eKtab
EN ع
العبور على متن الحلم
Read free sample

العبور على متن الحلم

by محمد جعفر

Page 1

"هل أنتِ يا عبل وهمٌ..

هل أنتِ إلاّ الجنون المسافر في رمح عنترة

تضاريس وجهك

ترسم خارطة الزمن الطفل.."

Page 2

حبيب الصايغ

ليس خوفاً من الموت

بل أحياناً، أشعر ببعض العطش

وأطلب قليلا من الحياة"..

خافييه هيرو (شاعر من البيرو)

"نحن الغيابْ

لم تلدنا سماء لم يلدنا ترابْ

إننا زَبد البحر من نَهر الكلمات

صدأ في السماء وأفلاكِها صدأٌ في الحياة"

أدونيس

Page 3
مقدمة
 
ليس أصعب من أن يطلب منك شاعر صديق مقدمة لديوانه الجديد. وليس أصعب من أن تفكر في ما يمكن أن تقوله لتقديم قصائد ديوان لشاعر صديق رأى أنك أقرب إلى بوحه الشعري فآثرك على كثير ممن هم أحسن منك وأعمق تجربة في التقديم لشاعر يريد أن يجعل من القصيدة سلّم ارتقاء لجمالٍ يكاد يُرى من وراء أحرف شفافة كأنها الماء الزلال.
 
هل يأخذني بوح هذه النصوص إلى القول بأنني أخجل من حرفي وهو يحاول أن يقتحم مملكة مؤسسة مسبقا في خيال الشاعر ومن عوالمه المتعددة المجبولة على صياغة الحرف كما هو وكما يجيء من بواطن الذات المتشوقة إلى تجسير المسافة الطويلة الفاصلة بين الواقع وبين هذه العوالم الملتحفة ببواكير الكلمة المقطوفة لتوّها من شجرة الشعر الجميلة؟
 
في قصائد الشاعر محمد جعفر النثرية ما يحيل إلى الذات العميقة وهي ترفل في بهاء الكلمة وتتزين بألوان فتوحاتها المختبئة بين الأسطر وكأنها مواعيد إصغاء دافئة ضربها الشاعر للقارئ في براءة التقائه الحميمي بالحرف الصّرف الآتي من عين باردة تصدح بماء زلال.
 
ولذلك، فإنه يقطع منذ البداية الشك باليقين ويأخذ على عاتق قصائده مسئولية المجازفة بالكتابة فنيا وجماليا من أجل التأكيد على أن (الصباح الذي لا يعرفُ وجهك صباح أرمل، أحمق، أدرد) وكأنه يجعل من وجه الحبيب صورة للقارئ الأنموذجي الذي سيشي بما يمكن أن تخبئه قصائد الديوان للقراء الآخرين من رؤية هي من البراءة ما يجعلها أقرب ما تكون ترسخا في الحكمة، وهي من الانسياب ما يجعلها أبعد ما تكون إيغالا في جوف الشعر العميق. وكأن قصائد الديوان ختام لتجربة كتابية عميقة، في حين أنها فاتحة لتجربة حياتية سابقة في عمقها البريء.
Page 4

(صَدَقَ من قال/ إن الخرائب لا صوت لها/ وإن الحقيقة صامتةٌ/كلون الفجيعة)

ثمة حزن دفين نابع من تمثل تجربة ذاتية لا تدعي الإلمام بمكنونات العالم، ولا تتملق سلالم المعاني العظيمة، ولا تمتشق الصورة العميقة تعنتا واصطفافا. إنه الحزن الذي

ينبع من مكنونات التصوّر البريء للخطأ ومحاولة صياغته وفق ما تنـزّ به اللحظة من إفضاءات غاية في الانتساب إلى مملكة الشعر بغض النظر عن صفاته أو أشكاله، أو بلاغاته.

ولعل هذا ما يميز هذه المجموعة الشعرية خاصة بالنظر ما يعبُر الشعرية الجزائرية المعاصرة من نصوص متعددة ومختلفة ومتجانسة في أغلب الأحيان. إنها شعريةٌ تقترح الصفاء من ضمن ما تقترحه العديدُ من التجارب التي ما فتئت تتكدس على طاولة النقد الذي يحتار عموما في تصنيفها تصنيفا يستند إلى مرجعيات نقدية تبدو وكأنها مُتجاوزة أمام ما تقدمه هذه الشعرية من عوالم منفلتة بجرأتها التخييلية وتصوراتها البلاغية ومكنوناتها الفكرية مما لدى الناقد من أطرٍ معياريةٍ تعوّد على وضع النصوص المقترحة عليه في بيوتاتها التصنيفية الضيقة.

ولذلك، فإن نصوص محمد جعفر النثرية هذه تبدو وكأنها تريد الانتماء إلى المستقبل النقدي لا إلى الحاضر بما يشكله من رؤية إقصائية كثيرا ما أثبتت التجارب أن أحكامها كانت على خطأ في تتبعها لما يمكن أن يأخذه النص من قيمة مستقبلية تغيب عن عين الناقد المرتبطة بجماليات الحاضر المأسور داخل القيم النقدية المتداولة. ومن هنا، تبدو قراءة ديوان (العبور على متن الحلم) لسان حال مستقبل نصيّ يحتكم إلى رؤية جمالية ربما كانت مما يخبئه لنا مستقبل الشعر من جمالية بدأت تظهر عوالـمُها في النصوص الجديدة، وخاصة في ما أصبح يسمّى بـ(النص الجديد) الذي يجب أن يراعيه النقد الجديد أيما مراعاة.

إن الشاعر محمد جعفر يكاد يقول لنا بكل صدق وبكل صفاء إن الشعر ليس ما يعتقده الشاعر بالضرورة، بل إنه ما يفاجئُ الشاعر في لحظات الغفلة، حيث تسكن الذات للصمت وتترك للغة خيار التعبير عن هواجسها بلغة كأنها هيَ.

د. عبد القادر رابحي

سعيدة في: 19/08/2013

Page 5

حَبّيبـي..

الصباح الذي لا يعرفُ وجهكَ،

صباح أرمل.. أحمق، أدرد

بلا وجيب هو، ومثله مثل حالي الـمُرمد

أفتحُ كتابكَ للمرّة الألف

أقرأكَ فيه من جديد، حكايتي

وأنا على بيّنة، أنني هكذا-

أسكنُ الحقيقة واليقين.. وأنني في الدم والكبد

تَهمُني ذاكرتك،

وقد أضاعت رائِحتها بلادي

في محارق أقامها-

من يخشون الذاكرة.. ذاكرة للأمد

نَوَيتُ،

على تضاريس جسدكَ أن أُقيم صلاتي

ووسط هذه العُتمة،

أن أتبعَ نوركَ

شُعلة تُضيءُ المدى.. إلى الأبد

Page 6

كَذَبَت أنجُمِي

.. ثم، مَن غيركِ

يدري

إلاَّ أنتِ - بالمكنون

جِرابٌ

وبعضٌ من اللاشيء

وأنا..

وصمتٌ ينادي عينيك

هناك،

حيث لا أشجار ولا قِيامة..

صَدَقَ من قال

إن الخرائب لا صوت لها

وإن الحقيقة صامتةٌ

كلون الفجيعة،

وإني الحُلم الذي فَقَدَ لسانه

عندما خال نفسه تعلَّم التغريدَ

وإن العصافير كانت ميتة..

Page 7

لم يعد هنا غير الغربان السود

ونعيقها

ورقصتها

والضياع..

صدق من قال

إنّي ابن النُّواح

وإن صيحاتي لا صدى لها..

إني حَبّة قمح،

بُذِرت في أرضٍ غير ذي زرعِ

وإني ظِلٌ بلا ظهيرةٍ

وشمسٌ مطفأة..

إني مدينةٌ بلا وجهٍ

كئيبةٌ شوارعها

مهجورةٌ

هاربةٌ منها ضلوعها،

وتبحثُ لها عن حقائب..

إني حفيد المجانين الأوّلين

نسيتُ وجهي القديمَ

وجلديَّ

والذِكرى..

إني ابن الزنازن..

إني شهيد الحُب

لبستُ معطف الفاتحين

وما دريتُ أنكِ بلا سِحرٍ

بلا قلبِ..

وإنكِ كنتِ اجتهادي في اللامعنى

وإنكِ "طراودة" المأساة/الملهاة..

كَذَبَت أنجمي

وجسدي - بعدكِ - صار للعابرين

جِسرهم إلى المذبحِ..

إني قديسهم غير الـمُعرّفِ

أحرقهُ لهيب العشقِ

ولم يعد له - اليوم - من شيء

ولم تعد له - اليوم - من ذِكرى..

Page 8

ألقاكِ على وجه أمي

يا خوخاً من البرِّية جاءنِي،

من أنت؟

عابر رماهُ التِيهُ عبر دربـي،

أم تُراك بَركة السماء الأخيرة!

ها أنا أتورطُ فيكِ حباً

قدراً جاء على غفلة

حلماً لم يكن معلناً

فهل ذلك ذنبـي، أم ذنب الريح؟

لا أدري لماذا أختاركِ أنتِ

وأصرُ عليكِ أنتِ

شيءٌ فيكِ..

يستهوِيني

يُغريني

يُنشيني..

شيءٌ فيكِ ينثُرني فوقكِ غيمة

يزرعني فوق جُرحكِ المفتوح

ويُواعدني..

على الانصهار فِيك حلماً.. فَورة

Page 9

صلبٌ على العلّة فيكِ

في اللحظة التي كنتُ أفكر بكِ

كنتِ أنت تهربين للظلِّ..

أنتِ امرأة بلا رأس

ناقصة ذراع

قطعة مرمر بارد

احتار مكتشفوها

أي وجه لها يُركِبون

أنتِ حالة اغتراب

في لغة أضاعت المعاني

أستعيرك منها حرف عِلّة

سكينة جارحة

حبل وصلٍ يصلح مشنقةً

وفي انتظار شوقكِ الذي لم يصحُ.. بعد

لكِ، ولِوجهك

أن ينساني..

أمامكِ..

Page 10

أتلمسُ ما تبقى من شِفاهي

أتلمسُ حنيني إليكِ وأوجاعي

مِن هنا مررتِ ذات يوم

وتركتِ نصف ذراعٍ

وزنداً لا يحضنني

وتركتِ نبضاً لا يكتبني

ولجوءاً إليكِ ما كان ليحميني

وحُلماً لم أعد أشتهيه أو يشتهيني

لا اشتعال في دمي

يا جذوة قتلتها أوّلُ الأمطار

وبعثُكِ ما عاد يعنيني..