Page 1
مقدمة
- في هذا المبحث سنبين أهم ما جاء في القرآن الكريم من أسباب العقوبات، والمؤدبات العامة ، والخاصة، وأيضاً مفهوم ذلك في ضوء القواعد والضوابط اللغوية والأصولية، قدر المستطاع، وقد تضمن هذا البحث ذكر كثير من أسباب العقوبات والمؤدبات التي تتصل بالأفراد أو الجماعات، وفي عموم الأفراد المخاطبين بذلك، في مطلق الأشخاص، والأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات.
العقوبات والمؤدبات الربانية
- العامة، والخاصة
بيان أنواع حقوق الله تعالى:
1. عبادات خالصة: والمراد من حق الله تعالى هو ما كانت منفعته عامة، ومن حق العباد ما كانت منفعته خاصة .
والعبادات نوعان: الإيمان وفروعه, وعموم أفعال وأقوال الجوارح.
2. عقوبات خالصة: وسميت العقوبة عقوبة؛ لأنها تعقب الجنايات، وهي العقوبات الكاملة، مثل الحدود، فإنها شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها المحظورة، حقاً لله تعالى خالصاً، نحو حد الشرب, والزنا, والسرقة.
3. عقوبات قاصرة: وهي الأجزية التي تثبت جزاءً لفعله, إلا أن الجزاء في وضعه لا يدل على كونه عقوبة؛ لأنه أعم من العقوبة، فالعقوبة ما تعقب بعد الجناية، وأما الجزاء فيتناولها وغيرها, فلأجل قصوره سميناه أجزية، ولذلك لا يثبت في حق الصبي والمجنون، بناءً على القاعدة: أن السبب المثبت للوجود، لا يوجب إثبات الوجوب, مطلقاً، والجزاء مثل حرمان القاتل لمورثه من الميراث، ومثل الكفارات، لأنها وجبت جزاءً على أسباب توجد من العباد, فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب، فهي من هذا الوجه تسمى عقوبة، باعتبار أنها أعقبت الذنب جزاءً على ارتكاب المحظور 1.
4. وحقوق دائرة بين الأمرين: أي بين العبادة والعقوبة، وهي الكفارات؛ لأنها ما وجبت إلا جزاءً على أسباب توجد من العباد.
5. وعبادة فيها معنى المؤونة: مثل الحج، والزكاة.
6. ومؤونة فيها معنى العبادة: مثل أسباب حفظ ورعاية مصالح الناس العامة، ومثل: ولاية صرف الزكاة، وشق الطريق, وبناء المدارس, والمساجد, والرُبط، ونحو ذلك.
7. وحق قائم بنفسه: مثل الديون، والنفقات، والنذور، والأوراش، والديات.
- في هذا المبحث سنبين أهم ما جاء في القرآن الكريم من أسباب العقوبات، والمؤدبات العامة ، والخاصة، وأيضاً مفهوم ذلك في ضوء القواعد والضوابط اللغوية والأصولية، قدر المستطاع، وقد تضمن هذا البحث ذكر كثير من أسباب العقوبات والمؤدبات التي تتصل بالأفراد أو الجماعات، وفي عموم الأفراد المخاطبين بذلك، في مطلق الأشخاص، والأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات.
العقوبات والمؤدبات الربانية
- العامة، والخاصة
بيان أنواع حقوق الله تعالى:
1. عبادات خالصة: والمراد من حق الله تعالى هو ما كانت منفعته عامة، ومن حق العباد ما كانت منفعته خاصة .
والعبادات نوعان: الإيمان وفروعه, وعموم أفعال وأقوال الجوارح.
2. عقوبات خالصة: وسميت العقوبة عقوبة؛ لأنها تعقب الجنايات، وهي العقوبات الكاملة، مثل الحدود، فإنها شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها المحظورة، حقاً لله تعالى خالصاً، نحو حد الشرب, والزنا, والسرقة.
3. عقوبات قاصرة: وهي الأجزية التي تثبت جزاءً لفعله, إلا أن الجزاء في وضعه لا يدل على كونه عقوبة؛ لأنه أعم من العقوبة، فالعقوبة ما تعقب بعد الجناية، وأما الجزاء فيتناولها وغيرها, فلأجل قصوره سميناه أجزية، ولذلك لا يثبت في حق الصبي والمجنون، بناءً على القاعدة: أن السبب المثبت للوجود، لا يوجب إثبات الوجوب, مطلقاً، والجزاء مثل حرمان القاتل لمورثه من الميراث، ومثل الكفارات، لأنها وجبت جزاءً على أسباب توجد من العباد, فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب، فهي من هذا الوجه تسمى عقوبة، باعتبار أنها أعقبت الذنب جزاءً على ارتكاب المحظور 1.
4. وحقوق دائرة بين الأمرين: أي بين العبادة والعقوبة، وهي الكفارات؛ لأنها ما وجبت إلا جزاءً على أسباب توجد من العباد.
5. وعبادة فيها معنى المؤونة: مثل الحج، والزكاة.
6. ومؤونة فيها معنى العبادة: مثل أسباب حفظ ورعاية مصالح الناس العامة، ومثل: ولاية صرف الزكاة، وشق الطريق, وبناء المدارس, والمساجد, والرُبط، ونحو ذلك.
7. وحق قائم بنفسه: مثل الديون، والنفقات، والنذور، والأوراش، والديات.
Page 2
- أنواع العقوبات، والمؤدبات الربانية
1 القبض والبسط في قلوب المكلفين:
معنى قبض: ضد بسط، والقبض: الإمساك، والسوق السريع، والانقباض عن الناس: الانجماع والعزلة.
- والقبض عند المحققين من الصوفية، نوعان:
- قبض في الأحوال: وهو أمر يطرق القلب ويمنعه عن الانبساط والفرح، وهو نوعان: نوع يعرف سببه كتذكر ذنب وزلة، ونوع لا يعرف سببه بل يهجم على القلب هجوماً لا يقدر على التخلص منه، وهو قبض ملكي، ويكون إما بقصد التأديب والتربية، أو بقصد الإلقاء والإيحاء، أو بقصد التهذيب والإعداد والتهيئة، لبسط عظيم يأتي بعده، فيكون القبض قبله مقدمة له، وقد جرت سنة الله تعالى في الأمور النافعة المحبوبة يدخل إليها من أبواب أضدادها.
- قبض في الحقائق: وهو قبض الجمع الذي يحصل للقلب حالة جمعيته على الله تعالى، من انقباضه عن العالم وما فيه، فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع عليه قلبه، وهو مولاه وسيده، وهنا فمن أراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة المعهودة من قبل؛ فقد ظلمه، وجهله ولم يعرف ما الذي صار إليه حاله من جمع على مولاه وحبيبه الأعلى.
ويقابل قبض الجمع؛ قبض التفرق والتشتت، الذي يحصل لمن تفرق قلبه عن الله وتشتت في الشعاب والأودية، فأقل عقوبته ما يجده من القبض الذي ينتهي معه الموت 1.
قال الله تعالى: (وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( 2، أي يضيق على أقوام ويوسع على آخرين.
والقبض: النقصان، والبسط: السعة، والبشر، والسماحة، والانشراح، والبهجة، واللذة.
وبن فارس يقول: القبض: القاف والباء والضاد: أصل واحد صحيح يدل على شيء مأخوذ، وتجمع في شيء، تقول: قبضت الشيء من المال وغيره قبضاً، ومنه القبض الذي هو الإسراع، فمن أسرع، جمع نفسه وأطرافه، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ( 3، أي يسرعن في الطيران.
1 القبض والبسط في قلوب المكلفين:
معنى قبض: ضد بسط، والقبض: الإمساك، والسوق السريع، والانقباض عن الناس: الانجماع والعزلة.
- والقبض عند المحققين من الصوفية، نوعان:
- قبض في الأحوال: وهو أمر يطرق القلب ويمنعه عن الانبساط والفرح، وهو نوعان: نوع يعرف سببه كتذكر ذنب وزلة، ونوع لا يعرف سببه بل يهجم على القلب هجوماً لا يقدر على التخلص منه، وهو قبض ملكي، ويكون إما بقصد التأديب والتربية، أو بقصد الإلقاء والإيحاء، أو بقصد التهذيب والإعداد والتهيئة، لبسط عظيم يأتي بعده، فيكون القبض قبله مقدمة له، وقد جرت سنة الله تعالى في الأمور النافعة المحبوبة يدخل إليها من أبواب أضدادها.
- قبض في الحقائق: وهو قبض الجمع الذي يحصل للقلب حالة جمعيته على الله تعالى، من انقباضه عن العالم وما فيه، فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع عليه قلبه، وهو مولاه وسيده، وهنا فمن أراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة المعهودة من قبل؛ فقد ظلمه، وجهله ولم يعرف ما الذي صار إليه حاله من جمع على مولاه وحبيبه الأعلى.
ويقابل قبض الجمع؛ قبض التفرق والتشتت، الذي يحصل لمن تفرق قلبه عن الله وتشتت في الشعاب والأودية، فأقل عقوبته ما يجده من القبض الذي ينتهي معه الموت 1.
قال الله تعالى: (وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( 2، أي يضيق على أقوام ويوسع على آخرين.
والقبض: النقصان، والبسط: السعة، والبشر، والسماحة، والانشراح، والبهجة، واللذة.
وبن فارس يقول: القبض: القاف والباء والضاد: أصل واحد صحيح يدل على شيء مأخوذ، وتجمع في شيء، تقول: قبضت الشيء من المال وغيره قبضاً، ومنه القبض الذي هو الإسراع، فمن أسرع، جمع نفسه وأطرافه، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ( 3، أي يسرعن في الطيران.
Page 3
- وانقبض عن الأمر، وتقبض، إذا اشمأز 4.
ولما كان ماهية اسم القبض مستعمل من الفعل قبض، وصار اسماً موضوعاً لحال مخصوص يحصل للقلب في وقت مخصوص، ولسبب وعلة مخصوصة، إما بسبب تذكر ما يؤلم ويزعج القلب، أو بسبب يبعثه الله بقصد التهذيب والجمع، أو التفريق والتشتيت، والإبعاد والطرد، ونحو ذلك، وكل ذلك، يقع في عموم قلوب المكلفين، فلا يختص بقلب دون قلب، فكل القلوب المكلفة بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء، فيقبض من شاء منها قبض جمع على محبته ومعرفته، وولايته، أو قبض تأديب، وتهذيب، وتربية، أو قبض تفريق، وتشتيت، ومعاقبة، فهو عموم كلي يشمل ويستوعب كل قلب يصلح لإجراء بلوى القبض والبسط عليه، في جميع الأفراد، وعموم الأحوال، والبقاع، والأزمنة، والمتعلقات، لأن دلالة عموم القبض والبسط، دلالة كلية، تستوعب أفراد غير متناهية من القلوب، ولا يخرج أي فرد منها من حكم العموم، إلا ما خص بدليل، وأما مدلول العموم فمدلوله كلي، أي يحكم به على الكل، وليس الجزء، فإذا وقع القبض والبسط في فرد من أفراد القلوب؛ صح فيه الحكم بالقبض والبسط، باعتباره أحد أفراد الكلي وجزئياته، وليس أجزائه، لأن الجزء لا يصح أن يحكم عليه بحكم العموم الكلي؛ لأن الكلي، لا أجزاء له، وإنما يحكم بالكل على مجموع أجزائه المتناهية، أما أفراد وجزئيات الكلي، فغير متناهية في الوجود الخارجي، فإن القلوب التي هي أفراد عموم اسم الجنس (القبض والبسط) أي التي يحصل لها فعل وحدث القبض والبسط، ليس لها عدد محدد معين، وإنما هي عامة تشمل كل قلوب المكلفين حتى تقوم الساعة، وبهذا تقرر وقوع عموم القبض والبسط في سائر قلوب المكلفين حتى قيام الساعة، وذلك بخروج الريح المميتة التي تقبض أرواح عامة المؤمنين في الأرض كلها، فلا يبق بعد ذلك قلب مؤمن يبتلى بالقبض والبسط، فتبقى شرار القلوب التي يسلط الله عليها نوع واحد من القبض والبسط، هو قبض وبسط العقوبة والطرد، والإبعاد والحرمان، والجهل والافتتان المؤدي إلى الكفر والشرك بالديان سبحانه وتعالى.
ولما كان ماهية اسم القبض مستعمل من الفعل قبض، وصار اسماً موضوعاً لحال مخصوص يحصل للقلب في وقت مخصوص، ولسبب وعلة مخصوصة، إما بسبب تذكر ما يؤلم ويزعج القلب، أو بسبب يبعثه الله بقصد التهذيب والجمع، أو التفريق والتشتيت، والإبعاد والطرد، ونحو ذلك، وكل ذلك، يقع في عموم قلوب المكلفين، فلا يختص بقلب دون قلب، فكل القلوب المكلفة بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء، فيقبض من شاء منها قبض جمع على محبته ومعرفته، وولايته، أو قبض تأديب، وتهذيب، وتربية، أو قبض تفريق، وتشتيت، ومعاقبة، فهو عموم كلي يشمل ويستوعب كل قلب يصلح لإجراء بلوى القبض والبسط عليه، في جميع الأفراد، وعموم الأحوال، والبقاع، والأزمنة، والمتعلقات، لأن دلالة عموم القبض والبسط، دلالة كلية، تستوعب أفراد غير متناهية من القلوب، ولا يخرج أي فرد منها من حكم العموم، إلا ما خص بدليل، وأما مدلول العموم فمدلوله كلي، أي يحكم به على الكل، وليس الجزء، فإذا وقع القبض والبسط في فرد من أفراد القلوب؛ صح فيه الحكم بالقبض والبسط، باعتباره أحد أفراد الكلي وجزئياته، وليس أجزائه، لأن الجزء لا يصح أن يحكم عليه بحكم العموم الكلي؛ لأن الكلي، لا أجزاء له، وإنما يحكم بالكل على مجموع أجزائه المتناهية، أما أفراد وجزئيات الكلي، فغير متناهية في الوجود الخارجي، فإن القلوب التي هي أفراد عموم اسم الجنس (القبض والبسط) أي التي يحصل لها فعل وحدث القبض والبسط، ليس لها عدد محدد معين، وإنما هي عامة تشمل كل قلوب المكلفين حتى تقوم الساعة، وبهذا تقرر وقوع عموم القبض والبسط في سائر قلوب المكلفين حتى قيام الساعة، وذلك بخروج الريح المميتة التي تقبض أرواح عامة المؤمنين في الأرض كلها، فلا يبق بعد ذلك قلب مؤمن يبتلى بالقبض والبسط، فتبقى شرار القلوب التي يسلط الله عليها نوع واحد من القبض والبسط، هو قبض وبسط العقوبة والطرد، والإبعاد والحرمان، والجهل والافتتان المؤدي إلى الكفر والشرك بالديان سبحانه وتعالى.
Page 4
أنواع القبض والبسط القلبي
1. قبض وبسط علمي:
وإليه أشار الحق سبحانه وتعالى بقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنـزلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( 5، ويقول تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ( 6.
- فهو قبض وبسط في: الحياة والموت، في الزيادة والنقص، في الرزق والفقر، في الصحة والمرض، في الحب والبغض، في العطاء والمنع، في العلم والجهل، في العسر واليسر، في الرشد والسفه، في الخوف والأمن، في الطاعة والمعصية، في التوفيق والخذلان، في الصواب والخطاء..
إن رفع العلم من القلب بعد إنـزاله وإلقائه وبسطه ونشره، لهو نوع بلوى، فيكون رفع ما أنـزله وألقاه على القلب من العلوم والفهوم بعد أن أحكمه، زيادة في إيمان المؤمن بتسليمه لله تعالى، وفتنة للذين في قلوبهم مرض وشك وريب 7.
وقول الرسول (: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم) الحديث، يفهم في إطار ما سبق تقريره من أن القبض يراد به الإمساك والمنع، وليس الموت والوفاة، لأن العلم لا يقع عليه الوفاة والموت، فالمراد بقبض العلم في الحديث أن من أهم علامات البلاء والفتن وشيوع الجهل، والمرج في الدين؛ منع العلماء الراسخين الربانيين من تعليم الناس وإرشادهم، ومنعهم من القيام بما هم مكلفون به من ربهم، كورثة لرسوله محمد ( من بعده، في وظائف الإفتاء، والحكم، والقضاء، والشهادة، والبيان، وما شابه ذلك، وذلك بسبب سفه ولاة الأمر وقصور أهليتهم في إعطاء أهل العلم حقهم، وإنـزالهم منـزلتهم الأصلية، الثابتة لهم أصالة بثبوت نبوة ورسالة الرسول الخاتم محمد (، فإنهم حملة العلم عنه بعد وفاته، والقائمون على حمله وروايته، وتبليغه وحفظه، عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة حتى نهاية الأمر، فمتى وقع منع العلماء من أداء وظائف الدين المسندة إليهم ؛ فقد وقع قبض العلم، ومن ثم وقع ما يقابله: وهو بسط ونشر وتعميم الجهل، ومرج الدين، وإيقاع الأمة في الضلال والابتداع، والجهل الذي هو رأس كل شر ومحنة، وطرد وبعد عن الله، وحرمان من كل خير ونفع ولذة، والقاعدة: (ما اتخذ الله من وليٍّ جاهل، ولو اتخذه؛ لعلمه)، فهذه قاعدة كلية محكمة ثابتة بنصوص القرآن والسنة، أن ولاية العلم والفقه والحكمة، ولاية خلافة للرسول (، ووراثته من بعده، لا يجوز أن تقع في الجهال، ولو كانوا أعبد الناس، فهي ولاية وراثة تخص فقط أهل الذكر، الربانيين، قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ( 8، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( 9، وقال: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً( 10، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( 11، وقال: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ( 12، والآيات في ذلك كثيرة، والأحاديث النبوية الصحيحة متضافرة مستفيضة في تقرير القاعدة، وشواهد الواقع قاطعة بصحة الاستدلال بالقاعدة، فإن كل من ظهر في تاريخ المسلمين في مختلف القرون والبقاع، ممن نفع الله بهم الأمة, والعالم كله, بعلمهم؛ إنما كانوا أئمة في العلم، والفقه، والزهد، والورع، والتقوى، والمعرفة.
1. قبض وبسط علمي:
وإليه أشار الحق سبحانه وتعالى بقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنـزلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( 5، ويقول تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ( 6.
- فهو قبض وبسط في: الحياة والموت، في الزيادة والنقص، في الرزق والفقر، في الصحة والمرض، في الحب والبغض، في العطاء والمنع، في العلم والجهل، في العسر واليسر، في الرشد والسفه، في الخوف والأمن، في الطاعة والمعصية، في التوفيق والخذلان، في الصواب والخطاء..
إن رفع العلم من القلب بعد إنـزاله وإلقائه وبسطه ونشره، لهو نوع بلوى، فيكون رفع ما أنـزله وألقاه على القلب من العلوم والفهوم بعد أن أحكمه، زيادة في إيمان المؤمن بتسليمه لله تعالى، وفتنة للذين في قلوبهم مرض وشك وريب 7.
وقول الرسول (: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم) الحديث، يفهم في إطار ما سبق تقريره من أن القبض يراد به الإمساك والمنع، وليس الموت والوفاة، لأن العلم لا يقع عليه الوفاة والموت، فالمراد بقبض العلم في الحديث أن من أهم علامات البلاء والفتن وشيوع الجهل، والمرج في الدين؛ منع العلماء الراسخين الربانيين من تعليم الناس وإرشادهم، ومنعهم من القيام بما هم مكلفون به من ربهم، كورثة لرسوله محمد ( من بعده، في وظائف الإفتاء، والحكم، والقضاء، والشهادة، والبيان، وما شابه ذلك، وذلك بسبب سفه ولاة الأمر وقصور أهليتهم في إعطاء أهل العلم حقهم، وإنـزالهم منـزلتهم الأصلية، الثابتة لهم أصالة بثبوت نبوة ورسالة الرسول الخاتم محمد (، فإنهم حملة العلم عنه بعد وفاته، والقائمون على حمله وروايته، وتبليغه وحفظه، عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة حتى نهاية الأمر، فمتى وقع منع العلماء من أداء وظائف الدين المسندة إليهم ؛ فقد وقع قبض العلم، ومن ثم وقع ما يقابله: وهو بسط ونشر وتعميم الجهل، ومرج الدين، وإيقاع الأمة في الضلال والابتداع، والجهل الذي هو رأس كل شر ومحنة، وطرد وبعد عن الله، وحرمان من كل خير ونفع ولذة، والقاعدة: (ما اتخذ الله من وليٍّ جاهل، ولو اتخذه؛ لعلمه)، فهذه قاعدة كلية محكمة ثابتة بنصوص القرآن والسنة، أن ولاية العلم والفقه والحكمة، ولاية خلافة للرسول (، ووراثته من بعده، لا يجوز أن تقع في الجهال، ولو كانوا أعبد الناس، فهي ولاية وراثة تخص فقط أهل الذكر، الربانيين، قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ( 8، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( 9، وقال: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً( 10، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( 11، وقال: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ( 12، والآيات في ذلك كثيرة، والأحاديث النبوية الصحيحة متضافرة مستفيضة في تقرير القاعدة، وشواهد الواقع قاطعة بصحة الاستدلال بالقاعدة، فإن كل من ظهر في تاريخ المسلمين في مختلف القرون والبقاع، ممن نفع الله بهم الأمة, والعالم كله, بعلمهم؛ إنما كانوا أئمة في العلم، والفقه، والزهد، والورع، والتقوى، والمعرفة.