أريد أي مشكلة عندما أرجع·· فاهم ؟
فيرد بهز رأسه وهو يلتهم طعامه· تصرخ فيه:
- كل بهدوء· لا تغصّ·· (فيحرك رأسه بالإيجاب)·
تتركه وتخرج إلى الممر المظلم الواقع يسار بابهم، وهناك تحت السلم حيث يقبع المقعد الخشـبي، تمدّ يـدها في الظلمة تحته وتسحب دلو الماء والممسحة ثم تعود لتطلب من يوسف أن يغسل السـطح، لكنه يرفض بإيماءة من رأسه· يلقي زبدية الطعام الفارغة على الأرض ثم يركض نحو فراشه، يختبىء تحته فيما أمه تلقي بدعواتها على رأسه دون فائدة·
Page 7
(3)
من الطابق الثاني يرتفع صوت أم فاطمة وهي تنادي أم يوسف المنهمكة في غسل التراب الذي حملته الرياح لمدة ثـلاثة أيام متواصلة عن الدرج· تضع أم يوسف عدة الغسيل في مخزن الكهرباء وتصـعد الدرجات الثلاث التي تفصلها عن باب خشبي ببرواز شقّه نصفين وخلا من الزخارف· هناك تستقبلها امرأة سـمراء ضـخمة، تحضنها ثم تدخـل خلفها عابرةً دهليزًا صغيرًا ألقي في طرفه الأيمن زقان للأحذية، بجواره نبتة صناعية في حوض بلاستيكي أبيض، ثم تعبر قوسًا كبيرًا - تدلت من قمته مسبحة معدنية في آخرها عين زرقاء مفتوحة - يفضي لصالة ذات نـوافذ زجاجية بحجم بابين؛ وقد غطيت بالكامل بستائر مخملية حمراء· تجلسها على طرف الجلسة العربية المرتفعة التي سيجت الصالة من جهات ثـلاث· تتأمل قطع القماش البيضاء التي غطت معظم الأرائـك والطـاولات· تسـحب المفرش عن الطـاولة القريبة منها· فيبدو منظر النقش الشامي على الطاولة البنية متآلفا أكثر مع نقش الحناء الأسـود الذي زيّن كفيها·تسكب القهوة في فناجين صغيرة فتعبق في المكان رائحة الهيل والقرنفل· تثني أم يوسف على قهوتها وهي تهمهم، فترد أم فاطمة بابتسامة مشرقة شقت وجهها المربع حتى قاربت طرفي عينيها البيضاوين ثم تسألها:
- أتمنى أن تساعديني في تحضير المعمول إذا لم تكوني مشغولة؟
- مشغولة!؟ أبدًا، (ترد وترشف القهوة الساخنة المتبقية في قعر الفنجان الصغير على عجل قبل أن تبرد)·
تشكرها أم فاطمة، ثم تتحدث عن ابنتها في المدرسة وكيف أن معلمتها وضعت اسمها في لوحة النجوم - وتعقب كل عبارة بدعاء لها - بينما تؤمن أم يوسف على دعـائها·
تضغط أم فاطمة أذنها وهي تقول: عساه خيرًا، لا أعرف من يتكلّم في سيرتي؟
تدّعي أم يوسف التفاعل مع أحـاديثها المكررة عن أخواتها، فيما هي مأخوذة بسؤال واحد، ترك عينيها شبه ناعستين ومتورمتين· سؤال يجول في ذهنها منذ زمن، تمامًا كما هو طنين أذن أم فاطمة، لكنه طنين عقلها الرازح تحت ضغط الحاجة، أن تكتشف مشروعًا جبّارًا يغنيها وأبناءها، وأخذ السؤال يضرب دماغها بسؤال آخر: ماذا يحتاج الناس وأستطيع أن أبيعه لهم؟ الله لو أمكنني شراء ثلاجة لأستطيع حفظ أكبر قدر ممكن من اللحم بدل أن أطبخ مرة أو مرتين، ونظل بقية الأيام في ذكرى نكهة اللحم الطيبة·!
- أتظنين أنهم مشتاقون لي لذلك أذني اليمنى تطن؟ (تسأل أم فاطمة)·
Page 8
بالكاد تتمكن أم يوسف من سحب نفسها من الأفكار التي غمرتها بظلمة خرجت منها على حبل صوتها، كأنها تخرج من بئر سحيقة·
- لو كان من يتحدث عني غيرهم لطنّت أذني اليسرى، صح؟ (تسأل أم فاطمة مجددًا)·
بعد دقائق تمشيان نحو الجهة المقابلة من الصالة حيث يتصدر المكان دولاب خشب مليء بالتحف والأواني النحاسية· تلاحظ أم يوسف الحوائط المصفرة واللوحات المذهبة المعلقة في كل مكان - تقريبا - من الجدار وقد كتبت عليها آيات قرآنية للحماية من الحسد· تصلان للمطبخ الذي كان هو الآخر متحف صغير تحيطه دواليب خشبية زُينت مقابضه بقطع من الجوخ المصنوع يدويـًا· حتى قواريـر الخـل والزيت لم تنجُ من تغطيتها بالكـامل بقماش التل الأبيض فبدت كعرائـس أو دمى·
تجلسان على طاولة دائرية، توسطتها سـلة فواكه اصطناعية وصحون مختلفة جـهزت بالدقيق، التمر، وقوالب لصنع المعمول· تخلطان المقادير بينما تستمر أم فاطمة بحديثها المكرر عن السفر الذي لن يتحقق هذا العيد:
- لماذا ؟ تسألها أم يوسف باهتمام·
- زوجي مرابط· والله يا أم يوسف لا أعرف ما الذي حصل للبلد ؟ (وتتابع) يعني، لقد كنا ننام وبابنا مفتوح··!·· أما اليوم·· (تهزّ رأسها في حركة نفي)·
- صادقة·· أصبحنا نخاف من الإرهاب· تقول أم يوسف وهي تتابع ضرب الخشبة على الصينية بقوة لتنزل منها قطعة المعمول وتقول:
- أتؤمنين بالله ؟
- لا إله إلا الله·
- بالأمس قال ولدي إسماعيل الذي يدرس في المتوسطة الموجودة في آخر الحارة: إنه انضم لجماعة ابن الوليد· شهقت ثم قلت له يا ولدي أرحنا من المشاكل· رد عليّ: هذه جماعة لحفظ القرآن·
- وبعدين···؟
- أبدًا· قلت له : يا ابني ارحمنا من المشاكل· انظر لما حصل لأبيك من وراء الجماعات··! لقد أقنعوه بضرورة الجهاد في أفغانستان ضد الكفار والنتيجة، عاد رجلاً آخر مختلفًا عن أبي يوسف الحنون المحب، عاد بقايا إنسان بلا رجلين وبلا عقل، جلس في البيت مثل خرقة بالية لا تسد ولا تنفع·
Page 9
- معك حق· خسران يا معاند بحر!، طيب وبعدين؟
- أبدًا، قلت له: وإذا على القرآن احفظوا عندي· أمام عيني· لكن هل يطيعني ؟! (كانت تتحدث وتحرك أصابعها بطريقة تمثيلية)·
- الله يهديه·
- قولي الله يغويه! (نفضت يدها بحركة لا إرادية) وتابعت:
- المهم يحميه من الجماعات التي لا أعرف من أين جاؤوا· ثم تسألها باهتمام: هل شاهدت نشرة الأخبار أمس؟
-أتقصدين التفجير الضخم في إحدى العمائر السكنية في مجمع الإسكان ؟
- يقولون إنه يشغلها مجندون أمريكيون، وقد استخدم الإرهابيون شاحنة مفخخة استطاعوا إيقافها بجوار البرج السكني المستهدف بعد اجتياز حواجز الأمن عند البوابات الخارجية، وبعد تفجيرها لاذوا بالفرار، مستخدمين سيارة أخرى كانت في انتظارهم خارج المجمع، وقد راح ضحية الانفجار الذي أتى على القسم الأكبر من البرج تسعة عشر قتيلاً أمريكيًا وإصابة ثلاثمائة وخمسين شخصًا·
- زوجي يقول إن السلطات الأمنية بادرت بشن حملة اعتقالات عشوائية واسعة·
- كفانا الله شرهم· (ترد أم يوسف) وتخبط على صدرها من هول الصدمة وهي تسأل: يعني يمكن أن يعودوا لأبي يوسف؟
- لا· مستحيل، زوجك لا يستطيع المشي حتى يشارك في التفجير·
- لكن هم لا يعلمون؟
- لا تخافي يا أم يوسف، فلهم عيون وآذان في كل مكان ويعرفون· (ترد هامسة) وتتابع بعينين جحظتا بقلق: أنا أيضًا أخاف كثيرًا يا أم يوسف وأنا أرى الشباب في الشوارع يتمردون على ذويهم، يسرقون، يحطمون السيارات، أو يعتدون على الصغار، وإن رأيت أحدهم وعلى محياه صبغة الإيمان تآكلك الخوف من كونه إرهابيًا، تقول ثم تدعو موجهة يديها جهة القبلة: الله يجيرنا من هذا الوقت·
الشجرة الاصطناعية تتحرك أوراقها مع دفعات الهواء التي تنشرها المروحة القابعة في الجهة المقابلة؛ فتهتز الكلمات الخارجة من فم أم فاطمة وهي تقول: هذا سرطان انتشر في كل مكان يا أم يوسف، ويا خوفي أن يقضي على الأخضر واليابس·
- ماذا أقول أنا إذن وعندي خمسة (تبلع ريقها) وتؤكد قائلة: خمسة يا أم فاطمة قابلون لأن يجرفهم التيار؟
Page 10
تسأل ثم تغيب بلحظة صمت، فيما عيونهما تسرح بالفراغ بينهما، وبعد لحظة تسأل أم يوسف مجددًا: إلا على ذكر السرطان هل عرفت أنّ أم عبد اللطيف خرجت أمس من المستشفى·
- والله ؟·· إذن من الضروري أن أزورها· (وبعد لحظة بدا وجهها وقد أشرق بفكرة مهمة) تسألها:
- ما رأيك في أن أعد لها الغداء؟
بعد ساعتين من الجلسة أمام الفرن ورش السكر على المعمول ووضعه في علب حديدية لحفظه، وإعداد الكبسة، تخرج أم يوسف محملة بقدر إلى الطابق الرابع·
تطرق الباب فتفتحه فتاة صغيرة ذات عينين واسعتين ووجه صغير حنطي اللون، تدلّت منه ضفيرتا شعر ناعم وطويل·
- أين أمك يا منيرة ؟ تسأل أم يوسف، فترد عليها الفتاة بلثغة بسبب انعدام أسنانها الأمامية:
- أمي نائمة· لكن جدتي مستيقظة· تفضلي· تفضلي·
تركض الصغيرة للداخل، تنادي جدتها، فتلحقها أم يوسف بخطوات سريعة بعد أن تغلق الباب بدفعة من رجلها·
- سلام يا أهل البيت· (تردد بصوت عال وتعبر دهليزًا مشابهًا للدهليز في شقة أم فاطمة، ولكنها تلاحظ شماعة عامودية ثبتت بإحكام على الجدار وتدلت منها رؤوس على شكل وردات مثنية للتعليق، أسفلها دولاب بأدراج خمسة وفوقه مزهرية زجاجية فارغة) تصل للصالة فتستقبلها عجوز ممتلئة· غطت فمها بملثم أسود أحكم شده حول رأسها وتدلى طرفه إلى تحت العجز، كاشفًا عن ثوب مزخرف، واسع من الأسفل، تقول لها بفرح باد:
- أهلاً· أهلاً يا أم يوسف حياك الله· تفضلي·
تدخل أم يوسف المطبخ لتضع القدر على طاولة قريبة من الباب· تحرك كفيها ملسوعة من حرارة القدر:
- أحح··لا كلفة ولا شيء يا خالة· ترى هذا من عند أم فاطمة·
تقترب منها· تطبع قبله على رأسها· بينما تدعو العجوز لها ولأبنائها بالبركة· تستأذن منها للخروج، لأن أبناءها على وصول· فتراها نورة وهي متوجهة نحو غرفتها، تلقي حقيبتها على الأرض، تركض نحوها قائلة بصوت مبتهج:
- خالة أم يوسف··!!
- كيف حالك حبيبتي ؟ (وتحتضنها)·