eKtab
EN ع
العلاقات التركية الروسية
Read free sample

العلاقات التركية الروسية

by د. أحمد نوري النعيمي

Page 1
المقدمة
 
كان هناك عداء تقليدي بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية، ويرجع هذا العداء إلى عوامل عديدة، منها الجغرافية والدينية والقومية، يتركز العامل الاول في ان روسيا القيصرية كانت تبحث عن المياه الدافئة. اما الثانية فان روسيا القيصرية كانت القائدة والمدافعة عن الجامعة السلافية والارثدوكسية. ورثت دولة الاتحاد السوفيتي التي جاءت على أعقاب ثورة أكتوبر الروسية العوامل نفسها، ولكن بغطاء آخر، وهو انها بدأت تثير العوامل الجغرافية في العشرينات والاربعينات من القرن الماضي، ودخلت في خلافات أيديولوجية مع تركيا، منذ انضمام الاخيرة إلى الاحلاف الغربية.
 
ولكن بدأ هناك نوع من التقارب بين تركيا والاتحاد السوفيتي بعد حوادث عام 1964، إذ تم تبادل في الزيارات بين المسؤولين الاتراك والسوفيت بعد عام 1965. وقد أسهمت عوامل كثيرة على هذا التقارب، منها تقرير هرمل الذي قدم إلى مجلس حلف شمال الاطلسي في عام 1964، والخاص بكيفية اقامة العلاقات الثنائية بين دول حلف شمال الاطلسي وحلف وارشو، ومؤتمر الامن الاوربي، ومؤتمر هلسنكي الخاص بالوفاق الدولي والازمة القبرصية عام 1974، وحظر التسلح الامريكي على تركيا عام 1975.
 
وبعد انهيار دولة الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991 وما نتج عنه من انهيار المعسكر الاشتراكي، واستقلال جمهوريات عنها، حلت روسيا الاتحادية محلها -في جغرافية محددة، ونظام سياسي يقوم على التعددية الحزبية، وفكر سياسي متباين على الفكر الذي هيمن على الحياة السياسية في الاتحاد السوفيتي لمدة اربعة وسبعين عاما، لم يستطع ان يقوم بدور الانصهار واندماج القوميات وفي اطار الفكر الاممي- لتؤكد هي الاخرى على المفاهيم التي ساد على عهد روسيا القيصرية، ودول الاتحاد السوفيتي، في تعاملها مع دول الجوار الجغرافي ومنها تركيا وبلغة اخرى الامر الذي ادى إلى بقاء ادوات الصراع السابقة، حيث كان من المعتقد فيه ازالة آثارها والانتقال إلى حقبة جديدة من العلاقات بين تركيا وروسيا الاتحادية.
 
ولاحاطة هذا الموضوع من جوانبه كافة فقد قسمنا هذه الدراسة إلى اربعة فصول احتوى الفصل منها على العلاقات التركية السوفيتية عبر التاريخ ومن خلال مبحثين تناولنا في الاول منه عن السياسة الخارجية العثمانية تجاه روسيا القيصرية مع التأكيد على الجوانب الجغرافية والدينية في العلاقات بينهما اما الثاني فقد ركزنا فيه على موضوع الصراع والتعاون بين تركيا والاتحاد السوفيتي في العهد الاتاتوركي اما الفصل الثاني فقد تضمن العوامل المؤثرة في العلاقات التركية السوفيتية الذي احتوى الموقع الجغرافي التركي والمضايق التركية واعتبارات الانتماء التركي إلى حلف شمال الاطلسي والحركات اليسارية التركية اما الفصل الثالث فقد احتوى على دراسة تحليلية للسياسة الخارجية التركية تجاه الاتحاد السوفيتى السابق والذي تضمن سيناريوهات الصراع والتعاون بين تركيا والاتحاد السوفيتى والتحليل والاستنتاج اما الفصل الرابع فقد تناولنا فيه تركيا والجمهوريات الاسلامية في اسيا الوسطى والقوقاز ومن خلال مباحث عدة مع التأكيد على التطورات المعاصرة في سياسة تركيا الخارجية مع هذه الجمهوريات ودول القوقاز ومن خلال علاقتها مع روسيا الاتحادية والتي انتابها الصراع تارة والتعاون تارة اخرى بحكم الحقبة الزمنية التي رسمت طبيعة العلاقات بينها وتأثير ذلك على علاقات تركيا مع الجمهوريات الاسلامية في اسيا الوسطى ودول القوقاز وقد سلكنا مناهج متعددة في الدراسة ابتداء من المناهج القاعدية والتي اعطت لنا صورة واضحة لمسار العلاقات بين تركيا ودول الجوار الشمالي مع التركيز والتأكيد على المنهج التحليلي والمقارن والتحليل النظمي.
 
اما من حيث المراجع والمصادر، وعلى الرغم من ندرتها ولا سيما في الحقبة المعاصرة، فقد استطعنا تذليل هذه العقبة ومن خلال المصادر الانكليزية والتركية، فضلا عن وثائق كثيرة في هذا المجال، اذ لولاها لما تمكنا في انهاء هذه الدراسة، ومع ذلك لا ندعي باننا وصلنا إلى مرحلة الكمال، لان الكمال لله وحده، واختتم دراستي هذه بقول الله سبحانه وتعالى: ﭿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭾ  .
Page 2
السياسة الخارجية العثمانية تجاه روسيا القيصرية
 
ان العمق الجغرافي لموسكو على ايام روسيا القيصرية هو اكبر بكثير من جبهة الشرق عبر الفراغ الستراتيجي لعدة الاف من الاميال باتجاه مراكز القوة الصينية واليابانية، ولا تشكل اي من هاتين القوتين في حال من الاحوال اكثر من تهديد خارجي إلى يومنا هذا، اذا ما تحقق ذلك، وقد كانت الجبهة الجنوبية من موسكو فقط هي الجزء المكشوف من الممر السهلي المفتوح امام تدفق الاتراك والمغول، طالما ان ما يعرف الان باوكرانيا قد بقيت ارض حرام، واخيرا فقد تم التخلص من ذلك الخطر من خلال التوسع الروسي والانحطاط الذي اصاب العثمانيين ابان عصر بطرس الاعظم( 1).
 
وعليه نرى، ان العامل الجغرافي بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية له الاهمية الكبيرة في تحديد امور كثيرة، بسبب متاخمة الدولة العثمانية بحر ايجة والبحر الابيض المتوسط. وان الاراضي الضيقة المواجهة لمضيق البسفور والدردنيل ومرمرة التي تقع خارج مدخل البحر الاسود، جعلت من الدولة العثمانية صاحبة النفوذ القوي والتأثير الكلي في الممر المائي، وبالتالي تؤدي التي تحديد تغلغل روسيا القيصرية إلى مركز اوربا.
 
ان اهمية هذا الممر المائي قاد إلى انشاء دولة بيزنطية قبل اكثر من ألف سنة، واحدة من اهم المدنيات في العالم المسيحي، وقد اسس البيزنطينيون مدينة القسطنطينية لكي تكون المركز التقليدي للمذهب الارثدوكسي الذي اعتنقه الروس منذ القرن العاشر.
 
ولأهمية هذه المنطقة، نهج الروس سياسات متعددة تجاه ذلك منذ القرن العاشر، هذا يعني من ناحية اخرى ان المنافع الطبيعية والسمعة الدولية الرمزية لمدينة القسطنطينية كانت هدفا ورغبة للسياسة الخارجية الروسية منذ تلك المدة(2 ).
 
ان تغلغل الروس إلى اوربا قد سجل تاريخيا في وقت متأخر لان السياسة العثمانية حتى في حالة ضعفها حالت دون ذلك.
 
وقد بدأت تحالف من نوع جديد بعد اخفاق الدولة العثمانية في ضرب الحصار العسكري حول فينا في عام 1683، واثار هذا الحصار ثائرة الدول المسيحية الكبرى في تلك المدة ونتج عن ذلك تكوين حلف بين كل من استراليا وفينيسيا والبانيا وبولندا وروسيا ومالطا وتوسكانيا.
 
وفي عام 1677 وقبل الحصار بمدة قاد قرة مصطفى الصدر الاعظم الحرب الاولى ضد روسيا.
Page 3
وعلى الرغم من نجاح هذه الحملة من قبل العثمانيين في بداية الامر، الا انهم في النهاية قد خسروا الشيء الكثير، إذ تخلوا عن الاكثرية الساحقة لاوكرانيا، ومنحوا للقوقاز امتيازات تجارية في البحر الاسود.
 
وباستطاعتنا ان نقول ان حصار فينا الثاني الذي بدأ في عام 1683 يعد ضربة قاضية على الدبلوماسية العثمانية، إذ تراجع العثمانيون، وتقدم النمساويون وحلفاؤهم بسرعة، وتغلغلوا في أراضي الدولة العثمانية، وبعد انقضاء سنة على هذا الحصار تم للروس السيطرة على آزوف، ونتيجة لذلك اصبح لهم موطئ قدم على البحر الاسود(3 ).
 
وفي هذه المرة بالذات ونتيجة لاضمحلال النفوذ العثماني اصبح الوضع لصالح روسيا القيصرية للتغلغل نحو الجنوب والجنوب الغربي، وعليه حاولت روسيا القيصرية خلق دولة روما الثالثة، كي تنافس القسطنطينية كمركز للمذهب الارثدوكسي. والحق ان الغرض الحقيقي من وراء كل هذه المحاولات من قبل روسيا القيصرية هو الهيمنة على المضايق العثمانية( 4).
 
وقد خاض الروس ومنذ عام 1677 ثلاثة عشر حربا ضد الاتراك العثمانيين وخلالها فقدت الدولة العثمانية مساحة كبيرة من اراضيها(5 ).
 
ان روسيا القيصرية جريا وراء تحقيق اطماعها كانت تخلف دائما اسباب اعتدائها، فتحالفت في بداية الامر مع اعداء الدولة العثمانية، ثم عادت فعرضت التحالف معها، وعملت على زيادة نفوذها في الدول المجاورة، وشجعت الحركات الاستقلالية في اراضي الدولة العثمانية، واثارت الاقليات الدينية، وهو الطابع السياسي الذي تميزت به السياسة السوفيتية في تركيا اليوم( 6).
 
يتبين لنا من خلال هذا السرد التاريخي لموقع العلاقات بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية من ان العامل الجغرافي الواسع قد فرض نفسه على السياسة الخارجية للقياصرة، وهذا ما يفسر لنا محاولة تغلغل الاخيرة نحو المياه الدافئة قبل مائة عام( 7).
 
فضلا عن ذلك، فقد سعى الروس للامتداد نحو البلطيق للوصول إلى المياه الدافئة، لان ساحل البلطيق مفتوح لاوربا الغربية فيكون قريبا لمركز الاقتصاد الروسي. وطبقا لذلك فان روسيا القيصرية حاربت مع السويد لمدة تربو على تسع سنوات للسيطرة على الاراضي البلطيقية، وكان الغرض الرئيس من وراء امتداد الروس نحو الجنوب هو لأغراض دفاعية ضد التتار.
 
وحاولت روسيا القيصرية الوصول إلى البحر الاسود للتخلص من غارات البدو المتكررة لضمان الاراضي الزراعية.
Page 4
وقد أصبحت السياسة الخارجية الروسية اكثر نشاطا وفاعلية من المضايق التركية بعد سيطرة بريطانيا على السوق العثماني، وذلك بموجب المعاهدة التي وقعت بين الدولة العثمانية وبريطانيا في 16 آب عام 1838. وفي الحقيقة ان حرب القرم اوجبت الدولة العثمانية الطرق المائية الجيدة إذ استخدمتها ضد المطامع الروسية.
 
حاولت روسيا القيصرية التغلغل إلى Caucasus بعد ان خاضت حربا ضاربة مع الفرس، وقد استطاعت في نهاية الامر الوصول إلى منطقة ابعد في تبريز، وعلى الرغم من هذا التوسع الا انها لم تقدم اكثر من منطقة الجنوب نتيجة المقاومة العنيفة من أهل المنطقة.
 
وفي هذه المدة بالذات، انصب تفكير الروس إلى المياه الدافئة وذلك عن طريق الخليج العربي، فضلا عن ذلك فقد حاول الروس التوسع في وسط اسيا كجزء من الخطة الدقيقة للوصول إلى المياه الدافئة في منطقة المحيط الهندي. الا ان جبال Hindukush، Pamir كصحاري ملحية كانت عوائق طبيعية خطيرة حطمت عزيمة هؤلاء، علاوة على ذلك فان السكة الحديدية البريطانية التي ربطت بين الحدود الهندية ومنطقة هابورس على طول السواحل، أسهمت إلى حد بعيد في الحد من توسعهم، ان حرب القرم لفت انظار روسيا القيصرية للأهمية الستراتيجية لمنطقة هابورس(8 ).
 
ان نفط باكو كان ولا يزال يصدر من باتوم. والحبوب الاوكرانية ترسل عبر البلطيق، والميناء الروسي في الجنوب كان تحت رحمة البحرية البريطانية القوية، وبناء الموانئ قد أغلقت بسبب الجليد لعدة اشهر من السنة، والتوسع نحو القطب الشمالي كان صعبا جدا، للوصول إلي المياه الدافئة( 9).
 
كل ذلك يفسر لنا الاهمية الستراتيجية للمضايق العثمانية للوصول إلى المياه الدافئة.
 
وبعد تحطيم كيان الدولة العثمانية في بداية القرن التاسع عشر، تبنى بطرس الاكبر قيصر روسيا، سياسة مفادها إبعاد روسيا القيصرية من عزلتها التقليدية، وعليه فقد خطط للتوسع غربا على حساب بولندا والسويد عبر بحر البلطيق، وجنوبا على حساب الاتراك العثمانيين، للسيطرة على البحر الاسود، وبحر مرمرة والبحر المتوسط(10).
 
وجدير بالذكر ان اول امتياز نالته روسيا القيصرية هو في عام 1774، وبموجب هذا الامتياز تم السماح لها بحرية مرور سفنها التجارية في داخل المضايق العثمانية، وذلك بموجب معاهدة كجوك فيناردجي(11 ).
Page 5
ثم عمدت روسيا القيصرية إلى السيطرة على المضايق، الا ان فرنسا وانكلترا وقفتا ضد هذه السياسة ولعل نابليون بونابرت هو الذي لفت انظار الدول الى اهمية المضايق(12 )، اذ ان حملته على مصر، وافلاته من الاسطول البريطاني ثم عودته إلى فرنسا، وسيطرته على الحكم، ومحاولته التقرب من الدولة العثمانية قد اثار الشكوك والمخاوف عند الساسة الانكليز، فما كان من بريطانيا، الا ان لبت نداء الدولة العثمانية بالانضمام إلى جاب روسيا القيصرية وبريطانيا واعلان الحرب على نابليون، ووضع الاسطول العثماني، وحصون الدردنيل تحت اشراف الحلفاء، ولكن الدولة العثمانية رفضت هذا التهديد، فاعلنت عليها الحرب وارسلت حملة بحرية مقتحمة المضايق، وكان الاتراك العثمانيون قد حصنوا شواطئ البسفور.
 
قام القيصر العظيم بمحاولة رابعة للهيمنة على البحر الاسود، عندما قاد جيشا نحو الجسر البري في القفقاس بالنهاية الاخرى. وكانت الغاية من ذلك، هي فتح طريق في اذربيجان العثمانية نحو ايران، الا ان اسطول تموين بطرس قد تحطم في بحر قزوين. وبسبب الجفاف والهجمات التي كان يقوم بها مسلموا الجبال ولا سيما الشركس، لم يتمكن بطرس من اختراق المنطقة، وكانت هذه بداية حصار الحاجز الجبلي الذي استمر قرنا من الزمان.
 
وقد وافق الروس في معاهدة بلغراد 1739 على الا تدخل اية من سفنهم إلى بحر آزوف او البحر الاسود. وبالرغم من ان الجيوش القوية لكاترين احتلت القرم كله حتى ميناء سواستيبول عام 1783، ومحاولة الاستيلاء على مصب الدينبر المجاور في عام 1789، الا ان السيطرة العثمانية على البحر الاسود كانت مستمرة.
 
وقد اصبح الاستيلاء على استانبول الطريق المائي المؤدي إلى البحر الابيض المتوسط ستراتيجية روسية انضمت إلى فكرة تحرير السلافيين في البلقان. وقد بقيت هذه كما يوضح سمنر ذلك (مشروعات واحلاما ولكنها حبلى للمستقبل)(13 ).
 
شواطئ البسفور هناك عامل آخر للخلاف بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية يكمن هذا العامل في فكرة الدفاع عن مسيحي الارثدوكسية، والجامعة السلافية، كان هاذان العاملان من الاسلحة الايديولوجية، قدمت الاهداف الخارجية لروسيا القيصرية( 14).
 
واسهم العامل الاثني العرقي بشكل غير مباشر في تحديد العلاقات الروسية-العثمانية. اذ توجد جماعات تركية تعيش في روسيا القيصرية وتعرف باسم اتراك اسيا الصغرى، ويطلق عليهم الاتراك (البيت الاهل الاتراك) ويبلغ عددهم اربعون مليونا مثل اتراك القرقيز Azeriknirghiz والاوزبك والتركمان والتتار او ججان( 15).
Page 6
هذه النقطة اصبحت واضحة، منذ ان تولت لجنة الاتحاد والترقي الحكم في الدولة العثمانية، ومن بين ما نادت به هذه اللجنة هي فكرة الجامعة الطورانية، التي اكدت الحكم توحيد جميع الاتراك في دولة واحدة تحت اسم (توران) وقد اصبحت هذه الفكرة العامل الرئيس في تحديد السياسة الخارجية للاتحاديين في المدة الواقعة بين 1908-1918(16 ).
 
بدأت تشعر روسيا القيصرية بقوة الحركة الطورانية، لانها وجدت افكارا من قبل بعض الكتاب الاتراك مفادها انه لن تقوم قائمة للوحدة الطورانية في حالة وجود روسيا القيصرية، فضلا عن تفكير الاتراك للتوجيه نحو اواسط اسيا، ولا سيما ان الاتراك يعتقدون وجود وحدة الاصل واللغة والجنس والدين. كل ذلك قد ادى إلى ان ينتاب القلق والخوف روسيا القيصرية.
 
وعلى هذا الاساس فان روسيا دفعت الدول البلقانية في حربها ضد الدولة العثمانية ليشغلوا بملكهم في اوربا عن الحلم المتواصل في اسيا(17 ).
 
والحق ان حلم تركيا الفتاة في الجامعة الطورانية، اصبح له نهاية بعد اخفاق الدولة العثمانية عام 1918، ولكن صداها قد استمر في تكوين اذربيجان في المدة الواقعة بين 1919-1921، الا ان مقتل انور باشا- واحدا من القادة الثلاثة لحزب الاتحاد والترقي الذي قاد التمرد في قبائل Basmachi في اسيا الوسطى كان نهاية للجامعة الطورانية( 18).
 
وتجدر الاشارة في هذا المجال، ان تقدم الروس إلى البحر الاسود الذي يشرف على سواحلها الغربية والشرقية كان ميلا للسياسة الخارجية العثمانية خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وقد توسع الروس لاهداف جغرافية وايديولوجية.
 
وكان الهدف في التوسع الروسي هو ازالة شعار الدولة العثمانية من القسطنطينية وروما الثابتة واعادة الحكم المسيحي.
 
واكثر من ذلك وتحت شعار الجامعة السلافية، سلاف البلقان وصربيا و Montenegrines البلغار، وكانت تمهيدا للثورة ضد الحكم العثماني(19 ).
 
تطغي على هذه العوامل، الخبرة التاريخية العثمانية الخاصة بدور العثمانيين في قطع الطريق امام التطلعات الروسية للسيطرة على المضايق والوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط، ونشر النفوذ الروسي في المنطقة، فقد كانت الدولة العثمانية تشعر بالقلق ازاء محاولات روسيا القيصرية اقامة نظام حماية الاقليات المسيحية ضمن الدولة العثماية وتحريضهم على الثورة ضد الحكم العثماني، ولذلك فان استخدام الايديولوجية كسلاح ليس بجديد على الاتراك، وفي سنوات الحرب الباردة كان الاتراك ينظرون إلى التيارات الشيوعية الممزوجة بالتيارات الاشتراكية-القومية في الشرق الاوسط التي يدعمها السوفيت باعتبارها تشكل جهدا اضافيا لنشر النفوذ السوفيتي( 20).
Page 7
الصراع والتعاون بين تركيا والاتحاد السوفيتي في العهد الاتاتوركي
 
كانت لتركيا دولة مترامية الاطراف قبل قيام الحرب العالمية الاولى هي الدولة العثمانية التي كانت تضم معظم الاقطار العربية وقسما كبيرا من شرق اوربا. ولكنها فقدت كل املاكها بعد اخفاقها في الحرب العالمية الاولى. ولم تبق لها الا هضبة الاناضول في اسيا وقسما صغيرا حول استانبول في اوربا، وفي عام 1939 ضمت اليها منطقة الاسكندرونة التي انتزعتها من سوريا في عهد الانتداب الفرنسي. وهذا يعني ان مركز تركيا قد تقلص في اوربا، واصبح مقصورا على تراقيا الشرقية التي تشمل مدينة استانبول وهي ذات موقع على جانب كبير من الحظور اذ تقع عند ملتقى قارتين وعند مفترق بحرين هي البحر الاسود والبحر الابيض المتوسط. وتتحكم في مخرج البحر الاسود عند البواغيز التي تعد طريقا ملاحيا. وقد اصاب تركيا الكثير من المتاعب لسيطرتها على هذه المضايق، لكنها ظفرت بالكثير من الاهمية الدولية بحكم موقعها. وقد حال وقوف تركيا على الحياد في الحرب العالمية الثانية دون مرور سفن الاتحاد السوفيتي. والمانيا وايطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا( 21).
 
والحق، كان للعامل الجغرافي في تركيا، الدور الكبير في تحديد مسارات السياسة الخارجية التركية بعد نشوب تركيا الحديثة في موضوع الصراع والتعاون مع الجوار الجغرافي الشمالي، اذ ان لديها اطول حدود مشتركة مع الاتحاد السوفيتي وبين كل الدول الاعضاء في حلف شمال الاطلسي، اذ تمتد لمسافة 380 ميلا عبر الاراضي الجبلية، وان سواحلها المطلة على البحر الاسود التي تمتد لمسافة 625 ميلا(22 ).
 
وتمتد الحدود البرية لتركيا عبر 1910 اميال في اوربا، وحدودها مع بلغاريا هي بطول 125 ميلا، وحدودها مع اليونان هي الطول نفسه مع بلغاريا على وجه التقريب. اما الحدود السوفيتية في الاناضول فانها بطول 300ميلا، وحدودها مع ايران هي 290ميلا، مع العراق 235ميلا، مع سوريا 835 ميلا. اما طول الحدود البحرية في بحر ايجة والبحر الابيض المتوسط فيبلغ 1230ميلا(23 ).من خلال هذا العرض السريع عن جغرافية تركيا الحديثة، يمكننا ان نحدد طبيعة العلاقات التركية السوفيتية في العهد الاتاتوركي والتي اتسمت بالصراع والتعاون، حيث اتضح معالمها وبصورة جلية منذ ان سيطر الحلفاء والسوفيت في المدة الواقعة بين 1919-1932 على المضايق التركية وقيام الاسطول الفرنسي بتقديم المعونات للجيش السوفيتي، لم يمتلك السوفيت بعد انتهاء الحرب الاهلية الابحار في المياه الدافئة.
Page 8
وقد ادى ذلك إلى قلق اكثر حتى قبل منعها من دخول السفن الاجنبية في البحر المتوسط. بعد انهيار الخلافة العثمانية، وميلاد تركيا الحديثة في عام 1923 من قبل مصطفى كمال الملقب باتاتورك واحدا من اقوى القادة في تلك المدة. وجدت تركيا نفسها امام مواجهة القوى الاوربية، ولابد في هذه الحالة ان تفكر تركيا لايجاد حلف لها ضد تحدي هذه القوى.
 
اما من جانب السوفيت فانهم ايدو حركة مصطفى كمال، اذ قام مفوض الشعب للشؤون الخارجية في الاتحاد السوفيتي، بتوجيه نداء إلى عمال وفلاحي تركيا الذي جاء فيه (ايها الرفاق عمال وفلاحو تركيا ان اخوانكم، العمال والفلاحين الروس الذين قاسموا كل فضيحة هؤلاء الضواري مصاصي الدماء الداخليين الذين باعوا روسيا للضواري الخارجيين-اللصوص الاوربيين، قد قرروا اخذ زمام الحكم في ايديهم.. ولذلك تامل حكومة العمال والفلاحين في روسيا السوفيتية منكم يا عمال وفلاحو تركيا، الذين قاسيتم كل شيء في هذه اللحظة الحاسمة المسؤولة، ان تمدوا يد الاخوة وتوحدوا قواكم معنا لكي نطرد سويا الضواري الاوربيين وان نبيد وننهك في داخل ابلاد اولئك الذين تعودوا على ان يبنوا سعادتهم على تعاستكم)( 24).
 
وقد تقدم مصطفى كمال في 26 نيسان 1920، عندما اسس الحكومة في انقره-باقتراح الى السوفيت طالبهم باقامة العلاقات الدبلوماسية، وابرام تحالف عسكري، وتقدم المساعدة الى تركيا. وقام مفوض الشعب للشؤون الخارجية السوفيتية الرد على طلب مصطفى كمال وجاء فيه: "ان الحكومة السوفيتية تأخذ بعين الاعتبار عزيمة الجمعية الوطنية الكبرى على تنسيق عملكم وعملياتكم الحربية ضد الحكومات الامبريالية، مع الممثل الاعلى السامي لتحرير الشعوب المضطهدة"(25 ). 
 
وابدت الحكومة السوفيتية رغبتها في العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع الحكومة الجديدة في انقرة، فضلاً عن استعدادها للقيام بدور الوسيط في المحادثات بين تركيا وارمينيا وايران( 26). والحق، يعد الاتحاد السوفيتي اول دولة، تعترف بصورة رسميه بحكومة المجلس الوطني التركي الكبير برئاسة مصطفى كمال. ونتيجة لذلك، اقام السوفيت علاقات دبلوماسية مع القادة الجدد في تركيا، وعلى مستوى السفارة في 2 حزيران 1920. وفي هذا المجال، بعث "Georgi Chicherin" مفوض الشعب للشؤون الخارجية برسالة الى القادة الاتراك جاء فيها: ((نتابع سيرتكم في الاستقلال والسيادة، وكم نكون سعداء في حالة توحيد وجهات النظر بين الشعبين الروسي والتركي))( 27).
 
ونتيجة لهذه الظروف فقد تبنى اتاتورك سياسة مفادها التقرب من الاتحاد السوفيتي. وتبعاً لذلك فقد قام اتاتورك بالايعاز الى احد اصدقائه بتأليف الحزب الشيوعي التركي عام 1920، ومنحه احتكار الدعوة للمبادئ الماركسية( 28).
Page 9
والحق كان على الاتحاد السوفيتي، التعاون مع حكومة انقرة ضد بريطانيا انها عدت هي العدوة المشتركة لكل من السوفيت والاتراك على حد سواء، لان بريطانيا احتلت القسطنطينية والمضايق فضلاً عن اليونان في اسيا الصغرى، ناهيك عن وقوفها مع القوى المقاومة للبلشفيك في الاتحاد السوفيتي. وكانت لا تزال تهدد جنوب روسيا السوفيتية بسيطرتها على المضايق والبحر الاسود( 29).
 
وقد رحب السوفيت بهذه السياسة ولاسيما انهم عدوا ثورة تحررية، وتبعاً لذلك فانهم قدموا المساعدات كافه للاتراك في صراعهم الكبير ضد الاستعمار. وتم ارسال العمال الاتراك الى الاتحاد السوفيتي لتدريبهم هناك، وقد ثمن يوسف باي النائب في المجلس الوطني التركي الكبير العلاقات التركية-السوفيتية قائلاً "انه من الطبيعي ان يمدنا السوفيت بهذه المساعدات، لان الظروف الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية تملي عليه ذلك( 30).
 
وبالامكان ان نقول في هذا المجال، عادت كل من تركيا والاتحاد السوفيتي الى اقامة علاقات جيدة في عام 1919، في ظل انظمة جديدة برزت الى الوجود في الدولتين السالفتي الذكر.
 
ان كلا الدولتين وقفتا ضد الاقطار الغربية، واكدتا عدم التدخل العسكري من الخارج، وانضمت الى عضوية عصبة الامم وقد شجب السوفيت في المدة الواقعة بين 1917-1919 المعاهدات السرية المتعلقة بضم استانبول الى روسيا القيصرية، هذه المعاهدات التي ابرمها قيصر روسيا وحلفاؤه الغربيون، ونتيجة لذلك فقد اكد السوفيت ابقاء استانبول بيد الاتراك( 31).
 
وفي هذه المدة بالذات قامت زيارات مكثفة بين الدولتين تمخض عنها التوقيع على معاهدة موسكو في 16 آذار (مارس) 1921، وبموجب هذه المعاهدة اعترف السوفيت بالحدود الشمالية الشرقية لتركيا، والتخلي عن ولايتي قارص واردهان لتركيا، واكدت المادة الثانية من هذه المعاهدة جلاء تركيا من باتوم والاراضي المحيطة بها(32 ). وان تتنازل عنها الى جورجيا( 33).
 
وتكمن اهمية هذه المعاهدة، كون تركيا دخلت في صراع ضد بريطانيا واليونان في هذه المدة، اذ دعمت هذه المعاهدة مركز تركيا من اجل الاستقلال، كما كانت فرصة التوصل الى الظروف الملائمة في المفاوضات مع الدول الاخرى، وتثبيت معالم النظام التركي الجديد(34 ).
Page 10
وأكدت المعاهدة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وكان هذا اشارة الى عدم قيام السوفيت من تحريض الحزب الشيوعي التركي، ونتيجة لذلك فقد ساندت موسكو الميثاق الوطني.
 
وفي الحقيقة اثارت معاهدة 1921 قلقاً عميقاً بين القوى الغربية، كانت احدى الاسباب الرئيسة وراء عقد فرنسا لاتفاقية سلام اوليه مع حكومة انقرة في تشرين اول 1921 دون استشارة حليفتها بريطانيا، وقد ارادت فرنسا من ذلك ايجاد توازن مضاد لتأثير الحظر الممكن من جانب موسكو على تركيا.
 
وبمقتضى هذه المعاهدة، تعهدت كل من الاتحاد السوفيتي وتركيا، بعدم الاعتراف باي معاهدة تفرض بالقوة على اي دولة منهما.
 
وتم الاتفاق على ترك البت في موضوع المضايق والبحر الاسود الى لجنة من مندوبي دول المنطقة، لا تشترك فيها الدول الغربية. وبعد ابرام هذه المعاهدة، قام السوفيت بارسال الاسلحة الى الاتراك لنشر الحركة الشيوعية في تركيا. اما بالنسبة للاتراك فانهم قبلوا الدعم السوفيتي، الا انهم وقفوا موقف الحذر منه  (35 ). وقد قوم مصطفى كمال الموقف السوفيتي في تركيا بعد ابرام معاهدة الصداقة في 16 آذار 1921 قائلاً: ((ان سياستنا الخارجية تقوم على تقوية الروابط الاخوية مع روسيا السوفيتية، لانها الدولة الوحيدة المخلصة التي اعترفت صريحاً باستقلالنا الحقيقي وفتحت يدها لتقديم المساعدة لنا)).
 
والحق تعد هذه المعاهدة، بمثابة الدعم القوي لتركيا، ولاسيما ان جبهة الحلفاء كانت قد تفككت، بعد ان استطاعت تركيا، عقد معاهدات منفردة مع كل من الاتحاد السوفيتي وايطاليا وفرنسا(36 ).
 
ولم يبق امام تركيا في جبهة القتال سوى بريطانيا واليونان. الامر الذي ادى فيما بعد ان يكثف الاتراك كل قوتهم ضد الدولتين السالفتي الذكر، وكانت النتيجة طرد تركيا لهما.
 
وقد قدم سوريتش الممثل المفوض السوفيتي في تركيا إلى عصمت اينونو رئيس الوزراء وقتئذ اقتراحا يدعو إلى توسيع المعاهدة السوفيتية التركية-السالفة الذكر التي ابرمت في 16 آذار 1921.