eKtab
EN ع
العلاقات العربية الساسانية خلال القرنين الخامس والسادس للميلاد
Read free sample

العلاقات العربية الساسانية خلال القرنين الخامس والسادس للميلاد

by د. سالم أحمد محل

Page 1

المقدمة

ضمن الاهتمام الهادف الذي اولته كلية الاداب في جامعة الموصل للدراسات التاريخية وقع الاختيار على موضوع (العلاقات العربية – الساسانية خلال القرنين الخامس والسادس الميلادي وبداية القرن السابع كجزء من متطلبات الحصول على شهادة الماجستير في الكلية المذكورة ويعتبر هذا الموضوع جزء من مجمل العلاقات العربية الفارسية والذي يسبق فترة هذا البحث بالفي سنة، والذي لم تتوفر لحد الان الدراسات الجدية والمفصلة من تتبع هذه العلاقات حتى الفترة المحددة في هذا البحث، علما بأن تلك العلاقات تشغل حيزا واسعا من تاريخ المنطقة يمتد من قيام الدولة الاكدية مرورا بالدولة الاشورية والبابلية حتى اذا قامت الدولة الاخمينية (560-331 ق.م) قضت على الدولة البابلية في العراق واصبح هذا البلد جزءا من امبراطورية الاخمينيين وعندما اسقط الاسكندر المقدوني هذه الدولة الفارسية سنة 331 ق.م واخضع العراق للسلوقيين 327 – 247 ق.م عادت العلاقات ثانية بين العرب والايرانيين بقيادة الدولة البارثية (247 ق.م – 226 م) وظل العراق تحت الحكم البارثي حتى سقوط هذه الدولة على يد اردشير بن بابك ابن ساسان مؤسس السلالة الساسانية والتي عرفت الدولة الجديدة باسم هذه السلالة سنة 226 م وقد قامت علاقات جديدة بين الساسانيين والعرب تمثلت بخطورتها ووضوحها بشكل عام، ففي هذه الدولة امتدت سيادة الفرس لاول مرة الى عمان والبحرين كما استطاع الساسنيون ولفترة تقرب من الخمسين سنة من احتلال اليمن وهي ابعد نقطة في الزاوية الجنوبية الغربية من جزيرة العرب من متناول ايديهم وظلوا يحكمونها حتى دخلت بلاد اليمن في الاسلام فانقطعت بذلك صلتها بالساسانيين واصبحت جزءا من الدولة العربية الاسلامية التي شادها الرسول (ص) في المدينة.

وعلى الرغم من قوة هذه الدولة باعتبارها احدى اكبر القوتين الاعظم انذاك الساسانية والرومانية ثم البيزنطية فيما بعد، فلم تستطع ان تحمي نفسها وتفرض هيبتها المطلقة على العرب فنقرأ في بعض الاحيان مهاجمة العرب لاطرافها فيثيرون الرعب في نفوس سكانها بل ان احد ملوك العرب في تدمر استطاع ان يلحق هزيمة عسكرية منكرة باحد اكبر ملوكها وهو سابور بن اردشير الاول (241- 272 م) والذي عرفته العرب بكثرة جنوده فسمته بسابور الجنود.

يقوم المنهج في دراسة العلاقات العربية – الساسانية على خمسة فصول تناول الفصل الاول: على تعريف بالدولة الساسانية حيث شمل نبذة جغرافية عن بلاد ايران، قيام الدولة الساسانية مع نبذة تاريخية عن مؤسس هذه الدولة اردشير بن بابك بن ساسان ثم استعرضت باختصار ابرز ملوك هذه الدولة وتطرقت في جانب من هذا الفصل الى النظام الاجتماعي الساساني والذي كان نظاما طبقيا ارستقراطيا يقوم على النسب والملكية، الديانة الزرادشتية والتحديات التي واجهتها والمتمثلة بالحركة المانوية – والمزدكية، وقد تعمدت الاشارة الى هاتين الحركتين لانهما بعثتا بشكل ما في العصر العباسي كرمز وكمحور لتجميع العناصر الفارسية التي لم يدخل الايمان في قلوبها لمناهضة الاسلام والسيادة العربية فيما بعد. اضافة الى نبذة مختصرة عن اسس الاقتصاد الساساني – الزراعة – والحرف والتجارة.

Page 2

وفي الفصل الثاني تناولت العلاقة بين العرب والساسانيين منذ قيام الدولة الساسانية سنة 226م وحتى بداية القرن الخامس الميلادي منطلقا من ان هذه الفترة تعتبر الاساس الذي ارتكزت عليه العلاقة بين والساسانيين والعرب خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين. وقد تضمن هذا الفصل دراسة علاقة العرب بالساسانيين في العراق من خلال قضاء الساسانيين على مملكة الحضر – ثم تاسيس أمارة الحيرة ولكنه ارجيء حيث أصبح فصلا مستقلا وهو الفصل الثالث، كما تضمن ذلك الفصل دراسة لمحنة النصرانية في ظل النظام الساساني.

كما انصب البحث في هذا الفصل على دراسة العلاقات بين العرب و الساسانيين في بلاد الشام من خلال مملكة تدمر، اما الجزء الاخر من الفصل فتناول علاقة العرب بالساسانيين في شرق الجزيرة العربية وقد تناول ذلك تحركات القبائل العربية ضد الساسانيين وردود الفعل العنيفة التي واجه بها الساسانيون تلك التحركات.

اما الفصل الثالث فقد انصب على دراسة لعلاقة العرب بالساسانيين عبر امارة الحيرة، حيث أشرت الى تاريخ مدينة الحيرة، ثم تأسيس امارة الحيرة من قبل القبائل العربية في القرن الثالث الميلادي، ثم اشهر ملوكها الذين لهم علاقة بالساسانيين.

وقد اشرنا في هذا الفصل الى تبعية الحيرة للساسانيين، كما اشرنا الى التغييرات التي طرأت على العلاقة بين ملوك الحيرة والساسانيين في عهد قباذ بن فيروز (488-531م) حيث تمثلت في طرد المنذر الثالث وتعيين الحارث الكندي على الحيرة وان كان تعيين الحارث لم يغير شيئا من واقع الحال لانه يندرج ايضا ضمن العلاقة بين العرب و الساسانيين. وفي جانب مهم من هذا الفصل سارت العلاقة بين العرب و الساسانيين في الحيرة الى مسار خطير عندما قتل ابرويز (590–628م) النعمان (الثالث) بن المنذر (582-602م) فكان ذلك ايذانا بتدهور الحيرة كامارة عربية وظهور حالة من عدم الثقة والاطمئنان سادت العلاقة بين العرب و الساسانيين.

Page 3

وتناولت في الفصل الرابع: الغزو الساساني لليمن:

بعد التمهيد لهذا الغزو: دراسة لاهمية اليمن واطماع الاحباش والبيزنطينيين فيها. ثم الحملة الحبشية عليها سنة 525 م، واحتلالها وظهور تنافس دولي في هذه المنطقة شمل الساسانيين والبيزنطينيين ثم ظهور شخصية الزعيم الوطني سيف بن ذي يزن واستعانته بالساسانيين لطرد الاحباش واستجابة هؤلاء لذلك، ثم مصرع سيف وما احدثه من فراغ سياسي على الساحة اليمانية الامر الذي جعل الساسانيين يحكمون اليمن حكما مباشرا بواسطة حاكم فارسي، حتى ظهر الاسلام ودخلت اليمن فيه واصبحت جزءا من الدولة العربية الاسلامية في المدينة.

اما الفصل الخامس فقد حاولت فيه ان اتتبع العلاقات الاقتصادية بين العرب و الساسانيين وعلى الرغم من حتمية وجود علاقات واسعة ومتطورة بين العرب و الساسانيين في هذا الميدان وهذا ما يمليه المنطق من خلال الموقع الجغرافي لبلاد كلا الشعبين وبشكل خاص اهمية موقع الوطن العربي على طرق المواصلات العالمية انذاك، الا ان مصادرنا لا تزودنا بمعلومات تفصيلية في هذا الخصوص بحيث تبرز العلاقة المباشرة بين العرب و الساسانيين في المجال الاقتصادي، وما لدينا من مثل هذه العلاقة لا يعدو ذكر لطيمة او لطيمتين كان كسرى او احد ملوك الحيرة نيابة عن كسرى يبعث بها الى بلاد العرب لغرض المبادلة وتحقيق الارباح، ويجب ان نعترف بان المعلومات المتوفرة لدينا لم تسعفنا بتغطية هذا الفصل تغطية وافية.

اعتمدنا في هذا الكتاب على المصادر العربية بالدرجة الاولى، حيث امدتنا بمعلومات مهمة غطت الى حد ما فترة البحث، فلقد تناول المؤرخون العرب تاريخ الساسانيين، وكتبوا عن علاقتهم بالعرب والامم الاخرى كاليونان والروم والبيزنطيين والترك وغيرهم، لذا فان للعرب دورا هاما في تدوين اخبار الدول الفارسية المتعاقبة التي حكمت ايران، ومنها على وجه الخصوص الدولة الساسانيية. فلم يعرف عن الفرس و الساسانيين بوجه خاص ولع كبير بالتدوين وانما جاءت اخبارهم مدونة عن طريق كتابات مؤرخي الامم الاخرى كالعرب واليونان والرومان والارمن والهنود.

والواقع ان اهتمام المؤرخين العرب لم يقتصر على ذكر اخبار الامم المجاورة لهم كالفرس والرومان والبيزنطيين، وانما تناولوا في مؤلفاتهم اخبار امم بعيدة عنهم من الناحية الاقليمية كالصين والهنود والفرنجة، والصقالبة وهو عمل يستحقون عليه الثناء والتقدير، لانهم ربما كانوا اسبق من غيرهم الى كتابة تاريخ عالمي.

فابن اسحاق (ت 151 هـ) الذي تخصص في كتابة السيرة النبوية، كما يوحي الى ذلك اسم كتابه (السيرة النبوية) قد امدنا بمعلومات ذات قيمة عن انتشار النصرانية واليهودية في بلاد اليمن([1]) الا ان ما ذكره عن تهود ملك اليمن تبان اسعد (القرن الرابع للميلاد) لا يمكن قبوله لصعوبة تهود ملك في تلك القرون دون ان يطبع مؤسسات دولته بالدين الذي يعتنقه.

وكتب ابن هشام عن غزو الاحباش لليمن. وحملة ابرهة على مكة وفشلها وثورة سيف بن ذي يزن واحتلال الساسانيين لليمن وفي كل ذلك فانه لا يعطي تفاصيل كثيرة باستثناء، حملة ابرهة على مكة، وكيف انها كابدت الامرين بسبب تفشي الوباء فيها([2]).

واليعقوبي (ت 282 هـ) في كتابه (التاريخ) تناول: ملوك الفرس والعرب وكتب عن المانوية واشار الى المزدكية ([3])واشار الى مهاجمة سابور ذي الاكتاف لشرق الجزيرة العربية، كما ذكر حضانة العرب لبهرام جور في مدينة الحيرة([4])، ولكنه اغفل ذكر المتغيرات التي وقعت في زمن قباذ تجاه المنذر بن ماء السماء، ملك الحيرة، وتأييده للحارث الكندي([5])، وضمن العلاقة بين العرب والساسانيين، التي هي موضوع البحث فانه اشار ايضا الى الحملة الساسانية على اليمن، كذلك فانه كتب عن اسواق العرب ويغلب على اليعقوبي طابع الاختصار فكان احيانا يلمح تلميحات سريعة الى بعض الحوادث التاريخية كالحركة المزدكية([6]).

ويعد الطبري (ت 310 هـ) من اهم المؤرخين العرب، فقد تناول التاريخ منذ بدء الخليقة، وهو يتابع في ذلك اليعقوبي، حتى عصره، ويتميز الطبري بكثرة ما يحشد من روايات حول حدث من الاحداث ولهذا فانه يعطي تفاصيل اكثر للحوادث التي تناولها كالاحداث المتعلقة بالساسانيين وملوكهم او علاقتهم بالعرب في شرق الجزيرة والحضر ([7])، وغزو الاحباش لليمن والحملة الحبشية على مكة، وثورة شيف بن ذي يزن، واحتلال الساسانيين لليمن وكتب عن ملوك الحيرة من خلال حديثه عن ملوك الساسانيين وتعرض الحارث الكندي ومهاجمته لارض السواد في عهد قباذ، ولمح الى وجود علاقات اقتصادية بين العرب والساسانيين من خلال لطائم النعمان الى الحجاز او لطيمة حاكم اليمن الفارسي الى كسرى.

وعلى العموم فان الطبري وان كان يتتبع اليعقوبي في منهجه الا انه يعطي تفاصيل اكثر من الاخير([8]).

وتناول المسعودي (ت345هـ) في كتابيه (التنبيه والاشراف) و (مروج الذهب) لمحات سريعة عن ملوك الساسانيين([9])، وافادنا فيما كتب عن الزرادشتية وكتابها المقدس (الاوستا)، واشار الى المانوية([10])، والمزدكية، كما تحدث عن علاقة العرب بالساسانيين، في الحيرة وشرق الجزيرة واليمن ([11]).

اما وهب ابن منبه (ت 100 هـ) فقد انصب كتابه (التيجان) على ذكر اخبار ملوك اليمن بالدرجة الاولى، فكتب عن حادث الاخدود والغزو الحبشي لليمن([12])، وحملتهم على مكة، وثورة ابن ذي يزن والحملة الساسانية على اليمن وتمليك سيف عليها حتى اغتياله وتولى الساسانيين حكم اليمن مباشرة حتى ظهور الاسلام([13])، ويكثر وهب من الاساطير عند حديثه عن ملوك اليمن.

Page 4

وكان البلاذري (ت 279 هـ) قد تحدث في كتابه (انساب الاشراف عن (الايلاف)) وهي العهود التي اخذها بعض تحار مكة من ملوك الدول المجاورة كما تطرق الى بعض المواضيع الاخرى مثل الحملة الحبشية على مكة وفشلها واشار الى ملوك كندة.

وامدنا ((البدء والتاريخ) للمقدسي) بمعلومات عن الحركة المانوية والمزدكية([14])كذلك عن علاقة الساسانيين بالعرب في الحيرة من خلال تنشئة بهرام جور بن يزدجرد الاثيم في بلاطها ([15])، اضافة الى ما وقع للعرب على يد سابور ذي الاكتاف([16])، كما كتب عن غزو الحبشة لليمن. والحملة الساسانية عليها بعد ثورة سيف بن ذي يزن([17]).

اما ابن الاثير فكتابه " الكامل في التاريخ " (ت 630 هـ) (فهو يتابع الطبري وينقل عنه احيانا نقلا يكاد يكون حرفيا، لكنه يناقش بعض الاحداث التاريخية وينقدها فيفندها احيانا كما فعل اثناء تعرضه للرواية القائلة بأن العرب في ايام شمر يرعش هاجموا بلاد فارس فقتلوا قباذا ([18])، ويتميز ابن الاثير بنظرة شاملة الى التاريخ.

وكان الشهرستاني في كتابه ((الملل والنحل)) قد تحدث عن ماني ودعوته ومقتله على يد سابور وهرمز. كما تحدث عن دعوة مزدك الاباحية، وكذلك اشارات البيروني في كتابه ((الاثار الباقية عن القرون الخالية)) الى هاتين الحركتين.

اما ابن النديم ففي كتابه (الفهرست) اشار الى ماني ودعوته وانتشارها في بلاد ما وراء النهر ومؤلفاته التي الفها وكان احدها باللغة السريانية.

اما ابن حبيب فقد كتب باختصار عن ملوك الحيرة، فترك لنا قائمة باسمائهم شبيهة بتلك التي جاءت في كتاب الخوارزمي((مفاتيح العلوم)) ولم يدخل الاثنان في هذا الموضوع بأية تفاصيل، وقد أشار ابن حبيب في كتابيه (المحبر) و (المنمق) الى بعض الجوانب الاقتصادية التي تتعلق بتجارة مكة كأصحاب الإيلاف وأسواق العرب في الجاهلية. وكتب باختصار عن ملوك بني ساسان، وملوك حمير في اليمن وملوك كندة والغساسنة ([19]).

ويعتبر ابن سعيد في كتابه (نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب) وهو (مخطوط) مقلد: لمن سبقه من المؤرخين العرب من حيث المنهج فهو قد كتب عن الحيرة وملوكها، وكندة وبني أكل المرار. وال جفنة وملوك اليمن.

ولكنه عندما يتحدث عن العلاقة بين الحارث الكندي الذي دخل في دين مزدك كما يرى، والملك قباذ فانه يورد نصا خطيرا مفاده ان قباذ طلب من الحارث الكندي نشر الدين المزدكي في مكة وتهامة ونجد فلما ارسل الحارث الى اهل مكة بذلك رفض عبد مناف التخلي عن دين اجداده دين اسماعيل وإبراهيم، فلما رد الحارث بذلك الخبر الى قباذ امره الاخير بان يتوجه الى مكة فيهدم الكعبة ويزيل رياسة بني قصي عنها، ولكن الحارث داخلته حمية العرب، كما يقول، فدرا قباذ عنهم وشغله بغيرهم([20])، واذا صحت رواية ابن سعيد فيكون قباذ قد سبق ابرهة في محاولته غزو مكة وهدم الكعبة، كما تناقل ذلك الاخباريون العرب، كما ان درأ قباذ من قبل الحارث عن تنفيذ هذا العمل انحياز من قبل الحارث الى بني قومه من العرب في مكة.

كذلك فان ابن سعيد يتحدث عن نفوذ ساساني في يثرب متابعا في ذلك لابن خردذابه حيث يستند الاخير الى بيت شعر لاحد شعراء يثرب يقول:

نؤدي الخرج بعد خراج كسرى

وخرج من قريظة والنضير

ومع ذلك فهناك ارتياب لدى المؤرخين المحدثين في قبول رواية ابن خردذابه او ابن سعيد ([21]).

ويعتبر الثعالبي (ت 429 هـ) من اكثر المؤرخين العرب عناية باخبار الفرس ففي كتابه (تاريخ غرر السير في اخبار ملوك الفرس) فانه يتحدث عن الدول الفارسية التي قامت في بلاد ايران. ثم ينتهي كتابه وهو يتحدث عن ملوك الدول الساسانية، الا انه يضفي على ملوكها هالة من العظمة والبطولة، فكتابه مليء بالاساطير التي لا تعد من التاريخ بشيء، ولكن ذلك لا ينفي فائدة الكتاب في جوانب اخرى وخاصة عندما يتحدث عن المانوية والمزدكية وصلة الساسانيين بملوك الحيرة.

اما ابو البقاء، هبة الله: ففي كتابه: المناقب المزيدية في اخبار الملوك الاسدية، فانه لم يأت بجديد وانما تابع ونقل عمن سبقه من المؤرخين العرب.

وقد تناول كتاب الجغرافية المسلمين، الاقاليم وحدودها، وسكنتها واجناسهم واديانهم وعاداتهم، وطرق المواصلات المسلوكة انذاك، بين تلك الشعوب والامم ومن بين هذه الامم الفرس. فذكروا اقليم فارس وتحدثوا عن مدنه وما اشتهرت به من نشاط اقتصادي، زراعياً كان ام صناعياً او تجارياً، كابن خردذابه في كتابه المسالك والممالك. وابن الفقيه في كتابه (مختصر كتاب البلدان) وابن رسته في كتابه (الاعلاق النفيسة).

اما المراجع الحديثة فقد اسهمت اسهاما جديا في سد الثغرات التي تركتها شحة بعض المعلومات في المصادر الاولية. وكان ارثر كريستنسن في كتابه (ايران في عهد الساسانيين) من المراجع المهمة في هذا الميدان فقد كتب عن الدولة الساسانية منذ قيامها وحتى سقوطها وتعرض لنظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وعن علاقتها بالامم الاخرى، ناقدا الروايات المعاصرة ومحللاً تحليلاً دقيقا لنظامها الطبقي.

اما جواد علي ففي كتابه: (تاريخ العرب قبل الاسلام) و (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام) لم يترك شيئا مثيراً للاهتمام في تاريخ العرب قبل الاسلام الا وتناوله.

وهناك مراجع اخرى كانت مفيدة لنا اثناء البحث مثل: نولدكه (امراء غسان) و Sykes في كتابه Ahistory of Persia و Lambton في كتابها Land Lords and peasants in persia، حيث تناولت مسألة الملكية ونظام القنانة واوضاع الفلاحين السيئة في ظل النظام الساساني، وكذلك امدنا Ghirshman في كتابه Iran بمعلومات مفيدة عن الدولة الساسانية.

كما ان كتاب صالح احمد العلي (محاضرات في تاريخ العرب) تضمن معلومات مهمة عن العرب في الجزيرة واطرافها وعلاقاتهم بالدول المجاورة فتحدث عن ملوك الحيرة والغساسنة وملوك اليمن ومكة وتجارتها فكان مفيداً لنا في الكتاب.

Page 5

إيران

تقع ايران في القسم الجنوبي الغربي من قارة اسيا، وتعتبر هضبتها من الناحية الطبيعية وحدة طبيعية واحدة لانها محاطة بسلاسل جبلية من عدة جهات فاصبحت جبالها حدوداً تفصل بينها وبين جيرانها ([22])، ففي الاقسام الشمالية الغربية وحتى الاقسام الجنوبية الشرقية تمتد سلاسل جبال زاجروس بطول 620 ميلاً وعرض 120 ميلاً([23]).

والى الشمال من تلك الهضبة تمتد سلسلة جبال البرز التي يقل ارتفاعها في مرتفعات جبال خراسان، مما ساعد على تدفق الغزاة من اواسط اسيا الى ايران عبر التاريخ بينما في الاقسام الجنوبية من ايران تمتد سلسلة جبلية اخرى يقطعها ممران احدهما يعد المنفذ الى ميناء بندر عباس على ساحل الخليج العربي والثاني يفضي الى بلوجستان وقطا ([24]).

وتحادد ايران عدة اقاليم وشعوب ففي الشمال تتاخم حدودها بحر قزوين وتركستان، وفي الجنوب الخليج العربي وخليج عمان. ومن الناحية الغربية تمتد حدودها مع بلاد وادي الرافدين، اما حدودها الشرقية فتتآخم حوض نهر السند ([25]).

ومناخ هضبة ايران مناخا قاريا، أي انه بارد شتاء حار جاف صيفا مع وجود بعض المناطق الممطرة عند سواحل بحر قزوين وجبال البرز حيث تكون كمية الامطار السنوية الساقطة غزيرة وجيدة التوزيع على مدار السنة. بينما تتميز السواحل الايرانية القريبة من الخليج العربي بمناخها الحار الرطب، وتعرضها احيانا لهبوب الرياح الموسمية ([26]).

ونظرا لقلة الامطار السنوية الساقطة على الهضبة الايرانية، وشيوع الجفاف فقد اصبح جزء من هذه الهضبة وخاصة المناطق المنخفضة منها صحارى كصحراء دشت الكافر، وصحراء لوط.

وتبعا لظروف المناخ السائدة في ايران فقد اصبح النبات الطبيعي محدودا في انتشاره في ايران لنفس الاسباب، ومع ذلك فان هناك بعض الغابات في اقليم كردستان ولورستان كما توجد الكثير من المراعي الجبلية في اذربيجان وكردستان وفارس الشمالية، حيث تكون اشجارها من نوع الاشجار النفضية الكثيفة مثل البلوط والدردار([27]).

وتزرع الحبوب كالحنطة والشعير وبعض انواع الغلات كالقطن في بعض المناطق الخصبة وخاصة تلك الاودية المحصورة بين الجبال اضافة الى انتاج الفواكه كالكروم والتين والرمان ([28]).

ولقد اصبحت هذه الاودية مواطن لتطور حياة الايرانيين في هذه الهضبة وكذلك حول بعض الواحات([29])، ولكن مثل هذه الامكانات المحدودة التي تمنحها الطبيعة للانسان لا تساعد على قيام الدول الكبيرة وربما يمكن ان تكون مثل هذه المناطق ملائمة للدولة عند الولادة ولكنها غير مناسبة لها في مرحلة الشباب. بينما تتمتع الاقاليم السهلية بهذه الميزة التي تناسب الدولة في مرحلة الشباب لما تتمتع به من خصب، وسهولة في المواصلات، ولهذا كان اقليم فارس الذي يقع في القسم الجنوبي الغربي من ايران، حيث يجد سهل خوزستان (الاحواز) سوزيانا القديمة. والذي يعد من الناحية الجغرافية امتداد لسهل وادي الرافدين وقد استهوى قلوب بعض القبائل الفارسية من سهوب اواسط اسيا فتدفقت عليه واتخذته موطنا لها في الالفين او الالف سنة قبل الميلاد([30]).

ومن هنا فان الامبراطوريات التي قامت في بلاد ايران اتخذت من اقليم فارس مركزا لها في حضارتها وقوتها وتطورها وما خلفته من نقوش واثار.

فقد شهد هذا الاقليم قيام عدد من الدول التي تتابعت على حكم بلاد ايران منها الدولة الاخمينية او الكيانية التي اسقطها الاسكندر الكبير في معركة (كوجاميلا) بالقرب من اربيل سنة 331 ق.م. ثم الدولة البارثية (249ق.م-226م) او هي التي عرف عمرها بعصر ملوك الطوائف بسبب تفرق شمل الايرانيين الى كيانات سياسية متعددة، ثم الدولة الساسانية (226-652م) ([31])، وهي التي نحن بصدد التعريف بها.

وقد اعتبرت هذه الدولة نفسها وريثة للدول التي قامت في بلاد ايران وخاصة الدولة الاخمينية التي عاشت بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد، في المجال العسكري والرغبة في التوسع والهيمنة على المناطق المجاورة لها، ويشير الى هذه العلاقة بين الساسانيين وبين الاخمينيين ابن خلدون في حديثه عن اردشير مؤسس الدولة الساسانية، وهو ينقل عن رواية لهشام بن الكلبي بقوله (قام (أي اردشير) في اهل فارس يريد الملك الذي كان لابائه قبل الطوائف ([32]).

ولم تمض سوى فترة قصيرة على قيام هذه الدولة حتى اصبحت اعظم قوة في تاريخ غرب اسيا، ودخلت في حروب عديدة مع الرومان، ثم البيزنطينيين في الغرب ومع الكوشانيين والهياطلة / (الترك) في الشرق، ومع القبائل البدوية في الشمال([33]).

ونتيجة لهذه النزعة العسكرية التي طبعت السياسة الساسانية منذ قيام الدولة فان ردود الفعل كانت قوية تجاه هذه النزعة في كل من روما وكوشان والهياطلة ([34]).

وقد اصبح هذا الصراع خاصة بين الدولتين الساسانية والرومانية والبيزنطينية فيما بعد جزء مهم من تاريخ المنطقة، فترتبت عليه تغيرات سياسية واقتصادية مهمة في جنوب غربي اسيا والشرق العربي.

ومن ناحية اخرى فان هذا الصراع يعد امتداداً لذلك الصراع الذي كان قائما بين الاخمينيين، ثم البارثيين وبين اليونان والرومان وهو صراع شغل حيزاً واسعا من التاريخ السياسي لمنطقة الشرق الاوسط في العصور القديمة اذ امتد من منتصف القرن السادس قبل الميلاد الى الربع الاول من القرن الثالث الميلادي حيث بعث بشكل جديد على يد الساسانيين.

Page 6

الساسانيون وقيام دولتهم

الساسانيون احدى السلالات الايرانية التي تنتمي الى العناصر الارية ([35])، او التي يطلق عليها حديثا تسمية العناصر الهندية الاوربية النازحة من اواسط اسيا الى كل من الهند وغرب اسيا والى اوربا.

ولقد تكلم الساسانيون اللغة الفارسية الوسيطة، وهي لغة تنتمي الى مجموعة اللغات الهندية – الاوربية في حين تكلم الاخمينيون باللغة الفارسية القديمة التي كشف النقاب عنها من النصوص المسمارية والنصوص القديمة ([36])، وعلى هذا فان الساسانيين من الناحية الاثنوغرافية هم اريون، لغة وحضارة وتقاليد وكما سبقت الاشارة الى ذلك فان العناصر الارية هذه قد تدفقت على بلاد ايران الهندية – الاوربية، تلك التي تتقارب في لغاتها وتميزت بهجراتها المستمرة من اواسط اسيا الى كل من الهند وغرب اسيا والى اوربا.

ولقد تكلم الساسانيون اللغة الفارسية الوسيطة، وهي لغة ارية تنتمي الى مجموعة اللغات الهندية – الاوربية في حين تكلم الاخمينيون باللغة الفارسية القديمة التي كشف النقاب عنها من النصوص المسمارية والنصوص القديمة ([37])، وعلى هذا فان الساسانيين من الناحية الاثنوغرافية، هم اريون، لغة وحضارة، وتقاليد، وكما سبقت الاشارة الى ذلك فان العناصر الارية هذه قد تدفقت على بلاد ايران من الفي سنة قبل الميلاد ([38]).

Page 7

اردشير

مؤسس هذه الدولة اردشير بن بابك بن ساسان ([39])، وقد ارجع بعض المؤرخين نسب اردشير الى حكام فارس القدماء من الاخمينيين مثل دار ابن دارا الذي قتله الاسكندر الكبير سنة 331 ق.م ([40]).

وكان جد اردشير ساسان والذي سميت باسمه الدولة قيما على بيت نار في اصطخر في اقليم فارس، يعرف ببيت نار اناهيد ([41])، وكون ساسان هذا قيماً على بيت نار أناهيتا لابد وانه يعني تمتع اسرته بنفوذ ديني كبير في الدولة البارثية.

وربما لهذا السبب فانه تزوج من امراة من الاسرة الحاكمة (البارثية) يقال انها ابنة جوزهر ملك اقليم فارس، كما قيل عن ساسان بانه كان اميرا في اقليم فارس، وانه كان تابعا الى جوزهر([42])، وكان لساسان ولد اسمه بابك، وقد ولد لبابك ابنه اردشير في قرية من قرى اصطخر تعرف باسم طيروده([43])، بينما تنفي رواية اخرى اية صلة نسب بين ساسان وبابك، وانما تعتبر ساسان راعيا عند الملك بابك في اقليم فارس ويعني هذا بان ملك اقليم فارس في تلك الفترة ليس (جوزهر) وانما هو ملك اخر اسمه بابك، الذي كان قد رأى في منامه ابن ساسان سوف يحكم العالم ولهذا فانه قام بتزويج ساسان من ابنته فتكلل ذلك الزواج بميلاد اردشير ([44])، وعليه فان هذه الرواية تنفي ان يكون ساسان هذا اميرا او قيما على بيت نار اناهيد وانما هو لايعدو كونه راعيا عند الملك بابك، وبهذا فان الادعاء بانتساب ساسان الى الاخمينيين امر مشكوك فيه حسب هذه الرواية.

ولما بلغ اردشير من عمره سبع سنوات اخذه والده بابك الى جوزهر راجياً ان يضمه الى (تيرى) الذي اصبح (ارجبذا بدارا بجرد) ليخلفه من بعده فوافق (جوزهر) على ذلك وكتب لتيري بذلك، فتقبله تيري وتبناه فخلفه في منصبه بعد وفاته([45]) وهذه عادة يتبعها الاقطاعيون في ضم ابناء النبلاء ليحتلوا المناصب الملائمة، ويبدو ان الساسانيين اتبعوا هذا التقليد فيما بعد.

ويظهر من هذا ان بابك لابد وان يكون من الاسر النبيلة في اقليم فارس انذاك، وان مكانة اسرته مرموقة بين الناس سواء قبلنا بالرواية القائلة بانها اسرة دينية، او تلك التي ترى في راس تلك الاسرة أنه تابعا لملك اقليم فارس، وانه ليس من عامة الناس فليس من المعقول ان يطلب شخص من عامة الناس من مليكه ان يضم ابنه الى احد كبار موظفيه العسكريين.

وبوفاة تيري قام اردشير من بعده بالامر خير قيام، وربما بدأت طموحات اردشير في الملك تتنامى خاصة وانه كان يعتقد بانه ينتسب الى اسرة تجري في عروقها الدماء الملكية، كما يقال بأن المنجمين كانوا قد اخبروه بان الملك سيصير اليه([46])، وقد ترك ذلك على ما يبدو اثراً في نفس اردشير وامده بقوة جعلته يحث الخطى من اجل تحقيق احلامه في الملك، اضافة الى الى ان تقلده لمنصب (ارجبذا) على مدينة دارابجرد سنة (212م) يصبح خلال فترة قصيرة سيدا على كثير من مدن اقليم (اصطخر) عن طريق قتله او تغلبه على حكامها، كما ان نجاح والده بالوثوب على الملك جوزهر في مدينة (القصر الابيض) وقتله اياه، وتنصيب نفسه مكانه ([47])، ساعد على تحقيق طموحات واحلام اردشير التي ظلت تراوده فترة طويلة على ما يظهر.

ان قتل بابك لجوزهر جعل عرش اقليم فارس شاغرا، فكتب بذلك بابك الى (اردوان) (ملك الملوك) البارثي يسأله الاذن بتتويج ابنه سابور (بتاج جوزهر)، الا ان طلبه قد رد بشدة([48])، والشي الملفت للنظر هنا هو لماذا طلب بابك من اردوان تتويج ابنه سابور ولم يطلب التاج لنفسه؟ خاصة وانه هو الذي تمرد على جوزهر وقتله؟ يعتقد كريستنسن بان محاولة بابك تتويج ولده سابور عمل استهدف منه القضاء على مخططات ولده الطموح اردشير([49])، ولكن الامر يمكن ان ينتهي وتضيع طموحات اردشير في العرش ولو بصورة مؤقتة لو ان بابك كان قد طلب التاج لنفسه فيخفف بذلك من حدة العداء، الذي ربما كان قائما بين الاخوين.

وقد كانت وفاة بابك في تلك الفترة سبباً في تفجر الصراع بين الاخوين اردشير وسابور على السلطة، فلقد توج سابور بالتاج وكتب الى اخيه اردشير يطلب منه الشخوص اليه، لكن اردشير امتنع عن ذلك وجمع جموعا كثيرة من اصطخر فساعده بعض اخوته وتوجوه وجلس على السرير ([50]).

وفي حين لا يذكر الطبري شيئا عن نهاية سابور، باعتباره الملك الشرعي في اقليم فارس، والذي يعتبر اخوه اردشير متمردا عليه فان كريستنسن يشير الى ان سابور كان قد توفي فجأة مما جعل اخوة اردشير يضعون التاج على رأسه ([51]).

ورواية الطبري عن تتويج اردشير من قبل اخوته غامضة، فهل توج اردشير قبل وفاة سابور ام بعد وفاته؟ اذ يذكر بأن سابور عندما بلغه امتناع اردشير بالشخوص اليه: (فغضب سابور من امتناعه وجمع جموعا وسار نحوه ليحاربه) ([52])، ومن المرجح بأن اردشير قد توج بعد وفاة اخيه سابور حيث صفا له الجو من منافسة اخيه.

Page 8

لقد كان ظهور اردشير على المسرح السياسي في اقليم اصطخر الفارسي في مدينة دارابجرد التي خلف تيري في حكمها، الا ان سكانها كانوا قد ثاروا عليه فاخمد ثورتهم، واصبحوا قوة بيده تغلب بهم على بعض ملوك الطوائف([53]).

وقد كان اول نشاط مسلح لاردشير بعد تغلبه على دارابجرد، هو قهره لملوك جوبانان، وكونس، ولرويز ووضع عدداً من اعوانه على هذه الممالك الصغيرة ([54])، ثم استمر تساقط الممالك والمدن بيد اردشير فاخضع كرمان، وايرستان، واسس مدينة جوروبيت نار فيها ([55]).

وما ان توجه اردشير الى اقليم فارس قادما من ميسان حتى كتب الى اردوان باختيار موضع يقتتلان فيه، فكتب اليه اردوان: (اني اوافيك في صحراء تدعى هرمزجان[*]([56]) لانسلاخ مهرماه [*]([57]).

سار اردشير الى هزمزدجان فوصلها قبل اردوان فسيطر على المناطق السوقية فيها كمصادر المياه، وهي خطوة جيدة وذكية، ربما ساعدت اردشير في تحقيق نصره.

اما اردوان فقد وصل الى هرمزدجان وكانت الخلافات بينه وبين ملك الارمانيين قد تفاقمت لكن ظهور اردشير ادى الى اتفاقهما لمجابهة العدو المشترك، الا ان اردشير نجح في كسب بابا، ملك الارمانين، واوقفه على الحياد فتفرغ بذلك كليا لمحاربة اردوان([58]) .

ان تحرك اردشير هذا باتجاه (بابا) يعد ضربة سياسية وعسكرية موفقة باتجاه اقتطاف ثمار النصر من اردوان. فعندما بدأت المعركة الحاسمة بين اردوان واردشير، والتي عرفت بمعركة هرمزدجان، نجح اردشير في قتل اردوان (ملك الملوك) سنة 224م([59])، وبذلك انتهت الدولة البارثية او ما سميت (بملوك الطوائف) وقامت دولة جديدة في الشرق هي الدولة الساسانية.

ويرجح كريستنسن و.ج.هـ. ايليف([60]) وقوع هذه المعركة سنة 224م([61]) في حين يرى سايكس([62]) بانها كانت سنة 226 م.

وربما يكون هذا التباين في تاريخ تلك المعركة ومقداره (سنتان) بين كريستنسن وايليف من ناحية وسايكس من ناحية اخرى يكمن في تاريخ تتويج اردشير فاذا اعتبرنا تتويج اردشير ثم بعد سنتين من وقوع المعركة وهو ما يفهم من رواية كريستنسن فان تاريخ المعركة يكون فعلا سنة 224 م واذا اعتبرنا تتويج اردشير قد تم مباشرة بعد وقوع المعركة فيكون تاريخ وقوعها سنة 226م، وهو راي سايكس ولكن من المرجح ان اردشير قد توج بعد المعركة مباشرة، لان مقتل اردوان انهى حياة الدولة البارثية، ولابد من تولي ملك جديد، يذكر الثعالبي ان تتويج اردشير تم بعد المعركة مباشرة بقوله: (لما فرغ من امر اردوان (يقصد اردشير) اقتعد سرير الذهب واعتصب بالتاج واذن للخاص والعام فحيوه بالشاهنشاهية...)([63])، كما ان الطبري يشير ايضا الى ذلك بقوله (وفي ذلك اليوم (يوم مقتل اردوان) سمي اردشير (شاهنشاه) ([64])، والمسعودي يؤيد الطبري في ان اردشير تتوج بعد قتله لاردوان: (وفي هذا اليوم سمي (اردشير) شاهنشاه، وهو ملك الملوك ([65])، وبهذا يكون تاريخ قيام الدولة الساسانية هو سنة 224م واستمرت حولي أربعة قرون حتى سقطت على يد العرب المسلمين نهائيا في عهد الخليفة عثمان بن عفان (t) سنة 652م ([66]) .

وبعد معركة هرمزدجان وانتصار اردشير فيها سار الى همدان فافتتحها والى الجبل واذربيجان وارمينية والموصل، ثم افتح السواد وبنى بها مدينة في شرقي المدائن وسماها (ويه اردشير) ثم انتقل الى اصطخر وعاد الى فارس ونزل جور فجاءته رسل ملوك كوشان وطوران ومكران بالطاعة ([67]) .

ولم يكتف اردشير بما حققه في اقليم فارس وبلاد العراق وارمينيا من انتصارات فاخذ يشخص ببصره نحو الساحل الغربي من الخليج العربي فغزا البحرين، فحاول ملكها الدفاع عنها، فلما عجز عن المقاومة اثر الانتحار فالقى بنفسه من سور المدينة([68])، وبهذا فان اردشير ارسى قواعد الدولة التي شادها، فاصبحت موطدة الدعائم والاركان.

Page 9

ويعتبر اردشير من الشخصيات الهامة في التاريخ، اذ انه يرتقي الى درجة اولئك الذين يمكن ان نسميهم (بمؤسسي الدول) ومع ذلك فقد نسجت حول شخصيته الكثير من الاساطير التي تسند اليه القيام بأعمال خارقة وخاصة في القصة الشهيرة المعروفة بـ (كارنامك اردشير بابكان) اذ تناولت أعماله وأقواله وفي مقدرته الخارقة على قتل ذلك التنين بصب معدن مذاب في فيه، فهو يشبه اله بابل القديم (مردوخ) عندما ادخل ريحا عاتية في فم التنين تيامت فقتله ([69]) .

ويبدو ان اعمال البطولة التي نسبت الى اردشير او غيره من الملوك الساسانيين او احاطة بعضهم بهالة كبيرة من هالات العدالة قد وضعت بعد انهيار الدولة الساسانية واستحواذ العرب المسلمين على بلدانها، وكان الهدف من ذلك اظهار البطولات العربية التي ظهرت اثناء الفتوحات، او ما تميز به خلفاء المسلمين من حرص على تحقيق العدالة بين الناس بانها باهتة وساذجة وتتلاشى امام عبقرية اردشير العسكرية وعدالة انوشروان.

وبالرغم ممما تمتع به اردشير من قوة وقدرة على التخطيط فان نجاحه في القضاء على الدولة البارثية لا يمكن ان يكون راجعا الى قدراته وكفاءاته العسكرية او السياسية فقط، وانما يكمن ذلك ايضا في حالة الضعف الذي كانت تعيشه الدولة البارثية عشية خروج اردشير عليها ((من اختلاف الكلمة وتنازع الملك وغيره)) ([70]).

فلقد دخلت هذه الدولة في حروب متعددة مع الرومان انهكت قواها وشلت اقتصادها هذا باضافة الى عدوها الاخر المتمثل بمجموعة من القبائل التي كانت تأتي الى ايران وتغزوه من السهوب الواقعة في الشمال الشرقي من ايران ([71]).

ولهذا ينبغي ان لا تبهرنا انتصارات اردشير ونجاحه في تاسيس حصيلة عوامل موضوعية ظلت تنخر في جسم الدولة البارثية حتى اصبحت لا تستطيع كبح جماح رجل خارج عليها وهو اردشير.

وقبل ان نختتم الحديث عن اردشير لابد من الاشارة الى ان الدولة التي شادها قد شملت على اقاليم واسعة وبلاد مختلفة في شعوبها ولغاتها واديانها، فقبل ان يوارى اردشير الثرى كانت دولته تشتمل على (ايران الحالية وافغانستان وبلوخستان واقليم واحات مرو وخيوة حتى جيحون شمالاً وبابل والعراق غربا...) ([72]).

كما اتخذ اردشير عاصمة جديدة له في (طيسفون) في بلاد العراق تاركا اقليم فارس وعاصمته اصطخر، حيث لم يعد صالحا لاقامته كملك الملوك([73]).

ويبدو ان نقل العاصمة الى طيسفون املته ظروف عديدة منها اهمية موقع العراق وخصوبة ارضه وكثرة غلاته. واختلاف سكانه عن الايرانيين ومجاورته لمناطق نفوذ الروم في بلاد الشام، اعداء الايرانيين التقليديين ومتاخمته لشرق الجزيرة العربية التي كانت دائما الرافد البشري الاساس لسكانه ورغبة اردشير وخلفائه في التوسع وخاصة في البلاد التي تقع الى الغرب من العراق وبلاد الشام.

وقد تعاقب على حكم الدولة الساسانية منذ قيامها سنة (226م) الى سقوطها سنة (652م) اثنان وثلاثون ملكاً بينهم امراتان في رواية([74])، وفي رواية ثلاثون ملكا بينهم امرأتان ([75])، وفي رواية اخرى تسعا وعشرين ملكا بينهم امراتان([76]).

وقد برز عدد من الملوك الساسانيين في بعض الاعمال العسكرية او العمرانية او حتى الدينية مما ترك لهم مساحة اوسع في التاريخ ومن هؤلاء:

Page 10

سابور الاول: (241 – 272 م)

هو ابن اردشير الاول مؤسس الدولة الساسانية، ويقال بأن ام سابور تنتسب الى الاسرة الاشكانية ([77])، وان كريستنسن يرتاب في صحة ذلك بحيث يعتقد بأن هذا الادعاء لا يقصد منه سوى اثبات سابور كوارث شرعي للاشكانيين (البارثيين) ([78]).

وقد توج سابور في عهد ابيه اردشير، وقد سار على نهج ابيه فابقى الملوك والمرازبة على ما كانوا عليه في عهد والده، ووسع على الناس في معاشهم وقسم الاموال على المحتاجين والمعوزين ([79]).

وقد كان للساسانيين عموماً ولع خاص ببناء المدن وتسميتها باسمائهم، وربما كان ذلك بدافع تخليد انفسهم في التاريخ، فقد بنى سابور من المدن جند يسابور في الاحواز واسكن بها سبى الروم واشتهرت بالطب وشاذ سابور في منطقة ميسان ومدينة سابور بفارس([80]).

غير ان نشاطات سابور العسكرية كانت اخطر اعماله اذ تكللت بانتصاره على الروم وافتتح عدة مدن وحاصر امبراطور الروم فالريان سنة 260م واسره واجتاح انطاكية وسوريا وكبادوكيا وامر فالريان ببناء شاذروان [*] تستر ثم خلي سبيله، بعد ان اخذ منه فدية كبيرة، وقيل انه قتله ([81])، كما حاصر مملكة الحضر العربية واستطاع ان يسقطها بعد ان عجز والده اردشير من اخضاعها ([82])، وسوف يأتي الحديث عن مملكة الحضر في الفصل الثاني فلا حاجة بنا هنا للاطالة [*].

وقد شهدت الدولة الساسانية ايام سابور بن اردشير حركة دينية تعد خروجا على الدين الزرادشتي في حركة ماني وقيل ان سابور ارتد عن المجوسية واعتنق الدين المانوي (والقول بالنور والبراءة من الظلمة) لكنه رجع الى المجوسية تاركاً المانوية([83])، وسوف نتكلم عن المانوية في موضع اخر من هذا الفصل.