الإهداء
إلى صاحِبِ التَّرجمة، فضيلةِ شـيخي وموجِّهي، وأبي بعد والدي، العلامة الشـيخ صادق حبنَّكة الميداني.
إلى والدي الكريم، الذي بذل حياتَهُ في تربيتي وتربية إخواني، ووضعني على طريق العِلم، وحثَّني على سلوك الخير بقالِهِ وحالِهِ وصبرهِ وتفانيه، مَنْ كان شـيخنا يثني على صلاحِهِ وتقواهُ وأدبِهِ، المرحوم الحاج محمَّد سعيد بن سعد الدين السَّعدي.
إلى صاحِبةِ الأفضالِ التي لا تُحصى، مَنْ بذَلَت ثمراتِ لُبِّها في سبيل تربيتي وإنشائي على طريقٍ ترتضيه، حتى حَكَمَ فيها قضاءُ اللهِ الذي لا رادَّ له، رضينا بِهِ وبِحُكمِهِ، راجياً أن يكونَ ذلك رفعاً في درَجاتِها، والدتي التي أعتزُّ بتربِيتِها، وأفتخِرُ بانتسابي لها.
أُهْدِي هذا الكِتاب
مآذِنُ الشَّامِ دوَّت في ضُحىً شحِبِ
غابَتْ شمُوس الهدى والعِلْمِ والأَدَبِ
يا صادِقَ الموتِ غاب اليوم َ صادِقُنا
أنَّى لنـا ملجأٌ مِنْ شِـرَّةِ الكــذبِ
كانَ الحيـاةَ وأخلاقَ الحيـاةِ لنـا
ورحمـةَ الله يحكي الودْقَ في السُّحُبِ
في همـَّةٍ وضيــاءُ العلم يرفَعُـهُ
كـأنَّهُ البأسُ والإشـراقُ في الشُّهُبِ
غيَّبتَــهُ وبلادُ الشـام ترْمُقُــهُ
كـانَ النَّجـاةَ لها في أحْلَـكِ الكُرَبِ
أحمد السعدي
خلاصة عن حياةِ العلاَّمةِ الرَّاحل الشـيخ صادِق حبنَّكة الميدانيّ
1. ولد الشـيخ في العام الذي دخل فيه الملك فيصل سوريَّا ـ كما كان الشـيخ ينقل عن والده ـ وهو عام 1918م في حيِّ الميدان المجاهد بمدينة دمشق، وكانت دمشق آنذاك موطن العلماء الكبار، وعلى رأسهم: محدِّث الشام الأكبر: الشـيخ بدر الدِّين الحسني.
2. حضـر مع أخيه دروساً لبعض مشايخه، كالشـيخ بدر الدين، والشـيخ محمود العطَّار، وغيرهما، إلا أنَّه ـ كما كان يكرِّر دائماً ـ انقطع لتلقِّي العلم من أخيه سلطان العلماء في بلاد الشام، فضيلة العلَّامة المرحوم الشـيخ حسن حبنَّكة الميداني، وتربَّى على يديه وتخرَّج عليه.
3. درس على الشـيخ وتتلمذ عليه معظم الذين وفدوا على الشـيخ حسن، ومنهم: الشـيخ كريِّم راجح شـيخ قرَّاء الشام، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدكتور مصطفى البغا، وغيرهم كثير. كما انقطع إليه الجيل الثاني من طلاب الشـيخ حسن ومنهم: الشـيخ محمد شقير، والشـيخ قاسم النوري، والشـيخ رشدي قلم، وغيرهم كثير. كما درس عليه بعد وفاة أخيه الكثير من الطُّلاب في دروسه في جامع منجك، وفي بيته، ومنهم: نجله الأستاذ الشـيخ أنس حبنَّكة، والأستاذ أنور السعدي، والدكتور أحمد السعدي، وغيرهم كثير.
4. امتاز الشـيخ بذكاء حادٍّ، وفطنةٍ قلَّ نظيرها، وحكمة هادئة وورع وإخلاص وتواضع، يشهد بذلك كلُّ من عرفه وخالطه، مع شجاعة نادرة، وجرأة في نقد الظلْم، ومظاهر الخطأ الاجتماعيَّة.
5. أدار معهد التوجيه الإسلامي من افتتاحه مدرسةً رسميَّة، وحتى إغلاقه سنة 1967م ، وقد تخرَّج من هذا المعهد كثير من علماء الشام والأردن وتركيَّا، وغيرها من البلاد الإسلاميَّة.
6. اهتمَّ في مطالعاته ـ إلى جانب العلوم الشـرعيَّة المختلفة ـ باللغة، فكان حُجَّةً فيها، نحواً وصـرفاً وبلاغة وأدباً، وقد أكرمه الله بسليقة شعريَّة وأدبيَّة رفيعة، فكان شاعر علماء بلاد الشام، وله صور مبتكرة، وأعمال إبداعيَّةٌ رائعة، إلا أن تواضعه - رحمه الله - كان يحملُه على الاحتفاظ بذلك وعدم نشـره، مع كثرة إلحاح من حوله على ذلك، وقد جمع آخر حياته بعضاً من منثورات شعره، لكنَّه لم يرضَ أن ينشـرها.
7. خطب قديماً في جامع باب مصلَّى الكبير، وقد كان من أشهر وأوسع مساجد دمشق، ثمَّ خطب بعد وفاة أخيه في جامع منجك، ثم بقي خطيباً في جامع الحسن إلى قبيل وفاته حيث أقعده المرض. وكان للشـيخ إلى آخر حياته دروس في بيته، وفي جامع منجك، استفاد منها طلَّاب العلم الشـرعي من مختلف الجنسـيات.
8. تزوَّج الشـيخ مرَّتين، وقد توفِّيت زوجته الأولى بعد سبعة عشـر عاماً من زواجهما دون أن يمنَّ الله عليهما بولد، ثم تزوَّج من الثانية فأنجبت له أربعة أبناء، وأربع بنات، توفيت إحداهنَّ قبيل وفاته، وقد رثاها بقصيدة مطلعها:
لبَّت نداءَ إلهها وجدانُ فاستحكمت مِنْ بَعْدِها الأحزان
9. توفِّيَ ـ رحمه الله ـ فجر يوم الثلاثاء، الواقع في 27 / شوَّال / 1428 هـ ، الموافق 6 / تشـرين الثاني / 2007م، عن عمُرٍ يُناهِزُ التسعين ، قضاه في العلم والدعوة والتعليم والتوجيه والجهاد في سبيل الله .
قالوا في الشـيخ
1. كان ولا يزال مديرَ معهدِ التوجيهِ الإسلاميِّ، كان أستاذنا الشـيخ صادق حبنَّكة، أخو الأستاذ، وكنت أنضوي تحت لوائهِ، وما زلت أنضوي تحت لوائه، ولا أتقدَّمُ عليهِ، اعتبرهُ أُستاذي، وكونوا عليَّ شُهداء، فهو بِمثابةِ أخيه الرَّاحِل، الأستاذ الشـيخ حسن حبنَّكة رحمة اللهِ عليه......... وهل لي كلمة، والأُستاذُ الشـيخ صادِق موجود ؟!
شـيخ قراء الشام حسـين خطَّاب
2. عمي الجليل، عرفناك قلباً كبيراً، وعقلاً وفيراً، ووفاء منقطع النظير، وقليلٌ في الناس هذه الصفات.
بيد أني محروم من أن أكون لائذاً بكنفكم، سابحاً بغامر عطفكم، عرشـي وفرشـي في بعض زوايا صـرحكم، تابعاً بطاعة، على قدر الاستطاعة، أجلس خلفكم في المجالس، غير مزاحم ولا منافس.
الشـيخ عبد الرحمن حبنَّكة الميداني
ولله شهم صادقٌ في فِعالِهِ
وأقوالِهِ نِعْمَ الفتى رائعُ الفِكْرِ
وقورٌ حليمٌ شاعِرٌ ومُعلِّمٌ
خلائقُهُ بحْرُ الدَّراري بلا حصـر
شـيخ القراء كريِّم راجح
أنا تتلمذت على الشـيخ الجليل رحمه الله... ستَّ سنوات في درسٍ بعد أذان الفجر من يوم السبت. والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت قلباً أكبر من قلبه، ولا حكمةً أجلَّ من حكمته...... هو شـيخ الشام بل شـيخ العالم العربي.
الداعية الإسلامي: د. راتب النابلسـي
الحمد لله الذي أنار الأرض بأنجم أهل العِلْم، وجمَّلَها لعبادِهِ بزينةِ أصحاب الصدق، وحلَّاها لأوليائهِ بِصُحبةِ أقران الوفاء، والصَّلاةُ والسَّلام على معلِّم النَّاسِ الخير، وصاحِبِ الفضلِ الأوَّلِ بين البشـر، سـيدِهم محمَّدِ بنِ عبدِ الله، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاه، وبعد:
فَقِصَّتِي مع العلامة الرَّاحِل، الفقيهِ الكبير، الشَّاعِرِ الأديب، الوفيِّ الصَّادِق، قِصَّةٌ تمتدُّ لأكثرَ مِنْ رُبُعِ قرن، على حداثةِ سِنِّي، صحيحٌ أنَّني لا أذكرُ تفاصيلَ بداياتِها، رُبَّما أواخِرَ السبعينيَّات من القرنِ الماضي، أو أوائلَ الثمانينيَّات، غير أنني أذكر عناوين تلك البدايات، فمن ذلِكَ أنني أذكر تقبيلي ليد أخيهِ الشـيخ حسن رحمه الله أواخِرَ حياتِهِ، ودُعاءَهُ لي، يوم اصطحبني والدي معهُ في مناسبةٍ ومكانٍ لستُ أذكرُهُما، للسَّلامِ على الشـيخ، ودافعْتُ مَنْ حولي من الكبارِ بمساعدتِهِ رحِمَهُ الله حتَّى حظيتُ بمنيتي، وكان الشـيخُ حسن رحمه الله يسكُنُ في حارتنا، يمرُّ من جانِبِ بيتنا صباحَ مساء. وأذكر منها أنني صلَّيتُ الجُمُعةَ والتراويحَ خلْفَ شـيخِنا الشـيخ صادق قبل مرضِهِ الذي منعهُ الخطابةَ مُدَّةً من الزمن، وأظُنُّ ذلك مطلعَ الثمانينيَّات، بُعيدَ وفاةِ الشـيخ حسن رحمهما اللهُ تعالى.
أمَّا ما أذكرهُ تماماً فهو حضوري لدروسِ الشـيخ صادِق أواسِطَ الثمانينيَّات، وبالتحديد درسـي الجمعة صباحاً في بيت الشـيخ حسن رحمه الله تعالى، وكان الكتاب الذي يقرأ فيه الشـيخ هو صفة الصفوة لابن الجوزي رحمه الله، والاثنين الذي كان يُدرِّسُ فيه كتاب الجامِعِ الصَّغيرِ للإمامِ السـيوطي رحمه الله، وكان أول حديثٍ حضـرتُ شـرحَهُ يوم الاثنين هو قولُهُ صلى الله عليه وسلَّم: " أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ لأناثِ أُمَّتي، وحُرِّمَ على ذُكُورِها " وهو الحديث الثاني والسبعون بعد المئةِ الثانيةِ من أحاديث الجامِعِ الصَّغير ، ولأنَّني كُنْتُ صغيراً فلم أُعْنَ بكتابِةِ تاريخِ الدَّرْسِ آنذاك، غير أنَّي تنبَّهْتُ إلى ذلك مُبكِّراً، فقد وجدتُ بدء كتابة التاريخ على كتابي " الجامع الصغير " بعد نحوِ أقلَّ من ثلاثين حديثاً، وقد كان الشـيخ يشـرحُ غالِباً حديثاً كُلَّ أسبوع، وكان بدء تأريخي لحضورِ الدُّروس بِـ 5 رمضان 1406 هـ، الموافِق 13 / 5 / 1986م، وذلك عند شـرح الشـيخِ لحديث: " أخْلِصْ دينكَ، يكفِكَ القليلُ من العمل" ، وأمَّا أقرب تاريخٍ عثرتُ عليهِ لحضورِ درسِ الجُمُعة فهو 27 / 3 / 1987م، وكان الشـيخ يشـرح فيه قولهُ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ مِنْ كُنُوزِ البِرِّ كِتْمَانُ المصائِب" ، وبقيتُ مواظِباً على حضورِ هذين الدَّرسـينِ إلى أواخِرِ الثمانينيَّات حيثُ نشأت بيني وبين الشـيخِ على صِغرِ سِنِّي علاقةٌ علميَّة، كنتُ فيها طالِباً مُحِبَّاً، وكان الشـيخُ فيها شـيخاً متواضِعاً حنوناً عطوفاً.
ولا أودُّ أن أستعرِضَ في هذِهِ المقدِّمةِ تفاصيلَ تلك الفترةِ التي أعتزُّ بِها وأطربُ لِذكراها ؛ لأنَّ ذلِكَ وإن كان يلَذُّ لي تكرارُهُ وتفصيلُهُ، ليسَ هذا مكان الإطالةِ فيه، وأنا أنتقِلُ مِنْ تِلكَ الحُقبةِ إلى مطْلَعِ التسعينيَّات ، بعد أن صـرتُ أتردد على بيتِ الشـيخِ يوميَّاً، أقرأ على الشـيخ، وأُساعِدُهُ في بعضِ ما كان يُعِدُّهُ للطباعةِ في مكتبتِهِ، والتي عمِلْتُ فيها فيما بعد لسنواتٍ عِدَّة.
أذكرُ تماماً أنَّ الشـيخَ طلَبَ مني أن أدرسَ البكالوريا في غرفتِهِ في المسجد، بعد أن أعطاني مفتاحها، ومفتاح المسجد ؛ لأدخل إليهِ حيث أحتاج، وخَرَجَتِ النتائجُ ولم تكن درجاتي كما كان يؤمِّلُ الشـيخ، واستدعاني رحمه الله لجلسةٍ خاصَّةٍ لتقويم النتيجة، وكان اللقاءُ في غُرْفتِهِ في المسجِدِ، ودارَ حِوارٌ بيننا أخبرتُ الشـيخَ فيهِ عن عدم رغبتي في دراسةِ الهندسةِ التي كان يرغبُ أن أعيد السنة لتحصيلِها، وعرضَ عليَّ كُلَّ مساعدةٍ لدراسةِ أيِّ اختصاصٍ أودُّ متابعته، وكان من العروضِ ـ بطبيعةِ الحال ـ أن أدرسَ في كليَّةِ الشـريعة، وهو الأمر الذي كان متعذِّراً في تلك السنة بسببِ حجب طلابِ الثانويَّاتِ العلميَّةِ عن الدِّراسةِ في كليَّةِ الشـريعةِ تلك السَّنة، وهو أمر لم يسبق أن حصَل، ولم يحصل فيما بعد، والمُهِم أنني أبديتُ رغبةً في دراسةِ الشـريعةِ والتخصص لها في الجامِعة، وكان الأمر المتاح لي لذلِكَ أن أعيد الدراسة لكن في الفرعِ الأدبيِّ هذه المرَّة، واشترط عليَّ الشـيخ لذلِكَ شـرطاً، بعد أن بذل جهداً كبيراً في إلحاقي تلك السنة بالكليَّة، وأنا أوجزُ الحديثَ في هذا وذاكَ.
أمَّا جهودُ الشـيخ فتتمثل في أمرين: الأول أنَّهُ كلَّم أستاذين كبيرين من كلية الشـريعة ليسعيا في إلحاقي بها تلك السنة إن كان لذلك مجال قانوني، والأستاذان هما: الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، وأذكر أنَّ شـيخنا حدَّثني عن حماسٍ شديد لدى أستاذنا الدكتور وهبة لتلبية رغبةِ الشـيخِ في تسجيلي رغم إغلاقِ البابِ ـ كما ذكرت ـ في وجه دارسـي الثانوية العلميَّة تلك السنة، إلا أنَّ الأمر لم يتم، فسعى الشـيخُ في الطريق الثاني، وهو الطَّلبُ الرسمي من وزير التعليم العالي أن يلحقني استثناءً ذلكَ العام، وكان الشـيخ رحمه الله يوصيني دائماً بالدراسةِ والتحضير للثانوية الأدبيَّة حتَّى إذا لم يتيسَّر الأمر الاستثنائي عدنا إلى الطريق النظامي.
أسرد هذا لِما أظنُّ أنَّهُ يُصوِّرُ جانباً من طبيعةِ الشـيخ النفسـيةِ والسلوكيَّة، كان الطالِبُ مِحورَ اهتمامهِ، ولم يكن التعليم غايته مجرَّدةً عن التربية والتوجيه والمساعدة والمتابعة، بل كان يجمعُ في علاقتِهِ بتلميذِهِ بين هذه الأمورِ كلِّها، باذِلاً في سبيلِ ذلِكَ مالَهُ وجاهَهُ ووقتَهُ وعِلْمَهُ وراحته.
وتأكيداً لذلك فقد أوكل الشـيخ إليَّ إمامةَ مسجدٍ صغيرٍ في الحي، وكان هذا المسجد قد جُدِّدَ بإشـرافِ الجمعيَّةِ التي يرأسُها الشـيخُ، وأبى الشـيخ أن أكتفيَ بأجرٍ أتقاضاه من الجمعيَّةِ، قائلاً: يا أحمد أنا لستُ خالِداً، الوظيفةُ أوثق، وكان أن أرسلني إلى بعض طلابِهِ في مديريَّةِ الأوقاف لأسجِّل رسمياً بأيِّ وظيفةٍ تغنيني عن حاجةِ النَّاس مقابِلَ قيامي بالإمامةِ في ذلك المسجد.
و إلى جانب هذا وذاك سعى الشـيخ في تسجيلي في الثانوية الشـرعيَّةِ مُستمعاً وكلَّم في ذلك الشـيخ عبد الفتَّاح البزم، وكان آنذاك مديراً للثانوية الشـرعية بدمشق، فوافق على ذلك، إلا أن ابنَ الشـيخ قال له بأنَّ المواد الشـرعية قد تكون حِمْلاً إضافيَّاً على الطالب في أخذ الشهادة، فَعَدَلَ الشـيخُ عن فكرته.
وفي هذه الأثناء شعرتُ بوجود فراغٍ يمكنني العمل فيه، فأرشدني الشـيخ إلى أكثر من جهةٍ لأعملَ فيها.
هذا بعضُ ما قدَّمهُ لي الشـيخ من مساعدةٍ للدخولِ في كليَّةِ الشـريعة، فماذا اشترطَ عليَّ في المقابل ؟
لقد قال لي: يا أحمد، نحن لا نريد شهادة الليسانس، إن أردت الدراسة في كليَّةِ الشـريعة فعِدني أن لا تترك ذلك حتَّى تصل إلى الدكتوراه، لا أرضـى بأقلَّ من ذلك . وقلت له: أبذل جهدي إن شاء الله. وحينما أكرمني الله بالحصول على الشهادة جئتُ الشـيخ مبشـراً عالِماً أنَّ ذلك مِمَّا يُسعِده، فقد كان يفرح لي كما يفرح لأولادِهِ، وأذكر أن رجلاً سأله عن عدد أولادِهِ فقال له – رحمه الله -: هم أربعة، وأحمد الخامس. جئتُهُ رحمه الله بعد نحوِ خمسة عشـر عاماً من الوعد، وكنت أظنُّ أنَّهُ نسـي ذلك، فالتفتَ لابنه الشـيخ أنس وقال له: لقد قلت لأحمد كذا وكذا منذ سنين بعيدة، وهاهو قد أنجز ما وعد.
وقد درست في عقد التسعينيَّات عِدَّة كتب على الشـيخ، بعضها مع إخواني، والقليل منها وحدي، لكنَّ الذي خصَّني بِهِ الشـيخ هو رغبته بتعليمي الأدب، وقد جعلني أقرأ بين يديه مختاراتٍ من كتب الأدبِ لنختار واحِداً منها أراه مناسباً لأقرأهُ عليه، وذلك رغبة منه – رحمه الله – في أن أختار كتاباً يتناسبُ ومستواي من جهة، ورغبتي من جهةٍ أخرى، إيماناً منه بأنَّ هذا أجدى نفعاً وأنفع جدوى، ثم إنَّهُ – رحمه الله – صار يكتب لي شطر بيتٍ ويطلب مني إتمامه، ويعطيني بعضَ أبياتٍ ويطلبُ مني النسج على منوالها في موضوعها وقافيتها، لكنَّهُ لمَّا أحسَّ تركيزي على ذلك وصـرفي للوقت في سبيله خاف عليَّ وقال لي: لا يجوز لطالب العِلْمِ أن يطيل الانشغال بهذا، ثم صار يكتفي بأن يقرأ عليَّ بعض ما كتب من الشعر، ولربَّما أراد جبرَ خاطري فكتب لي قصيدةً تشجيعيَّة جاء فيها:
يا خَلِيْلي وأنْتَ أحمَدُ خِلِّ
لكَ روحي وذاكَ جَهْدُ المُقِلِّ
لكَ بِالعِلْمِ لا بِمالٍ ولُوْعٌ
لَسْتَ ترضـى مع الثَّراءِ بِجَهْلِ
كيْفَ أحْوِيْكَ في فُؤادٍ مُعنَّى
ما عساني أُعطي لِمَا لكَ كلِّي
لي في ودِّك النَّزيهِ غَناءٌ
في بقايا الحياةِ عنْ كُلِّ خِلِّ
ما شعوري بأنْكَ عنِّي غريب
بل شعوري بأنْك أقْرَبُ أهلي
بيدَ أنَّي لمَّا رأيْتُكَ شَهْماً
ترْتضـي كلَّ ما أُريْدُ لأجْلِي
دأبُكَ الخيرُ والصَّلاحُ دواماً
لا تُقَضِّـي الفراغَ مِنْ غَيْرِ شُغْلِ
هزَّني ما رأيتُ منك لجِدٍّ
من جديدٍ وقُلْتُ أجْدَرُ مِثْلِي
و في آخِرِ حياةِ الشـيخ أنابني مرَّاتٍ عنه في خطبة الجمعة في جامع الحسن، ثم كلَّم وزير الأوقاف بأن يجعلني خطيباً في أحد المساجد، وتابع ذلك باهتمام، وشاء الله أن يرحل وقد تجهَّزتُ لِسَفَرٍ قَسْري، وكان آخِر ما قال لي: ستمضـي هذه الحال، لا تَهْتَمَّ للأمْرِ كثيراً.
رحِمَ اللهُ الشـيخَ وأسكنه فسـيح جِنانِه.
* * *
هذا طرَفٌ من علاقتي بالشـيخ، وإنَّما هو جانِبٌ من جوانِبِ هذِهِ العلاقة، قدَّمْتُهُ لأمْرٍ يتعلَّقُ بطريقةِ افتتاحِ كُتُبِ الأعلام الخاصَّةِ، وأنا أترك الجوانِبَ الأخرى ليتابِعَها الأخُ القارِئ من قراءة البحث، ولعلَّ من المناسب هنا أن أتحدَّث قليلاً عن منهج البحث وخطته ومصادره ومصاعبِه، وذلِكَ من عادة الباحثين اليوم، وفيه خيرٌ بلا شك ؛ لأنَّ القارِئ يستعِدُّ بذلك للاستفادة من البحث، ويضعُ تصوُّرَه الذهني المُسبق الذي قد يرسِّخُ بعضَ الجوانبِ التي ينشدها أكثر، فتكون الفائدة من القراءة أقرب. وعلى العمومِ فقد اعتمدتُ في كتابة البحث على الأمور الثلاثة التالية مرتَّبةً في الأهميَّةِ:
الأمرُ الأوَّل: ما رأيته بنفسـي، وعايشته قرابة ربع قرنٍ من الزمان، كنت فيها تلميذاً يتردد على الشـيخ بشكل شبه يومي، في بعض فترات هذه العلاقة الطيِّبة، وفي الأغلب ما كان يمر يوم أو يومان لا أرى فيهما الشـيخ إلا أن أكون مسافِراً. ولقد كتبت طرفاً ممَّا حدث معي، وآخر مِمَّا رأيته، وثالثاً مِمَّا سمعته من الشـيخ. فمصدر الكتاب الأوَّل هو العلاقة الخاصَّة التي أشـرت إليها والتي أكرمني الشـيخ بها، فكان هذا البحث ممثِّلاً لمعرفتي الخاصَّة بالشـيخ، وعاكساً لتلك العلاقة، برؤيةٍ فيها بعضٌ من الذَّات، أقصد أنَّ ما كتبْتُ كان من منظاري، ولعلَّ الآخرين رأوا ما رأيتُ لكنَّهم نظروا إليه بمنظار مختلف، والناس مذاهب، لكن حسبي أنني كنتُ أميناً في التصوير، صادقاً في النَّقل، ولك أن تقول إنَّ البحث بالدرجة الأولى كان حديثاً عن الشـيخ كما عرفته.
الأمر الثاني: ما أخبرني به بعضُ من كان أكثر بِهِ التصاقاً، وأكثر له ملازمةً، من أهلهِ وطلابِهِ، وأنتَ واجِدٌ فيه كلام أساتذتنا عنه، وروايتهم لأشـياء فيها من العبرة والفائدة، وسدِّ الثغرات التي أحدثها غيابي عن الشطر الأهم من حياة الشـيخ. غير أنَّ أبرز من استفدتُ منهم في تغطية الجوانب الخاصَّة من حياتِهِ – رحمه الله – هو ابْنُهُ الشـيخُ أَنَس حفِظَهُ اللهُ تعالى، وعلاقتي بالشـيخ أنس قديمة قدم علاقتي بالشـيخ، وقد كان من أقرب أولاده له في الطبع والسلوك والتفكير، وكان الشـيخ يرغب دائماً في توثيق علاقتي به، ولذا جعل لنا درساً في النحو نقرأ فيه معاً، واستمرَّ هذا الدرس أكثر من خمسة عشـر عاماً، ومن مظاهر رغبته هذه رحمه الله، رغبته في أن أدرِّس أبناء الشـيخ أنس، وأحفِّظهم القرآن، وأذكر أنَّه استمع لسورة النبأ من حفيدهِ عمَّار، ووجهني لطريقة تحفيظه ومتابعتِه، وكان الأخ عمَّار لا يعرف قراءة ولا كتابة، لصغر سِنِّهِ. ومن مظاهِرِها أيضاً طلبُهُ مني حضور أهلي لبعض مناسبات الشـيخ أنس الخاصَّة، والأكثر أثراً من بين ذلك كلِّهِ عملي مع الشـيخ أنس في مكتبة الشـيخ لسنواتٍ، وقد أثمرت هذه العلاقة الطيِّبة توثيقاً للعلاقة الأصليَّة، ولعلَّ هذا من سـياسة الشـيخ التربويَّة لما يعلم من فارقِ السِّنِّ بيني وبينه، والذي قد يكون حائلاً عن كمال الاستفادة، فكانت علاقتي بابنهِ مخفِّفَةً من تلك الفجوة. على كلٍّ فقد كان الشـيخ أنس أهمَّ مصادر البحث فيما لا نصَّ فيه، أعني فيما لم يكن لديَّ فيه معرفة حقيقيَّة، وقد أكرمني الأخ الكبير الشـيخ أنس بمراجعةِ أصول الكتاب، وكتب لي ملاحظاتٍ مفيدة على بعضِ أبحاثِهِ، وقد ترددت إليه مراراً بعد وفاةِ الشـيخ، وجلَسْتُ إليه ساعات، لأفيد من علاقتِه المميَّزة مع الشـيخ، كونه رافقهُ آخِرَ حياتِهِ في صحوه ونومِهِ وذهابِهِ وإقامتِه ، وكان الشـيخ أنس مرجعي الأول في تواريخ العائلة ومواقيتِ الأحداث المهمَّةِ من حياةِ الشـيخِ والتي لم أحفظ تاريخَها.
الأمر الثَّالِث: ما كُتِبَ عن الشـيخ، وهو على قِلَّتِهِ مفيدٌ جِدَّاً، وأخصُّ من ذلك ما كتبه العلامةُ الشـيخ عبد الرحمن ابن أخيه الشـيخ حسن رحمهم اللهُ جميعاً، في كتابِهِ الذي ترجم فيهِ أباه، وقد أفدتُ منه كثيراً، خاصَّةً في جانبين: جانب علاقة الشـيخ بأخيه، وجانب علاقةِ الشـيخ بتلامذةِ أبيه، إلى جانب ما ضمَّنهُ من حديثٍ عن أدبِ شـيخنا وشِعرهِ وتميزِهِ في اللغةِ والنحو.
واهتممتُ عموماً بالأخبارِ التي تخدمُ فكرة الكتاب، وليس القصد من كتب التَّراجِمِ التَّسلية، إنَّما كما قال محمَّدُ بن يونس، كما ينقل عنه ابن الجوزي في مطلعِ كتابِهِ ( صفة الصفوة ): " ما رأيتُ للقلْبِ أنفعَ من ذكرِ الصالحين " ولذا اهتممتُ بما فيه العبرة والفائدة المنهجيَّة، ومِنْ ثَمَّ تجد الأمثلةَ خادِمةً للاستنباطاتِ التربويَّة والمنهجيَّة، ولو أردتُ سَرْدَ ما أعرف، وما سمعت عن حياةِ الشـيخ لكتبْتُ في ذلك ما يربو أضعافاً، ولهذه النَّاحية من هذا المنهج اقتصـرت في المراثي على ما يخدِم الفكرة، ويقدِّم جديداً لم أتعرَّض له.
وقد قسمْتُ الكتابَ إلى قسمين: القسم الذي تكلَّمْتُ فيهِ عن حياةِ الشـيخ، والقسم الذي جمعتُ فيهِ شِعْرَ الشـيخ.
أمَّا القِسْمُ الأوَّل، فقد بدأتُ فيهِ بالحديثِ عن ولادةِ الشـيخِ ونشأتِهِ، مُعرِّجاً على الحديث عن حيِّهِ وعائلتِهِ الكريمةِ، والجوِّ العِلْمي الذي نشأ فيهِ، خاصَّةً علاقته العلميَّة بأخيهِ سلطانِ العلماء في عصـرهِ، فضيلةِ الشـيخ حسن رحمه اللهُ تعالى.
ثمَّ انتقلْتُ في الفصلِ الثاني للحديثِ عن أسرته التي أنشأها وربَّاها على خطى العائلة الكريمة. مُتحدِّثاً في هذا الفصل عن الجانب الدُّنيويِّ في حياتِهِ وبالأخصِّ أعماله وموارد رزقه، لأصل في آخر هذا الفصل إلى صفاتِهِ التي تُشكِّل ملامح شخصيَّته الخاصّة.
وفي الفصل الثالِثِ كان الحديثُ عن الجوانِبِ الأساسـيةِ في تحصيلِهِ العلميّ، دراسةً ومطالعة، بالإضافةِ للحديثِ عن منهجِهِ في التعليم، وأبرز الكتب التي كان يحِبُّ تدريسها للطلاب، مُعرِّجاً في هذا الفصل على طبقات طلَّابه، وعلى بعض آرائه الخاصَّةِ في الفقه الإسلاميّ، وختمْتُ الفصلَ بِنماذِجَ مِنْ خطبِهِ ودروسِهِ.
أمَّا الفصْلُ الرَّابِعُ فقد كان مَعْقُوْداً للحديث عن منهج الشـيخ رحمه الله في الحياة بشكل موجَزٍ ومكثَّف، يظهرُ فيه الوجه الأبرز من حياة الشـيخ، وهو سلوكه العام وسمات شخصيّته، بدءاً من الحديث عن صفاته الخَلْقَيّة، وانتهاءً بالحديث عن منهجه بالتعامل مع الآخرين، ومروراً بذكر أخلاقه وصفاته السّلوكيَّة.
وفي الفصلِ الخامِس، كان الحديث عن بعضِ جوانب تميّز الشـيخِ في الأدب والشِّعر. متضمِّناً اهتمامه الإجمالي باللغة والشعر، وموقفه العام من أنواع الشعر، كما تطرق للحديث عن شاعريتِهِ وجمالِ أخيلتِهِ، على نحوٍ موجَزٍ ومجمل، آمِلاً أن يُتاحَ لي المجال للحديثِ التفصيليِّ عن ذلك في دراسةٍ مستقِلَّةٍ مستقبليَّة.
والفصل الأخير عُقِدَ للحديثِ عن الرحيلِ الأخير، وقد ضمَّنتُهُ مختاراتٍ من مرثيّات نثريّةٍ وشعريّةٍ كانت في تأبين الشـيخ، قدَّمْتُ لها بالحديث عن رحيله، ثم أتبَعْتُ ذلك بمختارات متنوعة وغير طويلة، من خُطَبِ التأبينِ التي تتحدَّثُ عن مزايا الشـيخ، وخصائصه العلميّة والنفسـية، مُثلِّثاً بذكرِ بعضِ قصائدِ رثائِهِ رحمه الله، خاصَّةً تلك التي قيلت في اليوم الأخيرِ مِنَ التَّعزية.
أمَّا القِسْمُ الثَّاني، فقد كان مُخَصَّصاً لديوانِ الشـيخ، جمعْتُ فيهِ نسبةً كبيرةً مِمَّا عثرْتُ عليهِ مِنْ شِعْرِهِ رحمه الله، مُرتَّباً على القوافي، وكانت مصادري فيهِ بشكلٍ رئيسـي أربعةُ مصادِر:
المصدر الأوَّلُ: ما أطلعني عليهِ الشـيخُ مِنْ شِعْرِهِ، وأجازني بنقلِهِ، أواخِرَ الثَّمانينيَّات من القرن الماضي، حيثُ كنتُ أتردد عليهِ بِشكْلٍ شِبْهِ يوميّ، وقد جمعْتُ ذلِكَ في دفترينِ ما زلْتُ أحتفظُ بِهِما، يبدأ الدفتر الأول بقصيدتِهِ التي كتبها لابن ابنه عمَّار في نحوِ مئةِ بيت، وينتهي بقصيدةٍ خاصَّةٍ كتبها لبعضِ أولي الأمر في بعضِ المناسبات. أمَّا الدفتر الثاني فيبدأ بتخميسِهِ لقصيدةِ " جَسَدٌ تمكَّن حبُّ طه فيهِ "، وينتهي على ما أذكر بقصيدة " سلامٌ على المحبوبِ والوجْهُ مُشـرقٌ "، وقد أضفْتُ إليهِ فيما بعد عِدَّةَ قصائد زوَّدني الشـيخُ بِها، وآخِرُها قصيدتُهُ التي رثى بِها المحسنَ المعروف السـيد أكرم العجة " أخاطِبُ من أرثي.." . ومجموع ما كُتِبَ في الدَّفترين يزيد على مئةِ قصيدة.
المصدر الثاني: دفترٌ جمعَ فيهِ الشـيخُ آخِرَ حياتِهِ ما حضـرهُ مِمَّا تناثر مِنْ شِعرِهِ، بدأهُ بقصيدةٍ يمتدِحُ فيها المحاربين القدماء، بِمصطلحِنا الخاص، ومطلعُها: " حَيِّي الأُسُوْدَ أباةَ الضيم.. "، وآخِرُهُ قصائدُ قالها آخِرَ حياتِهِ، ألحقها ابنهُ الشـيخ أنس، لما عاجلت المنيَّةُ الشـيخَ فلم يُتح له تبييضُها من مسوَّداتِها، وآخِرها القصيدة التي كتبها رحمه الله لأحفادِهِ، ومطلعُها: " تألَّبوا حوليَ يا أحفادي "، وكان الشـيخُ قد قرأ عليَّ هذهِ القصيدة قبل أشهرٍ قليلةٍ من وفاتِهِ مسوَّدةً وعليها تصحيحاتٌ هنا وهناك، وكان مطلعُها غريباً ؛ لأنَّ التالُّبَ غير مشهورٍ بمعنى التجمُّع الإيجابي، وكأنَّ الشـيخَ لمحَ في وجهي هذا الاستغراب، فقال لي: التألُّبُ لا يستخدم عادةً كما أردتُ بِهِ هنا، ثمَّ تابع القراءة . وعدد قصائد هذا الدفتر ثمانٍ وثمانين قصيدة، قسمٌ غيرُ قليلٍ منها موجودٌ في المصدرِ الأوَّل، وقد أكرمني نجل الشـيخ، الأستاذ أنس، بتصوير هذا الدَّفتر، وقد كان ذلك مهمَّاً للغاية ؛ لأنَّ القصائد الموجودة فيهِ، وإنْ كان الكثيرُ منها عندي، شـيءٌ من القصائد القديمة، وشـيءٌ مِمَّا تناثر عندي مِمَّا كان يزوِّدني بِهِ الشـيخُ بينَ الفينةِ والأخرى، إلا أنَّ الشـيخَ كان دائمَ التعديل والتصحيح، وهذا الدفتر كتبهُ بيدِهِ آخِرَ حياتِهِ، فهو الأقربُ لما اطمأنَّت إليه نفسُهُ آخِراً، هذا من جانب، ومن جانبٍ ثانٍ فقد ضبط الشـيخُ بالشكل بعضَ قصائدِ هذا الدَّفتر، ضبطاً تفصيليَّاً ـ إن صحَّ التعبير ـ، أضِفْ إلى هذا وذاك أمراً في غايةِ الأهمية، وهو أنَّهُ كان يفتتح القصيدةَ بمناسبتِها، مِمَّا كنتُ أجهل بعْضَهُ، ولا شكَّ أنَّ هذه الأمور الثلاثة مُهِمَّةٌ جِدَّاً في التوثيق من جِهة، وفي فهم القصائدِ مِنْ جهةٍ أخرى .
المصدر الثَّالِثُ: دفتر آخر جمعَ فيهِ الشـيخ بعضاً من قصائدهِ القديمة والجديدة، أوَّلُها أبياتٌ كتبها لِتُجْعَلَ على قبر زوجةِ أخيه الشـيخ، ومطلعُها: "نظمت عقود حياتها نظميّه "، وآخِرُها مِمَّا أثبتُّهُ قوله: " جاء وقت الصباحِ يبغي الزِّيارة "، وترتيب القصيدة في الدفتر 63، وهي في الصفحة 93.
وهذا الدفتر كشأنِ سابِقِهِ يحتوي على قصائدَ موجودةٍ في المصدر الأوَّل، كما فيه قصائد مِمَّا كتب الشـيخُ في المصدر الثاني، وعدد القصائد التي انفرد بها، والتي أثبتُّها، عددٌ غير كثير.
المصدر الرَّابِع: قصائد متفرِّقة، بعضُها كان الشـيخُ قد أعطانيها في أوقاتٍ متفرِّقةٍ، وبعضُها وجدتُهُ فيما تناثر من أوراقِهِ، والتي زوَّدني بها مشكوراً ابنُ الشـيخ، أخي الكبير الأستاذ أنس، بارك الله في حياتِهِ، وعدد المثبتِ منها أكثر من ثلاثين قصيدة.
و قد تسأل بعد هذا عن السبب الذي لأجله لم أثْبِت جميعَ قصائد الشـيخِ التي بحوزتي، والحقيقةُ أنَّ ما أثبتُّهُ ـ باعتقادي ـ هو كافٍ في بيانِ منهج الشـيخ الشعري، وهو أكثر ما وقَعَت عليه يدي من شعرِهِ رحمه الله، ويمكن أن تكون نسبته فوق الثمانين بالمئة، والباقي لم أثبته لأسباب متعدِّدة، منها أن بعضَ هذه القصائد قد تكررت معانيها في قصائد مثبتة عِدَّة، ومنها أن بعض القصائد لم تتضح لديَّ مناسبتُها، وبالتالي كان فهمها بالنسبة للمتلقِّي غير ممكن، وغدت لذلك غير ذاتِ أهميَّة، ولعلَّ من أهم هذه الأسباب أنَّ بعضَ القصائد كتبها الشـيخ بمناسبةٍ خاصَّةٍ جِدَّاً، وهي بذلك لا تصلح للنشـر العام، وأظن أنَّ الشـيخَ لو علِمَ بنشـرها لما سرَّهُ ذلك.
و أودُّ في ختامِ هذِهِ المقدِّمةِ أن أذكر أموراً ثلاثة:
الأوَّل: أنَّ الشـيخ، ومع الإلحاحِ الشديد من كثير من النَّاس، لم يرضَ بنشـر شِعرِه في حياتِهِ، ولكنَّهُ ألمحَ إليَّ بالإذنِ بالنشـر أواخِرَ حياتِهِ رحمه الله.
الثاني: أنَّ الشـيخَ لم يكن له تأليفٌ خاصٌّ في علمٍ أو فن، كانت لديه بعض مشـروعاتٍ للتأليفِ لم يرد اللهُ إتمامَها، فكان ـ كما قال لي بعضُ طلابِهِ ـ كأبي حنيفة، يُؤلِّفُ الرجالَ ولا يؤلِّفُ الكتب.
الثالث: أنني بذلت في هذا الكتابِ جهداً كبيراً جِدَّاً، لعلَّني لم أبذل نظيره في كتابٍ آخر ـ حاشا رسالة الدكتوراه ـ، ولو سألتني عن السببِ لعجزتُ عن الإجابة، ربَّما كان الأمرُ كما قلت لبعضِ أصحابي: أبى العظيمُ إلا أن يكون عظيماً، وإن كان من أهمِّ أسبابِ ذلك ما بذلْتُهُ في سبيلِ تحقيق شِعرِهِ، لكثرةِ المتفرِّقات، وكثرة تكرار وجود القصائد، مع تصحيحاتٍ وتغييراتٍ بحاجةٍ لتتبُّعِ تطورها عند الشـيخ، مع الإكثارِ من المقابلةِ، والتحرِّي في الضبطِ، ورغبةِ محبي الشـيخ بإخراجِ شعرِهِ على خير حال مُمْكِنة. وأسأل الله أن أكون قد وفِّقْتُ فيما كتبْتُ عن الشـيخ، وما جمعتُهُ من شعره، وأن يعفوَ عن تقصيري فيه وفي غيره، إنَّهُ سبحانهُ سميع الدعاء.
و آخِرُ دعوانا أن الحمد للهِ ربِّ العالمين.
أحمد محمد سعيد السعدي
دمشق ـ 25 جمادى الأولى / 1430هـ
الموافق 19 أ يَّـار 2009م
الفصل الأول
الولادة والنشأة
وُلِدَ العلامةُ الشـيخ صادق بن مرزوق بن عرابي بن غنيم حبنَّكة في حي الميدان بدمشق سنة 1918م. وهي السنة التي دخل بها الملك فيصل إلى سوريا ، وكان الشـيخ رحمه الله ينقل ذلك عن أبيه كثيراً، ويُدَلِّلُ على ذلك بأحداثٍ عِدَّة، منها أنَّه كان صبيَّاً إبَّان الثَّورة السّوريّة عام 1925م، ومنها أنه كان يافعاً شاباً يوم مات الشـيخ بدر الدين الحسني رحمه الله المتوفى سنة 1354هـ = 1935م. وقد رأيت أشعاراً كتبها الشـيخ مؤرَّخة بهذه السنة، إضافة لما كان يعلَمُ مِنْ فارق السنِّ بينه وبين أخيه سلطان العلماء الشـيخ حسن حبنكة الميداني، والمولود سنة 1326 هـ الموافق سنة 1908م، وبينه وبين الشـيخ نحو من عشـر سنين. وهذا يعني أن الشـيخ صادقاً رحمه الله تعالى ولد نحو 1337هـ الموافق سنة 1918م .
الحيُّ الذي ولد فيه :
والحيُّ الذي نشأ فيه الشـيخ كان يُعرف بميدان الحصـى، وهو حيٌّ خارج سور دمشق جنوب باب الجابية، وقد رجّح الدكتور الشـيخ عبد الرّحمن حبنَّكة نجل الشـيخ حسن رحمهما الله تعالى أنَّ هذا الحيَّ كان منزل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلوا في الشام .
وحيُّ الميدان أو ميدان الحصى - كما كان يُعرف - حيٌّ عريقٌ مُحافِظٌ، يُعرَفُ أهْلُهُ بالغيرة على الدِّيْنِ، والتَّمسُّك بالأخلاق العربيَّة الأصيلة، ومنه انطلق الشـيخ محمد الأشمر في جهاده ضد الفرنسـيين، وما زال هذا الحيُّ، والذي كان حيَّ الشـيخ حياته كلَّها، حيَّاً محافظاً معروفاً بالتَّديُّن والخُلُق.
عائلة الشـيخ:
أمَّا والد الشـيخ فهو الحاج مرزوق بن عرابي ( ت 1395هـ )، وقد كان جدُّ الشـيخ: عرابي ( المتوفَّى سنة 1325 هـ ) من العاملين بالرعي والتجارة في ميدان الحصى، وأصلُهُ من حماة، من عرب بني خالد، وهي من قبائل العرب المعروفة، ولها منازل في بادية حماة من أرض الشام .
وعائلة الشـيخ معروفة بلقب حبنَّكة، ثمّ اشتهر أخوه الأكبر فضيلة العلامة الرّاحل الشـيخ حسن رحمه الله بلقب الميداني، وقد رأيت على بعض الصحف القديمة جدّاً، والمهداة إلى الشـيخ حسن رحمه الله، اسم حسن الميداني، وكأنّ شهرة الميداني في وقت من حياة الشـيخ كانت أشهر من لقب عائلته ( حبنَّكة ) ثم إنَّ هذا اللقب ثُبِّت في دائرة النفوس لعائلة الشـيخ كلّها، ومنهم شـيخنا رحمه الله حيث كان مسجلاً في دائرة النّفوس صادق حبنَّكة الشهير بالميداني.
أمَّا والدة الشـيخ فهي خديجة المصـري، وكانت من قريةٍ جنوب دمشق اسمها ( الكسوة )، وكانت حصيفة صالحةً كزوجها، أنجبت عشـرة أولاد عاش منهم ستّة: أربعة ذكور، وأكبرهم فضيلة العلامة الشـيخ حسن رحمه الله، وثانيهم فضيلة شـيخنا الشـيخ صادق رحمه الله، وبنتان، إحداهما أكبر من شـيخنا، والثانية أصغر منه، والعائلة كلُّها عُرفت بالمحافظة على الدِّين والتَّخلُّقِ بأخلاق السلف، وذلك من صلاح الأبوين. غير أنَّ من اشتغل بالعلم والتعليم منهم كان فضيلة العلامة الشـيخ حسن ـ وقد كان سرَّ نهضة الشَّام في قرنها الماضـي ـ ووزيره الأول فضيلة شـيخنا الرّاحل رحمهما الله تعالى.
صلاح والديه:
وكان شـيخنا رحمه الله كثيراً ما يحدِّث عن صلاح والده، وقد قال لي في أكثر من مناسبة أنَّ عدداً من علماء الشّام الكبار كان يعتقدون فيه الولاية، ويحرصون على زيارته، وكان هو - الشـيخ مرزوق - صاحب دُعابةٍ، فيمازحهم ويسـرِّي عنهم، فكانوا يحجُّون إليه كلَّما ضاقت عليهم الدُّنيا.
وينقل الشـيخ عبد العزيز الخطيب في غرر الشام عن شـيخنا رحمه الله قوله: (عاش والدي 115سنة بوعيه الكامل لم يختلَّ له عضو، وكان رجلاً صالحاً مواظباً على دروس العلم مع الشـيخ إسماعيل الغنيمي، والشـيخ أمين سويد، وآخرين كانوا يحضـرون الدَّرس في جامع منجك بالميدان، كما حضـر دروس الشـيخ زين التّونسـي، وكان يصوم صيام داود لمدَّة 35 سنة لم يدر به أحد حتى زوجته ؛ لأنه يغادر صباحاً ولا يعود إلا عشاء فيأمرهم بوضع الطعام، وعرفوا ذلك قبيل وفاته) .
وقد حدَّثني الشـيخ رحمه الله عن صيام والده هذا، وأنّه أخبره بذلك قبيل وفاته حين عجز عن الصيام، فقال له الشـيخ: وما كنَّا نعلم بذلك، فقال له: أمُّك لا تعلم، فكيف بك أنت ؟!! وقد كان الشـيخ يحدثني عن مواظبة والده على صلاة الجماعة، وحرصه عليها، بالإضافة إلى حضوره مجلس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان إذا أذّن المؤذن ترك كلَّ شـيءٍ في يده وهرع إلى الصلاة، حتَّى إنّه يعتذر للزبون الذي يبايعه عن إتمام الصفقة، ويقول لهُ: إن شئت انتظرني حتّى أرجِع من الصلاة. وقد بقي ـ رحمه الله ـ سنوات يصلِّي إماماً في مسجد منجك ، ومِمَّا يُذْكَرُ مِنْ محاسِنِ أخلاقِهِ وتديُّنِهِ، أنَّهُ ما حلَفَ باللهِ قط، وكانَ يقولُ لِمُسْتحلِفِهِ: إن شئتَ صدِّق، وإن أبيتَ فذلِكَ شأنُكَ. وقد حجَّ الشـيخُ مرزوق ـ رحمه الله ـ في سنةِ 1945م، وكانَ للشـيخِ صادق رحمه الله سبعة وعشـرونَ عاماً إذ ذاك، كما أخبرني ابنُ الشـيخ. أمَّا والِدَتُهُ فقد كان حجُّها قبلَ ذلِكَ بِعشـر سنين، وكانَ الشـيخُ قد كتبَ مُرَحِّباً بِقُدُوم والدتِهِ من الحجِّ:
غِبْتِ عَنْ عَيْني ولكِن
أنْتِ رَسْمٌ في فُؤادي
فاهْنئي فُزْتِ بِحَجٍّ
زُرْتِ طَهَ خَيْرَ هادي
زادتِ الأشْواقُ لَمَّا
قد قضـى اللهُ بِعادي
أظْلَمَ الجوُّ بِعَيْني
ونأى عَنِّي رُقادي
فأدامَ اللهُ أُمِّي
لي لأحظى في مُرادي
وعلى المُخْتَارِ صلَّى
معْ سلامٍ بِازْدِيْادِ
وقد أرَّخَها الشـيخُ ـ رحمه الله ـ بيوم الأحد 22 ذو الحجة سنة 1354هـ. وكانت كتابتها على أمل لقائه بها ـ رحِمَها الله ـ، لكِنَّها حِيْنَ أكرمها الله عزَّ وجلَّ بأن حجَّت مع ولدها الأكبر فضيلة الشـيخ حسن رحمه الله، كتب الله وفاتها في طريق عودتها من الحج، كما كان يقصُّ علينا شـيخنا رحمه الله. فقد مرضت وهي في الباخرة في طريق عودتها إلى الشام، واشتدَّ مرضها وخشـي الشـيخ حسن رحمه الله عليها كثيراً، وفي العشـية ظهر على الوالدة الرَّاحلة رحمها الله علاماتٌ للتحسن والاتجاه إلى الشفاء، وفرح بذلك الشـيخ كثيراً، إلا أنَّ الصَّباح آذن برحيلها عن الدار الدُّنيا، ولم يكن هناك وسـيلة إلا أن توضع رحمها الله بين خشبتين، ويوضع عليها ثقلٌ وتلقى في البحر. إذ كان الحال كذلك في تلك الأيام. وقد نظم العلامة الراحل الشـيخ حسن رحمه الله أبياتاً في رثائها يحكي طرفاً من هذه القصة:
قدْ ذُقْتُ في شـرعِ الهوى ألَمَ النَّوى
وطويتُ ذكرى الظَّاعنينَ فما انطوى
علَّلْتُ نفسـي بالرَّجاءِ عَشـيةً
فإذا الصَّباحُ بِنارِ يأسٍ قدْ كوى
سئمَ الفؤادُ مِنَ الحياةِ وبُؤْسِها
والجِسْمُ من مَسِّ المصائبِ قد خوى
نَفِد التَّصبُّر بعْدَ طُوْلِ تحرُّقٍ
ففزِعْتُ للقُرآنِ ألْتَمِسُ الدَّوا
فوَجَدتُهُ يشفي الصُّدورَ فَمَنْ يرِد
آياتِهِ يَصْدُرْ بأوْفَرِ ما نوى
وهذا يعني أنَّ والِدة الشـيخ قد توفيت سنة 1354 هـ ، الموافِق سنة 1935م، والله أعلم.
الجوُّ العلميُّ الذي وُلِدَ فِيْهِ الشـيخ:
تقدَّم أنَّ الشـيخَ ـ رحمه الله ـ ولد في الرُّبْعِ الأوَّلِ من القرن العشـرين، أي بُعيد سقوط الخلافة العثمانية وأوائل زمن الاستعمار الأوروبي للبلاد الإسلامية. ومعلومٌ أنَّ الحالة العامة للمسلمين آنذاك كانت الجهل العام، وقد كانت الدولة العثمانية أواخر حياتها قد ابتعدت عن العلم والتعليم إلا ماكان من جهود عالم هنا أو مصلحٍ هناك.
غير أنَّ البشائر بعودة العلم كانت بفضل ما يقيِّضه الله في كلِّ عصـر لهذه الأمَّة من وارث نبويٍّ، يجدِّد عهدها بدينها، ويقوِّم اعوجاجَها، ويحيي في النفس نوازع الخير، وكوامن الفطرة، وكان من فضل الله على بلاد الشام أن ساق إليها في القرن الثَّاني عشـر عالماً مغربيَّ الأصل مصـريَّ الولادة، وهو الشـيخ يوسف المغربيّ ( ت 1279 ) رحمه الله تعالى، وقد هيّأ الله لأهل الشام من ابنه البار معجزة عصـره مجدِّداً يُدعى بالشـيخ بدر الدِّين الحسني رحمه الله تعالى ( ت 1354 هـ ) وهو صاحب النهضة العلميّة الحديثة في بلاد الشَّام.
وُلِدَ الشـيخُ بدر الدِّين الحسني رحمه الله في دمشق سنة 1267 هـ = 1851م في دارِ والِدِهِ قرب مدرسة دار الحديث الأشـرفية، وتوفي والده وهو ابن اثني عشـر عاماً فدرس في دار الحديثِ: الحديثَ، ثم درس على الشـيخ أبي الخير الخطيب بالمدرسة القلبقجيَّة بسوق الحرير قرب سوق الحميديَّة بدمشق الشام، وقد حفظ القرآن ومتون العلم المختلفة وكتب الحديث الستة وغيرها وهو حَدَث، وكان آية في الحفظ والرواية. ثمَّ إنه اعتزل النَّاس لمَّا كثُر حُسَّاده، وقد بقي في عزلته سبعة عشـر عاماً، درس فيها مختلف العلوم الشـرعيَّة لا سـيما علم الحديث، فأقبل النَّاس عليه يقصدونه من كلِّ حَدَبٍ وصوب ، وكان من تلامذة هذا العالم الكبير عددٌ من العلماء ورثوا منه العلم وتصدُّوا لتعليم النَّاس وإرشادهم، وكان من أشهرهم الشـيخ علي الدَّقر الذي كان واعظاً مؤثِّراً في جماهير أهل دمشق على اختلاف رتبهم. وكان قد نزل قحط في حوران وما يليها من بلاد الشام جنوب سوريا، ولجأ شباب تلك المنطقة إلى دمشق، ورأى الشـيخ عليٌّ الدَّقر رحمه الله أن يعلِّم هؤلاء النَّازحين علوم الإسلام، فنهضت جمعيَّة الغرَّاء بإشـرافه بتعليم هؤلاء الشُّبَّان أمور دينهم، وقد أنشئت لاحقاً مدرستان تابعتان لهذه الجمعيَّة هما: وقاية الأبناء، وسعادة الأبناء .
وقد أدرك الشـيخ صادِق أواخر حياة الشـيخ بدر الدِّين رحمهما الله، كما حضـر بعض دروسه منذ نعومة أظفاره ، وكان شـيخَ أخيه، وشـيخَ شـيخِهِ الشـيخ ِ محمود العطَّار رحمهم الله جميعاً، وقد كان للشـيخ حسن رحمه الله مكانة عظيمة عند الشـيخ بدر الدِّين كما عند غيره من شـيوخه كالشـيخ أمين سويد رحمه الله تعالى. وكان هؤلاء الشـيوخ قد قامت على أكتافهم بوادر النهضة الَّتي كان للشـيخ حسن حبنَّكة رحمه الله فضل كبير في توسـيعها في حيِّ الميدان وغيره من أحياء دمشق العريقة. وهكذا كان شـيخنا نتاج هذه المدرسة العلميَّة التي أرست معالم النَّهضة في بلاد الشَّام بدءاً بالمحدِّث الأكبر الشـيخ بدر الدِّين الحسني ووالده من قبله ومروراً بالشـيخ أمين سويد والشـيخ محمود العطَّار والشـيخ علي الدَّقر ووصولاً إلى سلطان العلماء في بلاد الشَّام فضيلة العلَّامة المرحوم الشـيخ حسن حبنّكة الميداني عليهم رحَماتُ الله.
فضل العلامة الشـيخ حسن حبنّكة على أخيه الشـيخ صادق تغمَّدهما الله برحمته:
إذا كان الله قد اختصَّ أهل الشَّام بمحدِّثها فضيلة الشـيخ بدر الدّين، فإنّ الشـيخ حسن قد جمع الفضل من نواحيه حيث درس على الشـيخ بدر الدّين بعد أن درس على تلامذته، كما درس على علماء آخرين معروفين بالحفظ والإتقان والفهم والتدقيق كالشـيخ عطا الكسم والشـيخ أحمد العطار والشـيخ عبد القادر الإسكندراني وغيرهم من كبار علماء عصـره. ثمَّ توجَّه إلى جامع منجك في وسط حيِّ الميدان لينشـر من هناك العلم إلى كلِّ أصقاع الدُّنيا.
ولد الشـيخ حسن صنو شـيخنا في دمشق سنة 1326هـ ، وكان متوقِّد الذكاء طموحاً محبَّاً للعلم والفضيلة والمجد، فتعلَّم في الكُّتَّاب القراءة والكتابة والقرآن، ودرس على الشـيخ طالب هيكل ولازمه حيناً، ثمَّ درس على الشـيخ عبد القادر الأشهب¬¬¬¬ قبل أن يدرس على شـيخه الشـيخ محمود العطَّار رحمهم الله جميعاً، وقد مال الشـيخ حسن رحمه الله مطلع حياته لحلقات الذّكر وأخذ الطريقة، ثمَّ تولَّى شطر العلم وترك ذاك الاتجاه كما حدّثني شـيخنا مراراً عنه، غير أنَّه بقي مجلَّاً لشـيوخه في الطريقة إلى آخر حياته.
وقد أقام الشـيخ حسن رحمه الله نهضةً كبيرةً في حيِّ الميدان، قادها طلَّابه في جامع منجك، وكان على رأسهم ثلَّةٌ من كبار علماء دمشق الذين انقطعوا إلى الشـيخ وأفنوا حياتهم في العلم، ومنهم فضيلة الشـيخ صادق حبنَّكة وإخوانه كالشـيخ خيرو ياسـين والشـيخ حسـين خطَّاب شـيخ قرَّاء الشَّام، والشـيخ نعيم شقير، وغيرهم كثير.
وقد بدأ الشـيخ صادق تحصيله العلمي منذ نعومة أظفاره على أخيه. وكان أخوه يحبُّه ويجلُّه لما امتاز به شـيخنا من هدوء وحلم وذكاء ونباهة وعلمٍ وأدب، وهي خصال قلَّ أن تجتمع في رجلٍ واحدٍ. وعلى الرُّغم من أنَّ شـيخنا ـ رحمه الله ـ قد حضـر بعض مجالس العلم عند بعض علماء عصـره ، كما درس في بعض المدارس الشـرعيَّة، إلا أنَّه كان يكرِّر كثيراً: كان شـيخي الوحيد الذي انقطعت إليه هو أخي، وكان أخي قد درس على شـيوخ كثُر، غير أنَّني ارتضيته شـيخاً ومربياً وأستاذاً وموجِّهاً طيلة حياتي.
وهكذا كان للشـيخ حسن رحمه الله الفضل الأكبر في صنع علم شـيخنا، وقد كان رحمه الله يحضـر كلَّ دروسه خاصّة وعامَّة، ويكون دائماً في خدمة الطلاب وضيافتهم كما أخبرني مراراً بذلك .
يقول الشـيخ عبد الرحمن حبنكة النجل الأكبر للشـيخ حسن رحمهما الله:
( كان عمِّي الشـيخ صادق حبنّكة الشهير بالميداني شقيقُ أبي، هو النَّواةَ الأولى في مؤسسته بجامع منجك، فنال بذلك أكبر نصيب من المصاحبة والمشاركة في العمل، مع برٍّ به، وإخلاص، وصبرٍ وجَلَد، وحكمةٍ ورشد، وحُسنِ رأيٍ وتدبير، وقوة دفاع، وقدرة على الصمود والصمت، وتضحيةٍ وسهرٍ وخدمةٍ للشـيخ، وخدمةٍ منقطعة النظير لطلاب معهده الذي كان مديره المباشـر فيما بعد.....، وصار عضد أبي الأيمن في كلِّ مشاريعه ومؤسساته وأعمالهِ ونشاطاتهِ الاجتماعيَّة، ونصيره في كلِّ شؤونه ) .