eKtab
EN ع
العدم
Read free sample

العدم

by جمال ضاهر

Page 1

إهـــداء

إلى جدي ظاهر العمر

كان الكون صغيراً

كان يَحبو على أربع، ويدور كأنّه تفّاحة خضراء

وحياة تسير كما لونها وأزرق يمتدّ سماء

والزرقة بحار

وحيتان تقذف داخلها

ويونس

Page 2

1

«إن العدم، عندما يأتيكَ، يأخذ لونكَ يُخليكَ منكَ

ينهش داخلكَ

يمضغكَ يأكلكَ

يُحوّلكَ لا شيء، يبتلع ماضيكَ وحاضركَ.

يُحدّد سير الزمن القادم من غيبكَ»، قال الصالح يُحدّث أتباعه ينظر... ولا يرى أمامه.

خطّ الأفق كان يمتدّ ضباباً، والريح مُنخفضة تُنقّل غُباراً ورائحة جيفة، ضباع تأكل منها وصقور تحلّق في السماء فوقها.

«والعدم»، أكمل الصالح يستحضر ما قيل له في منامه، «ليس رغماً عنكَ يأتيكَ».

أغمض عينيه، أخفض رأسه، أماله بعض الشيء نحو اليمين يُحاول أن يَسمع صدى صمته، وأشار لمن حوله أن يُغادروا المكان.

«أراني لست هنا»، قال وقد بدأ أتباعه ينفضون ثيابهم المُبلّلة بعرقهم، يُزيلون عنها رائحة أجسادهم وما التصق بها من تُراب وأوراق نباتات جفّت منذ سنين، وكما أشجار تتمايل أغصانها بفعل الريح ساروا يبتعدون عن الصالح يسبّحون الخالق، يتجمّعون حول بئر مُمتلئة بالماء حتى حافّتها رغم انحباس الأمطار حولين كاملين وأشهراً كثيرة.

Page 3

في الظل جلسوا يُردّدون أسماء الله همساً ويستغفرون ذنوباً لم ترتكبها نفوسهم بعد.

كان الصالح في العادة يجلس بين أتباعه أيّاماً تلو الأيّام، يصل النهار مع النهار يقصّ قصص الأقدمين يؤوِّل الرؤى وما أتاه من أحاديث، يكشف عن خطى الأولياء من قبله وعن مواضع أقدامهم في الطريق... حتى يبلغ الصمت حدّ كسره، ويسمع دبيب نمل لا غاية من سيره، فيغادر مكانه. غير أنّه اليوم لم يمض على وجوده بينهم بعض يوم، ولم يَسمع صوت الصمت يتكسّر ولا ضجيج النمل يسير.

«أخشى أن تكون الكلمات منّي»، قال يُحدّث نفسه، «أخشى أن أكون من صاغها ومن سكبها، وقد أكون من أوجد الصور وحدّدها...

وقد لا تكون منّي وليس من العليّ المعين.

كيف اليقين أنّها ليست من الرجيم؟

نظر إلى السماء يناجيها يطلب رحمتها ولطفها. أكملت الغيوم سيرها. والصقور بدأت تهبط تُحيط بالجيفة تنتف بقاياها.

عابساً قام الصالح يترك المكان، شارد الذهن يمشي لا يرى أين تقع قدماه، مطأطئاً رأسه لا يعي ما يدور حوله. ورائحة مطر لم يهطل بعد.

Page 4

2

«القول الآتي من الواحد الأحد

لا شيء يُحوّله...

لا شيء يجعله غيره»، وجد نفسه يقول لعلّها هواجسه تُغادر قلبه.

Page 5

3

«والتيه، عندما يأتيكَ، يُرافقكَ يَتتبّع آثاركَ. يأخذها منكَ يجمعها. يُزيل رائحتكَ منها. يُطعّمها بغيرها ولا يعود شيئاً منكَ فيها.

ينثرها.

في أربع جهات الكون وما بينها يُبعثرها.

وينقضّ عليكَ يُحاصركَ.

يُقفل الأبواب عليكَ في الظُلمة، حيث لا ترى نفسكَ إلا غيركَ.

إمّا البقاء حيث لا ضوء وإمّا الرحيل عن نَفسكَ، يكون أمامكَ.

تُحاول الخروج، تُحاول تُحاول.

تخرج. ليس إليكَ...

إلى طريق أخذت آثارها رائحة من غيركَ.

تعود تُحاول ثانية. تَخرج. تعود.

تخرج. تخرج. تُحاول تعود.

تُعيد الكرّة ثلاث مرّات مُتتاليات.

تُحاول تسير نحو الضوء لعلّكَ تجد الطريق إليكَ.

لا سير تجدُ لا مسار. لا طريق لا زقاق.

ليس إليكَ ليس إلى غيركَ.

لا شيء حولك سوى مزيج رائحة تأخذكَ إلى ظلال تائهة.

تبحث بينها عن ظلّكَ، لعلّه يأخذكَ يُخرجكَ.

لا شيء تجد منكَ. ولا ظلّكَ.

تقضي حياتك بين الظلال.

مثلها».

Page 6

استيقظ يرتعد يرتجف، جسده ينتفض والذعر يمسك بعينيه كأنّما روحه تحترق أمامه، جلس في سريره يمسك برجليه يضمّهما إلى صدره، يشدّهما حدّ الألم قدر استطاعته... حتى كاد يكسر عظامه. ارتخت أعضاؤه وأصابعه بدأت ترتعش، أسند رأسه وأغمض عينيه يستحضر منامه، يُردّده يقوله، يُحاول يُعيد ترتيبه كما جاءه، يَجمع تفاصيله. موضع فواصله. وقع أصوات الحروف فيه...

«على طبيعتها الحروف كانت»، همس الصالح يُؤكد لنفسه، «على طبيعتها كما أعرفها، وترتيبها كما في العادة يأتيني...

أم أنّه الوهم يمسكني؟».

قام من سريره، وقف ينظر حوله، سار إلى النافذة المُطلة على الشرق يرى الشمس تحتل الأفق أمامه.

رأى أتباعه يجلسون ينتظرون خروجه، والشمس لم تكن قد تكشّفت تماماً بعد.

«كيف أعلم»، تساءل يرتجف، «كيف اليقين؟

أجمعها الدلائل تقول إنّها الكلمات جاءت من الأزل، أجمعها تقول إنّها من الحقّ.

ولكنّها نفسي مليئة بالهواجس.

من أين السؤال وهذا الشك والقلق؟

والعتمة؟

تُرى هل فعلتُ ما يُغضب الأحد، هل أخطأتُ...؟

ولكنّي أبداً لم أسلك طريقاً غير الطريق المخطوط، أبداً لم أخطُ ولو خطوة مُفردة في الظُلمة.

أم أنّي غير مُدرك فعلتُ؟».

بدأ يتنقّل بين سريره ونافذته، يمشي ينظر ليس إلى الأفق ليس إلى الشمس، ليس إلى السرير ليس إلى جُدران الغُرفة. يمشي ينظر لا يرى خُطواته لا يسمعها، يردّد ما جاءه في منامه.

«والتيه، عندما يأتيكَ، يُرافقكَ يُزيل آثاركَ.

يُرافقك يُزيل آثارك.

يُزيل رائحتكَ منها.

ولا يعود شيء منكَ فيها.

ينثرها.

ينثرها.

ولا يعود شيء منكَ فيها...».

ثلاثة أيّام لم يُغادر الصالح غرفته، ثلاثة أيّام كان أتباعه في انتظاره. يجلسون دائرة مُكتملة. مُغلقة. صامتين لا يهمسون لا يتهامسون... ينتظرون حضوره.

ثلاثة أيّام بأكملها جلسوا حول البئر يصغون يترقّبون سماع خطواته يأتي، يرونه يسمعون ولو جملة مُفردة يتلفّظ مخارج حروفها.

ثلاثة أيّام.

Page 7

لم يخرج. وغيوم سوداء كانت تتجمّع تُخفي السماء تُظلّلها، والشمس في طريقها كانت تُغادر.

كان الواحد منهم لا يفعل سوى سماع الصالح يقول كلماته. لا يسأل لا يتساءل. يأخذ كلمات الصالح ترافقه كما نفسه، يُردّدها طوال نهاره وليله... حتى يحفظها عن ظهر قلب، ويبدأ يقولها كأنّها كلماته.

كان صوته لا يُفارقهم.

«شاب لم يتعدّ الخامسة عشرة من عمره»، بدأ أصغر أتباع الصالح يقصّ عليهم، «كان يبدأ نهاره يمسك بثلاث قطع من النقود الذهب يُحكم قبضته عليها، يَجلس أمام بيته يَضع النقود في أوّل حُفرة يجدها، يُكمل يُنقّلها بين الحُفر لا يأبه ماذا يتجمّع داخلها... ماء آسن، روث بقرة ضالة، ديدان وبقايا جُثّة بالية. يستمر ينقّل نقوده حتى يكون ولا يتبقّى ما يُشير إلى معالمها، بل وحتى تكون رائحتها ليس أقلّ نتانة ممّا مرّ عليها.

يأخذ نقوده يُحاول يُقايضها مُقابل ما يهدّئ جوعه. يوماً لم ينجح، رغم أنّه كان يُقسم بأسماء الله أجمعها أنّ ما بين يديه نقود ذهباً، بإمكانه يُنظّفها ويُقايضها بأكثر ممّا يُهدّئ جوع ليلة.

أربع من القطع... قد تكون أفضل، قال يوماً لنفسه، الجشع كما الجوع، عليّ قتله وإلا قتلني.

وبدأ يُنقّل أربعاً من القطع بين الحُفر المُمتلئة بالقذر. لم يُقايضوه ولم يأكل.

لعلّها النتانة؟، تساءل بينه وبينه ليبدأ يُعطّر نُقوده يوماً بماء النعناع يوماً بماء الورد.

لم ينجح.

لعلّه لونها؟، قال يصبغ ذهبه بماء الذهب.

ليس بإمكانه الإنسان يُقايض بماء ولو كان بلون المعدن الثمين، قالوا له، ليس من لا يبول أصفر.

تقول القصّة إن الشاب قضى نحبه يُفكر ماذا يفعل، كيف السبيل يَجعلهم يُقايضون ذهبه بكفاف يومه».

همهموا يتساءلون عن القصّة وما غايتها.

قال «لا أعلم، ولكنّها قصّة سمعتها من الصالح قبل شهرين من الآن. قلتُ أقصّها علينا لعلّنا نُدرك غيابه»

لم يخرج.

مكثوا ينتظرون الصالح سنتين وأشهراً ستة، ثم غادروا المكان. الواحد تلو الآخر كلّ في طريقه، يحمل بضع حبّات من التمر يُحكم قبضته عليها، يسير إلى حيث تأخذه قدماه.

لم يبق من أتباعه ومن معهم سوى رجل يُلقّب بالتياح، بمثل عمر الصالح تقريباً كان، «الصالح مِن صَلَحَ»، قال يجلس يتكئ على جذع من النخيل جاف، «الإنسان مِن أنَسَ، والحاكم والحكمة مِن حَكمَ... ومَن يَحكم إنّما بما اختبرت نفسه وأتت، وكذلك مَن يُحكم».

كان الوقت مساء وبعير يقطع خطّ الأفق ورعيان.

Page 8

4

«تُحاول تسير نحو الضوء لعلّكَ تجد الطريق إليكَ»، أكمل الصالح يُحاول يسترجع منامه، «لعلّكَ تجد الطريق إليك.

إليكَ.

لا سير فيها لا مسار. لا طريق لا زقاق.

ليس إليكَ ليس إلى غيركَ.

ليس إليكَ ليس إلى غيرك».

ثلاثة من أتباع الصالح، بعد يومين، عادوا، وبعيداً عن الأشجار والظل، تحت أشعّة شمس الظهيرة، صامتين جلسوا.

عند منتصف الليل، وصل آخر أتباعه.

«المالك والمليك والملاك من ملكَ والعبيد والعباد مِن عَبَدَ، ومَن يعبد لا مُلك له ولا حتى نفسه.

المالك يمتلك نفسه. وغيره. أم أنّها نفسه بما امتلكت رهينة. سجينة.

المالك سجين نفسه، كما المملوك.

البعير مِن بَعَرَ. البعر وسخ البعير ورائحته. البعير، اسم مُشتق مِن وسخ. بل إنّه اسم وسخ. ونأكله»، أكمل التياح يقول، يُمسك بثعبان يقشّر جلده.

Page 9

1

«للحياة أقدارها... غيب على الإنسان يراه»، قال الصالح يُحدّث أربع أخواته يوم رحيله. كان الوقت صباحاً، أبوه لم يكن هناك وصُغرى أخواته كانت لتوّها قد وصلت، تحمل طفلها تسند رأسه بيمناها، تُرضعه وتُغني له كما أمّها كانت تفعل معها حتى يأخذها النوم وتتوقّف عن البكاء.

«قد يكون الربيع أجمل لسيركَ»، قالت صُغرى أخواته تُحاول تُؤجّل رحيله، «للرّبيع رائحة ألوان تُرافقكَ، والأخضر من حولك سيجعل سيركَ أخضر».

«عليّ أرى غيبي»، قال ينظر إليها، يُمسك بيدها وقد أدرك أنها ليست جزءاً من غيبه، وأنّه لن يراها بعد رحيله. ولا أباه ولا أزقّة بلدته.

نظر حوله يرى جدران بيته. كان سقف البيت قد تساقط طينه، والأرضية تقشّرت والجُدران تشققت وبانت أحجارها، ناتئة كما كهف، تعتليها خُضرة طحالب وأزرق، وكلمات الخالق مُرسّمة على الجُدران أشكال ملوّنة، وقنديل يتدلى من سقف الغُرفة، رمز لغنى وجد طريقه إلى بيت الصالح فترة من الزمن واختفى.

قد تَطول طريقكَ»، قالت ودموعها تنزلق تُبلّل وجنتيها، وقطرات دافئة تسقط على وجه رضيعها، «وقد يكون ليلكَ كما سيرك طويلاً. ليل الخريف بارد. ليس فقط هنا.

أرافقكَ إن رغبتَ، أسير خلفكَ كما ظلّكَ أحميكَ، أمامكَ وحولكَ، أزيل عثرات الطريق وتحت أقدامكَ. أجمع أوراق الشجر أصفرها وأخضرها أحرقها أدفئكَ...

والنجوم أقطفها والسماء أضيئها، والأرض أجعلها تستوي هضابها وجبالها. ألوّنها. ومن أجلكَ أجعلها بساتين أزهاراً. وثماراً وزيتوناً.

ليس الآن ترحل، طفلي لا يزال رضيعاً.

Page 10

لا يزال يحتاج صدري، كما تراه يأكل ينام، لا يزال ينتظر يرى عيني.

ليس الآن، لا أستطيع أرحل عنه يموت.

سنتين وأكون معكَ.

تعلم أنّي لولاه رافقتكَ، لولاه تركتُ الحياة من أجلكَ.

ليس الآن ترحل»، قالت تنظر إلى كُبرى أخواته تستجديها تقول ما يمنع رحيل الصالح أو يؤخره. لم تجد كبرى أخواته ما تقوله.

قبل غروب الشمس غادر الصالح بيته، يمشي يتنقّل بين أزقّة بلدته، يأخذ طريقه بين المنازل والبساتين، يتّجه إلى سوق النحاسين ليمرّ بين حوانيته لآخر مرّة في حياته. لم يكن للصّالح أن يُغادر بلدته من دون أن يرى النحّاسين وكيف يُحوِّلون المعدن قطعاً منقوشة بكلمات وأشكال. كان يعلم أنّ الزانيات هناك، يقفن عند مدخل السوق، ينتظرن من يدفع لهنّ ثمن أجسادهن. تمنّى لو يختفين ولو ساعة مروره فلا يراهن ولا يسمع أصواتهن. كان يرغب لو تبقى لبلدته صورة لا تشوبها شائبة في ذاكرته.