Page 1
مقدمة الكتاب
كنت أخوض نقاشاً مع أحد معارفي حول موضوعة العقل، وذلك بعد انتهائي من العمل على المسودة الأولى لهذا الكتاب. وهو شخص يحب أن يطلق عليه لقب «مفكر»، وأذكر هذا اللقب هنا تلبية لرغبته... لقد كان النقاش شيقاً جداً، تداولنا فيه العديد من المفاهيم والأفكار، على الرغم من أن كلاً منا كان يتكلم من منظور مختلف. لكن لعل أهم ما تلقيت خلال هذا النقاش كان فكرةً يمكن أن ألخصها بالتالي: «لا يمكن نقد فيلسوف، فهذا عالم... من نحن حتى ننتقد الفيلسوف هذا أو ذاك؟». أقول «أهم» كون هذا التعليق جاء في سياق إحدى الإشكاليات الأساسية التي أحاول طرحها من خلال هذا الكتاب... لقد استحضرت هذه الملحوظة كل تهم الهرطقة التي كانت تطلق في القرون الوسطى ضد كل من خرج عن المنظومة الفكرية المهيمنة.
إن العقل البشري الجماعي لم يتطور مهما تطور أو تغير شكل المعرفة، ومهما تغير من يقبض على مفاصل تلك المعرفة ومن يتكلم بصفته «قيماً» عليها. وتهم الهرطقة وشتى أنواع «التكفير» وإطلاق الحرم على مساءلة كل ما هو «مقدس» لاتزال هي هيَ. والمنطق الذي كان سائداً أيام كان الإكليروس يقبضون على «الحقيقة» وعلى الحق بادعاء امتلاك المعرفة لايزال هو نفسه وإن تغيرت ملامحه...
وما ينطبق على الفلسفة ضمن هذا الإطار ينطبق على سائر المجالات العلمية والطب والفيزياء وما إلى هنالك من مجالات. فعلى الرغم من فشل الطب العلاجي في شفاء معظم إن لم نقل سائر الأمراض المستعصية، فإن مجرد مساءلة المنهج المعتمد في الطب تعد ضرباً من الهرطقة أو عملاً شاذاً عن القاعدة. والأمر ينسحب على جميع فروع العلوم. إن المنهج الذهني السائد منهج ينطلق من أعلى إلى أسفل، ومن حيث يقبع المفكرون والفلاسفة والعلماء بأفكارهم ونظرياتهم وهالتهم الأكاديمية لتعمم على سائر البشر، على العقل الجماعي البشري... وبالتالي فإن مطلق نزوع في المنهجية نحو الاتجاه من أسفل إلى أعلى يجابه بالتكفير وتطلق عليه سائر الاتهامات التي تنضوي تحت مظلة الهرطقة.
*
لقد كانت «الحقيقة» ولاتزال حلماً يدغدع عقول المفكرين والفلاسفة والعلماء. وفي خضم سيرورة البحث عن «الحقيقة» شهد المنهج المعرفي، الذي كما سنرى يرتكز دائماً على التفاصيل، الكثير من التفرع وزادت تقسيماته على حساب المنظور الوحدوي للوجود ولفهم الواقع. وهذه إشكالية أساسية من الإشكاليات التي نحاول طرحها من خلال هذا الكتاب... فالواقع هائل التفاصيل، ولا سبيل لحصر أو لفهم تعقيداته من خلال اتباع منهج يرتكز على التفاصيل، من خلال منهج ذهني خطي ضئيل كما سنرى. إذن، فإن النقد الموجه لأي فكر من خلال هذا الكتاب لا يتبع المنهج المعرفي الذي يطرحه ذاك الفكر أو الذي يندرج ضمن إطاره، إنما النقد يأتي في سياق «مساءلة» المنهج الذهني الذي يعتمده ذاك الفكر. بمعنى آخر، فإننا عندما ننتقد فكراً معيناً في هذا الكتاب، فإننا لا ننتقد هذا الفكر من خلال الآليات المعرفية نفسها التي يرتكز عليها هذا الفكر، إنما من خلال نقد هذه الآليات. وكما سنرى، فإنه على أقل تقدير، فإن الغالبية الكاسحة من الفلسفات إنما ترتكز على منهج ذهني واحد، منهج يرتكز على التفاصيل في وجود لا سبيل لحصر تفاصيله...
تلك «الإنجازات» التي قدمتها سائر الفلسفات والعلوم ولاتزال تقدمها، هل قربتنا من معرفة الحقيقة أكثر؟ أم أن الإنسان حين كان متماهياً مع الوجود متناغماً معه كان أقرب إلى «الحقيقة» مما نحن عليه اليوم؟ بشكل آخر، هل أن المنهج الذهني المعرفي السائد الذي يرتكز على التفاصيل قد جر العقل البشري الجماعي في سيرورة بناءة للاقتراب من الحقيقة؟ أم أنه جره في سيرورة هدامة جعلت المعرفة تغرق في التفاصيل، وبالتالي أبعد العقل البشري الجماعي عن «الحقيقة» أكثر فأكثر؟
كنت أخوض نقاشاً مع أحد معارفي حول موضوعة العقل، وذلك بعد انتهائي من العمل على المسودة الأولى لهذا الكتاب. وهو شخص يحب أن يطلق عليه لقب «مفكر»، وأذكر هذا اللقب هنا تلبية لرغبته... لقد كان النقاش شيقاً جداً، تداولنا فيه العديد من المفاهيم والأفكار، على الرغم من أن كلاً منا كان يتكلم من منظور مختلف. لكن لعل أهم ما تلقيت خلال هذا النقاش كان فكرةً يمكن أن ألخصها بالتالي: «لا يمكن نقد فيلسوف، فهذا عالم... من نحن حتى ننتقد الفيلسوف هذا أو ذاك؟». أقول «أهم» كون هذا التعليق جاء في سياق إحدى الإشكاليات الأساسية التي أحاول طرحها من خلال هذا الكتاب... لقد استحضرت هذه الملحوظة كل تهم الهرطقة التي كانت تطلق في القرون الوسطى ضد كل من خرج عن المنظومة الفكرية المهيمنة.
إن العقل البشري الجماعي لم يتطور مهما تطور أو تغير شكل المعرفة، ومهما تغير من يقبض على مفاصل تلك المعرفة ومن يتكلم بصفته «قيماً» عليها. وتهم الهرطقة وشتى أنواع «التكفير» وإطلاق الحرم على مساءلة كل ما هو «مقدس» لاتزال هي هيَ. والمنطق الذي كان سائداً أيام كان الإكليروس يقبضون على «الحقيقة» وعلى الحق بادعاء امتلاك المعرفة لايزال هو نفسه وإن تغيرت ملامحه...
وما ينطبق على الفلسفة ضمن هذا الإطار ينطبق على سائر المجالات العلمية والطب والفيزياء وما إلى هنالك من مجالات. فعلى الرغم من فشل الطب العلاجي في شفاء معظم إن لم نقل سائر الأمراض المستعصية، فإن مجرد مساءلة المنهج المعتمد في الطب تعد ضرباً من الهرطقة أو عملاً شاذاً عن القاعدة. والأمر ينسحب على جميع فروع العلوم. إن المنهج الذهني السائد منهج ينطلق من أعلى إلى أسفل، ومن حيث يقبع المفكرون والفلاسفة والعلماء بأفكارهم ونظرياتهم وهالتهم الأكاديمية لتعمم على سائر البشر، على العقل الجماعي البشري... وبالتالي فإن مطلق نزوع في المنهجية نحو الاتجاه من أسفل إلى أعلى يجابه بالتكفير وتطلق عليه سائر الاتهامات التي تنضوي تحت مظلة الهرطقة.
*
لقد كانت «الحقيقة» ولاتزال حلماً يدغدع عقول المفكرين والفلاسفة والعلماء. وفي خضم سيرورة البحث عن «الحقيقة» شهد المنهج المعرفي، الذي كما سنرى يرتكز دائماً على التفاصيل، الكثير من التفرع وزادت تقسيماته على حساب المنظور الوحدوي للوجود ولفهم الواقع. وهذه إشكالية أساسية من الإشكاليات التي نحاول طرحها من خلال هذا الكتاب... فالواقع هائل التفاصيل، ولا سبيل لحصر أو لفهم تعقيداته من خلال اتباع منهج يرتكز على التفاصيل، من خلال منهج ذهني خطي ضئيل كما سنرى. إذن، فإن النقد الموجه لأي فكر من خلال هذا الكتاب لا يتبع المنهج المعرفي الذي يطرحه ذاك الفكر أو الذي يندرج ضمن إطاره، إنما النقد يأتي في سياق «مساءلة» المنهج الذهني الذي يعتمده ذاك الفكر. بمعنى آخر، فإننا عندما ننتقد فكراً معيناً في هذا الكتاب، فإننا لا ننتقد هذا الفكر من خلال الآليات المعرفية نفسها التي يرتكز عليها هذا الفكر، إنما من خلال نقد هذه الآليات. وكما سنرى، فإنه على أقل تقدير، فإن الغالبية الكاسحة من الفلسفات إنما ترتكز على منهج ذهني واحد، منهج يرتكز على التفاصيل في وجود لا سبيل لحصر تفاصيله...
تلك «الإنجازات» التي قدمتها سائر الفلسفات والعلوم ولاتزال تقدمها، هل قربتنا من معرفة الحقيقة أكثر؟ أم أن الإنسان حين كان متماهياً مع الوجود متناغماً معه كان أقرب إلى «الحقيقة» مما نحن عليه اليوم؟ بشكل آخر، هل أن المنهج الذهني المعرفي السائد الذي يرتكز على التفاصيل قد جر العقل البشري الجماعي في سيرورة بناءة للاقتراب من الحقيقة؟ أم أنه جره في سيرورة هدامة جعلت المعرفة تغرق في التفاصيل، وبالتالي أبعد العقل البشري الجماعي عن «الحقيقة» أكثر فأكثر؟
Page 2
ولعل فهم «العقل» يشكل المدخل الأساس لفهم الواقع. ومجرد طرح موضوعة العقل يفسح في المجال أمام العديد من الأسئلة حول ماهية العقل وشكله ووضعه وتاريخه وحاضره ومستقبله. إن هذه الأسئلة تشكل أساس الموضوع الذي نتناوله في هذا الكتاب. قد تأتي ضمن الموضوعات التي تندرج ضمن إشكالية «العقل-الجسد» التي تتمحور حولها فلسفة العقل، لكن مع محاولة مقاربتها من خلال منهج ذهني مغاير...
وبالتالي فإن هذا الكتاب هو رحلة معرفية من أجل فهم العقل من حيث وضعه في المستوى الإفرادي، كما في المستوى الجماعي... رحلة معرفية في عالم مجرد، مجرد تماماً...
ووضع العقل يندرج ضمن إطاره العقل الإفرادي وكذلك العقل الكلي ووضعه في الوجود، ذاك الوجود الواحد بتفاصيله الهائلة التي تترابط بعضها ببعض ضمن اعتمادية متبادلة... وبالتالي فإن نشوء العقل وارتقاءه ومصيره تشكل مفاصل أساسيًّة في هذا الكتاب.
وها هنا، تطرح موضوعة تطور العقل نفسها. هل بالفعل تطور العقل البشري إيجابياً؟ وكل هذا التقدم التكنولوجي الذي نراه هل هو تعبيرٌ عن تطور إيجابي «حقيقي» للعقل؟ وهل يمكن أن يكون مقياساً لتحسنه؟ أم أنه يعبر عن سيرورة تراجعية له؟
*
لا يختلف اثنان على وجود قدرات كامنة في العقل البشري، قدرات تظهر أحياناً لدى أشخاص معينين في حلات نادرة جداً. كنت أشاهد ذات يوم تقريراً تلفزيونيًّا عن رجل ألماني يتمتع بقدرة هائلة على القيام بأعقد العمليات الحسابية في برهة من الزمن. قدرة مذهلة بالفعل، وظاهرة تشي بأن العقل البشري قادر على القيام بأشياء كثيرة، أشياء قد نقدر على تخيلها أو أشياء قد نعجز حتى عن تصورها الآن... لكن بالطبع، وانسجاماً مع النزعة الفردانية المسيطرة اليوم والتي تندرج ضمن المنظومة الفكرية السائدة، فإن هذا التقرير التلفزيوني كان يركز على «القدرة الفردية» الهائلة لدى هذا الإنسان بالتحديد، وليس على قدرات العقل البشري الكامنة بشكل عام...
إن اختراع الحاسبة الإلكترونية ليس بالطبع لتلبية متطلبات أمثال هذا الرجل الألماني، بل لتلبية متطلبات من هم أقل قدرة منه على القيام بعمليات حسابية، أقل قدرةً بكثير. وإذا أخذنا في الاعتبار أن العلاقة الجدلية التي تربط مختلف العقول الإفرادية البشرية هي التي تحكم سيرورة تطور العقل البشري الكلي وظهور وارتقاء طاقاته وقدراته الكامنة، فإن الاختراعات التكنولوجية إنما تعترض هذه السيرورة. بمعنى آخر، عوض أن تتطور العقول الأقل قدرة لتكتسب تلك القدرات التي درجنا على تسميتها «إستثنائية»، فإن العكس هو الذي يحدث... تعمد سائر العقول على الاستعاضة عن العقل بشتى الوسائل التكنولوجية المتاحة ليدخل «العقل» في سيرورة تراجعية، في واقع تفرضه وتكونه العقول الأقل قدرة، واقع يعكس متطلباتها ويعبر في الوقت نفسه عن النمط الاقتصادي الذي يهدف إلى الربحية على حساب تطور العقل وارتقائه...
غير أن أزمة العقل التي حاولنا التعبير عنها من خلال المثال الذي جاء ذكره للتو هي جزء من سيرورة العقل ومن تطوره، والتطور بعكس ما اعتدنا أن نفهمه، يمكن أن يكون تقدمياً أو تراجعياً، سلبياً أم إيجابياً، غير أنه في النهاية تطور في سيرورة العقل وسيبقى جزءاً من تاريخه دائماً وأبداً مهما تطور عنه. وهذا الفهم للتطور هو بدوره إحدى الإشكاليات التي نحاول طرحها من خلال هذا الكتاب. وبالتالي، فإن هذا الكتاب ليس أبداً دعوة للتخلف عن المنجزات العلمية، ويجب ألا يفهم كذلك، إنما الهدف منه يشتمل أيضاً على البحث في سبل التطور عن الأزمة التي يعيشها العقل اليوم...
وبالتالي فإن هذا الكتاب هو رحلة معرفية من أجل فهم العقل من حيث وضعه في المستوى الإفرادي، كما في المستوى الجماعي... رحلة معرفية في عالم مجرد، مجرد تماماً...
ووضع العقل يندرج ضمن إطاره العقل الإفرادي وكذلك العقل الكلي ووضعه في الوجود، ذاك الوجود الواحد بتفاصيله الهائلة التي تترابط بعضها ببعض ضمن اعتمادية متبادلة... وبالتالي فإن نشوء العقل وارتقاءه ومصيره تشكل مفاصل أساسيًّة في هذا الكتاب.
وها هنا، تطرح موضوعة تطور العقل نفسها. هل بالفعل تطور العقل البشري إيجابياً؟ وكل هذا التقدم التكنولوجي الذي نراه هل هو تعبيرٌ عن تطور إيجابي «حقيقي» للعقل؟ وهل يمكن أن يكون مقياساً لتحسنه؟ أم أنه يعبر عن سيرورة تراجعية له؟
*
لا يختلف اثنان على وجود قدرات كامنة في العقل البشري، قدرات تظهر أحياناً لدى أشخاص معينين في حلات نادرة جداً. كنت أشاهد ذات يوم تقريراً تلفزيونيًّا عن رجل ألماني يتمتع بقدرة هائلة على القيام بأعقد العمليات الحسابية في برهة من الزمن. قدرة مذهلة بالفعل، وظاهرة تشي بأن العقل البشري قادر على القيام بأشياء كثيرة، أشياء قد نقدر على تخيلها أو أشياء قد نعجز حتى عن تصورها الآن... لكن بالطبع، وانسجاماً مع النزعة الفردانية المسيطرة اليوم والتي تندرج ضمن المنظومة الفكرية السائدة، فإن هذا التقرير التلفزيوني كان يركز على «القدرة الفردية» الهائلة لدى هذا الإنسان بالتحديد، وليس على قدرات العقل البشري الكامنة بشكل عام...
إن اختراع الحاسبة الإلكترونية ليس بالطبع لتلبية متطلبات أمثال هذا الرجل الألماني، بل لتلبية متطلبات من هم أقل قدرة منه على القيام بعمليات حسابية، أقل قدرةً بكثير. وإذا أخذنا في الاعتبار أن العلاقة الجدلية التي تربط مختلف العقول الإفرادية البشرية هي التي تحكم سيرورة تطور العقل البشري الكلي وظهور وارتقاء طاقاته وقدراته الكامنة، فإن الاختراعات التكنولوجية إنما تعترض هذه السيرورة. بمعنى آخر، عوض أن تتطور العقول الأقل قدرة لتكتسب تلك القدرات التي درجنا على تسميتها «إستثنائية»، فإن العكس هو الذي يحدث... تعمد سائر العقول على الاستعاضة عن العقل بشتى الوسائل التكنولوجية المتاحة ليدخل «العقل» في سيرورة تراجعية، في واقع تفرضه وتكونه العقول الأقل قدرة، واقع يعكس متطلباتها ويعبر في الوقت نفسه عن النمط الاقتصادي الذي يهدف إلى الربحية على حساب تطور العقل وارتقائه...
غير أن أزمة العقل التي حاولنا التعبير عنها من خلال المثال الذي جاء ذكره للتو هي جزء من سيرورة العقل ومن تطوره، والتطور بعكس ما اعتدنا أن نفهمه، يمكن أن يكون تقدمياً أو تراجعياً، سلبياً أم إيجابياً، غير أنه في النهاية تطور في سيرورة العقل وسيبقى جزءاً من تاريخه دائماً وأبداً مهما تطور عنه. وهذا الفهم للتطور هو بدوره إحدى الإشكاليات التي نحاول طرحها من خلال هذا الكتاب. وبالتالي، فإن هذا الكتاب ليس أبداً دعوة للتخلف عن المنجزات العلمية، ويجب ألا يفهم كذلك، إنما الهدف منه يشتمل أيضاً على البحث في سبل التطور عن الأزمة التي يعيشها العقل اليوم...
Page 3
ما قبل العقل
البداية
تقف مذهولاً أمام عظمة الكون، ثم ما تلبث أن ترتعش أمام عمق أسراره، فتسلّم أمره للمجهول وتعود إلى شؤونك اليومية حيث تفقه ما يجري من حولك. فالكون لايزال سرّا ًمنذ أبصرت البشرية نور الحياة. لاتزال البشرية منذ الأزل تتفحصّ الكون، تتأمل في عظمته، تترقب الأفلاك والنجوم، وتصوغ الآداب والنظريات حول التكوين وسرّه. ومن هذا الجهل ظهرت الفلسفات والديانات، منها ما تداعى أو تلاشى أثره ومنها ما بقي حتى يومنا هذا، والكون صامد أمامنا وحولنا وفينا، صامت أبداً...
***
دأبت معظم الفلسفات التي ظهرت على مر العصور على تأمل الحياة واستخلاص الاستنتاجات، فإذا بالحياة تنتج ما لا يحصى من النظريات حول التكوين والحياة والإنسان. فكانت هذه النظريات بمعظمها نتاج الحياة نفسها التي سعت تلك الفلسفات إلى سبر أغوارها وفك طلاسمها، فتراها أتت مغموسة بنقيع المجتمعات التي ظهرت فيها، منكهة بروحها وتفاصيلها، محددة بإطار ما يدركه العقل الإنساني الذي أنتجها كما أتاحت له الحياة التي يعيشها أن يرى ويستنتج. والأمر نفسه ينطبق حتى على الفلسفات الجدلية الكلاسيكية التي جانبت الحسم في نقطة البداية، بداية الوجود، فعزت الأمر إما لخالق مفترض، وإما لمصادفة لحظية. والواقع هو أنها انغمست في تحليل الحياة نفسها على حساب التأمل في العوامل المجردة، تلك التي لا يدركها إلا الوعي المجرد، عبر ارتقاء الوعي إلى ما فوق عمل العقل في الحياة والمجتمع، الموضوع الذي سنغوص في تفصيله في فصل لاحق من هذا الكتاب.
بعض الفلسفات في شرق آسيا كالبوذية مثلاً، استندت إلى تجريد الوعي في مقاربتها للوجود(*)، غير أنها انسلخت عن المجتمع عبر ممارسات يغلب عليها التنسك عوض العمل على تطوير المجتمع، لتتطبع بالتالي بمفاهيم الحياة البشرية وفق الطريقة التي دأب البشر على فهمها وعيشها ليتجلى ذلك بمستويين. الأول في تغليب السعادة والسلام الذاتي على حساب المجتمع، والثاني في غوصها في الصراع غير الجذري الذي انطبع به المجتمع الإنساني منذ بدايته الأولى من موقعها كديانات تختلف وتتناقض مع ديانات أخرى.
أما الفلسفات اللاإلحادية السماوية، فقد جردت مفهوم التكوين لديها من العوامل الموضوعية المجردة بذاتها، لتسنده إلى خالق مفترض وفق منطق «السببية»، وبما يتماشى مع محدودية العقل البشري بحسب ما يراه في حياته اليومية ووفق ما يتلاءم مع رؤيته وتصوراته. ببساطة، لكل شيء سبب.
لقد دعمت معظم الفلسفات اللاحقة، حتى الإلحادية منها، هذه المقاربة للتكوين – أي السببية – فغرقت في البحث في المسببات. واستندت الفلسفات الدينية السماوية إلى فرضية أن الخالق هو أساس لكل وجود وسبب كل جماد و ارتعاشة في الكون. غير أن هذا المنطق لا يلبث أن ينفي نفسه بنفسه عندما يصطدم بآخر حلقة من سلسلة الخلق المفترضة، الخالق. فإن كان لكل وجود خالق، فمن خلق الله؟
******
البداية
تقف مذهولاً أمام عظمة الكون، ثم ما تلبث أن ترتعش أمام عمق أسراره، فتسلّم أمره للمجهول وتعود إلى شؤونك اليومية حيث تفقه ما يجري من حولك. فالكون لايزال سرّا ًمنذ أبصرت البشرية نور الحياة. لاتزال البشرية منذ الأزل تتفحصّ الكون، تتأمل في عظمته، تترقب الأفلاك والنجوم، وتصوغ الآداب والنظريات حول التكوين وسرّه. ومن هذا الجهل ظهرت الفلسفات والديانات، منها ما تداعى أو تلاشى أثره ومنها ما بقي حتى يومنا هذا، والكون صامد أمامنا وحولنا وفينا، صامت أبداً...
***
دأبت معظم الفلسفات التي ظهرت على مر العصور على تأمل الحياة واستخلاص الاستنتاجات، فإذا بالحياة تنتج ما لا يحصى من النظريات حول التكوين والحياة والإنسان. فكانت هذه النظريات بمعظمها نتاج الحياة نفسها التي سعت تلك الفلسفات إلى سبر أغوارها وفك طلاسمها، فتراها أتت مغموسة بنقيع المجتمعات التي ظهرت فيها، منكهة بروحها وتفاصيلها، محددة بإطار ما يدركه العقل الإنساني الذي أنتجها كما أتاحت له الحياة التي يعيشها أن يرى ويستنتج. والأمر نفسه ينطبق حتى على الفلسفات الجدلية الكلاسيكية التي جانبت الحسم في نقطة البداية، بداية الوجود، فعزت الأمر إما لخالق مفترض، وإما لمصادفة لحظية. والواقع هو أنها انغمست في تحليل الحياة نفسها على حساب التأمل في العوامل المجردة، تلك التي لا يدركها إلا الوعي المجرد، عبر ارتقاء الوعي إلى ما فوق عمل العقل في الحياة والمجتمع، الموضوع الذي سنغوص في تفصيله في فصل لاحق من هذا الكتاب.
بعض الفلسفات في شرق آسيا كالبوذية مثلاً، استندت إلى تجريد الوعي في مقاربتها للوجود(*)، غير أنها انسلخت عن المجتمع عبر ممارسات يغلب عليها التنسك عوض العمل على تطوير المجتمع، لتتطبع بالتالي بمفاهيم الحياة البشرية وفق الطريقة التي دأب البشر على فهمها وعيشها ليتجلى ذلك بمستويين. الأول في تغليب السعادة والسلام الذاتي على حساب المجتمع، والثاني في غوصها في الصراع غير الجذري الذي انطبع به المجتمع الإنساني منذ بدايته الأولى من موقعها كديانات تختلف وتتناقض مع ديانات أخرى.
أما الفلسفات اللاإلحادية السماوية، فقد جردت مفهوم التكوين لديها من العوامل الموضوعية المجردة بذاتها، لتسنده إلى خالق مفترض وفق منطق «السببية»، وبما يتماشى مع محدودية العقل البشري بحسب ما يراه في حياته اليومية ووفق ما يتلاءم مع رؤيته وتصوراته. ببساطة، لكل شيء سبب.
لقد دعمت معظم الفلسفات اللاحقة، حتى الإلحادية منها، هذه المقاربة للتكوين – أي السببية – فغرقت في البحث في المسببات. واستندت الفلسفات الدينية السماوية إلى فرضية أن الخالق هو أساس لكل وجود وسبب كل جماد و ارتعاشة في الكون. غير أن هذا المنطق لا يلبث أن ينفي نفسه بنفسه عندما يصطدم بآخر حلقة من سلسلة الخلق المفترضة، الخالق. فإن كان لكل وجود خالق، فمن خلق الله؟
******
Page 4
السببية
إن الواقع أكثر تعقيداً بكثير مما نعتقد. هو مليء بالتفاصيل التي لا نهاية لها ولا سبيل لحصرها، وهي في ترابط وتكامل واعتمادية شاملة فيما بينها بشكلٍ يجعل القدرة على الإلمام بها مسألة مستحيلة. إن محاولة تفسير وفهم مظاهر هذا الواقع، أي المعرفة، هي ممارسة دأبنا عليها مذ وجدنا في هذا العالم. وعلى الرغم من أن الواقع هائل التفاصيل التي لا سبيل لحصرها، غير أننا اعتمدنا منهجاً معرفياً يرتكز في مقاربته على التفاصيل، المنهج السببيّ. وهو منهج، كما سنرى لاحقاً، ذاتي غير موضوعي، يركز على بعض التفاصيل التي تناسب المنطلقات الفكرية للشخص الذي يمارس المعرفة، فيما يهمل الكم الهائل من التفاصيل الموجودة، بالأحرى الكم اللامتناهي من التفاصيل المتوافرة في الوجود. بمعنى آخر، مطلق شخص يعتمد منهجاً سببيَّا في المعرفة سيرتكز على ما يعرفه من تفاصيل قليلة، وأسوأ، ما يتناسب مع منطلقاته الفكرية الذاتية، وسط واقع هائل التفاصيل...
لعل هذا الكتاب هو محاولة لاستكمال منهج فكري موجود أصلاً، منهج لا يرتكز على ما نعرفه من تفاصيل ووقائع، بل يلحظ ويدير الجزء الهائل الذي لا نعرفه من الوجود، منهج فكري مجرد...
***
السببية والتكوين... الخلق
أذكر مثالاً يحلو للاإلحاديين ذكره وتكراره وفي نيتهم إثبات أن لكل شيء سبباً وبالتالي الوجود.
كنت شاباً صغيراً، غارقاً في خضم تساؤلاتي حول الوجود والدنيا، وإذا بجدلية الإيمان والإلحاد تأخذ حيزاً مهماً من تفكيري ومن نقاشاتي، شأني شأن معظم الشباب في مثل سني. أذكر أنه جاءني أحد الرجال بقصة سمعتها لاحقاً مرات عديدة وبنسخ معدلة من أشخاص آخرين، وتحكي عن حوار بين حكيم وفتى لا يؤمن بالخالق. وإذا بالفتى يسأل الحكيم عمن بنى البيت العتيق الذي يسكنه الحكيم العجوز. فيجيب الحكيم بأن البيت بني لوحده. وعندما تهكم الفتى إزاء إجابة العجوز، أجاب الأخير بسؤال: «كيف تصدق أن الكون بني لوحده من دون خالق، ولا تصدق قصتي عن الكوخ الذي أسكنه والذي بني لوحده؟».
هذا هو المنطق السببي؛ البيت إذن بناه إنسان بالتأكيد.
غير أن هذا المنطق يغفل أن هناك عوامل أخرى تدخل في عملية البناء كالحاجة والضرورة والدافع، هذا فضلاً عن المواد، ولهذه أيضاً مسببّ، ومكونات ضمنها مكونات ضمنها مكونات... السببية لا تفضي إلى مكان إلا إلى سلسلة لا متناهية ولا طائل منها أبداً...
والارتكاز على السببية في تصور عملية تكوين الوجود يتلاءم تماماً مع ما يراه ويدركه ويعيشه الفكر الإنساني في حياته اليومية، كأن ينطبع في ذهنه ما يراه من الأشياء وما يجول في فكره كانعكاس لما يراه تحديداً، دون إدراك وتبصر في العوامل المجردة التي تنطلق منها عملية التكوين - وذلك كما أسلفنا، وكما سنرى في فصول لاحقة، لا يدركه إلا الوعي المجرد. وبالتالي فإن فكرة التكوين بالخلق التي ترتكز على المنهج السببي، تتناسب وما يراه الإنسان كل يوم... فالإنسان يرى اليد التي صنعت كرسياً، ويتناسى مجمل العوامل الموضوعية من مادة وتصميم وتوازنات وزمن، والتي لولاها ما صنع هذا الكرسي... وكذلك الأمر بالنسبة إلى عملية التكوين الذي يعزيه إلى خالق مفترض مغفلاً مجمل العوامل الموضوعية الأخرى من مادة وتوازنات وزمن...
فالسببية ترتكز على ركيزتين أساسيتين، أولاهما أن لكل شيء سبباً. أما ثانيتهما فهي فصل مكونات الوجود بين سبب ونتيجة، خالق ومخلوق. فعلاً، لقد دمغت السببية معظم مظاهر الحياة، وسيطر منطقها على الفكر الإنساني الجماعي بشكل كامل.
*
لقد كان الإنسان يعيش في الطبيعة، يتعايش معها فتتطور قدراته ومؤهلاته ليتكون أمامه نمط عيش مختلف بتحديات جديدة غريبة عنه وما كان قد تصورها من قبل. تحديات حتمت عليه مزيداً من التطوير في القدرات والمؤهلات، وهكذا دواليك... كان الإنسان يعيش بتناغم مع الطبيعة، مع قسوتها وطغيانها وكل ما فيها. كان يعيش معها بتلقائية مطلقة. لم يكن يفكر في «أسباب» ظواهرها، كانت كلها مشاعاً له بلا أية تعقيدات.
غير أن نمط الحياة تغير، وزاد تعقيده، وكثرت تفاصيله. والذي كان بديهياً تلقائياً أمسى معقداً ينقصه الوضوح. ودخلت مفاهيم جديدة إلى حياة الإنسان كالملكية والسلطة وكل ما يترتب عليها من تفاصيل وتفاصيل التفاصيل. ومن رحم عجز الإنسان على الإلمام بالتفاصيل والتعقيدات الطارئة والمتزايدة على حياته ومجتمعه، ظهر المنهج السببي. منهجٌ ظاهره يهدف إلى تحليل الحياة بغية فهمها، غير أن واقعه هو التالي: التركيز على تفاصيل قليلة واضحة وإهمال الغالبية الكاسحة من العوامل اللامتناهية المؤثرة.
والأنماط الاقتصادية المرتكزة على الاستغلال، والتي عرفها ولايزال يعيشها المجتمع البشري، ولد من رحمها المنهج السببي ليهيمن سلطاناً على المنظومات الفكرية السائدة، تلك المنظومات التي تعزز بدورها بالمقابل هذه المنهجية وتسهم في ترسيخها كالأديان مثلاً، وخصوصاً «السماوية» منها.
إن أثر المنهج السببي على المجتمع الإنساني هائل جداً... لقد بُدد الكثير من الثروات على البحث في مسببات الأمور، مسببات لاتنتهي ولا مجال لتعدادها، فيما العالم بمعظمه يرزح تحت وطأة الفقر والمجاعة والذلّ.
إن الواقع أكثر تعقيداً بكثير مما نعتقد. هو مليء بالتفاصيل التي لا نهاية لها ولا سبيل لحصرها، وهي في ترابط وتكامل واعتمادية شاملة فيما بينها بشكلٍ يجعل القدرة على الإلمام بها مسألة مستحيلة. إن محاولة تفسير وفهم مظاهر هذا الواقع، أي المعرفة، هي ممارسة دأبنا عليها مذ وجدنا في هذا العالم. وعلى الرغم من أن الواقع هائل التفاصيل التي لا سبيل لحصرها، غير أننا اعتمدنا منهجاً معرفياً يرتكز في مقاربته على التفاصيل، المنهج السببيّ. وهو منهج، كما سنرى لاحقاً، ذاتي غير موضوعي، يركز على بعض التفاصيل التي تناسب المنطلقات الفكرية للشخص الذي يمارس المعرفة، فيما يهمل الكم الهائل من التفاصيل الموجودة، بالأحرى الكم اللامتناهي من التفاصيل المتوافرة في الوجود. بمعنى آخر، مطلق شخص يعتمد منهجاً سببيَّا في المعرفة سيرتكز على ما يعرفه من تفاصيل قليلة، وأسوأ، ما يتناسب مع منطلقاته الفكرية الذاتية، وسط واقع هائل التفاصيل...
لعل هذا الكتاب هو محاولة لاستكمال منهج فكري موجود أصلاً، منهج لا يرتكز على ما نعرفه من تفاصيل ووقائع، بل يلحظ ويدير الجزء الهائل الذي لا نعرفه من الوجود، منهج فكري مجرد...
***
السببية والتكوين... الخلق
أذكر مثالاً يحلو للاإلحاديين ذكره وتكراره وفي نيتهم إثبات أن لكل شيء سبباً وبالتالي الوجود.
كنت شاباً صغيراً، غارقاً في خضم تساؤلاتي حول الوجود والدنيا، وإذا بجدلية الإيمان والإلحاد تأخذ حيزاً مهماً من تفكيري ومن نقاشاتي، شأني شأن معظم الشباب في مثل سني. أذكر أنه جاءني أحد الرجال بقصة سمعتها لاحقاً مرات عديدة وبنسخ معدلة من أشخاص آخرين، وتحكي عن حوار بين حكيم وفتى لا يؤمن بالخالق. وإذا بالفتى يسأل الحكيم عمن بنى البيت العتيق الذي يسكنه الحكيم العجوز. فيجيب الحكيم بأن البيت بني لوحده. وعندما تهكم الفتى إزاء إجابة العجوز، أجاب الأخير بسؤال: «كيف تصدق أن الكون بني لوحده من دون خالق، ولا تصدق قصتي عن الكوخ الذي أسكنه والذي بني لوحده؟».
هذا هو المنطق السببي؛ البيت إذن بناه إنسان بالتأكيد.
غير أن هذا المنطق يغفل أن هناك عوامل أخرى تدخل في عملية البناء كالحاجة والضرورة والدافع، هذا فضلاً عن المواد، ولهذه أيضاً مسببّ، ومكونات ضمنها مكونات ضمنها مكونات... السببية لا تفضي إلى مكان إلا إلى سلسلة لا متناهية ولا طائل منها أبداً...
والارتكاز على السببية في تصور عملية تكوين الوجود يتلاءم تماماً مع ما يراه ويدركه ويعيشه الفكر الإنساني في حياته اليومية، كأن ينطبع في ذهنه ما يراه من الأشياء وما يجول في فكره كانعكاس لما يراه تحديداً، دون إدراك وتبصر في العوامل المجردة التي تنطلق منها عملية التكوين - وذلك كما أسلفنا، وكما سنرى في فصول لاحقة، لا يدركه إلا الوعي المجرد. وبالتالي فإن فكرة التكوين بالخلق التي ترتكز على المنهج السببي، تتناسب وما يراه الإنسان كل يوم... فالإنسان يرى اليد التي صنعت كرسياً، ويتناسى مجمل العوامل الموضوعية من مادة وتصميم وتوازنات وزمن، والتي لولاها ما صنع هذا الكرسي... وكذلك الأمر بالنسبة إلى عملية التكوين الذي يعزيه إلى خالق مفترض مغفلاً مجمل العوامل الموضوعية الأخرى من مادة وتوازنات وزمن...
فالسببية ترتكز على ركيزتين أساسيتين، أولاهما أن لكل شيء سبباً. أما ثانيتهما فهي فصل مكونات الوجود بين سبب ونتيجة، خالق ومخلوق. فعلاً، لقد دمغت السببية معظم مظاهر الحياة، وسيطر منطقها على الفكر الإنساني الجماعي بشكل كامل.
*
لقد كان الإنسان يعيش في الطبيعة، يتعايش معها فتتطور قدراته ومؤهلاته ليتكون أمامه نمط عيش مختلف بتحديات جديدة غريبة عنه وما كان قد تصورها من قبل. تحديات حتمت عليه مزيداً من التطوير في القدرات والمؤهلات، وهكذا دواليك... كان الإنسان يعيش بتناغم مع الطبيعة، مع قسوتها وطغيانها وكل ما فيها. كان يعيش معها بتلقائية مطلقة. لم يكن يفكر في «أسباب» ظواهرها، كانت كلها مشاعاً له بلا أية تعقيدات.
غير أن نمط الحياة تغير، وزاد تعقيده، وكثرت تفاصيله. والذي كان بديهياً تلقائياً أمسى معقداً ينقصه الوضوح. ودخلت مفاهيم جديدة إلى حياة الإنسان كالملكية والسلطة وكل ما يترتب عليها من تفاصيل وتفاصيل التفاصيل. ومن رحم عجز الإنسان على الإلمام بالتفاصيل والتعقيدات الطارئة والمتزايدة على حياته ومجتمعه، ظهر المنهج السببي. منهجٌ ظاهره يهدف إلى تحليل الحياة بغية فهمها، غير أن واقعه هو التالي: التركيز على تفاصيل قليلة واضحة وإهمال الغالبية الكاسحة من العوامل اللامتناهية المؤثرة.
والأنماط الاقتصادية المرتكزة على الاستغلال، والتي عرفها ولايزال يعيشها المجتمع البشري، ولد من رحمها المنهج السببي ليهيمن سلطاناً على المنظومات الفكرية السائدة، تلك المنظومات التي تعزز بدورها بالمقابل هذه المنهجية وتسهم في ترسيخها كالأديان مثلاً، وخصوصاً «السماوية» منها.
إن أثر المنهج السببي على المجتمع الإنساني هائل جداً... لقد بُدد الكثير من الثروات على البحث في مسببات الأمور، مسببات لاتنتهي ولا مجال لتعدادها، فيما العالم بمعظمه يرزح تحت وطأة الفقر والمجاعة والذلّ.
Page 5
السببية ذاتية غير موضوعية
إن المنهج السببي منهج ذاتي تماماً غير موضوعي، ومنهج خطي بسيط سهل الاستيعاب، ولعل هذا أحد أوضح العوامل الذهنية التي أسهمت ولاتزال تسهم في طغيانه على عقولنا.
إن «سبب» ظاهرة معينة مسألة ذاتية لأقصى الحدود، وتختلف من شخص إلى شخص مما يجعل البحث في مسببات الأشياء مضيعة للوقت ولا يفضي إلى مكان أبداً. إن المنهجية السببية في مقاربة الأحداث وظواهر الحياة مقاربة غير موضوعية ولا تأخذ الطابع الجدلي والعلاقة المترابطة الاعتمادية بين جميع عناصر الوجود. تأخذ في الاعتبار المسائل الواضحة، وتهمل الكم الساحق من العوامل الأخرى غير الظاهرة. هي بنت الفكر، تنتمي إليه، وليس الوعي الموضوعي المجرد، وسنبحث في ذلك في فصل لاحق في هذا الكتاب.
والمنهج السببي دائماً ما يتبع مساراً خطياً بسيطاً للزمن، كرونولوجيا. في الواقع، إن المسار الخطي للزمن هو تعبير بسيط عن مروره، إنما لا يعبر عن حقيقته أبداً. ثم إن مرور الزمن بدوره هو جزء من العوامل المؤثرة في حدث معين، ونحن دائماً ما نهمل ذلك لأنه مسألة بديهية في نظرنا. فالمقاربة الخطية للزمن تجعل من السابق مرحلة مضت، وليس جزءاً من الحاضر.
- الزمن في الواقع كروي كرويّ...
*
كنت في نقاش مع أحد أصدقائي. كان يحاول أن يثبت لي صحة المنهج السببي وبساطته... دفع كوباً من يده إلى الأرض وانكسر. كان يفكر في أن «السبب» في كسر الكوب هو قوة يده التي دفعته إلى الأرض؛ وكنت أفكر أياً من «الأسباب» أعتمد؟ هل يده التي دفعت الكوب؟ أم أن سعيه لدعم السببية هو الذي كسره؟ أم أن حدثاً معيناً بل عدداً لامتناهياً من الأحداث التي نجهلها في طفولته أسهمت في تكوين شخصيته على هذا النحو العصبي الذي جعله يثبت نقطته بهذه الطريقة؟ أم واقع أنه ولد في لبنان وحصل لي شرف لقائه مثلاً؟ أو 11 أيلول 2001 التي ذهبت معها فرصة عمل كان قد تقدم بطلب للحصول عليها ليذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية نهائياً فلا يحصل لي شرف لقائه، أم ، أم، أم... في الواقع إن كل نبض في الكون يؤثر في كل نبض آخر، مرتبط به متفاعل معه.
***
غرق في التفاصيل
إن المنهج السببي، كما أسلفنا، منهج يرتكز على التفاصيل، بالأحرى على القليل من التفاصيل، على حساب المنظور الجدلي الوحدوي للوجود. يرتكز على القليل من التفاصيل ضمن وجود لا نهاية لتفاصيله، ولا سبيل لتعدادها. وإذ نحن متدربون على اعتماد هذا المنهج، فإننا نعتمده في كل شيء، حتى في توقعاتنا للمستقبل الإيجابية منها والسلبية، في مخاوفنا وفي أحزاننا. إن التفاصيل كثيرة، كثيرة جداً لدرجة أننا دائماً، أقول دائماً، ما سنجد فيها ما يغذي توقعاتنا ويؤكد مخاوفنا ويعزز أحزاننا، والأمر ينطبق تماماً حتى على اضطرابات العقل وأثر المنهج السببي في تعزيزها.
***
سيناريوهات لامتناهية
إنطلاقاً من أن السببية منهج ذاتي تماماً غير موضوعيّ، فمن الطبيعي أنه عندما نستخدم المنهج السببي، ونحن دائماً ما نفعل ذلك في مقاربتنا للأمور، فإن السببية ستتيح لنا دائماً كماً هائلاً لامتناهياً من التفسيرات لظاهرة معينة، كماً هائلاً من السيناريوهات، والأهم أنها جميعها تنطبق. غير أننا غالباً ما نعتمد أحدها وغالباً ما نتعصب للتفسير أو للسيناريو الذي اخترناه. إن جميع التفسيرات تنطبق لأنها تنطلق من منهج سببي ذاتي وتتبع مساراً خطياً بسيطاً يفتقر إلى الشمول والاعتمادية المتبادلة لجميع عناصر الوجود. إن جميع هذه التفسيرات والسيناريوهات التي نختارها بخيار ذاتي انطلاقاً من ذاتنا، ومن منظورنا الخاص ونعتمدها بإخلاص ونتعصب لها إنما تجمعها صفة مشتركة: بعدها عن الحقيقة، بالتالي بعدها عن الواقع الموضوعي ضمن الوجود الموحد الذي يعبر عن تلك العلاقة الاعتمادية والترابط بين سائر مكوناته وعناصره...
السببية ستتيح لنا دائماً كماً هائلاً لامتناهياً من التفسيرات لظاهرة معينة، كماً هائلاً من السيناريوهات، واعتماد أي منها دائماً ما يوحي لنا بأننا نعرف، بأننا متمكنون من الحقيقة مالكون لها. فكلما قل اطلاع شخص ما زاد منسوب تعصبه وشعوره بأنه «يعرف». والعكس صحيح، فإنه كلما اطلع الشخص أكثر وزادت معرفته، زاد تواضعه. في الواقع إن سعة الاطلاع تظهر لنا كم أننا لا نعرف، وكلما عرفنا أكثر، زاد تواضعنا أمام الواقع. غير أن المنهج السببي الذاتي، العاجز تماماً من أن يلحظ الطابع الشمولي المترابط والجدلي للوجود، وبالتالي الطابع الشمولي للمعرفة والفهم المتمخضين عنه، إنما يجعلنا نبحث في تدعيم نظرتنا أكثر ومحاولة تأكيدها، بما معناه عدم مضاعفة معرفتنا وشمولية اطلاعنا... مع الأسف، نحن متدربون كثيراً على المنهج السببي لآلاف السنين، وكل المنظومة الفكرية السائدة إنما المنهج السببي أساس لها...
قد يبدو الأمر مسألة عادية طبيعية وغير ذات شأن، وقد يبدو للوهلة الأولى أن أثر المقاربة السببية الذاتية صغير وغير واضح بمكان... لكن فلنتمعن بأمثلة معينة ستظهر لنا كم أن ابتعاد معرفتنا عن الواقع الموضوعي المجرد من خلال المنهج السببي سيرتب آثاراً كبيرة، أحياناً مدمرة وكثيراً ما تكون غير متوقعة. كيف أن الذاتية واعتماد التعصب لفكرة معينة وتفسير معين إزاء استحالة الإلمام بالكم الهائل من التفاصيل يجعل منا عرضة للكوارث. وهذا ليس دعوة لزيادة الاطلاع والسعة المعرفية، بل لتغيير المنهج المعرفي المتبع، المنهج السببي. ففي ظل السببية، التي ترتكز على التفاصيل، يصبح الوصول إلى تفسير وفهم صحيح مستحيلاً طالما أنه من المستحيل الإلمام بجميع التفاصيل الموجودة. إذن المطلوب هو منهج معرفي يتناسب مع طبيعة الوجود، منهج وفهم جدلي يلحظ الطابع الوحدوي للوجود والاعتمادية التي تسود عناصره جميعها.
إن المنهج السببي منهج ذاتي تماماً غير موضوعي، ومنهج خطي بسيط سهل الاستيعاب، ولعل هذا أحد أوضح العوامل الذهنية التي أسهمت ولاتزال تسهم في طغيانه على عقولنا.
إن «سبب» ظاهرة معينة مسألة ذاتية لأقصى الحدود، وتختلف من شخص إلى شخص مما يجعل البحث في مسببات الأشياء مضيعة للوقت ولا يفضي إلى مكان أبداً. إن المنهجية السببية في مقاربة الأحداث وظواهر الحياة مقاربة غير موضوعية ولا تأخذ الطابع الجدلي والعلاقة المترابطة الاعتمادية بين جميع عناصر الوجود. تأخذ في الاعتبار المسائل الواضحة، وتهمل الكم الساحق من العوامل الأخرى غير الظاهرة. هي بنت الفكر، تنتمي إليه، وليس الوعي الموضوعي المجرد، وسنبحث في ذلك في فصل لاحق في هذا الكتاب.
والمنهج السببي دائماً ما يتبع مساراً خطياً بسيطاً للزمن، كرونولوجيا. في الواقع، إن المسار الخطي للزمن هو تعبير بسيط عن مروره، إنما لا يعبر عن حقيقته أبداً. ثم إن مرور الزمن بدوره هو جزء من العوامل المؤثرة في حدث معين، ونحن دائماً ما نهمل ذلك لأنه مسألة بديهية في نظرنا. فالمقاربة الخطية للزمن تجعل من السابق مرحلة مضت، وليس جزءاً من الحاضر.
- الزمن في الواقع كروي كرويّ...
*
كنت في نقاش مع أحد أصدقائي. كان يحاول أن يثبت لي صحة المنهج السببي وبساطته... دفع كوباً من يده إلى الأرض وانكسر. كان يفكر في أن «السبب» في كسر الكوب هو قوة يده التي دفعته إلى الأرض؛ وكنت أفكر أياً من «الأسباب» أعتمد؟ هل يده التي دفعت الكوب؟ أم أن سعيه لدعم السببية هو الذي كسره؟ أم أن حدثاً معيناً بل عدداً لامتناهياً من الأحداث التي نجهلها في طفولته أسهمت في تكوين شخصيته على هذا النحو العصبي الذي جعله يثبت نقطته بهذه الطريقة؟ أم واقع أنه ولد في لبنان وحصل لي شرف لقائه مثلاً؟ أو 11 أيلول 2001 التي ذهبت معها فرصة عمل كان قد تقدم بطلب للحصول عليها ليذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية نهائياً فلا يحصل لي شرف لقائه، أم ، أم، أم... في الواقع إن كل نبض في الكون يؤثر في كل نبض آخر، مرتبط به متفاعل معه.
***
غرق في التفاصيل
إن المنهج السببي، كما أسلفنا، منهج يرتكز على التفاصيل، بالأحرى على القليل من التفاصيل، على حساب المنظور الجدلي الوحدوي للوجود. يرتكز على القليل من التفاصيل ضمن وجود لا نهاية لتفاصيله، ولا سبيل لتعدادها. وإذ نحن متدربون على اعتماد هذا المنهج، فإننا نعتمده في كل شيء، حتى في توقعاتنا للمستقبل الإيجابية منها والسلبية، في مخاوفنا وفي أحزاننا. إن التفاصيل كثيرة، كثيرة جداً لدرجة أننا دائماً، أقول دائماً، ما سنجد فيها ما يغذي توقعاتنا ويؤكد مخاوفنا ويعزز أحزاننا، والأمر ينطبق تماماً حتى على اضطرابات العقل وأثر المنهج السببي في تعزيزها.
***
سيناريوهات لامتناهية
إنطلاقاً من أن السببية منهج ذاتي تماماً غير موضوعيّ، فمن الطبيعي أنه عندما نستخدم المنهج السببي، ونحن دائماً ما نفعل ذلك في مقاربتنا للأمور، فإن السببية ستتيح لنا دائماً كماً هائلاً لامتناهياً من التفسيرات لظاهرة معينة، كماً هائلاً من السيناريوهات، والأهم أنها جميعها تنطبق. غير أننا غالباً ما نعتمد أحدها وغالباً ما نتعصب للتفسير أو للسيناريو الذي اخترناه. إن جميع التفسيرات تنطبق لأنها تنطلق من منهج سببي ذاتي وتتبع مساراً خطياً بسيطاً يفتقر إلى الشمول والاعتمادية المتبادلة لجميع عناصر الوجود. إن جميع هذه التفسيرات والسيناريوهات التي نختارها بخيار ذاتي انطلاقاً من ذاتنا، ومن منظورنا الخاص ونعتمدها بإخلاص ونتعصب لها إنما تجمعها صفة مشتركة: بعدها عن الحقيقة، بالتالي بعدها عن الواقع الموضوعي ضمن الوجود الموحد الذي يعبر عن تلك العلاقة الاعتمادية والترابط بين سائر مكوناته وعناصره...
السببية ستتيح لنا دائماً كماً هائلاً لامتناهياً من التفسيرات لظاهرة معينة، كماً هائلاً من السيناريوهات، واعتماد أي منها دائماً ما يوحي لنا بأننا نعرف، بأننا متمكنون من الحقيقة مالكون لها. فكلما قل اطلاع شخص ما زاد منسوب تعصبه وشعوره بأنه «يعرف». والعكس صحيح، فإنه كلما اطلع الشخص أكثر وزادت معرفته، زاد تواضعه. في الواقع إن سعة الاطلاع تظهر لنا كم أننا لا نعرف، وكلما عرفنا أكثر، زاد تواضعنا أمام الواقع. غير أن المنهج السببي الذاتي، العاجز تماماً من أن يلحظ الطابع الشمولي المترابط والجدلي للوجود، وبالتالي الطابع الشمولي للمعرفة والفهم المتمخضين عنه، إنما يجعلنا نبحث في تدعيم نظرتنا أكثر ومحاولة تأكيدها، بما معناه عدم مضاعفة معرفتنا وشمولية اطلاعنا... مع الأسف، نحن متدربون كثيراً على المنهج السببي لآلاف السنين، وكل المنظومة الفكرية السائدة إنما المنهج السببي أساس لها...
قد يبدو الأمر مسألة عادية طبيعية وغير ذات شأن، وقد يبدو للوهلة الأولى أن أثر المقاربة السببية الذاتية صغير وغير واضح بمكان... لكن فلنتمعن بأمثلة معينة ستظهر لنا كم أن ابتعاد معرفتنا عن الواقع الموضوعي المجرد من خلال المنهج السببي سيرتب آثاراً كبيرة، أحياناً مدمرة وكثيراً ما تكون غير متوقعة. كيف أن الذاتية واعتماد التعصب لفكرة معينة وتفسير معين إزاء استحالة الإلمام بالكم الهائل من التفاصيل يجعل منا عرضة للكوارث. وهذا ليس دعوة لزيادة الاطلاع والسعة المعرفية، بل لتغيير المنهج المعرفي المتبع، المنهج السببي. ففي ظل السببية، التي ترتكز على التفاصيل، يصبح الوصول إلى تفسير وفهم صحيح مستحيلاً طالما أنه من المستحيل الإلمام بجميع التفاصيل الموجودة. إذن المطلوب هو منهج معرفي يتناسب مع طبيعة الوجود، منهج وفهم جدلي يلحظ الطابع الوحدوي للوجود والاعتمادية التي تسود عناصره جميعها.
Page 6
أحد معارفي شخصٌ من أولئك الذين يفسرون سائر مظاهر الحياة تفسيراً ذاتياً سببياً. تجده دائم التحليل في الأسباب، يغوص فيها حتى النخاع في سعيه لتفسير ظاهرة معينة. وهو بذلك إنما يسعى فقط لتأكيد فهم معد سلفاً في فكره، يتعصب له ويسعى لتأكيده من خلال السببية والمنهج المعرفي الخطي. وتجد ذلك ينطبق على سائر الأمور المرتبطة بحياته من العمل، إلى الاجتماعيات، وصولاً إلى الأمور المتعلقة بالصحة...
من البديهي مثلاً أن هذا الشخص، فلنسمه هنا «عارف»، يكره القراءة التي من الأرجح أنها ستفتح آفاقاً هو في لاوعيه يخاف منها كونها قد تهز قناعاته الراسخة، فضلاً عن أنها ستظهر له كم من الأمور والتفاصيل هناك، تفاصيل لا يعرفها، والأسوأ، أن لا سبيل للإلمام بها أبداً...
عارف دأب على المنهج السببي، يفسر كل ما يواجهه انطلاقاً من قناعاته الراسخة. بطبيعة الحال، وبالنظر إلى الوفرة الهائلة من التفاصيل، فإن كل تفصيل أو مظهر من مظاهر الحياة كان يؤكد له قناعاته يوماً بعد يوم. (يا للعجب!!!) وكلما زاد تفصيلٌ قل تواضعه، واتجهت نبرته وأسلوب حديثه باتجاه الحسم الفكري التام، أسلوب يجعل المستمع يشعر بأن كل ما يقوله حقيقة، اليقين عينه...
كان عارف يبتعد عن الواقع الموضوعي يوماً بعد يوم. كان الواقع الفكري الذي يعيشه على المستوى اليومي أساساً لمظاهر حياته كافة، ليشمل بذلك أسلوب الحياة والغذاء ومقاربته للصحة الشخصية والأمراض وما إلى هنالك. ويوماً بعد يوم تضاعفت «الفجوة بين ما يعرفه، وما يظن أنه يعرفه»، و«من هذه الفجوة تولدت»(**) الكارثة... أصيب بمرض نادر جداً...
إنك لتجد العديد من الأمثلة التي تشبه بطل أقصوصتنا عارف؛ أشخاص وعائلات تتراكم لديها المصائب الاستثنائية جداً، وذلك إنما هو نتاج هذا التعصب الفكري، الحسم الفكري المرتكز على فهم خطي سببي بسيط. والأسوأ هو أن هذه الكوارث الاستثنائية في غالب الأحيان لا تحفز ضحاياها على انتهاج منهج ذهني مختلف، منهج جدلي ومتواضع، إنما تولد مقاربة غريبة جداً من قبل الشخص نفسه والمجتمع المحيط على السواء. إن هذه الأحداث الاستثنائية كثيراً ما تعزز القناعات الراسخة نفسها وتدعمها، تولد أحكاماً مقلوبة من مثل: «ما زالوا أقوياء رغم كل ما حصل معهم!» أو مثل: «إن التجارب والكوارث صقلتهم وزادت من قوتهم وصلابتهم!» غير أن الواقع هو أنه لم يتغير شيء... المنهج الفكري هو هو، والقناعات هي هي، والكوارث المتلاحقة هي هي... وفي أحيان كثيرة تكون فكرة أن الله يختبرهم هي أفضل عزاء ممكن يلجأون إليه...
لكن في جميع الأحوال، لا يجوز أن نعمم العكس. بمعنى أن الأحداث الاستثنائية من الممكن أن تحصل أيضاً مع الأشخاص اللاعصبويين تجاه أفكارهم وقناعاتهم، وأولئك الذين لا يتبعون منهجاً ذهنياً خطياً سببياً جامداً، وإن كان بنسبٍ أقلّ...
*
نحن بلاوعينا ننشد تلقائياً إلى تأكيد قناعاتنا الراسخة والتعصب لها، وبالتالي فإن جميع منطلقاتنا الفكرية ليست وليدة المجرد والموضوعي ولا وليدة التوق إلى المعرفة، بل نتاج قناعات راسخة لدينا أصلاً نسعى إلى تأكيدها. كما سنرى لاحقاً في بحثنا في الفكر والوعي، فإن سلطة فكرنا على ذاته معدومة تماماً بينما العكس هو الصحيح بالنسبة إلى الوعي الموضوعي المجرد. نتعصب لقناعاتنا ودائماً ما نسعى فقط إلى تأكيدها بحيث إننا نسعى إلى أن نسمع ما نريد أن نسمعه، ما نحن مقتنعون به أصلاً. والإنسان المتعصب لفكره، سواء سياسياً أو نفسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، إنما هو متعصب لمنظومة فكرية مبنية على مجموعة ضيقة من التفاصيل، بحيث أنها كلما ضاقت، زاد شعوره بالأمان إزاءها بفعل قدرته على الإلمام بها والتمكن منها، وازدادت بالتالي شراسته وعصبيته في الدفاع عن قناعاته ومنطلقاته بالاستناد إلى هذه المنظومة الفكرية. يشعر بأن اهتزاز أي ركن من أركانها سيدمرها تماماً، فيسعى دوماً إلى تأكيدها، وهو دائماً ما سيجد السبيل إلى ذلك بفعل توافر كم هائل من التفاصيل في الوجود، دائماً ما سيقدر على تأكيد قناعاته.
إن التطور المعرفي إنما يتطلب منا فكراً منفتحاً مرناً، يأخذ في الاعتبار دوماً احتمال أن تكون بعض قناعاتنا، وأحياناً الكثير منها، أو حتى جميعها، قناعات خاطئة. إن مدى المرونة والانفتاح على جميع الاحتمالات والقدرة والجهوزية لاحتواء أشكال النقض كافة للقناعات والمنطلقات الفكرية التي لدينا هي معيار إمكانيتنا على التطور...
*
إذ أكتب هذه السطور، يبلغ الاحتقان السياسي أوجه في لبنان. إنك لترى ملامح هذا الاحتقان في وجوه سائر جهابذة السياسة اللبنانية وأصواتهم وخطاباتهم وتصريحاتهم، وذلك في جميع وسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة والمكتوبة. كل هذا إنما يجعل الاطلاع على جميع وسائل الإعلام هذه مضيعة تامة للوقت والطاقة، وتشويشاً وتلويثاً للذهن وللمعرفة. وإذ تنقل بين محطات التلفزة المحلية، كثيراً ما تجد ضيفين في حلقة حوارية سياسية يقومان بمناظرة يستعرضان فيها الحجج. وإذا كنت محايداً، فإن ما سيلفتك حتماً هو حجم الإقناع الذي تتسم به طروحات كل من الطرفين. بالطبع إذا لم تكن محايداً تماماً، فإن فرصة أن تلاحظ هذا الأمر ضئيلة جداً. فإذا كنت منحازاً لأي من الطرفين، فإن فكرك سيعمد إلى تأكيد قناعاتك الراسخة أصلاً، فتتبنى تلقائياً وبعصبوية شديدة الطرح الذي يناسب قناعاتك ومنطلقاتك الفكرية والسياسية. إذن، فإن مطلق مشاهد محايد لمناظرة سياسية تلفزيونية، خصوصاً إذا كان المتناظران على مستوى عال ومتكافئ، ستبدو له الطروحات الفكرية لكلا الطرفين منطقية تماماً.
في الواقع، إن المنهجية التي ينطلق منها الطرحان المتناقضان، أي المنهجية السببية الذاتية التي ترتكز على التفاصيل، ستجعل أمام كل من الطرفين وفرة عظيمةً في التفاصيل. وفرةً ستتيح لكل من الطرفين وانطلاقاً من قناعاته الراسخة أصلاً، القدرة على الإتيان بالحجج التي ستؤكد وتدعم كلامه وطروحاته، وستتيح له إمكانية سردية بالحجج والتحليلات المطلوبة التي دائماً ما ستنجح في أن تنطبق، والأسوأ أنها ستبدو منطقية تماماً خصوصاً للمشاهدين الذين يتشارك معهم المنطلقات الفكرية والعصبوية السياسية نفسها. والمشاهد المنحاز، وكذلك انطلاقاً من قناعاته وفي خضم سعيه الفكري إلى تأكيدها، سيزداد تعصباً لقناعاته. فالاحتقان الذي يظهره النقاش المتلفز إنما ينسحب أيضاً على الجماهير التي تسعى أطراف النقاش إلى تجييشها. نقاش لا طائل منه، ولن ينتهي باقتناع أحد الطرفين برأي الآخر، إنما سيبقى الاحتقان هو هو بل سيزيد إلى حد قد يصبح معه التوتر وحتى العنف مسألة حتمية لا مفر منها...
من البديهي مثلاً أن هذا الشخص، فلنسمه هنا «عارف»، يكره القراءة التي من الأرجح أنها ستفتح آفاقاً هو في لاوعيه يخاف منها كونها قد تهز قناعاته الراسخة، فضلاً عن أنها ستظهر له كم من الأمور والتفاصيل هناك، تفاصيل لا يعرفها، والأسوأ، أن لا سبيل للإلمام بها أبداً...
عارف دأب على المنهج السببي، يفسر كل ما يواجهه انطلاقاً من قناعاته الراسخة. بطبيعة الحال، وبالنظر إلى الوفرة الهائلة من التفاصيل، فإن كل تفصيل أو مظهر من مظاهر الحياة كان يؤكد له قناعاته يوماً بعد يوم. (يا للعجب!!!) وكلما زاد تفصيلٌ قل تواضعه، واتجهت نبرته وأسلوب حديثه باتجاه الحسم الفكري التام، أسلوب يجعل المستمع يشعر بأن كل ما يقوله حقيقة، اليقين عينه...
كان عارف يبتعد عن الواقع الموضوعي يوماً بعد يوم. كان الواقع الفكري الذي يعيشه على المستوى اليومي أساساً لمظاهر حياته كافة، ليشمل بذلك أسلوب الحياة والغذاء ومقاربته للصحة الشخصية والأمراض وما إلى هنالك. ويوماً بعد يوم تضاعفت «الفجوة بين ما يعرفه، وما يظن أنه يعرفه»، و«من هذه الفجوة تولدت»(**) الكارثة... أصيب بمرض نادر جداً...
إنك لتجد العديد من الأمثلة التي تشبه بطل أقصوصتنا عارف؛ أشخاص وعائلات تتراكم لديها المصائب الاستثنائية جداً، وذلك إنما هو نتاج هذا التعصب الفكري، الحسم الفكري المرتكز على فهم خطي سببي بسيط. والأسوأ هو أن هذه الكوارث الاستثنائية في غالب الأحيان لا تحفز ضحاياها على انتهاج منهج ذهني مختلف، منهج جدلي ومتواضع، إنما تولد مقاربة غريبة جداً من قبل الشخص نفسه والمجتمع المحيط على السواء. إن هذه الأحداث الاستثنائية كثيراً ما تعزز القناعات الراسخة نفسها وتدعمها، تولد أحكاماً مقلوبة من مثل: «ما زالوا أقوياء رغم كل ما حصل معهم!» أو مثل: «إن التجارب والكوارث صقلتهم وزادت من قوتهم وصلابتهم!» غير أن الواقع هو أنه لم يتغير شيء... المنهج الفكري هو هو، والقناعات هي هي، والكوارث المتلاحقة هي هي... وفي أحيان كثيرة تكون فكرة أن الله يختبرهم هي أفضل عزاء ممكن يلجأون إليه...
لكن في جميع الأحوال، لا يجوز أن نعمم العكس. بمعنى أن الأحداث الاستثنائية من الممكن أن تحصل أيضاً مع الأشخاص اللاعصبويين تجاه أفكارهم وقناعاتهم، وأولئك الذين لا يتبعون منهجاً ذهنياً خطياً سببياً جامداً، وإن كان بنسبٍ أقلّ...
*
نحن بلاوعينا ننشد تلقائياً إلى تأكيد قناعاتنا الراسخة والتعصب لها، وبالتالي فإن جميع منطلقاتنا الفكرية ليست وليدة المجرد والموضوعي ولا وليدة التوق إلى المعرفة، بل نتاج قناعات راسخة لدينا أصلاً نسعى إلى تأكيدها. كما سنرى لاحقاً في بحثنا في الفكر والوعي، فإن سلطة فكرنا على ذاته معدومة تماماً بينما العكس هو الصحيح بالنسبة إلى الوعي الموضوعي المجرد. نتعصب لقناعاتنا ودائماً ما نسعى فقط إلى تأكيدها بحيث إننا نسعى إلى أن نسمع ما نريد أن نسمعه، ما نحن مقتنعون به أصلاً. والإنسان المتعصب لفكره، سواء سياسياً أو نفسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، إنما هو متعصب لمنظومة فكرية مبنية على مجموعة ضيقة من التفاصيل، بحيث أنها كلما ضاقت، زاد شعوره بالأمان إزاءها بفعل قدرته على الإلمام بها والتمكن منها، وازدادت بالتالي شراسته وعصبيته في الدفاع عن قناعاته ومنطلقاته بالاستناد إلى هذه المنظومة الفكرية. يشعر بأن اهتزاز أي ركن من أركانها سيدمرها تماماً، فيسعى دوماً إلى تأكيدها، وهو دائماً ما سيجد السبيل إلى ذلك بفعل توافر كم هائل من التفاصيل في الوجود، دائماً ما سيقدر على تأكيد قناعاته.
إن التطور المعرفي إنما يتطلب منا فكراً منفتحاً مرناً، يأخذ في الاعتبار دوماً احتمال أن تكون بعض قناعاتنا، وأحياناً الكثير منها، أو حتى جميعها، قناعات خاطئة. إن مدى المرونة والانفتاح على جميع الاحتمالات والقدرة والجهوزية لاحتواء أشكال النقض كافة للقناعات والمنطلقات الفكرية التي لدينا هي معيار إمكانيتنا على التطور...
*
إذ أكتب هذه السطور، يبلغ الاحتقان السياسي أوجه في لبنان. إنك لترى ملامح هذا الاحتقان في وجوه سائر جهابذة السياسة اللبنانية وأصواتهم وخطاباتهم وتصريحاتهم، وذلك في جميع وسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة والمكتوبة. كل هذا إنما يجعل الاطلاع على جميع وسائل الإعلام هذه مضيعة تامة للوقت والطاقة، وتشويشاً وتلويثاً للذهن وللمعرفة. وإذ تنقل بين محطات التلفزة المحلية، كثيراً ما تجد ضيفين في حلقة حوارية سياسية يقومان بمناظرة يستعرضان فيها الحجج. وإذا كنت محايداً، فإن ما سيلفتك حتماً هو حجم الإقناع الذي تتسم به طروحات كل من الطرفين. بالطبع إذا لم تكن محايداً تماماً، فإن فرصة أن تلاحظ هذا الأمر ضئيلة جداً. فإذا كنت منحازاً لأي من الطرفين، فإن فكرك سيعمد إلى تأكيد قناعاتك الراسخة أصلاً، فتتبنى تلقائياً وبعصبوية شديدة الطرح الذي يناسب قناعاتك ومنطلقاتك الفكرية والسياسية. إذن، فإن مطلق مشاهد محايد لمناظرة سياسية تلفزيونية، خصوصاً إذا كان المتناظران على مستوى عال ومتكافئ، ستبدو له الطروحات الفكرية لكلا الطرفين منطقية تماماً.
في الواقع، إن المنهجية التي ينطلق منها الطرحان المتناقضان، أي المنهجية السببية الذاتية التي ترتكز على التفاصيل، ستجعل أمام كل من الطرفين وفرة عظيمةً في التفاصيل. وفرةً ستتيح لكل من الطرفين وانطلاقاً من قناعاته الراسخة أصلاً، القدرة على الإتيان بالحجج التي ستؤكد وتدعم كلامه وطروحاته، وستتيح له إمكانية سردية بالحجج والتحليلات المطلوبة التي دائماً ما ستنجح في أن تنطبق، والأسوأ أنها ستبدو منطقية تماماً خصوصاً للمشاهدين الذين يتشارك معهم المنطلقات الفكرية والعصبوية السياسية نفسها. والمشاهد المنحاز، وكذلك انطلاقاً من قناعاته وفي خضم سعيه الفكري إلى تأكيدها، سيزداد تعصباً لقناعاته. فالاحتقان الذي يظهره النقاش المتلفز إنما ينسحب أيضاً على الجماهير التي تسعى أطراف النقاش إلى تجييشها. نقاش لا طائل منه، ولن ينتهي باقتناع أحد الطرفين برأي الآخر، إنما سيبقى الاحتقان هو هو بل سيزيد إلى حد قد يصبح معه التوتر وحتى العنف مسألة حتمية لا مفر منها...
Page 7
في الظاهر، هناك طرحان متناقضان مدعمان بالحجج المطلوبة التي دائماً ما ستبدو محقة تماماً. ومتانة كل من الطرحين لا ترتكز على اشتمال الطرح على أكبر كم ممكن من التفاصيل والتعقيدات بشكل يجعله يقترب من الكم الهائل من التفاصيل والتعقيدات الموجودة في الواقع والتي لا سبيل لا لحصرها ولا للاقتراب منها. إنما متانة الطرح ومدى رسوخه في العقل الجماعي الذي ينطلق منه ويدعي تمثيله هذا الطرح إنما تكمن في مدى ذاتيته واشتماله على أقل كم ممكن من التفاصيل الخطية المتسلسلة والمتراصة التي تخلق قالباً فكرياً سياسياً متيناً، تفاصيل قليلة كلها تنبع من منطلقات سياسية فكرية معينة.
ذاك في الظاهر، أما في الواقع الموضوعي، فإن كلا الطرحين المتخاصمين إنما يعبران عن مصالح فئة مسيطرة، فئة تستعمل هذا الاستقطاب العصبوي للتعمية على الاستغلال الذي تمارسه، ولحماية مصالحها ونفوذها ومكتسباتها.
*
وعلى ذكر هذا الموضوع، فإن الأحزاب، جميع الأحزاب والعصبويات، إنما تبنى على هذه التفاصيل الخطية الذاتية. وكلما ضاقت التفاصيل وتمتنت في قالب ضيق متراصٍّ قليل التفاصيل، زاد منسوب العصبوية والتنظيم لدى الحزب، وزادت قدرته على التجييش، وحتى على الوصول إلى السلطة بشكلٍ موقت.
بالمقابل، فإن قدرة هذا الحزب على إحداث تغيير حقيقي في الواقع الموضوعي السائد دائماً ما ستكون معدومة مع عدم قدرة العقيدة المبنية على جانب ذاتي ضئيل بتفاصيل قليلة ينقصها الشمول والموضوعية على الإلمام بواقع لا نهاية لتفاصيله ولا سبيل لحصرها. ولعل السرعة والقوة الهائلة التي وصل بها النازيون إلى السلطة في ألمانيا، وكذلك السرعة التي سقطت فيها النازية هي أفضل مثال يمكن أن يعطى في هذا الإطار. حتى أن هتلر قد شدد في كتابه الشهير «كفاحي» على ضرورة أن يصطبغ الخطاب السياسي للحركة السياسية الناجحة بطابع عاطفي وأفكار مباشرة بسيطة وتفاصيل قليلة ممنهجة وموجهة. أن يكون خطاباً يدغدغ مشاعر عامة الناس وليس موجهاً للسياسيين والصحافيين والأساتذة والمفكرين.
إن الواقع أعقد بكثير مما نعتقد، أعقد وأكبر من أن تشتمل عليه عقيدة أو فكر مبني على شذرات من عالم كبير لا نهاية لتفاصيله.
***
أمراض... ولا علاج
لا عجب في أن جميع الأمراض المستعصية التي نعرفها اليوم لاتزال بلا علاج. فمنطق السببية حتم ضرورة البحث عن المسببات لشتى الأمراض المستعصية، والذي يفضي بالتالي إلى دوامة وحلقة مفرغة لا طائل منها، ولا خروج منها عبر المنطق نفسه. فالمنطق السببي الخطي جعل يغوص في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل التي لا تنتهي أبداً على حساب المنظور الموضوعي العام الجدلي ضمن وحدة الوجود بجميع عناصره. وها نحن اليوم على بعد أكثر من عقد على اكتشاف الخريطة الجينية، نرى بعض العلماء يقولون بأن توقع الأمراض من خلال الجينات لم يحدث قفزة نوعية مقارنة بأساليب التوقع التي كانت تستخدم في السابق كتاريخ العائلة المرضي، وأسلوب الحياة، والعوامل الأخرى، موضوع نشر في عددٍ من الصحف والمجلات العالمية العامة والمختصة...
إن السببية، حتى ولو أوجدت علاجات، فهي تعزز تناقض المرض مع الجسد، وتؤسس لأشكال أخرى من المرض نفسه أكثر مناعة ضد العلاجات، أو لأمراض جديدة أقوى، وتستمر الدوامة التي لا تخدم أللهم إلا أصحاب الشركات المنتجة للعقارات والأدوية. إن جل ما تفعله الصناعة الدوائية العلاجية والمرتكزة على السببية بشكل أساسي هو تدريب الأمراض والبكتيريات والخلايا الخبيثة وتعليمها بحيث لن يعود جهاز مناعتنا يقوى عليها في المستقبل. ثم إن الأدوية المستعملة في العلاجات، وخصوصاً بما يخص الأمراض المزمنة وما عصى منها على الشفاء، تجدها تتناقض في تكوينها مع وحدة مكونات الوجود وتكاملها والعلاقة الجدلية فيما بينها. فجميع الأدوية تتكون من خلاصات اجتزئت من كل متكامل في الوجود، فلا عجب أن دورها وفعاليتها العلاجية على المدى الطويل ضعيفة. كثيراً ما نسمع عن أطعمة لها فوائد علاجية لمرض ما كالعديد من أنواع الفواكه والخضار. وسرعان ما يقول المنطق السببي الضئيل إن «سبب» ذلك هو وجود المادة الفلانية في ذلك النوع من الفاكهة مثلاً. ثم تبدأ عملية استخراج وتحضير أدوية وعقاقير مضادة للمرض من خلاصات هذه المادة المستخرجة من الفاكهة تلك على سبيل المثال، فتجزأ مكوناتها. ثم لاحقاً ما تظهر أن فعالية هذا العقار أقل بكثير مما كان متوقعاً... في الواقع، إن جل ما قامت به هذه العملية هو تجزئة المكونات الطبيعية للفاكهة تلك، والتي كانت فعاليتها الوقائية هي جزء من تركيبتها الطبيعية مع المكونات الأخرى وبالنسبة الضرورية المطلوبة. بينما تجزئة مكوناتها إنما هو عبارة عن تعزيز للتناقض البنيوي مع الطبيعة، فضلاً عن أنه يدرب المرض بجرعات كبيرة عوضاً عن تدريب وتطوير جهاز المناعة.
لا ريب أن الحل ليس في هذا! وفي وقت يحتاج هذا الموضوع إلى الكثير من الأبحاث والتجارب، غير أن إيجاد علاجات للأمراض المستعصية لا بد أن يرتكز على مفهوم أساسي: «وحدة عناصر الوجود»، وحدة الوجود ذاته، وعدم تقسيط مكوناته وتقسيمها بين مسببات ونتائج. ربما من خلال الاستفادة من قوة المرض للتغلب عليه عوض تعزيز التناقض بين المرض والجسم يكون العلاج، أو من خلال إعادة هيكلة الجسم وجهازه المناعي... إن الكثير من الأطعمة المصنعة والمواد التي نستعملها في حياتنا اليومية لا شك تعزز التناقض بين الجسد والأمراض، وبالتالي فإن العودة إلى الطبيعة، وإعادة الاعتبار للحمة الطبيعية بين الإنسان والأرض من حيث أن جسده جزء لا يتجزأ منها، قادر تماماً على وقاية الإنسان من شتى الأمراض، وحتى العلاج منها. لا شيء في الطبيعة لا يصحح...
ذاك في الظاهر، أما في الواقع الموضوعي، فإن كلا الطرحين المتخاصمين إنما يعبران عن مصالح فئة مسيطرة، فئة تستعمل هذا الاستقطاب العصبوي للتعمية على الاستغلال الذي تمارسه، ولحماية مصالحها ونفوذها ومكتسباتها.
*
وعلى ذكر هذا الموضوع، فإن الأحزاب، جميع الأحزاب والعصبويات، إنما تبنى على هذه التفاصيل الخطية الذاتية. وكلما ضاقت التفاصيل وتمتنت في قالب ضيق متراصٍّ قليل التفاصيل، زاد منسوب العصبوية والتنظيم لدى الحزب، وزادت قدرته على التجييش، وحتى على الوصول إلى السلطة بشكلٍ موقت.
بالمقابل، فإن قدرة هذا الحزب على إحداث تغيير حقيقي في الواقع الموضوعي السائد دائماً ما ستكون معدومة مع عدم قدرة العقيدة المبنية على جانب ذاتي ضئيل بتفاصيل قليلة ينقصها الشمول والموضوعية على الإلمام بواقع لا نهاية لتفاصيله ولا سبيل لحصرها. ولعل السرعة والقوة الهائلة التي وصل بها النازيون إلى السلطة في ألمانيا، وكذلك السرعة التي سقطت فيها النازية هي أفضل مثال يمكن أن يعطى في هذا الإطار. حتى أن هتلر قد شدد في كتابه الشهير «كفاحي» على ضرورة أن يصطبغ الخطاب السياسي للحركة السياسية الناجحة بطابع عاطفي وأفكار مباشرة بسيطة وتفاصيل قليلة ممنهجة وموجهة. أن يكون خطاباً يدغدغ مشاعر عامة الناس وليس موجهاً للسياسيين والصحافيين والأساتذة والمفكرين.
إن الواقع أعقد بكثير مما نعتقد، أعقد وأكبر من أن تشتمل عليه عقيدة أو فكر مبني على شذرات من عالم كبير لا نهاية لتفاصيله.
***
أمراض... ولا علاج
لا عجب في أن جميع الأمراض المستعصية التي نعرفها اليوم لاتزال بلا علاج. فمنطق السببية حتم ضرورة البحث عن المسببات لشتى الأمراض المستعصية، والذي يفضي بالتالي إلى دوامة وحلقة مفرغة لا طائل منها، ولا خروج منها عبر المنطق نفسه. فالمنطق السببي الخطي جعل يغوص في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل التي لا تنتهي أبداً على حساب المنظور الموضوعي العام الجدلي ضمن وحدة الوجود بجميع عناصره. وها نحن اليوم على بعد أكثر من عقد على اكتشاف الخريطة الجينية، نرى بعض العلماء يقولون بأن توقع الأمراض من خلال الجينات لم يحدث قفزة نوعية مقارنة بأساليب التوقع التي كانت تستخدم في السابق كتاريخ العائلة المرضي، وأسلوب الحياة، والعوامل الأخرى، موضوع نشر في عددٍ من الصحف والمجلات العالمية العامة والمختصة...
إن السببية، حتى ولو أوجدت علاجات، فهي تعزز تناقض المرض مع الجسد، وتؤسس لأشكال أخرى من المرض نفسه أكثر مناعة ضد العلاجات، أو لأمراض جديدة أقوى، وتستمر الدوامة التي لا تخدم أللهم إلا أصحاب الشركات المنتجة للعقارات والأدوية. إن جل ما تفعله الصناعة الدوائية العلاجية والمرتكزة على السببية بشكل أساسي هو تدريب الأمراض والبكتيريات والخلايا الخبيثة وتعليمها بحيث لن يعود جهاز مناعتنا يقوى عليها في المستقبل. ثم إن الأدوية المستعملة في العلاجات، وخصوصاً بما يخص الأمراض المزمنة وما عصى منها على الشفاء، تجدها تتناقض في تكوينها مع وحدة مكونات الوجود وتكاملها والعلاقة الجدلية فيما بينها. فجميع الأدوية تتكون من خلاصات اجتزئت من كل متكامل في الوجود، فلا عجب أن دورها وفعاليتها العلاجية على المدى الطويل ضعيفة. كثيراً ما نسمع عن أطعمة لها فوائد علاجية لمرض ما كالعديد من أنواع الفواكه والخضار. وسرعان ما يقول المنطق السببي الضئيل إن «سبب» ذلك هو وجود المادة الفلانية في ذلك النوع من الفاكهة مثلاً. ثم تبدأ عملية استخراج وتحضير أدوية وعقاقير مضادة للمرض من خلاصات هذه المادة المستخرجة من الفاكهة تلك على سبيل المثال، فتجزأ مكوناتها. ثم لاحقاً ما تظهر أن فعالية هذا العقار أقل بكثير مما كان متوقعاً... في الواقع، إن جل ما قامت به هذه العملية هو تجزئة المكونات الطبيعية للفاكهة تلك، والتي كانت فعاليتها الوقائية هي جزء من تركيبتها الطبيعية مع المكونات الأخرى وبالنسبة الضرورية المطلوبة. بينما تجزئة مكوناتها إنما هو عبارة عن تعزيز للتناقض البنيوي مع الطبيعة، فضلاً عن أنه يدرب المرض بجرعات كبيرة عوضاً عن تدريب وتطوير جهاز المناعة.
لا ريب أن الحل ليس في هذا! وفي وقت يحتاج هذا الموضوع إلى الكثير من الأبحاث والتجارب، غير أن إيجاد علاجات للأمراض المستعصية لا بد أن يرتكز على مفهوم أساسي: «وحدة عناصر الوجود»، وحدة الوجود ذاته، وعدم تقسيط مكوناته وتقسيمها بين مسببات ونتائج. ربما من خلال الاستفادة من قوة المرض للتغلب عليه عوض تعزيز التناقض بين المرض والجسم يكون العلاج، أو من خلال إعادة هيكلة الجسم وجهازه المناعي... إن الكثير من الأطعمة المصنعة والمواد التي نستعملها في حياتنا اليومية لا شك تعزز التناقض بين الجسد والأمراض، وبالتالي فإن العودة إلى الطبيعة، وإعادة الاعتبار للحمة الطبيعية بين الإنسان والأرض من حيث أن جسده جزء لا يتجزأ منها، قادر تماماً على وقاية الإنسان من شتى الأمراض، وحتى العلاج منها. لا شيء في الطبيعة لا يصحح...
Page 8
السببية وعلاجات اضطرابات العقل
لقد أسهم منطق السببية وهيمنته على الفكر الإنساني لمئات القرون في إرساء نوع من الخمول والإذعان للواقع المرئي أو المحسوس، وأضعف الإيمان بالذات وبالقدرة على التغيير الشامل الذي يحتاج للإرادة القوية التي لا تتماشى مع التسليم لمشيئات الحاضر، أو الخالق المفترض. كما وأن سيطرة المنهج الذهني السببي أسهمت في تعزيز الاضطرابات الذهنية، اضطرابات العقل، كالقلق والإحباط المزمن وغيرها، وأضعف من القدرة على تخطيها وأفسحت في المجال أمام استخدام الأدوية والعقاقير كحل مفترض لهذه الاضطرابات، وبالتالي في مراكمة رؤوس الأموال لدى غير مستحقيها ممن يستغلون آلام البشر ومعاناتهم. فالمنهج السببي الذي، كما أسلفنا، يرتكز على التفاصيل ضمن وجود لا نهاية لتفاصيله، يجعلنا أمام كم هائل من المعطيات التي تعزز أوهامنا ومخاوفنا وأحزاننا، تعززها بشكل قاطع لا يقبل الشكّ. نحن نميل دائماً إلى إثبات أفكارنا، إلى البحث عما يعززها وليس ما ينقضها. لقد دأبنا على التدرب على ذلك لمئات القرون، ووسط لا نهائية التفاصيل في الوجود، فنحن دائماً أمام وسعة هائلة من الأسباب والتفاصيل التي تجعل من أفكارنا تظهر كواقع غير قابل للشك أبداً. ثم إن منهج السببية عينه يركز فكر الإنسان على المسببات التي أدت إلى اضطراب ذهني أو نفسي، وذلك على حساب التفكير والعمل على تخطي هذا الاضطراب، وكأنه ليس للمرء عقل أو إدراك حتى يتخطى الأفكار السلبية. فترى من يعاني مع اكتئاب وإحباط مزمن مستسلماً إزاء حدث معين أو مجموعة أحداث تجسد واقعاً معيناً يعتقد أنها أدت به إلى حاله التي يعتقد بأنها مزرية. وذلك عوضاً عن العمل على تخطي هذا الأمر. أو تجده مستسلماً إزاء فرضية تقول باضطراب في كيميائيات دماغه أدت إلى «مرض نفسي» معين، وبالتالي الذهاب في ديباجة علاجية من خلال الأدوية لعلاج هذا الاضطراب المفترض. إن البحث والتركيز على مسببات الأمور وإغفال وحدة جميع مكونات الوجود المتناقضة وتوازنها قللت من احتمال تخطي المصاعب، فأصبح البحث وعلاج المسببات هو المسلك المعتمد، وليس في ذلك صواب. وهذا المنطق – أي منهج السببية - الهدام جعل الإنسان بعيداً عن إيمانه وإحساسه بأنه جزء من كون واحد موحد...
***
السببية والنظريات العلمية
تقرأ في الكتب العلمية، وإذ تطالع النظريات وكيف تصاغ، وإذا كنت في وضع ذهني متفتح وتنطلق من منهجية تشكيكية، فحتماً إن أول انطباع سيتكون لديك هو أن سائر النظريات إنما تصاغ عبر تدوير الزوايا وإغلاق المنافذ والثغرات والتحصين بما ينسجم مع المنطلقات الفكرية التي ينطلق العالِم منها. إن كل ظاهرة جديدة أو طارئة إنما يجري تفسيرها بالاستناد إلى هذه المنطلقات الفكرية والنظرية، من خلال ممارسات أكثر ما تشبه الإفتاء، وإذا احتاج الأمر فإن بعض العناصر و التعديلات تتم إضافتها حتى تحصَّن النظرية في وجه كل خطر قد يحدق بها، بغض النظر عن المسعى الأساسي المفترض: «معرفة الحقيقة»... يجري تحصين النظريات في وجه كل خطر معروف، لكن ماذا عن غير المعروف؟ ماذا عن المجهول؟ إنه لمن ذلك «المجهول» دائماً ما يأتي ما سينقض كل نظرية مرتكزة على السببية عاجلاً أم آجلاً...
لقد أسهم منطق السببية وهيمنته على الفكر الإنساني لمئات القرون في إرساء نوع من الخمول والإذعان للواقع المرئي أو المحسوس، وأضعف الإيمان بالذات وبالقدرة على التغيير الشامل الذي يحتاج للإرادة القوية التي لا تتماشى مع التسليم لمشيئات الحاضر، أو الخالق المفترض. كما وأن سيطرة المنهج الذهني السببي أسهمت في تعزيز الاضطرابات الذهنية، اضطرابات العقل، كالقلق والإحباط المزمن وغيرها، وأضعف من القدرة على تخطيها وأفسحت في المجال أمام استخدام الأدوية والعقاقير كحل مفترض لهذه الاضطرابات، وبالتالي في مراكمة رؤوس الأموال لدى غير مستحقيها ممن يستغلون آلام البشر ومعاناتهم. فالمنهج السببي الذي، كما أسلفنا، يرتكز على التفاصيل ضمن وجود لا نهاية لتفاصيله، يجعلنا أمام كم هائل من المعطيات التي تعزز أوهامنا ومخاوفنا وأحزاننا، تعززها بشكل قاطع لا يقبل الشكّ. نحن نميل دائماً إلى إثبات أفكارنا، إلى البحث عما يعززها وليس ما ينقضها. لقد دأبنا على التدرب على ذلك لمئات القرون، ووسط لا نهائية التفاصيل في الوجود، فنحن دائماً أمام وسعة هائلة من الأسباب والتفاصيل التي تجعل من أفكارنا تظهر كواقع غير قابل للشك أبداً. ثم إن منهج السببية عينه يركز فكر الإنسان على المسببات التي أدت إلى اضطراب ذهني أو نفسي، وذلك على حساب التفكير والعمل على تخطي هذا الاضطراب، وكأنه ليس للمرء عقل أو إدراك حتى يتخطى الأفكار السلبية. فترى من يعاني مع اكتئاب وإحباط مزمن مستسلماً إزاء حدث معين أو مجموعة أحداث تجسد واقعاً معيناً يعتقد أنها أدت به إلى حاله التي يعتقد بأنها مزرية. وذلك عوضاً عن العمل على تخطي هذا الأمر. أو تجده مستسلماً إزاء فرضية تقول باضطراب في كيميائيات دماغه أدت إلى «مرض نفسي» معين، وبالتالي الذهاب في ديباجة علاجية من خلال الأدوية لعلاج هذا الاضطراب المفترض. إن البحث والتركيز على مسببات الأمور وإغفال وحدة جميع مكونات الوجود المتناقضة وتوازنها قللت من احتمال تخطي المصاعب، فأصبح البحث وعلاج المسببات هو المسلك المعتمد، وليس في ذلك صواب. وهذا المنطق – أي منهج السببية - الهدام جعل الإنسان بعيداً عن إيمانه وإحساسه بأنه جزء من كون واحد موحد...
***
السببية والنظريات العلمية
تقرأ في الكتب العلمية، وإذ تطالع النظريات وكيف تصاغ، وإذا كنت في وضع ذهني متفتح وتنطلق من منهجية تشكيكية، فحتماً إن أول انطباع سيتكون لديك هو أن سائر النظريات إنما تصاغ عبر تدوير الزوايا وإغلاق المنافذ والثغرات والتحصين بما ينسجم مع المنطلقات الفكرية التي ينطلق العالِم منها. إن كل ظاهرة جديدة أو طارئة إنما يجري تفسيرها بالاستناد إلى هذه المنطلقات الفكرية والنظرية، من خلال ممارسات أكثر ما تشبه الإفتاء، وإذا احتاج الأمر فإن بعض العناصر و التعديلات تتم إضافتها حتى تحصَّن النظرية في وجه كل خطر قد يحدق بها، بغض النظر عن المسعى الأساسي المفترض: «معرفة الحقيقة»... يجري تحصين النظريات في وجه كل خطر معروف، لكن ماذا عن غير المعروف؟ ماذا عن المجهول؟ إنه لمن ذلك «المجهول» دائماً ما يأتي ما سينقض كل نظرية مرتكزة على السببية عاجلاً أم آجلاً...