eKtab
EN ع
العداء الإسرائيلي للسياسة الواقعية الفلسطينية
Read free sample

العداء الإسرائيلي للسياسة الواقعية الفلسطينية

by حمادة فراعنة

Page 1

مقدمة

يتضمن هذا الإصدار الجديد من سلسلة الإصدارات المنوي نشرها تباعاً خلال هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وهو الثاني من نوعه، عدداً من المقالات المنشورة وغير المنشورة، والتي حاولت من خلالها معالجة مجموعة من القضايا التي تتصدر جدول اهتمامات المشتغلين بالعمل الوطني الفلسطيني، وتثير فيما بينهم أوسع النقاشات وأكثرها حيوية، تماماً على نحو ما ظلت تشهده الحياة السياسية الفلسطينية طوال السنوات الطويلة الماضية.

وليس من شك في أن هذه المجموعة المنتقاة من المقالات التي كانت جزءاً من السجال السياسي الفلسطيني المحتدم منذ بداية العام الحالي، تطرح العديد من الأسئلة المفتاحية المتصلة بمعضلات اللحظة الوطنية الفلسطينية الراهنة، وتثير في الوقت ذاته أوسع نقاش ممكن ومرغوب فيه بين مختلف الأطر والقيادات التي تحمل على راحة أكفها، ببسالة منقطعة النظير، جمرات هذه المرحلة الملتبسة من مسار الكفاح الوطني المتعدد الجبهات والشامل لمختلف القوى والتجمعات الفلسطينية.

ولا ندعي في هذه السلسلة من المقالات أننا نمتلك الإجابات الشافية على كل الأسئلة المطروحة بإلحاح من جانب المجموع الوطني الفلسطيني، إلا أننا لن نتواضع إلى الحد الذي ننكر فيه على أنفسنا حقيقة القيام بجهد فكري حقيقي، من أجل الانخراط مع كل من يعنيهم الأمر، لتقديم أجوبة موضوعية تصب في قلب الجدال الدائر حول أبرز قضايا هذه المرحلة، مثل المفاوضات والانقسام والمصالحة وأدوات النضال، بما في ذلك المقاومة المدنية الملائمة للواقع الراهن الفلسطيني، وفق رؤية تستلهم الحاضر بتعقيداته الكثيرة، وتستشرف المستقبل بآماله العريضة.

وانطلاقاً من القناعة السياسية الراسخة بضرورة الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني، وخوض أشرس المعارك الفكرية والسياسية والتنظيمية، لإحقاق هذا المشروع وتخليصه من مأزقه المستفحل، فقد كان الخيط الناظم لكل ما يضمه هذا الإصدار من مقالات مختارة، خيط الوقوف إلى جانب الشرعية الفلسطينية، بل والتخندق في متراس النظام السياسي الفلسطيني، ضد ما يحيق به من أخطار ماثلة، وما يواجهه من تحديات تحدق به من الداخل والخارج معاً.

بكلام آخر نحن نحاول التفكير بصوت مسموع، وندعو غيرنا إلى مشاركتنا هذا العصف الفكري بصورة إيجابية، وعلى نحو جاد ومسؤول، لعلنا نتمكن معاً من إجراء المقاربات الضرورية، واجتراح السبل الناجعة، وتحديد الأهداف الواقعية القادرة على الخروج من المأزق الراهن، بلا مزايدات لا لزوم لها، ومن غير أفكار مسبقة ووجهات نظر جامدة، قد تحول بيننا وبين الوصول إلى غايتنا الأساسية والكبرى، ألا وهي إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، تليق بتضحيات هذا الشعب الصابر المقاتل المرابط.

وفي كل الأحوال، وكما سبق ذكره في مقدمة الإصدار الأول قبل نحو شهرين من تاريخ هذا الإصدار الجديد، فإننا نحاول التقدم بمساهمة شخصية لا تعوزها الإرادة الطيبة ولا الرؤية الواضحة، لإثراء الحوار الوطني الداخلي الدائر حول مختلف عناوين هذه المرحلة الدقيقة من حياتنا الوطنية، وأن نتيح في الوقت ذاته فرصة الإطلاع على هذه المساهمات، لمن لم يتح لهم في حينه من القراء والمهتمين، أو فاتتهم فرصة مناقشة الأفكار التي تضمنتها هذه المقالات التي تم نشر معظمها في صحيفة الأيام الفلسطينية.

Page 2

أولاً : المشكلة ليست أبو مازن

ليست مشكلة الشعب الفلسطيني بقاء سياسة أبو مازن التي لن تنتهي برحيله، فقد تواصلت سياسة ياسر عرفات رغم أهميته ومكانته ودوره التاريخي، ولم تنته برحيله، وبقي الشعب الفلسطيني معلقاً على مراوح العذاب ولا يزال.

أبو مازن اتخذ قراراً شجاعاً من تلقاء نفسه، ليس هروباً أو يأساً أو تراجعاً، إنها تضحية بالنفس بهدف تعرية الظروف القائمة التي تصنع مأساة الشعب الفلسطيني وتطيل عذاباته، إنها رسالة احتجاج شديدة الوقع والتأثير، شبيهة بعملية استشهادية يقوم بها شاب ضد الاحتلال ومؤسساته، وحتى ضد مدنيه، رداً على وقوع الظلم واستمراره على شعبه المعذب.

قد نقبل بالعملية الاستشهادية كبطولة فردية أو كقرار سياسي، وأسلوب شجاع لا يفعله الإنسان العادي، وقد نشجب ذلك لأنه يمس مدنيين حتى ولو كانوا من أعدائنا، لأننا نحترم إنسانية الإنسان ولا نقبل أن نسبب الأذى حتى لمدني من أعدائنا!!

قد ننحاز لهذا الموقف أو لذاك، ولكن في النهاية تبقى العملية الاستشهادية ذات وقع مؤثر مسببة الوجع الذي جعل شارون يترك غزة مثلاً ودفعه لفكفكة المستوطنات وإزالة قواعد جيش الاحتلال من القطاع، ولذلك سيكون لرسالة أبو مازن التأثير المرغوب فيه، رغم الفرح الكامن لدى اليمين الإسرائيلي ولدى حماس لأن قائداً عنيداً زال عن طريقهم.

رسالة أبو مازن، شجاعة واضحة احتجاجية ضد أربعة أطراف:

Page 3

أولاً ضد الاحتلال ومؤسساته وسياسته وحكومته، وهو لن يتغير ولا رهان على تغيّره في المدى المنظور، فالاحتلال سيبقى احتلالاً حتى ينهزم ويندحر ويرحل، وبالمقابل فإن الرهان على الشعب الإسرائيلي، ومن هنا خاطب أبو مازن الإسرائيليين وقال لهم السلام أهم من مصالح حزب أو من ائتلاف أو من حكومة، لعلهم يفهمون ويدركون رسالة أبو مازن، ورهانه على وعي الإسرائيليين والتقاطهم للمستقبل على أساس التعايش والمساواة والندية وحسن الجوار، وليس على أساس التوسع والتفوق وعدم احترام حقوق الشعب الفلسطيني القائمة على العدالة والمجسدة بقرارات الأمم المتحدة 181 و 194 و 242 و 1397 و 1515 خاصة وأن الأمم المتحدة هي نفسها التي شرعت قيام إسرائيل على الأرض الفلسطينية.

ثانياً ضد السياسة الأميركية وتراجعها المذل عن المواقف التي سبق أن أعلنها الرئيس أوباما، ثم تراجع عنها لصالح إسرائيل وحكومة نتنياهو، خاصة نحو قضيتي المفاوضات والاستيطان، عبر المطالبة ببدء التفاوض بدون مرجعيات، وبدون وقف الاستيطان على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية باعتبارها محتلة أيضاً.

ثالثاً ضد حركة حماس التي تتهرب من استحقاقات الوحدة الوطنية وتعمل على تكريس الانقسام وشرذمة الوطن والشعب وقياداته، بسبب نزوعها الحزبي وتطلعات حركة الإخوان المسلمين المعادية لمنظمة التحرير وللتعددية وللقيم الديمقراطية، وكذلك بسبب تحالفاتها مع أجندات إقليمية لا مصلحة لها في التفاهم والانسجام والوحدة الداخلية الفلسطينية، أي مع تلك القوى التي تستعمل ورقة حماس والوضع الفلسطيني كورقة مساومة على طاولة المفاوضات مع الأميركيين لتحسين وضعها الإقليمي والدولي وحماية أنظمتها أمام التغول الأميركي الإسرائيلي.

رابعاً ضد التقصير العربي الذي لا يتحرك بمسؤولية نحو فلسطين والقدس، فالقدس يتم تهويدها تدريجياً وأسرلتها وصهينتها أمام العالم ويومياً وبقوة التفوق والهيمنة والاحتلال، ولا تحرك عربي جدي للعمل على وقف هذه الإجراءات الهادفة إلى تغيير معالم القدس وشطب فلسطينيتها وعروبتها وإسلامها ومسيحيتها.

Page 4

وبدلاً من الضغط على حماس لجعلها تستجيب لروح المصالحة واستحقاقاتها، يتم تدليل الحركة الإسلامية والقبول التدريجي بمنطقها وأطروحتها. وبدلاً من فرض الحصار على قادتها، يتم فرض الحصار على شعب غزة بينما قيادات حماس تخرج وتدخل إلى غزة بدون إعاقة، وبينما ترفض حماس الورقة المصرية، يطوف مسؤول أمني عربي إلى عواصم صنع القرار ليقلل من خطورة تعديل الورقة لمصلحة الاقتراحات الحمساوية وبالدفع باتجاه الاستجابة لرغباتها وتعديلاتها.

أبو مازن قدم رسالة احتجاج للأطراف الأربعة المتكاملة، التي تسهم كل من زاوية مصالحها، في إبقاء الاحتلال والانقلاب مسلطاً على رقاب شعبه وصدره وأرضه وإرادته، ولعل صوته الاحتجاجي، يصل إلى أسماع من يفعّلون القرار ويردعون الاحتلال عن مواصلة احتلاله، ويكبحون واشنطن عن استمرار دعمها وانحيازها عن غير حق للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي. ولعل انقلاب حماس يفشل ويذوي، ولعل التقصير العربي يتوقف، ولعل الثراء العربي يذهب منه جزء يسير لصمود الشعب الفلسطيني على أرضه، مما يوفر له برنامج التنمية ويقربه من الانتصار والحرية أكثر.

المشكلة ليست في بقاء أبو مازن أو بعناده وتنفيذ قراره بعدم الترشح، المشكلة بعدم فهم دوافع قرار أبو مازن، فالضغط والفعل يجب عدم تركيزه وتوجيهه نحو أبو مازن كي يعود عن قراره، بل يجب أن ينصب الفعل نحو رسائل وتحركات ونشاطات احتجاجية ذات طابع مدني سلمي حضاري ديمقراطي ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الانحياز الأميركي وضد الانقلاب الحمساوي وضد التقصير العربي، عندها وساعتها يكون أبو مازن قد نجح في إيصال رسالته، ويكون قراره الشجاع قد حقق هدفه وأرضى ضميره، وختم حياته السياسية الكفاحية بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني الحقيقية.

فمن يعلق الجرس من حراس المنارة وشبابها؟

Page 5

ثانيا: عداء إسرائيلي لسياستي عباس وفياض

لا عداء مفرط من قبل العدو الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري التوسعي، أكثر وأقوى وأخبث من العداء الكامن نحو الرئيس محمود عباس ورئيس وزراءه سلام فياض، فالخط السياسي الواقعي المرن الذي يمثلانه ويتبنيانه الرجلان، ويعملان عليه وفق نهج قائم على خطين متوازين: أولهما التمسك الحازم بحقوق الشعب العربي الفلسطيني الثابتة والواضحة غير القابلة للتصرف أو الإهمال بعناوينها الثلاثة (اللاجئون والقدس الشرقية والدولة في حدود الرابع من حزيران 1967)، وثانيهما رفض التكتيكات والبرامج التوسعية الاستعمارية الإسرائيلية القائمة على ضم القدس وشطب حق عودة اللاجئين والتلاعب بحدود الرابع من حزيران.

سياسة إسرائيل العدائية العدوانية الخبيثة في عهد نتنياهو، ضد سياسة ونهج أبو مازن ومن يؤيده ويعمل على وقع خطواته، وضد برنامج حكومة سلام فياض، سياسة تعتمد على التشكيك وتسريب الإشاعات وإدعاء المعلومة فيها، رغم أنها مزيفة ولا تقوم على الحقائق والوقائع والمعطيات الصحيحة، بل هي مجرد فبركات من صنع أجهزة أمنية مختصة تتلقفها حماس وتعتمد عليها بهدف تقويض سمعة الرجل وسط شعبه، والتدليل عن عدم صدقيته وضعفه وافتقاره للقدرة على القيادة، وبالتالي فهو غير مؤهل للتفاوض، ولا يعقد الاتفاقيات، فوق أنه غير مأمون الجانب، وهي نفس السياسة الإسرائيلية المتبعة منذ أمد بعيد، حتى وإن اختلفت تفاصيلها مع الراحل ياسر عرفات ومع قادة أجهزته الأمنية مثل محمد دحلان وجبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي، فالأول والثاني جرى تشويه سمعتهما سياسياً والثالث حاولوا تصفيته جسدياً.

Page 6

سياسة إسرائيل العدوانية الخبيثة نحو كل من أبي مازن وسلام فياض، سببها المصداقية التي يتمتعان بها على المستوى الدولي، وهي نتيجة تحرج إسرائيل وتعريها، إضافة إلى أنها منهجية أعادت للسلطة الوطنية مصداقيتها الوطنية وسط شعبها، بشفافيتها المالية والأمنية والمهنية، وهي منجزات حققتها إدارة سلام فياض بمواصفات احترافية عالية المستوى، كانت مفتقدة في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وذلك لأن نهجه كان مختلفاً، وكان يعمل بازدواجية مفرطة أربكت إسرائيل وأفقدتها خاصيتها وتفوقها، فحاربوه وشوهوا سمعته واغتالوه فدفع بذلك ثمن صلابته في كامب ديفيد، وها هي تتجدد بشكل مختلف مع أبو مازن بسبب موقفه من عرض أولمرت أولاً، وعرض نتنياهو الأدنى ثانياً، مما دفع ليبرمان ليقول بوضوح بالغ أنه لا مجال للتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين خلال المدى المنظور.

أبو مازن يحاربوه بتشويه سمعة أولاده، والمس بوطنيته، وتسريب معلومات مفبركة عن رضاه عن "حرب الرصاص المصهور" لتصفية حماس، ولو كان كذلك لماذا لم يردوا عليه خصومه الذين يدعون أنهم يتحلون بالأخلاق والصدق والرحمة والاستقامة؟

الصورة مقلوبة ومشوهة ومع ذلك تجد من يقبلها بل ويروجها، ويعود ذلك لضيق أفق البعض وضعفه، وإحساسه بالعزلة عن مؤسسات صنع القرار الفلسطيني في اللجنة التنفيذية للمنظمة أو في اللجنة المركزية لحركة فتح، أو لأن البعض الآخر يراها فرصة لإعادة شرعنة الانقلاب، فيقبل بالإشاعات لأنها تخدم مخططاته الانقلابية ضد قادة فتح، بدءاً من ياسر عرفات ومروراً بمحمد دحلان وجبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي وكل من يتعامل معهم بندية ورجولة ووطنية.

سياسة إسرائيل الأمنية، محرقة مميتة، لأن نتنياهو كما يقول الصحفي الإسرائيلي ألوف بن في هآرتس 9/10/2009، " ينظر إلى عباس ويتعامل معه كخصم سياسي يدير حرباً دبلوماسية ضد إسرائيل وينبغي الرد عليه بما يتناسب مع ذلك، ونتنياهو لا يؤمن أنه يمكن حل مشكلتي القدس واللاجئين، والدولة المجردة من السلاح التي يقترحها على الفلسطينيين بعيدة عن أن تشبع مواقف الحد الأدنى لديهم ".

Page 7

وحول سلام فياض يقول ألوف بن في المقال ذاته " عندما عرض فياض في نهاية آب 2009، خطته لإقامة دولة فلسطينية في غضون سنتين، وكررها في اجتماع الدول المانحة وأمام الإعلام الأجنبي، فإن المسؤولين في مكتب نتنياهو لم يستطيبوا للفكرة التي بدت كغطاء لتسوية مفروضة يعلنها الفلسطينيون سنة 2011 في حدود 1967، والعالم سيؤيدها وسيكون الاحتلال الإسرائيلي عائقاً أمام حل الدولتين، ولذلك تم ضم فياض إلى جانب عباس في قائمة القادة الفلسطينيين الإشكاليين في مكتب نتنياهو ".

وذكر ألوف بن أيضاً أن " المركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية " برئاسة السفير السابق دوري جولد، المقرب من نتنياهو، نشر هذا الأسبوع وثيقة انتقادية لبرنامج حكومة سلام فياض، وضعها دان ديكر وبنحاس عنبري، عرضا فيها فكرة " فلسطين في غضون سنتين " كخرق أحادي الجانب لاتفاق أوسلو الذي يحظر تغيير مكانة المناطق المحتلة، وكخطر أمني على إسرائيل.

إسرائيل تحبذ قيادات متطرفة تسهل لها تسويق إدعاءاتها بالسلام والتعايش والديمقراطية، وعندما يملك الشعب الفلسطيني قيادات شجاعة صلبة مؤمنة بحقوق شعبها على قاعدة التعايش والديمقراطية لا يترددون بالعمل على حرقها ومسها وتوجيه الأذى السياسي والأمني والمالي لأشخاص هؤلاء وعائلاتهم، حتى يفقد كل منهم مكانته ومصداقيته أمام شعبه وأمام العالم.

Page 8

من يقف ضد أبو مازن، يقف بالضرورة ضد شعبه وضد حركة فتح وضد حقوق الشعب الفلسطيني، وضد الشرعية الفلسطينية المستهدفة مؤسساتها، ليس لأن أبو مازن لا يخطئ أو أنه لم يخطئ، بل لأن شخصه ومكانته الدستورية هما المستهدفان، فقد اخطأ الرجل حينما اتخذ قرار الموافقة على حضور المؤتمر الثلاثي يوم 22/9/2009، وأساء تقدير الموقف حينما وافق على تأجيل التصويت على قرار لجنة جولد ستون، بدون التشاور الكافي مع فصائل المقاومة ومع رفاقه في اللجنة المركزية، خاصة بعد أن خذلته الدبلوماسية العربية والإسلامية وتركته وحيداً، وهو الأمر الذي دفع الثمن غالياً من رصيده الوطني، وذلك بعد أن نجح في تحقيق خطوتين: أولهما عقد المؤتمر السادس لحركة فتح يوم 4/8/2009 وترميم اللجنة التنفيذية يوم 26/8/2009، فعمل كل أولئك على فقدان ما حققه من إنجازات أمام الانقلابيين ومخططاتهم، وأمام الاحتلال وعدوانيته، وكلاهما استعمل خبثه لتشويه صورة الرئيس والمس بمكانته بشكل متعمد مقصود.

تصويب ما جرى، يجب أن يتم أيضاً في إطار العمل المؤسسي داخل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومجلسها المركزي، وفتحوياً داخل اللجنة المركزية ومجلسها الثوري، ويجب أن تظل اليقظة قائمة، باعتبارها عنوان التعامل في مواجهة مخطط العدو الإسرائيلي وأمام الانقلابيين الذين يعملوا على شرعنة انقلابهم.

Page 9

ثالثا: درء المفاسد خير من جلب المنافع

في تموز 2000، وخلال مفاوضات كامب ديفيد الفلسطينية الإسرائيلية برعاية الرئيس كلينتون، قدم الأميركيون باسم الإسرائيليين عرضاً للرئيس الراحل ياسر عرفات، لم يقبل به، لأنه وجد فيه ما لا يناسب الشعب الفلسطيني ولا يصل إلى الحد الأدنى المطلوب وفق المصالح الفلسطينية، فأبلغ الرئيس الأميركي للزعيم الفلسطيني مجموعة من التحذيرات، في طليعتها أنه آخر رئيس أميركي يستقبله، ولن يعود إلى البيت الأبيض، وسيتراجع الإهتمام الأميركي بالقضية الفلسطينية، وسيحاصر سياسياً ومالياً وسيكون معزولاً بلا تضامن حتى من أشقائه العرب والمسلمين، وهكذا كان، وهكذا حصل.

ياسر عرفات من جانبه، وضع سياسة مناوئة تصادمية، راهن من خلالها على تغيير قواعد اللعبة، وتغيير مسار الصراع، بهدف تحسين موقعه السياسي والتفاوضي أمام الإسرائيليين والأميركيين، فوضع يده بيد حماس وتحالف معها وشجعها على تنفيذ عمليات موجعة ضد الإسرائيليين، عمل على شجبها علناً وفرح لها سراً، وهرّب السلاح وأطلق قواعده القتالية ونشّطها وتبنى كتائب شهداء الأقصى وموّلها وسلحها، وعمل كل ما يستطيع فعله لعله يوجه ضربة أو مجموعة ضربات تستهدف قلب الإسرائيليين ومواجعهم، لدفعهم نحو الإذعان لشروط تفاوضية أفضل لصالح حقوق الفلسطينيين العادلة والمشروعة، ولكنه خسر معركته، بعد أن صعد شارون إلى موقع صنع القرار في إسرائيل، وهو الذي أضاف على السياسة الأميركية تجاه عرفات عاملاً آخر قام بتنفيذه وتمثل باغتيال الرئيس الفلسطيني وقتله مسموماً.

محمود عباس قاد منظمة التحرير وسلطتها الوطنية والمفاوضات، مسلحاً بخبرة عرفات وتجربته، ومتمسكاً بحقوق شعبه وثوابته وخاض معركة التفاوض بدءاً من أنابوليس في عهد بوش في تشرين الثاني / نوفمبر 2007 حتى ديسمبر 2008 حين تم وضع ما تم التوصل إليه بمثابة وديعة لدى اللجنة الرباعية وكونداليزا رايس، على أمل استئناف المفاوضات من حيث انتهت، بعد تغيير الإدارتين الأميركية بقدوم أوباما والإسرائيلية بنجاح نتنياهو، وقد تفاءل أبو مازن خيراً بشجاعة وتصريحات الرئيس الأميركي الجديد الذي وظف مجموعة من الشخصيات الأكثر دراية ومعرفة بالتفاصيل والشواهد الفلسطينية الإسرائيلية، وفي طليعتهم جورج ميتشل ممثله في المنطقة، وجيمس جونز مستشار الأمن القومي، واللذين سبقا لهما أن عملا مباشرة في فلسطين وأطلا عن قرب على الوقائع والأحداث.

Page 10

دهشة أبو مازن تمثلت بتراجع الرئيس الأميركي المذل عن السياسة المعلنة التي انتهجها ضد الإستيطان وبشأن المفاوضات ومرجعيتها وتحديد خارطة الأراضي المحتلة بما فيها القدس، ولما رفض أبو مازن العرض الإسرائيلي وسياسة نتنياهو قال له أوباما "أنا أتعاطف معك ومع قضية شعبك، ولكنني لا أستطيع مساعدتك، فلدي مشاكل داخلية كثيرة، ولذلك أنصحك بقبول المفاوضات حتى في ظل شروط نتنياهو، وإذا رفضت فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة للتراجع عن اهتماماتها بالموضوع الفلسطيني".

كان ذلك بمثابة تحذير أميركي وفق تقييم البعض الفلسطيني، وبمثابة تهديد وفق رؤية البعض الآخر، فتذكر أبو مازن تحذير الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون إلى ياسر عرفات، والسيناريو الذي تم رسمه له وأدى به إلى الحصار والتراجع والموت، فقرر أبو مازن وضع سياسته القائمة على الحكمة المفيدة "درء المفاسد خير من جلب المنافع" فهو لا يستطيع مناطحة الأميركيين والإسرائيليين لأن النتيجة ستكون واضحة جلية، ولكنه أيضاً لا يستطيع بنفس المعيار التجاوب معهم والذهاب مكبلاً بسلاسل نتنياهو وشروطه التفاوضية بشطب قضيتي القدس واللاجئين عن طاولة التفاوض سلفاً.

وهكذا اتخذ أبو مازن لنفسه سياسة تحول دون تجاوبه مع الأميركيين والإسرائيليين، وتحول أيضاً دون تمكن الأميركيين والإسرائيليين منه، فكان قراره السلبي الشجاع بأنه لن يرشح نفسه ثانية للرئاسة، وأنها ليست مغنمة للتشبث بها، وهكذا عبر هذه السياسة السلبية حمى أبو مازن نفسه وحمى قضية شعبه، وأربك الأميركيين والإسرائيليين لأنهم لن يجدوا بديلاً جاهزاً يملك المصداقية التنظيمية والسياسية تؤهله لأن يكون رئيساً، وإذا امتلكها فهو بحاجة لوقت طويل حتى يتعامل مع الضغوط الأميركية الإسرائيلية، وإذا أجاد التعامل معها، فلن يكون أقل وطنية وحرصاً من ياسر عرفات الذي فقد حياته، ومحمود عباس الذي فقد رئاسته حرصاً وتمسكاً بحقوق شعبه.

القضية إذن ليست بقاء محمود عباس أو رحيله، فقد مضى أبو عمار ولم تخرب الدنيا، ولكن القضية تتمثل بالعوامل الأربعة التي دفعت أبو مازن للإستنكاف وعدم ترشيح نفسه وهي 1ـ الموقف الإسرائيلي، 2ـ الموقف الأميركي، 3ـ التقصير العربي، 4ـ انقلاب حركة حماس وعدم تجاوبها مع استحقاقات الوحدة الوطنية، فهل إذا تراجع محمود عباس عن سياسة "درء المفاسد خير من جلب المنافع" سيحصل تغييراً أو تبديلاً على مواقف الأطراف الأربعة التي دفعته لاتخاذ قراره؟؟

الضغط يجب إن لا يكون نحو الرئيس محمود عباس بل باتجاه الأطراف الأربعة المؤثرة على صنع القرار الفلسطيني، وعلى مصالح الشعب الفلسطيني، وهذا ما يجب أن تفكر فيه وتفعله وتجيب عليه قيادات فصائل المقاومة ومنظمة التحرير الفلسطينية، فهل يملك هؤلاء سعة الأفق والدراية والخيال السياسي كي يتم وضع برنامج واقعي عملي في ضوء هذه الإستخلاصات؟