eKtab
EN ع
العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة من موبرنيق إلى هيوم
Read free sample

العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة من موبرنيق إلى هيوم

by د. أيوب أبو دية

Page 1
المقدّمة

شرعت في التأسيس للعلاقة بين العلم والفلسفة بدءَاً من أطروحتي للدكتوراه حول الثورة العلمية الكبرى في أوروبا وأثرها في الفكر العربي المعاصر، وتوطدت صلتي بها بفعل النقاشات المستمرة مع الفيلسوف والفيزيائي "الأستاذ الدكتور هشام غصيب" على وجه الخصوص، وما إن عرض علي رئيس قسم الفلسفة في الجامعة الأردنية "الأستاذ الدكتور وليد عطاري" تدريس مادتي "أعلام فلسفية" و"العلوم عند العرب"؛ حتى عدت إلى الربط بين العلم والفلسفة من جديد؛ على نحو منهجي أكاديمي أثمر عنه هذا الكتاب.

وقد استدعى ذلك أن أعود إلى "الفلسفة الهيلينية"، وهو مصطلح آثرت استعماله بعد محاضرة ألقيتها بدعوة من جامعة أثينا عام 2006؛ أبدى فيها البعض استياءَهم من مصطلح فلسفة يونانية (Greek Philosophy) ؛ لأنهم يدّعون أن الأتراك قد أطلقوا عليهم ذلك الاسم. وعلى أي حال، كان لابد من التأسيس للفلسفة الحديثة بإعادة بناء الفلسفة الهيلينية، على الأقل في بضع محطات أساسية: أيونيا ديمقريطس وأرسطو، لأن الحديث عن أرسطو ومنظومته الفكرية والفيزيائية، التي سيطرت على الفكر العالمي لمدة ألفي عام، أمر ضروري للكشف عن المسامير التي وضعت في نعش فيزيائه في القرنين السادس عشر والسابع عشر على وجه الخصوص، واحداً إثر آخر؛ بفعل تطور العلوم الحديثة وفلسفتها في الصيغة التي كانت تعرف آنذاك بفلسفة الطبيعة؛ عندما لم يكن الفصل بين العلم والفلسفة واضحاً بيّناً.

ولتحقيق الغاية المنشودة من الخطة المنهجية للبحث؛ كان لابد أن تبدأ الخطة من أيونيا والفلسفة الهيلينية، وأفصِل هنا بين أيونيا والفلسفة الهيلينية عمداً، لأن بعض جذور فلاسفة أيونيا عربية سورية ونكهتها مختلفة تماماً، بينما يصر الغرب أن الفلسفة الإغريقية هي أم الفلسفات الأوروبية فكرياً وعنصرياً.

ثم قفزت إلى عصر الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، كي أستطيع إنجاز هذا العمل، ولا أظن أن هذا القفز مقبول منهجياً في الفلسفة، وإن كان ممكناً في العلم، وشرعت بعدها أتحدث عن الاكتشافات العلمية في القرنين المذكورين وارتباطها بنهوض الفلسفة الأوروبية الحديثة وتطورها.

لذلك جاء عنوان الكتاب: "العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة: من كوبرنيق إلى هيوم"، ليدلل على العلاقة المتبادلة بين العلم والفلسفة، وعلى أهمية اكتشاف كوبرنيق "مركزية الشمس" في فتح الطريق أمام نسف فيزياء أرسطو برمتها؛ وصولاً إلى هيوم الذي وصلت معه الفلسفة التجريبية إلى طريق مسدود؛ فشكلت أساساً انطلقت منه الوضعية المنطقية، فيما شكلت حيرة لدى الفيلسوف الألماني "كانط" ودفعته لنقد العقل؛ لمعرفة حدوده وإمكاناته، وفتحت الباب أمام الفلسفة الألمانية المثالية لتحلق في سماء المعرفة الفلسفية؛ ولتحقق إنجازات كونية على صعيد الفكر؛ تعويضاً لحال التخلف الواقعي المعيش - الاقتصادي والسياسي والاجتماعي - الذي كانت تعاني منه ألمانيا آنذاك مقارنة ببريطانيا وهولندا وفرنسا.

وقد تم اختيار شخصيات بارزة في تاريخ الفلسفة الحديثة لتمثيل تيارين أساسيين هما العقلانية والتجريبية أو الإمبريقية، وهذه الشخصيات الفلسفية هي:

فرانسيس بيكون، رينيه ديكارت، ليبنتز، سبينوزا، توماس هوبز، جون لوك، ديفيد هيوم. وهي شخصيات وإن كانت تمثل تياري العقلانية والتجريب في بريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا، فإنها تعبّر عن الفلسفة الأوروبية بمجملها، لسببين، هما:

أولاً: كانت أوروبا متواصلة ومتداخلة ثقافياً في تلك الأزمان، كما سوف نلاحظ من خلال الحديث عن تجوال العلماء والفلاسفة فيها، واتصالهم ببعضهم البعض على نحو وثيق.

ثانياً: لم تنفصل الفلسفة عن العلم في تلك الحقبة من تاريخ العلم والفلسفة، فالحديث عن إنتاج العلماء ليس مستقلاً عن مشروعات الفلاسفة؛ بل متداخل معه في علاقة جدلية حميمة، فهناك علماء قيد الدراسة في هذا الكتاب من بولندا كالراهب كوبرنيق، ومن إيطاليا غاليليو وتورتشيللي وبرونو، ومن الدنمارك تايكو، ومن ألمانيا كبلر، ومن بريطانيا جلبرت ونابيير وهارفي ونيوتن.

سوف يلاحظ القارئ أن هذه الدراسة بمثابة بحث في جدلية العلاقة بين العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة، ولكنها أيضاً رؤية جديدة في بعض أوجهها؛ من حيث الإشارات لأثر بعض العلماء والفلاسفة العرب كالكندي والرازي وابن رشد تحديداً، ومن حيث تسليط الضوء على الدور السلبي الذي وصلت إليه الفلسفة التجريبية الإنجليزية مع ديفيد هيوم؛ بنفي دور العقل وإنكار وجود المادة - موضوع العلم الطبيعي.

صحيح أن الفلسفة والعلم عملا معاً في السابق، ولكن بعض الفلسفات باتت عدواً يتربص بقدرة العلم على الوصول إلى معارف يقينية، وغدت تشكك في آليات العلم ونتائجه، كما تفعل اليوم بعض تيارات فلسفة العلم المعاصرة؛ وهدف الكتاب إلى إزالة بعض هذه الشكوك وإعطائه المقام الذي يستحق.

أخيراً، أترك للقارئ حرية الوصول إلى الاستدلالات الناجمة عن قراءَة هذه الدراسة واحترم حقه في الاختلاف مع هذه النتائج.

المؤلف عمّان في كانون ثاني 2009
Page 2
الفصل الأوّل:من الفلسفة الأيونيّة إلى أرسطو

تقديم

يمكن القول إن البشرية لم تعرف فصلاً حقيقياً بين العلوم الطبيعية والعلوم الماوراء طبيعية إلا في القرن السابع عشر في أوروبا. أخذ العلم، عند ذاك، يحيّد الدين نتيجة الثورة العلمية الكبرى؛ التي سارعت في تقدم العلوم الطبيعية وساهمت في سيطرة الأوروبيين على العالم؛ بفعل صرامة المنهجية العلمية التي وُلدت في تلك الفترة وترعرعت.

أُعلنت الثورة على فيزياء أرسطو مع كوبرنيق عام 1543 وبدأت تتضح معالم المنهجية العلمية بجلاء مع غاليليو، ثم تمخضت عن سن قوانين دقيقة للحركة بواسطة إسحاق نيوتن، ما جعل "السيطرة على قوى الطبيعة" أمراً ممكناً، فوجدنا فرانسيس بيكون يستشرف هذه المقولة مبكراً في نهايات القرن السادس عشر.

سنبدأ بتعريف "الفكر المادي" تعريفاً تاريخياً، انطلاقاً من سؤال فلاسفة أيونيا عن "أصل العالم ". ثمّ سنوضّح كيف ارتدّ الفكر المادّي إلى المثاليّة بفعل تغيّر الظـّروف الموضوعيّة. ثمّ سنبحث في دواعي إحياء الفكر المادّي الإغريقي في عصر النـّهضة الأوروبّيّة، وفي التـّغيّر الـّـذي طرأ على النـّظرة إليه في العصر الحديث، تمهيداً للحديث عن الانقلاب في المنهج البيكوني، والمنهج العلمي بعامّة، نسبة إلى المنهج الأرسطي القروسطي، وكيف دمر العلم الحديث منظومة أرسطو الفكرية بصورة تدرجية فانطلق في القرن السابع عشر تياران: تيار عقلي وآخر تجريبي انتهى التيار التجريبي مع ديفيد هيوم بإنكار المادة والعقل معاً.

ومن شأن هذا الحديث أن يفتح الباب أمام تعريف "الفلسفة الأوروبية الحديثة" وتطورها في القرنين السّابع عشر والثامن عشر، ممثـّـلة بفلسفة كلّ من ديكارت وفرانسيس بيكون، وتوماس هـوبــز وجون لوك وسبينوزا وليبنتز وديفيد هيوم. كذلك، سوف نسعى إلى توضيح فلسفة ذلك العصر، السّياسيّة، وإلى إبراز إنجازاتها وارتباطها بمتطلـّـبات الطـّبقات الصّاعدة، الـّـتي عكست تعاظم نفوذ التـّجارة وتراكم الثـّروة، وفي ارتباطها بالمنهجيّة العلميّة الحديثة التي بدأت تشقّ طريقها آنذاك، في علائقها بالتـّغيرات الاجتماعيّة-السّياسيّة المتسارعة والدامية في الكثير من الأحيان.

الفكر الأيوني

نبدأ بحثنا بالتـّحقـّـق من"مادّيّة الفكر الأيوني" الـّـذي تأثـّر به الفكر الأوروبي، ومن أهمّيّة سؤال أيونيا عن أصل العالم، ومن أهمّيّة البحث عن الظـّروف الموضوعيّة العامّة الـّـتي أنتجت الإشكاليّة الفكريّة آنذاك. إذ أن الجهل بذلك يَحوْل دون وقوفنا عند حدود إشكاليّتهم، وعند طبيعة الأسئلة التي كانوا قادرين على طرحها! فمن المستحيل بلوغ أجوبة صحيحة لأسئلة لم يجرِ تشكلها بعد.

لا ريب في أنّ الطـّبيعة لفتت انتباه الرّجل الإغريقي الحرّ. فهل استدعت معرفته بالطـّبيعة تقدّم البناء العقلي، وهل كانت حُرّيّة الإغريق سبباً كافياً لنمّو العلوم العقليّة والفلسفيّة؟

لم يكن التـّطوّر العقلي، الرّياضي والفلسفي، من نصيب كل الإغريق، فإسبارطة (Sparta) ، مثلاً، مدينة إغريقيّة، ولكنـّـها لم تنتج علماً أو فلسفة، لماذا؟ قد يتمثـّـل السّبب في أنّ نظامها السّياسي كان أشبه بالنـّـظام السّياسي الآسيوي، فلم يكن مواطنوها أحراراً على غرار أيونيا(Ionia) وأثينا (Athens) فيما بعد. كما كانت إسبارطة تستمدّ الدّعم المادّي من فارس (1).

ولكنْ، لماذا كانت الانطلاقة الفلسفيّة المادّيّة من أيونيا بالذّات؟ فربّما تكون قد انطلقت من مكان آخر، ولكنـّها لم تنضج فيه. وربّما لم يكن هناك طبقات أو فئات قادرة على تَبنـّي هذه الفلسفة!
Page 3
كانت أيونيا مركزاً علميّاً متـقـدّماً للحضارة البابليّة، وفي الوقت ذاته، كانت مركزاً تجارّياً مهمّاً، وكانت حضارة أحرار. طاليس (2) (Thales) نفسه، كان تاجراً ناجحاً من مدينة ملطيّة (Miletus) المزدهرة بالتـّجارة على شواطئ آسيا الصّغرى (3).

يرى البعض أنّ فضل طاليس على العِلم ليس في قوله أنّ أساس العالم مادّة واحدة هي الماء، أي أنّ جوهر المادّة هو الماء. فبالرّغم من أنـّه فسَّر الظـّـواهر المادّيّة بدلالة ما هو مادّي، فليس الماء ما هو مهمّ هنا، فقد بنى البابليّون والفراعنة حضارتهم حول مجاري الأنهار، وكان الماء مصدر الحياة وعماد الميثولوجيا عندهم. إنـّما يعود فضله إلى طرح السّؤال: ما أصل العالم، ممّ يتكوَّن هذا العالم في أساسه؟ فالمهم ليس الجواب، إنـّما السّؤال نفسه! وهذا السّؤال تَفوَّق على الأسئلة السّابقة جميعها، الـّـتي سعت إلى تفسير العالم من خلال قـوى فوق طبيعيّة. فقد جــاء هذا السّؤال باحثاً عن مادّة يتكوَّن منها العالم، مادّة قابلة للملاحظة والاختبار (4).

يعتقد البعض أنّ تفسير أرسطو (Aristotle) للسّبب الـّـذي دعى من أجله طاليس بالماء كجوهر للمادة، هو التـّفسير الأقرب إلى الصّواب، بوصفه تفسيراً نابعاً من إشكاليّة فكريّة قريبة من إشكاليّة عصر طاليس. فقد قال أرسطو إنّ الـّـذي جعل طاليس يدّعي بذلك هو رؤيته النـّباتوالحيوان وهو يتغذّى بالرّطوبة، وإدراكه أنّ مبدأ الرّطوبة هو الماء، وأنّ ما يتغذّى منه الشّيء يتكوَّن عنه بالضرورة (5). فهل هذا تفكير مادّي؟

بعض ممّا يدفعنا إلى الاعتقاد أن فلسفة طاليس ليست فلسفة مادية صافية، هو قول طاليس بعالم مليء بالآلهة أو النفوس، وأن في المغناطيس نفساً، لأنه يُحرّك الحديد، وأن الروح هي قوة محركة. وقوله إن الأرض تشبه قرصاً مسطحاً طافياً على الماء، وإن الشمس والقمر والنجوم بخار متألـّـق في أقبية السماء الزرقاء من فوقنا إلخ (6). كل ذلك يجعلنا نعيد النظر في ماديته. ولكنْ، ربما تكون بعض الأقوال قد نـُسبت إليه، أو أنّ الروايات كلها كانت مجرد ادّعاءات تمَّ خلقها لاحقاً. وربما تعود بعض تنبؤاته إلى معرفته بالفلك البابلي، الذي أفاد بتكرر كسوف الشمس مرة كل 18عاماً و11 يوماً،.... إلخ. فهل يمكننا القول إنّ هناك سلفية مادية تحاول أن تجد لها جذوراً ضاربة في التـّاريخ، على غرار المثالية التي تجد أعداداً لا حصر لها من الأمثلة في التاريخ، والتي يمكنها أن تدّعي ارتباطها بها؟

مهما يكن من أمر السلفيّة المادية، التي ربما أثارها السوفيات، بصورة خاصة، من خلال دراساتهم المستفيضة لذلك العصر، لا شك في أن طاليس طرح أسئلة فلسفية مهمة: ممّ يتكوَّن العالم؟ ما حقيقة المادة؟

ولكنْ، ألا يمكننا تصنيف هذه الأسئلة ضمن التساؤلات الميتافيزيقية؟ ألا يمكننا تصنيف الإجابات عنها كذلك! فلماذا لم يخبرنا الأيونيون، مثلاً، عن سبب الحركة الأولى، التي بدأت عملية التـّحوُّل من الجوهر الأول (الماء والرطوبة) إلى مادة الطبيعة الحية والجامدة؟ هل كان هذا السؤال بعيداً عن قدرتهم الإشكالية؟

يرى البعض أن أرسطو، وكان الأقدر على فهم مقاصد الأيونيين، اعتقد أن سبب ذلك هو رغبتهم في الحديث عن مادة تـُفسّر حركتها الذاتية. وبالرغم من أنهم تجنـّـبوا لغة الدين، فإنهم استخدموا اسم الإله (God) أو (The Divine) ، وذلك لوصـف المادة الأولى. وقد سَمّـاهاطاليسالماء، وأنكسمندر (7)(Anaximander) اللامتعيّن، وأنكسمانس(8)(Anaximenes) الهواء.

أمّا قول طاليس إنّ كل شيء مليء بالآلهة، إنـّما يُعبِّر، عند أرسطو، عن رغبة طاليس في إدخال الروح في كل شيء، لإعطائها الصّبغة الحية؛ فالماء ينبض بالحياة، ويعطي الحياة إلخ (9). وعليه، فالقول "إنّ السّؤال: ممّ يتكوّن العالم؟ هو تفكير مادّي"، إنـّما هو قول غير صحيح، ذلك لأن المثالية تطرح الروح كأساس للوجود المادي. والأيونيون لم يُميّزوا بين المادة (Matter) والروح (Spirit) ، بل اختلط الاثنان معاً في تصورهم، فقد كان مفهوم المادة مجبولاً بالروح أو الحياة.

لذلك، يمكننا القول إنّ فلسفتهم في الطبيعة لم تكن مادية خالصة؛ كانت فلسفة الطبيعة في صورتها البدائيّة التي سارت جنباً إلى جنب مع إعمال العقل النظري في الكون، فحركة المادة ذاتية نابعة من خاصيتها، وبالتالي لا وجود لقوة خارجية تحركها. وهي فكرة سوف يتم إعادة إحيائها في عصر النهضة الأوروبية كما سوف نرى.

ربّما يكون تصنيف الفلاسفة السوفيات هو الأكثر دقـة في هذا المقام، وذلـك لإطلاقهم على مادية أيونيا لقب "المادية العفوية"، وذلك لتمييزها عن "المادية الميكانيكية"، التي انطلقت في القرن السابع عشر، وعن "المادية الجدلية" التي ترسّخت في القرن التاسع عشر.

وتتميّز "المادية العفوية" بالملاحظة "البريئة" للطبيعة، وهي تـُذكـّـرنا بالاختبار الاستقرائي البيكوني الذي رأى أن المدخل إلى البحث العلمي يبدأ من الحواس، بحيث تكون ملاحظاتنا خالية من الأوهام المسبقة. فالملاحظة "البريئة" للطبيعة، فتحت الباب أمام الإبداع عند الأيونـيين الأحرار.

دعنا، مثلاً، نتمعّن في نظريّة أنكسمندر في أصل الأحياء، وذلك من زاوية علميتها ودارونيتها، فهو يقول: جاءت الحياة كلها من البحر، وتكيَّفت الحياة بعدها لبيئة جديدة. بعض الأسماك، كالقرش وكلب البحر، مرحلة متوسطة من التطور بين السمك وحيوانات البر. أما الإنسان فأصوله من فصيلة أخرى، لأن الطفل الآدمي بحاجة إلى فترة حضانة طويلة، ولو كان كذلك عمره كله لانقرض (10). إنها أفكار ناجمة عن ملاحظة دقيقة للطبيعة، خالية من الأوهام، وحصيلة بناء استقرائي مُنظَّم للأحداث الطبيعية وعناصرها، وللتغيرات الحاصلة فيها.
Page 4
عبّر أنكسمندر عن حُمّى التساؤلات العقلانية التي اجتاحت أيونيا آنذاك، فلم يعد العالـَم مغلقاً، كمحارة في الماء، أو كعلبة (Box) لها أرضية وسقف، كما ظنّ الفراعنة.أصبح العالم لا نهائي الأبعاد والامتداد الزماني (11). فالأرض، عند أنكسمندر، أشبه بعمود أسطواني الشكل يحيط به الهواء. وتسبح الأرض في وضع معتدل في وسط الكون، ومن دون دعائم تقف عليها. وبالرغم من ذلك، فهي لا تنهار، ذلك لأن وجودها في المركز لا يجعلها ترغب في الحركة في أي اتجاه آخر، ولأن ميلانها سيؤدي إلى تدمير التناظر والاتزان الموجودان في الكون.

أمّا أنكسمانس فقال إنّ الأرض منبسطة، وتعوم في الهواء كورقة الشجر. كذلك، تعوم الأجسام السماوية في مسار يبدو لنا منحرفاً، إنما الحقيقة هي أن الأرض نفسها منحرفة (مائلة)، لذلك لا نرى معظمها من المنطقة المنخفضة، لأن جزء الأرض المرتفع (المقابل) يحجبها عنا. وهذه فكرة طاليسية، فقد ذ كر أرسطو رواية طاليس "أن شكل الأرض كالقرص، وأنها طافية فوق الماء".

وبالرغم من هذا التصور البدائي، فإنه تَقدُّم هائل مقارنة بالتصور التقليدي للأرض، الذي حاول أن يجعل من السماء والأرض بمثابة محارة أو علبة مغلقة. فإن افتراض أن الأرض طافية، ولا ترتكز إلى شيء، هو بحد ذاته تفكير تجريدي هائل، ويدل على تطوُّر في القدرة على التصور العقلي لم يستطع العقل البشري بلوغ مرتبتها من قبل.

وفي نهاية القرن السادس قبل الميلاد، شن إكسانوفان (12) (Xenophanes) حملة شعواء على تعدد الآلهة، مستمداً أسلحته الفكرية من علوم عصره، وبخاصة من علم الفلك عند أنكسمندر. إذ ردَّ الآلهة الإغريقية المتعددة إلى ظواهر جوية، وقال بإله واحد هو العالـَم (The World) ، لا يشبه البشر، وليس له أعضاء حسـية محدودة، ولكنه يُفكـّر، ويرى، ويسمع كل شيء.

إعتقد إكسانوفان بالمذهب الحلولي (Pantheism) على نحو يُذكـّرنا بوحدة الوجود عند سبينوزا (13) (Spinoza) ، وقال إنّ الأرض متجذرة في اللانهائي، وليس للشمس أو للنجوم مادة، كما أنها ليست خالدة. وتموت النجوم كل يوم، وتتكوَّن، عوضاً عنها، نجوم جديدة في المساء بفعل زفرات الأرض. وفي كل صباح، تولد شمس جديدة!

وينبغي ألاّ يُظنّ أنّ هذا التفسير متخلف كثيراً، فقد ظن غاليليو (14)، الذي جاء بعد إكسانوفان بألفي عام تقريباً، أنّ الشُّـهب (Comets) مجرّد وهم. وهذه المقاربة تساعدنا على فهم العوالق التاريخيّة التي ظلت تؤثر في فكر علماء الثورة العلمية الكبرى ومفكريها حوالى القرن السّابع عشر. وتساعدنا أيضاً في فهم سعينا لوضع تعريفات دقيقة لفهم المادية في ذلك العصر.

خرجت بلاد اليونان موحَّدة في مطلع القرن الخامس، إثر الحروب الفارسية، ولكنها مع نهاية القرن الخامس، كانت ضحية الحروب الشرسة التي وقعت بين المدن الإغريقيّة نفسها، والتي انتهت بفوز ساحق لإسبارطة. فقد استسلمت أثينا في عام 404م، ثمّ سادت فيها روح مغرقة فيالإحباط، وما لبثت أن ضربها الطاعون، وتفشت فيها الأمراض المختلفة، وكان يشعر الأثينيون أن نهاية العالم قد اقتربت، فارتدَّوا إلى أنفسهم، ولم يعودوا يحتملون رجال الفكر (15).

وفي خضمّ هذا التقهقر، ونزوح الأيونيين إلى الداخل، ظهر بارمنيدس (16) (Parmenides) ، الفيلسوف الميتافيزيقي الصّرف، الذي تَصوَّر أنّ في وسع الإنسان بلوغ الحقيقة المطلقة بالوسائل المنطقية وحدها. فهل نجد أنفسنا أمام تصوّف من نوع خاص لا يصيب وباءه الأمة إلافي أطوار انحطاطها؟ وهل جاء سقراط (17) (Socrates) ، الذي تحدث إلى بارمنيدس في صغره، لِيُعبِّر عن تأَزُّم أثينا، معلناً بداية البحث في الأخلاق ومعرفة الذات؟

كانت المادة والسبب الكامن من وراء الحركة، كلاهما، يعنيان شيئاً واحداً عند الأيونيين. وعند ديمقريطس (18) (Democritus) ، أيضاً، لا تنفصل الحركة عن المادة لأنّ المادة متحركة بذاتها. كما أن حركة الذرات لا بداية لها، فالعالم، عنده، قديم. أضف إلى ذلك تفسيره الطبيعة بالطبيعة ذاتها.

والحركة عند ديمقريطس تستدعي الخلاء، كما تستدعي حركة الكرات المتراصة خلاءً لتتحرك منزلقة حول بعضها البعض؛ وهي فكرة سيتم إحياؤها في نهاية القرن السادس عشر كما سوف نرى لاحقاً.

إعتقد أنكسمانس بحركة المادة الأولى الدائمة، بالرغم من أنه قال إنها الهواء، لا الماء. فالمادة التي تتحرك ذاتياً كانت تعني"الحياة " بالنسبة إلى الإغريق. ولمّا كان الإنسان يتنفس الهواء، فأنه بذلك يتنفس الحياة. وكان الفيثاغوريّون يعتقدون أن العالم كله حيّ، وأنه مخلوق يتنفس. فطالما مادة الحياة خالدة، فهي إذاً إلهية. كان الإلهي والخالد مفهومين متلازمين عند الإغريق، ولا يمكن فصلهما. وربما هذا ما عناه طاليس بقوله: "كلّ شيء مليء بالآلهة" (19).

أمّا أنكساغوراس (20) (Anaxagoras) ، فقال بسبب أوّل، سمّاه "العقل" (Mind) ، وعَزى إليه تنظيم الفوضى الأولى (Original chaos) . لقد استعمل فكرته الجديدة هذه كوسيلة لانطلاق الحركة فقط، إذ انسحب العقل بعدها، وترك العالم يعمل بمادية وميكانيكية. وقد تمت معاقبة أنكساغوراس لقوله إن الأفلاك غير حية.

ولكنْ، عند أفلاطون (Plato) ، تأتي الحياة أولاً، وهي السبب الرئيس لحركة المادة. أمّا مسبب الحركة الأول فيتضمن مصدر الحركة في ذاته. وضرب مثلاً على شيء متحرك بذاته (Self-mover) ، وقال إنـّه مبدأ الحياة (psyche) ، وإنـّـه أقدم الأشياء، والسبب الرئيس لحركة كلشيء (21).

وهذا تفسير ربّما يكون أقرب إلى المثالية منه إلى المادية، وإنْ كان يمكن فهمه على نحو مختلط، أو على نحو يماثل ما سعى الأيونيون إليه، أي الحديث عن مادة تفسّر حركتها الذاتية بغض النظر عن السبب الأول للحركة.
Page 5
ديمقريطس(460-361 ق. م)


ديمقريطس، الفيلسوف الإغريقي صاحب لقب "الفيلسوف الضاحك" الذي أدرك قيمة البشاشة على صحة الإنسان وعقله، أسس النظرية الذرية في الطبيعة مع أستاذه ليوكيبوس (Leucippus) على أساس مادي نحو نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، وهناك من ينسبه في جذوره إلى مدينة ميليتوس (Miletus) ، وهي مدينة طاليس الواقعة على شواطئ آسيا الصغرى، والتي كانت مدينة تجارية مزدهرة آنذاك، ومنهم من يرد أصوله إلى أبديره (Abdera) في بلاد اليونان.

تـُعزى لديمقريطس أعمالٌ عديدة في الأخلاق والفيزياء والرياضيات والموسيقى والفلك، وهذا أمر طبيعي عند الفلاسفة آنذاك، كما كان الفلاسفة المسلمين، والفلاسفة الأوروبيين أيضاً في القرنين السادس عشر والسابع عشر، إذ اشتغلوا في أكثر من مجال، ولم يكن العلم مستقلاً عن الفلسفة بعد، ولكن الذي يعنينا هنا هو مشروعه الذري المادي الذي تمَّ إحياؤه في القرن السادس عشر في أوروبا.

رد ديمقريطس على عالم الثبات والوحدة عند بارمنيدس؛ الذي ادّعى أن التغير مستحيل وهو مجرد وهم، لأن ذلك يستدعي حدوثاً من عدم، وكان هذا غير ممكن وفق عقلية الإغريق لأنهم اعتقدوا أن المادة قديمة.

بالمقابل، حل ليوكيبّوس وديمقريطس هذه الإشكالية؛ بافتراض وجود ذرات صغيرة من المادة تغير من مواقعها وتجمعاتها بحيث يتشكل العالم على النحو الذي نشاهده.

وافترض ديمقريطس أنها ذرات صغيرة غير قابلة للانقسام؛ رداً على تناقض زينون (Zeno’s Paradox) باستحالة التوقف عن قسمة قيمة محدودة لأنه بإمكاننا استمرار تقسيمها إلى ما لانهاية. فافترض ديمقريطس، رداً على زينون، أنه لابد من الوصول إلى نقطة نقف عندهابالقسمة، وافترضها الذرة. وعليه فإن الذرة الديمقريطسية تحمل معناها اللفظي عند اليونان، (Atomos) ، وهي تعني غير قابلة للقسمة، لامتناهية في العدد، ومختلفة في الحجم والشكل، فضلاً عن أنها صلبة تماماً لا يوجد فيها فراغات داخلية تسمح بمزيد من الانقسام (22).

والذرات تصطدم ببعضها البعض أثناء حركتها في الفراغ اللامتناهي؛ وترتبط الذرات حسب طبيعتها معاً بواسطة كلابات (hooks) لتشكل المواد المختلفة، إما بفعل كلابات، أو لوجود مواد لاصقة، أو لطبيعة تعرّج سطوحها على نحو يسمح بارتباطها والتحامها ببعضها البعض. وفيما تتفكك هذه التشكيلات وتتغير تظل الذرات الأصلية المتناهية في الصغر خالدة.

ورأى ديمقريطس أن الذرات المتشابهة تتجمع معاً كما نشاهد في الطبيعة حينما تتجمع المواد المختلفة؛ وكما نشاهد في الطبيعة عندما تتجمع الأسماك والطيور والكائنات الحية المتماثلة في مجموعات وزرافات.

إذاً، المادة عند ديمقريطس تتكون من ذرات متناهية في الصغر لا ترى بالعين المجردة؛ ذرات خالدة غير قابلة للأنقسام، غير قابلة للانحلال والفناء، وتوجد على نحو مستقل منفصل ومتميز. وأيضاً، تختلف هذه الذرات في الشكل والخاصية والثقل، وتجتمع في أعداد وتشكيلات متنوعة، وتظل في حركة متسقة ومستمرة بحيث تـُكوّن في مجموعها ما تتألف منه ذرات المواد المختلفة؛ لتضفي على المادة تنوعاً هائلاً كالموجود في الطبيعة.

وتطال تركيبات الذرات في أشكالها وخصائصها وأنماطها المتنوعة الأجسام كلها بما في ذلك الروح التي تتكون من ذرات خفيفة تتحلل بفناء الجسد (23).

وحركة الذرات عند ديمقريطس تستلزم وجود الخلاء، فالذرات أو الجواهر المادية لا نهائية العدد تسبح في محيط لا نهائي من الخلاء؛ يتيح لها الحركة والانتقال من مكان إلى آخر لتتكون أشكال جديدة غير مرتبطة بمشروعات غائية في تطورها المتدرج.

خلاصة القول إن الحركة عند ديمقريطس لا تنفصل عن المادّة لأنّ المادّة متحرّكة بذاتها. كما أنّ حركة الذّرّات لا بداية لها، فالعالم، عنده، قديم. أضف إلى ذلك تفسيره الطـّبيعة بالطـّبيعة ذاتها.

يتعدى تأثير ديمقريطس مشروع إحياء النظرية الذرية في القرن السادس عشر إلى التأثير على فلسفة القرن العشرين، إذ يرى بعض الباحثين (24) أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين ذرية ديمقريطس وبرتراند رسل في ذريته المنطقية (Logical atomism) في مطلع القرن العشرين، فكلا الفيلسوفين يؤكدان على فكرة "أن الواقع في أساسه يعتمد على التعددية"، ولكن، فيما يتحدث ديمقريطس عن "أساس هذا الواقع الذري الطبيعي المادي غير القابل للانقسام لأجزاء أصغر أكثر دقة"، فإن رسل يتحدث عن "ذرات منطقية غير قابلة للانقسام كذلك".

وهناك تشابه أيضاً بين ذرات ديمقريطس ومونادات (Monads) ليبنتز التي شكلت فلسفته المثالية الذرية، وسوف نتحدث عن ذلك بالتفصيل في فصل الفلسفة الأوروبية الحديثة.
Page 6
أرسطو(384 - 322 ق. م)


ولد أرسطو، الذي لقبه العرب "المعلم الأول"، في أقصى شمال اليونان لوالده نيقوماخوس، العالم والطبيب الذي كانت له اتصالات مع النخبة في ذلك العصر والذي حاول أن يجعل من ابنه أرسطو طبيباً، دون جدوى. وفي أقله، تعلم أرسطو من والده حب العلم وشغفه بالبحث العلمي.

ارتحل أرسطو وعمره 17 عاماً إلى أثينا، مهد الفكر والمدنية آنذاك، ودرس على أفلاطون وتلازما في الأكاديمية لمدة عشرين عاماً. وبعد وفاة أفلاطون انتقل أرسطو إلى مدينة مايزيا (Mysia) التي هاجمها الفرس فيما بعد، فرحل إلى مقدونيا حيث أصبح أستاذاً للاسكندر المقدوني، ثم عاد إلى أثينا عام 335 ق. م وأسس مدرسته النظامية وجعل فيها مكتبة؛ مؤذناً بانطلاقة الفكر الأرسطي؛ الذي سوف يسيطر على العالم لألفيتين من السنوات، بانطلاقة مع بعض التغييرات هنا وهناك.

أ- فلسفة أرسطو

قام أرسطو صاحب المدرسة المشائية، بتقسيم العلوم على النحو التالي:

1) علوم نظرية

وهي أشرف العلوم عنده لأنها تعكس كمال العقل الذي هو أسمى ملكات الإنسان، وغايتها طلب المعرفة. وتنقسم بدورها إلى ثلاثة علوم فرعية، هي:

أ- علم ما بعد الطبيعة: وهو العلم الأعلى، أو العلم الإلهي، أو الفلسفة الأولى، فهو علم بالوجود المطلق الذي لا يحتاج في وجوده المنطقي أو العياني إلى المادة، كالمحرك الأول؛ وموضوع هذا العلم هو البحث "في الوجود بما هو موجود".

ب- العلم الرياضي: وهو العلم الذي لا يحتاج في وجوده المنطقي إلى المادة، بينما يحتاج إلى المادة في وجوده العياني الخارجي للدلالة، كالأشكال الهندسية النظرية التي تشير إلى ما يقابلها في الطبيعة. وفروع هذا العلم الحساب والهندسة والفلك والموسيقى وغيرها.

ج- العلم الطبيعي: وهو العلم الذي يحتاج في وجوديه المنطقي والعياني إلى المادة، كالجسم الطبيعي الذي هو موضوع العلم الطبيعي.

2) علوم عملية

وهي العلوم التي تتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، وغايتها تـَدَبُر أفعال الإنسان، وهي تأتي في أصناف ثلاثة:

أ- الأخلاق: وموضوعها أفعال الإنسان من حيث هو فرد.

ب- تدبير المنزل: وموضوعه أفعال الإنسان من حيث هو كائن يعيش ضمن أسرة.

ج- السياسة: وموضوعها أفعال الإنسان بوصفه عضواً في جماعته.

3) علوم شعرية

وغايتها تدبير أقوال الإنسان، وهي تأتي في أصناف ثلاثة أيضاً:

أ- الشعر

ب- الخطابة

ج- الجدل بوصفه بداية المنطق.

أما المنطق أو الأورغانون (Organon) ، فهو الآلة التي يستخدمها العقل للوصول إلى نتائج؛ انطلاقاً من مقدمات.

وقد أطلق فرانسيس بيكون لقب "الأورغانون الجديد" على منهجه الاستقرائي التجريبي المفيد للناس عملياً، فيما هاجم المنطق الصوري الأرسطي الذي لم يفد الناس عملياً ولم يحسّن من أحوالهم المعيشية.

المادة والحركة

نقد أرسطو نظرية ديمقريطس الذرية لأنها لا تفسر حركة الذرات، بالرغم من أنّ فكرة الحركة الذاتية في المادة كانت شائعة آنذاك.

الوجود الحقيقي عند أرسطو هو الوجود المادي المتحرك حركة محسوسة، لأن الحركة ضرورية لقيام العلم الطبيعي. وتقع الحركة في أربع مقولات، هي:

الجوهر، الكم، الكيف، المكان.

أما أنواع الحركة، فهي:
Page 7
* الحركة، من جهة مقولة "الجوهر"، هي حركة التغير أو حركة الكون والفساد (أن يكون الشيء أو يفسد)، وتتم بين نقيضين، وتتعلق بالصفات الذاتية للأشياء حيث يحل موجود محل آخر.

* حركة الزيادة والنقصان، من جهة مقولة "الكم".

* حركة الاستحالة، وتتعلق بالصفات العرضية، من جهة مقولة "الكيف".

* حركة النقلة، من جهة مقولة "المكان".

تفترض الحركة موضوعاً وعلة وطرفين، لذلك فإن الحركة تعني التغير من حال الهيولي إلى الصورة، حيث تخرج الصورة وتتحقق واقعياً بعد أن كانت صورة بالقوة. فمثلاً، إن الفتيات السليمات هن أمهات بالقوة، وعندما ينجبن يصبحن أمهات بالفعل.

فالحركة هي التغير من حال القوة إلى الفعل، وتحتاج إلى العلل الأربع لتحقيق ذلك، وهي العلة "الصورية" والعلة "المادية" والعلة "الغائية" والعلة "الفاعلة".

فعندما يضع المهندس مخططاً في ذهنه لبناء منزل ما؛ تتشكل في ذهنه العلة الصورية، أي ماهية البناء وشكله ومجموع خصائصه، أي تتشكل صورة البيت في ذهنه، وعندما يشرع المهندس ببنائه بمساعدة العمال والفنيين تكون العلة الفاعلة، أما العلة المادية فهي المواد المستخدمة في البناء، في حين تكون العلة الغائية متمثلة في الغاية التي من أجلها قام هذا البناء، من حيث استخداماته للسكن، مثلاً، وبهذا تكتمل فكرة البناء وتتحقق عيانياً بفعل العلل الأربع، وتخرج فكرة البناء من حال القوة إلى حال الفعل؛ فتصبح الصورة بناءً فعلياً عيانياً متحققاً.

كما قال أرسطو بالعناصر الأربعة التي تتألف منها المادة وتشكل أساس العلل الأربع التي تحكمها (الصورية والمادية والغائية والفاعلة) ، إذ تتألف المادة من عنصر أو من خليط من العناصر الأربعة (التراب، الماء، الهواء، النار) بنسب مختلفة بحيث تشكل سائر الأشياء المادية في الكون، وتكون خاضعة لكيفيات أربع متضادة (الحرارة والبرودة واليباس والرطوبة).

والمادة متراصة في الكون وفق ثقلها، فالتراب هو أثقلها، لذلك تتراص مادة الأرض الثقيلة في الموقع الأسفل وتشكل مركز الكون، حيث تقع الكرة الأرضية (عالمنا الأرضي).

وعندما يسقط الحجر إلى الأرض يسقط بفعل حركته العشقية صوب أمه الأرض، فهو يتسارع باقترابه من مركز الأرض لأن الأرض هي مكانه الطبيعي. ويلي التراب في الثقل الماء، ثم الهواء، وأخيراً النار التي تصعد إلى أعلى في حركة عشقية صوب الأثير الخالد الواقع فوق فلك القمر، حيث يكون القمر هو أول جسم خالد يدور حول الأرض.

ولما كانت المادة متراصة في الكون، وكذلك الأفلاك مرتبطة ببعضها البعض ومتراصة في مجالها المليء بالأثير، فلا مجال لوجود الخلاء. وبناء على هذا الافتراض أسس أرسطو قوانينه في الحركات الأرضية بحيث غدت سرعة الجسم الساقط تتناسب طردياً مع ثقل الجسم (25)، بينما يتناسب عكسياً مع مقاومة الوسط، وفق المعادلة الآتية:

(V = F / R)

حيث:

V هي سرعة الجسم

F هي ثقل الجسم

R هي مقاومة الوسط

وهكذا أسس أرسطو نظريته في الحركة بناءً على استحالة الخلاء؛ لأن الخلاء يستدعي الحركة بسرعة لا متناهية، وهذا لا يمكن مشاهدته في الطبيعة.

فإذا كان هناك خلاء فإن قيمة (R) تساوي صفراً لعدم وجود مقاومة للوسط (أو احتكاك مع الهواء باللغة العلمية الحديثة)، وعليه تصبح سرعة الجسم لا متناهية، وهذا مستحيل.

ظن أرسطو، نتيجة افتراضه أن الأرض هي مركز الكون وأن العالم الأرضي (عالم الكون والفساد) ينتهي بفلك النجوم، أن الكون محدود، وهكذا قام ببناء منظومة الكون على أساس الافتراضات الأخيرة وغيرها.

فالحركة عند الإغريق ذاتية في المادة، حيث تتحرك الأشياء بطبائعها صوب غاية ما؛ هي سبب وجودها، وهي فكرة قريبة من فكرة الضرورة التي نعرفها اليوم في عالم الطبيعة. فالأشياء المادية، كما هي الحيوانات تتحرك ذاتياً، والزمن هو عدد الحركة، كما عند الكندي وغيره من الفلاسفة العرب، ولكن الفلاسفة المسلمين انبروا لدحض أو تقويض فكرة قِدَم العالم، لأن في ذلك شرك مع صفات الله، باستثناء الرازي الذي قال إن الله لا يستطيع أن يُبدع من عدم؛ وتحدث عن القدماء الخمس (الهيولي، الله، النفس، المكان، الزمان) وهم يوجدون على سبيل الترتيب لا التجاور.

ولكن، ماذا يقول أرسطو لو لم يوجد فكر إنساني ليحصي العدد؟

قال أرسطو إن هناك أشياءً كالأرقام الخالدة تحفظ وجود الحركة وعددها، وخالف بذلك أستاذه أفلاطون الذي قال بخلق الزمن. ولذلك اعتقدت الكنيسة بأن الزمن قديم بتأثير من أرسطو، وذلك ينسجم مع ما جاء في الكتاب المقدس بأن الكون له بداية، بمعنى أن الخلق تم في زمن ما، فيما كانت قبله روح الله ترفرف على وجه العالم.

خلاصة القول إن الحركة هي التغيّر من حال القوة إلى حال الفعل، وتحتاج إلى العلل الأربع، فالأشياء الحيّة تتحرك ذاتياً، كالحيوانات، والأجسام الجامدة تتحرك بطبيعتها حركة مستقيمة، كالحركات الأرضية، أو تتحرك حركة دائرية كحركة الأفلاك الأثيرية الخالدة الواقعة فوق فلك القمر. أما عالم الأرض، أي عالم ما تحت فلك القمر، فهو عالم الكون والفساد، وهو عالم محدود حيث مركزه الأرض ونهايته فلك الأفلاك. والزمن هو عدد الحركة، وحتى لو لم يوجد فكر يحصي هذا الزمن فهناك أشياء خالدة تحفظها، كالأرقام. والزمن قديم وكذلك المادة، كما جاء في الكتاب المقدس، في العهد القديم تحديداً "نظرية الخلق ومملكة السماء".

يتضح من مفهوم أرسطو للحركة أن الحركات الأرضية تسير في خط مستقيم، إمّا عمودياً إلى أعلى، كالنار، أو عمودياً إلى أسفل باتجاه مركز الأرض، حيث موطنها الأصلي الطبيعي المعشوق. والأجسام الطبيعية تتحرك بطبائعها هكذا.
Page 8
ولكن، ما التغير الذي طرأ على مفهوم الحركة في العالم الحديث؟

إن الفرق في مفهوم الحركة بين العالم القديم والعالم الحديث؛ يقوم على أساس أن الحركة في العالم القديم هي التغير من حال إلى حال من جهة مقولات معينة، كالجوهر والكم والكيف والمكان، أما في العصر الحديث، فأن أساس التغير هو حركة الجسيمات.

يكمن المغزى من الاكتشافات في المنهجية الجديدة (المنهجية العلمية) التي اتـّبعها غاليليو، والتي تختلف في مفاصلها الرئيسة عن منهجيات من سلفه.

ب- كروية الأرض وكون أرسطو

ارتكز أرسطو في البداية على الملاحظة والتجربة لإثبات كروية الأرض، إذ اتضح له أن السير باتجاه الشمال أو الجنوب فوق سطح الأرض؛ يؤدي إلى رؤية نجوم جديدة واختفاء أخرى، فتوصل إلى فكرة كروية الأرض، واستدل من ذلك أن السفر غرباً سيوصله إلى الهند على نحو ما ظن رحالة القرون اللاحقة لغاية القرن الخامس عشر. وقام بقياس محيط الأرض على نحو معقول كما فعل البيروني فيما بعد.

وتنسجم تلك الاستدلالات مع تصور أرسطو بأن شكل الأرض دائري، لأنه الشكل الأمثل في بعدين، ولأنه كان يشاهد ظل الأرض الكروي على القمر في حالة الخسوف (خسوف القمر)، كما أن الكرة هي الشكل الأمثل في ثلاثة أبعاد فيستحيل أن يكون الله قد خلق الكون ناقصاً. كذلك هي حركة السماوات أو الأفلاك، إنها حركة دائرية كاملة.

أما الأثير الذي يفصل بين الأفلاك فمتراصّ، وفلك النجوم (الذي يتألف من 55 فلكاً) يستمد حركته من الله بنوع من العشق (حركة غائية)، فالحركة الأولى ناجمة عن المحرك الأول الذي لا يتحرك (الله)، وهو عقل محض، لأنه لو لم يكن كذلك لاستلزم وجود علـّة لحركته. ثم تنتقل الحركة إلى الأفلاك واحد تلو الآخر، لأن الطبقات التي تفصل بين الأفلاك متراصة لا فراغ يفصل بينها، إذ يحرك الأعلى منها ما يوجد أسفله، وهكذا دواليك حتى نصل إلى فلك القمر.

فصل أرسطو بين عالم ما تحت فلك القمر، بوصفه عالم الكون والفساد، وعالم ما فوق فلك القمر بوصفه عالم الأثير الخالد الذي تحكمه أرواح حية وعقول تقوم بتحريك الأفلاك على نحو ما تحرك الروح جسم الإنسان. وكأننا أمام الفكر الفيثاغوري الذي تحدث عن العالم بوصفه حياً وأنه مخلوق يتنفس.

ولم يخرج أرسطو في ذلك عن تلازم الإلهي والخالد عند الإغريق. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك بالعودة إلى التصور التجريدي لأنكسمندر في القرن السادس قبل الميلاد؛ عندما شبه الأرض بإسطوانة عائمة في وسط الكون.



خلاصة كون أرسطو ما يلي (أنظر الشكل):

1) عالم قديم منذ الأزل وسيظل قائماً إلى الأبد.

2) مركزية الأرض في الكون بفعل مادة التراب الثقيلة.

3) أقرب الأفلاك إلى الأرض هو فلك القمر، يليه على الترتيب: عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشتري، زحل، ثم الفلك المحيط، أو فلك النجوم الذي يتألف من عشرات النجوم البعيدة والتي تحيط بالأفلاك جميعها وتحركها؛ أما علة حركتها فمستمدة من عشقها لله غاية وجودها.

4) الكون محدود وليس لا نهائياً طالما أن مركزه الأرض، ومحيطه فلك النجوم أو الفلك المحيط.

5) عالم ما فوق فلك القمر عالم أثيري خالد، ويعتبر أرسطو الأفلاك حية.

6) الحركة في عالم ما فوق القمر دائرية تامة، كذلك هي حركة الأفلاك وشكلها.

7) عالم ما تحت فلك القمر يحكمه الكون والفساد.

8) الحركة في عالم ما تحت فلك القمر مستقيمة ومادته العناصر الأربعة.

وترتيب الكواكب وأسماؤها مطابقة لما يعرفه العالم اليوم باستثناء موقع الشمس والأرض، أما الكواكب الأخرى أورانوس ونبتون وبلوتو فقد تم اكتشافها فيما بعد؛ ولذلك فإن الكواكب السبعة التي كانت معروفة آنذاك قبل كوبرنيق هي: (القمر، عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشتري وزحل) شكلت السماوات السبع التي سيطرت على الفكر القروسطي بوصفها سماوات أثيرية خالدة وسامية.

فالشمس في كون أرسطو لا تعدو كونها أحد الكواكب التي تدور حول الأرض، وبذلك يكون أرسطو قد أسقط نظرية أريستارخوس القديمة؛ التي قامت على فكرة مركزية الشمس، وعاد ليربك العالم بنظريته في مركزية الأرض لألفي عام من الزمان بدعم من الفكر الكنسي القروسطي؛ الذي رأى في نظرية أرسطو تأكيداً للفكر اللاهوتي الذي يتمحور حول أهمية الأرض ومركزيتها؛ حيث تعيش أسمى المخلوقات - الإنسان. وقامت الفلسفات المسيحية بتطوير فلسفة أرسطو لتنسجم مع الفكر الديني وتتوافق معه على يد فلاسفة من أمثال توما الأكويني.

أما الفلكي المصري المعروف بطلميوس، الذي عاش في القرن الثاني للميلاد في الإسكندرية، فأقام أنموذجاً مطوراً رياضياً وهندسياً جمع فيه التطورات التي جاءَت على كون أرسطو، وأضاف إليها تعديلات وضعها في كتابه الذي أسماه العرب فيما بعد "المجسطي"، فكانت محاولات ضرورية ناجمة عن عجز أنموذج أرسطو عن تفسير حركات بعض النجوم الارتدادية والتغير في شدة إنارتها وأحجامها.

وقد استخدم بطلميوس نظرية الدوائر المنحرفة لتفسير تناقضات أنموذج أرسطو التي اتضحت بالمشاهدة والرصد الطبيعي لحركة الكواكب، وجعل مركز دوران الكواكب على محيط دوائر الأفلاك التي تقبع مراكزها في مركز الأرض. وظل أنموذج بطلميوس مرجعاً لعلم الفلك لغاية القرن السابع عشر. ولكن سبقتها محاولات لعلم الهيئة العربي من حيث إعتبار المكان لا متناهياً ليتجاوز كون أرسطو المحدود. فجعلوا المكان الممتد خارج فلك النجوم موطناً للنفوس الروحية بما ينسجم مع المعتقدات الدينية. ولكن المشكلة لم تحل تماماً، لا مع بطلميوس ولا مع علم الهيئة العربي الإسلامي، إذ لم يحقق أي منها فتحاً حقيقياً.

لم يتم تجاوز الإشكالية الأرسطية إلا في القرن السابع عشر، وعندها تم التأسيس لبراديم (Paradigm) جديد من خلال منهجية علمية حديثة، ربما اكتملت في صورتها الحديثة مع غاليليو. ونستطيع القول أننا انتقلنا مع غاليليو من إشكاليّة الفلسفة الطـّبيعيّة إلى إشكاليّة علم الطـّبيعة.

ولكن، ما هو سبب هذا الانقلاب العلمي والفلسفي؟

وهذا ما سوف نبحث في الفصلين اللاحقين.
Page 9
الفصل الثاني:العلم الحديث

البيئة تساهم في صناعة تاريخ أوروبا

لقد خلق الإنسان على سطح الأرض بيئة اصطناعية من صنعه وممارساته عبر تاريخه القديم والحديث منذ عشرات الألوف من السنين، حين اتخذ المستوطنات الدائمة مقراً له وأقام السدود والمشاريع الزراعية والمائية وغيرها لسد احتياجات بقائه ورفاهيته.

ويمكننا العودة إلى نشاطات الإنسان الزراعية قبل 8000 عام، عندما بدأ الإنسان يزيل الغابات للاستخدامات الزراعية والتوسع فيها؛ نتيجة استقرار الإمبراطوريات القديمة وضمان أمنها، وحاجتها المضطردة إلى المواد الغذائية وتوافر الأيدي العاملة الزراعية، وقد تعمق ذلك الضرر قبل نحو 5000 عام، عندما بدأت زراعة الأرز في آسيا، والتي ساهمت في إطلاق بعض الغازات الدفيئة، وبخاصة غاز الميثان.

ولا تقل عملية قطع الغابات أهمية عمّا سلف ذكره من أضرار، ويعتقد بعض العلماء أن التغير المناخي الذي حصل في حوض البحر الأبيض المتوسط منذ قرون، وما زال كذلك حتى يومنا هذا، يعود إلى قطع الغابات في الفترة الواقعة بين 700 قبل الميلاد إلى نهاية القرن الميلادي الأول، وذلك بهدف بناء السفن وآلات الحرب والحصار وإنشاء الأبنية ولاستخدامها كوقود.

وتمثل الفترة التاريخية الأخيرة العصر التي نهضت خلاله الحضارات في سورية كالفنيقيين وفي بلاد اليونان وبلاد الرومان وجنوبي أوروبا، واستمرت الحاجة إلى قطع الأشجار خلال نهوض بيزنطة وإبّان حروب الفرنج مع العرب والمسلمين، منذ نهاية القرن الحادي عشر، عندما كانت المدن الإيطالية تصنع السفن للجيوش الغربية القادمة إلى الشرق لغزو سواحل سورية ومصر. ونحن نعلم اليوم أن أشجار الأرز في لبنان تنحصر في رقعة ضيقة أشبه بالمحمية منها بالغابة.

كما واجهت الأرض في العصور الوسطى، فترة دفء مناخي، أطلق عليها فترة الدفء الرومانية (Roman Warm Period) ، ثم دخلت بعد ذلك في عصر جليدي مصغـّر استمر حتى مطلع القرن التاسع عشر، حينما بدأت ترتفع درجة الحرارة منذ ذلك الوقت.

ولكن فترة الدفء المناخي لم تمنع دخول الأرض في فترات صقيع وبروده مرتفعة بين فينة وأخرى، ودليل ذلك تجمد نهر الفرات في عام 608 للميلاد، ثم بعد انقضاء فترة دفء في القرن الثامن، تدنت درجة الحرارة مرة أخرى في مطلع القرن التاسع للميلاد فتجمد نهر النيل عام 829للميلاد (26).

وهناك دلائل تشير إلى أن نهر التايمز في لندن كان يتجمد سنوياً في فترات متفاوتة، حيث كانت تقام "مهرجانات الجليد" فوقه. وقد كانت السنوات 1680 - 1700 شديدة البرودة في أوروبا، كذلك كان العقد الواقع بين 1810 - 1820، وبخاصة في عام 1816 التي لم ترَ أوروبافصلاً للصيف في ذلك العام (27).

وعلى الأرجح أن تكون أسباب التغير المناخي في العصور الوسطى والحديثة (قبل القرن التاسع عشر) من فعل التغيرات في النشاطات الإشعاعية على سطح الشمس، ومن فعل تغير مدار الأرض حول الشمس وحول نفسها. إذ يؤكد العلماء أن نتائج مراقبة شدة الإشعاع الشمسي عبر آلاف السنين؛ تشير إلى تزايد شدة الطاقة الشمسية المنبعثة من الشمس عبر العصور، وهناك مؤشرات أيضاً على ضعف شدتها في فترات ما، كفترة العصر الجليدي المصغـّر التي تلت ارتفاع درجة حرارة الأرض في العصور الوسطى المظلمة.

في ظل ظروف اجتماعية وسياسية مناسبة، أدت التغيرات المناخية إلى صعود الحضارات واندثارها، فإن تجمد أجزاء من نهر النيل في عام 829 للميلاد كان مؤذناً بفترة تدني درجة الحرارة على صعيد عالمي، وقد تزامن ذلك الحدث مع انهيار حضارة المايا في أمريكا الوسطى والتيتقع على خط العرض نفسه تقريباً. ومع مطلع القرن العاشر بدأ العالم يشهد ارتفاعاً في درجة الحرارة، فبدأ الثلج يذوب في المضيق الذي يفصل النرويج عن آيسلندا، فبدأ الاستيطان في آيسلندا نحو ذلك التاريخ خلال فترة الدفء المناخي (28).

ومع نهاية القرن الحادي عشر بدأ الطقس يميل إلى البرودة وحدثت أعاصير وفياضانات على إثرها اجتاحت الأمراض أوروبا، فبدأ النزوح الشهير خلال حروب الفرنج في نهاية القرن الحادي عشر. وقد تزاحم المهاجرون إلى الشرق في القرن الثالث عشر حيث ازدادت البرودة ودمرت المحاصيل الزراعية في أوروبا، واستمرت البرودة حتى نهاية القرن الخامس عشر. ويمكننا ربط ذلك باكتشاف العالم الجديد والدوران حول رأس الرجاء الصالح (أنظر الشكل: تناوب البرودة والدفء المناخي على الأرض).
Page 10
نحو عام 1520 بدأ الدفء المناخي يسود العالم، واستمر لغاية عام 1640، ثم عادت الدورة مرة أخرى حيث بدأ البرد يشتد منذ عام 1640؛ وقد سجِّلت أرقامٌ قياسية لتدني درجة الحرارة بين عامي 1680 - 1700، ووصلت الموجة الباردة أوجها عام 1816 عندما لم يتمتع الأوروبيون بالصيف فتم الانتقال من الربيع إلى الخريف دون المرور بفصل الصيف.

ثم بدأت دورة جديدة من الدفء المناخي في العالم استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، تبعتها فترة باردة حتى عام 1925، ومنذ ذلك الوقت يتوقع بعض العلماء أن تستمر الدورة الدافئة حتى عام 2010، حيث يتوقع أن تعود بعد ذلك الدورة الباردة من جديد، وربما تمتد إلى عام 2110؛ ولكن ذلك لا يعني أن البرودة ستشتد كثيراً، لأن تلوث الأرض قد رفع من درجة حرارة هذا الكوكب، ومن المتوقع أن يستمر ذلك خلال القرن الحادي والعشرين.



تناوب البرودة والدفء المناخي على الأرض (600-2000 للميلاد)

بدأت التغييرات المناخية الأهم بتأثير من نتائج الثورة العلمية الكبرى في القرن السابع عشر - موضوع هذا الكتاب، عندما بدأ الإنسان يحيط بقوانين الطبيعة ويحلم بالسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لمصالحه ورفاهيته.

وقد هيّأت الاكتشافات العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر وما بعدهما، فضلاً عن تطور التكنولوجيا في نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر، ليصبح القرن التاسع عشر تحديداً عصر الثورة الصناعية الكبرى الأولى التي قامت في مطلع القرن على الفحم الحجري والمحرك البخاري، تلتها الثورة الصناعية الكبرى الثانية التي قامت في نهاية القرن نفسه على النفط والكهرباء والمحرك ذي الاحتراق الداخلي، والذي سمح للإنسان بالتجول في العالم واكتشافه ونهب موارده الطبيعية، بوتيرة متسارعة تعاظمت بشكل رهيب؛ قياساً باكتشاف القارة الأمريكية في نهاية القرن الخامس عشر، ونهب خيراتها من الذهب والفضة وتسخير سكانها لخدمة النهضة الأوروبية آنذاك.

لقد عمل الإنسان الحديث منذ ذلك العهد الصناعي على إحداث تغييرات هائلة في باطن الأرض، وعلى سطحها وفي غطائها النباتي وثروتها الحيوانية وفي مياهها وهوائها وتربتها، فأقام المشاريع الزراعية والمائية والإنشائية والبنى تحتية، من طرق وسدود وخدمات متنوعة، ومشاريع صرف صحي وأماكن تجميع للنفايات، كما قام بقطع الأشجار وتجريف التربة وحرق الوقود الأحفوري واستنزاف الموارد الطبيعية، الأمر الذي أدى إلى تغيير معالم البيئة الطبيعية وتلويثها، وتهديد الموائل الطبيعية التي كانت مأهولة بالتنوع البيولوجي الهائل في الطبيعة والمستقر فيها منذ مليارات السنين، والذي أخذ يتناقص بالتدرج، حيث باتت تنقرض بعض أنواع الحياة في الطبيعة بوتيرة متسارعة.

ويؤدي تزايد عدد السكان وارتباطه بنمط الإنتاج الاستهلاكي إلى تعاظم وتيرة التصنيع والزراعة وتربية المواشي والعبث بالطبيعة، فضلاً عن اشتداد الحروب وتطور الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأخرى وما تبعها كصناعة الوقود العضوي من المحاصيل الزراعية ونحو ذلك، إلى تدمير الموائل الطبيعية بغرض توسيع الرقع الزراعية والرعوية، وحرق النفايات الزراعية، واستخدام الأدوية والأسمدة الكيميائية، وإنتاج اللحوم ومشتقات الألبان من مزارع الحيوانات بسرعة كبيرة تفوق معدلات نموها الطبيعي، وتطوير الغذاء المعدّل جينياً، وتغيير أنماط غذاء المزارع المنتجة للـّحوم، وكذلك التعدين الجائر وبيع الأخشاب والتدمير العبثي للكثير من الغابات بفعل الحرائق للاستحواذ على الأراضي وعلى الأخشاب كمصدر وقود، وبخاصة في الدول الفقيرة.

كما يرافق مفهوم "التقدم"، الذي يهيمن على الوعي الرأسمالي العالمي، تدني أحوال الموائل الطبيعية الجمالية، من حيث تدني خصوبة التربة وزيادة نسبة المركبات الكيميائية الخطرة فيها، وزيادة التبخر منها وانحسار التنوع البيولوجي، وتقطيع أوصال الموائل عن بعضها البعض، وتنامي ظاهرة التصحر، وازدياد ملوحة التربة نتيجة الري والزراعة المكثفة والتغير المناخي، وتدمير الموائل الطبيعية، وقطع الأشجار، وإقامة السدود المائية، والصيد الجائر، والرعي الجائر، الذي ينجم عنه انجراف في التربة وتعكير لمياه الأنهار والبحيرات وتلويثها وما إلى ذلك.

وقد نجم عن ذلك كله مختلف أنواع التلوث وتوالد البيئة الاصطناعية التي أشادها الإنسان، مثل: التلوث الضوضائي، التلوث الإشعاعي، تلوث الماء، تلوث الهواء بالغازات والمواد العالقة، اضمحلال طبقة الأوزون، وظاهرة "الانحباس الحراري"، أو ظاهرة "البيت الزجاجي"، أو "الدفء الحراري"، وهي مسميات للظاهرة نفسها، والتي يعاني العالم منها اليوم على نحو أقلق الجميع، ونشر الفاقة في ربوع دول الجنوب الأقل حظاً.