eKtab
EN ع
العلم وشروط النهضة
Read free sample

العلم وشروط النهضة

by سمير أبو زيد

Page 1
مقـدمة

ليس العلم في عالم اليوم، في بدايات القرن الواحد والعشرين، مجرد فكرة أساسية أو نشاط مهم بالنسبة لنهضة المجتمع، وإنما هو مرادف لتحقيق النهضة ذاتها. فليس من معنى للنهضة في عالم اليوم إلا باعتبارها نهضة علمية.
وليس هناك من شك في أن النهضة الأوروبية الحديثة إنما قامت بشكل اساسي على العلم الحديث. فرغم أن التحولات الفكرية التي جرت في أوروبا بدءا من عصر الإصلاح الديني حتى العصر الحديث كانت أساسية لتحقيق النهضة والسيطرة على العالم . إلا أن ظهور العلم الحديث في المجتمعات الأوروبية كان هو العنصر الحاسم نحو تحقيق هذه السيطرة. فقد أدت الاكتشافات العلمية والتكنولوجية المتتالية إلى تحولات جذرية في قدرات هذه المجتمعات ابتداء من القرن الثامن عشر الميلادي وحتى الآن.
كذلك فتحقيق النهضة العربية ليس فقط مرهونا بالفكر السياسي وإنما أيضا وبشكل جوهري بتحقيق الفكر العلمي الصحيح المعتمد على التصورات العلمية الحديثة. وليس ذلك فحسب، وإنما هو مرهون أيضا بتحقيق الارتباط بين هذه التصورات والمجتمع ككل. وهذا ليس جديدا، فقد تنبه فكر النهضة العربية مبكرا لأهمية ارتباطه بالعلم، وأهمية ارتباط المجتمعات العربية بالمعرفة العلمية. فظهرت منذ أوائل القرن العشرين كتابات عديدة تركز بشكل أساسي على نشر المعرفة العلمية، وعلى التصورات العلمية عن العالم.
ولكن على الرغم من هذا الاهتمام المبكر بأهمية الاعتماد على العلم إلا أنه رغم دخول البشرية القرن الواحد والعشرين، وحدوث تقدم كبير جدا في العلم والتكنولوجيا، وتحول العديد من دول العالم الثالث إلى دول منتجة للتكنولوجيا ومشاركة في التقدم العلمي، لم يحقق العرب أي تقدم بهذا الخصوص. فلم تحقق المجتمعات العربية النهضة العلمية المطلوبة ولا أصبح العلم مكونا أساسيا في الشخصية العربية ولا المجتمع العربي. لذلك وجب التساؤل عن أسباب التخلف العربي عن ركب العلم وعدم تحقيق النهضة العلمية.
الإجابة السائدة في الفكر العربي حاليا هي أن السبب في عدم حدوث النهضة العلمية هو الأنظمة السياسية الحاكمة التي جمدت الحريات وجمدت الإبداع فأصبحت طاردة للعقول العلمية. إضافة إلى نقص التمويل اللازم للبحث العلمي عن معدلاته المناسبة وانخفاض مستوى التعليم الجامعي وما فوق الجامعي. وانشغال الغالبية من عموم الشعب بتوفير سبل الحياة بحيث لا يكون هناك مجال للتفرغ للإبداع العلمي. الى آخر هذه العوامل، والتي تعبر في مجموعها عن تدني معدلات التنمية البشرية في كافة جوانبها.
ليس هناك من شك في أن هذه العوامل هي عوامل صحيحة ومؤثرة سلبا بشكل كبير على الارتباط بين العلم والمجتمع. ولكن الحقيقة أن هناك عوامل أكثر عمقا تمثل أسبابا أكثر جوهرية أدت إلى هذه النتيجة. وهذه العوامل ترتبط بشكل أساسي بالعلاقة بين طبيعة الفكر المستقر في أعماق الفرد في المجتمع العربي وبين تصورات العلم الحديث. وهذه الطبيعة جزء منها مرتبط بالتصورات المستقرة في الأذهان عن موقف الدين من العلم، من ناحية، وعن موقف العلم من الدين، من ناحية أخرى. وجزء منها مرتبط برسوخ بعض التصورات والتقاليد المعادية من حيث المبدأ للتفكير العلمي الصحيح.
فسوء أداء الأنظمة العربية وحده ليس كافيا لمنع ظهور التوجهات العلمية والابتكارات التكنولوجية وحب العلم للعلم باعتباره قيمة في ذاته، أو لمنع انتشاره في تصرفات الناس الطبيعية في المجتمع..الخ. فضعف النظام المجتمعي وكبت الحرية يضعف الأداء في كافة نواحيه ولكنه لا ينهيه تماما كما هو الحال مع العلم. فعلى سبيل المثال رغم ما مر به المجتمع المصري خلال القرن العشرين ظهر الفن المصري متميزا في أنواع عديدة من الفنون، وظهر حب الفن للفن وقامت مبادرات أهلية عديدة لدعم الفن والفنانين. كذلك تطور النشاط الرياضي وظهر الاهتمام، الذي هو أحيانا مبالغ فيه، بالرياضة والرياضيين. وظهرت جمعيات أهلية عديدة في كافة نواحي أنشطة المجتمع المدني، وظهرت حركات الدفاع عن المرأة وترقيتها ومشاركتها في المجتمع. فقط العلم، بما يرتبط به من تعليم وعلماء وبحث علمي، سقط تماما من اهتمام المجتمع العربي.
أي أن العائق الحقيقي لتغلغل العلم في المجتمع العربي هو عائق على مستوى أعمق من مستوى النظم المجتمعية السائدة، هو عائق على مستوى التصورات الفكرية أكثر منه على مستوى الواقع المعاش.
1 - الأسباب الحقيقية الفشل
ولتحديد الأسباب الحقيقية لعدم تغلغل العلم في المجتمعات العربية من الضروري إدراك أن العلم الحديث ليس مجرد تصور عن الأسلوب التجريبي الصحيح للتعامل مع الطبيعة، وإنما هو مفهوم مرتبط بفكر الحداثة ومفاهيمها الأساسية. فقد تمثلت المفاهيم الأساسية للعلم الحديث في الموضوعية، بمعنى الانفصال التام للعلم عن التوجهات الذاتية للفرد العالم والمجتمع ككل. وانتظام الطبيعة ومنطقيتها والقدرة المطلقة للعقل على معرفة كافة حقائق الكون. والحتمية الصارمة، بمعنى أن كل حوادث الكون ناتجة بشكل حتمي عن حالة الكون في اللحظة الحالية، ويمكن معرفتها بشكل كامل إذا أمكن معرفة كل شيء عن الكون حاليا.
وحينما حاول الفكر العربي الحديث معالجة قضية العلاقة بين العلم والمجتمع تمت معالجتها على مستوى السطح فقط. أي على مستوى نقل المعارف والنظم العلمية فقط، بدون تناول المستويات الأعمق للموضوع. ولم تجر أية محاولات لإنشاء العلاقة بين الأسس الفكرية للعلم الحديث وبين الأسس الفكرية للثقافة العربية. فظهرت الأنظمة المزدوجة، تعليم حديث وتعليم أزهري، قضاء حديث وقضاء شرعي، وانفصلت الشخصية العربية ما بين مقتضيات العلم الحديث في الدراسة والعلم وما بين التصورات التقليدية الكامنة في اللاوعي.
ونتيجة لعدم بذل أي مجهود فكري على مستوى الأسس الفكرية ظل العلم مفهوما سطحيا بالنسبة للمجتمعات العربية. العلم التجريبي هو وظيفة للفرد أكثر منه اي شيء آخر، وظيفة للمعلم، ووظيفة للباحث، ووظيفة للدارس. لذلك لم ينشأ اي نوع من البحث العلمي المستقل عن الغرب ولا أي نوع من الابتكار التكنولوجي حتى ولو كان في تطبيقات بسيطة لا تحتاج إلى تكنولوجيا ومعارف معقدة. وظلت المكونات الثقافية التقليدية للإنسان العربي كامنة كما هي، متعارضة أحيانا، ومحايدة أحيانا أخرى، مع التصورات الأساسية للعلم الحديث. كما ظهر التناقض واضحا في تصرفات الممارسين للعلم، أي العلماء، ما بين تطبيقهم للمفاهيم العلمية في أبحاثهم وما بين أسلوب حياتهم خارج مؤسساتهم البحثية.
ولم يكن هذا الموقف مختلفا أو شاذا عن موقف الفكر العربي على وجه العموم في هذه المرحلة من التحديث. فالموقف السائد حتى الآن هو التوفيقية، أي التوفيق السطحي بين التصورات الحديثة الغربية وبين النظم المجتمعية القائمة بدون محاولة معالجة الخلفيات الثقافية المختلفة بين الجانبين. فالفكر التوفيقي هذا لم يكن السمة المميزة لمعالجة قضية العلم فقط، وإنما لكافة الجوانب التحديثية للمجتمع.
ولأن المحاولة التوفيقية لجعل العلم أساسا للنهضة لم تنجح يصبح من الضروري معالجة المشكلة على المستوى الأعمق، وهو إنشاء العلاقة الصحيحة بين ثقافة الذات ونظرتها إلى العالم وبين العلم الحديث.
ويعتمد تصورنا لمعالجة هذه القضية على أن هناك جانبين للمشكلة، أحدهما مرتبط بتصورات الثقافة الإسلامية عن العالم ككل وعن العلم، كجزء منها. والآخر مرتبط بالتصورات العلمية الحديثة عن العالم. فإذا تقاربت، أو حتى اختلفت قليلا مع عدم التعارض، تصوراتنا عن العالم، مع التصورات العلمية عنه كانت النتيجة إزالة التعارض الكامن في العقل العربي. وهذا التصور يرتكز على مفهوم أساسي مستقر في الأدبيات العلمية والفلسفية هو مفهوم "صورة العالم" أو النظرة إلى العالم "Worldview".
ولتحقيق ذلك نحتاج إلى وضع صياغة لنظرة الثقافة الإسلامية للعالم على وجه العموم، و لأسس المعرفة فيها، على وجه الخصوص، بشكل يسمح بمقارنتها بالتصورات العلمية عن العالم. وعلى الجانب العلمي يحتاج الأمر إلى طرح الصورة العلمية المعاصرة للعالم بحيث يمكن مقارنتها بصورة العالم في الثقافة الإسلامية. ولأن صورة العالم التي يطرحها العلم الحديث قد تغيرت بشكل جذري في العقدين الأخيرين كنتيجة لظهور تصورات علمية جديدة عديدة بدأت مع ظهور نظرية ميكانيكا الكم ولم تتوقف حتى الآن . لذلك يصبح استعراض التطورات العلمية الجديدة المعاصرة وأثرها على التصور العلمي للعالم مهمة أساسية بالنسبة لموضوعنا. وذلك قبل الشروع في بيان العلاقة بين نظرة الثقافة الإسلامية ونظرة العلم الحديث للعالم .
ولسوف يظهر من سياق استعراضنا للتطورات المعاصرة في العلم وللتصورات العلمية الجديدة التي انتجتها أن هذه التطورات تخدم القضية التي نحن بصددها. ولسوف يتبين أيضا من هذه التطورات أنه كانت هناك أسبابا موضوعية للتعارض بين الثقافة الإسلامية والعلم الحديث ليست كلها تخص تصورات هذه الثقافة. وإنما هي في جزء ليس قليل منها تخص التصورات العلمية الحديثة التي أصبحت كلاسيكية الآن. بمعنى آخر، نتيجة للتصورات الجديدة المعاصرة للمعرفة العلمية، والنظرة إلى العالم التي تطرحها، أصبحت مهمة حل التعارض بين العقل العربي والإسلامي وبين العلم الحديث أقل صعوبة، وإن كانت لا تخلو من صعوبة على أية حال.
Page 2
2 - معايير معالجة الموضوع
النهضة هي مفهوم عملي في الأساس، لذلك فالشرط الأساسي لطرح تصور مقبول عن فكر النهضة هو أن يكون تصور واقعي. وذلك بمعنى أن يهدف هذا التصور إلى تحقيق هدف محدد يؤدي إلى تغيير في أرض الواقع. وأن يكون ممكنا قياس مدى نجاح هذا الفكر في تحقيق هذا الهدف من خلال رصد التحولات المجتمعية الناتجة عن هذا الفكر.
وبهذا المعنى يصبح من اللازم ألا يكون طرح موضوع العلاقة بين العلم الحديث والمعاصر وبين تحولات النهضة العربية، الذي هو موضوع هذا المؤلف، طرحا نظريا فقط، وإنما يجب أيضا أن يكون طرحا عمليا مرتبطا بتغيير الواقع. وحتى يتحقق هذا الشرط في معالجتنا هذه للموضوع يلزم أن يكون مفهومنا للعلاقة بين العلم والنهضة هادفا لتحقيق أهداف واقعية، وأن يرتكز على مفهوم قادر على الربط بين التصورات النظرية والواقع.
والقضية موضوع المؤلف هي العلاقة بين نظرة الثقافة العربية الإسلامية وبين النظرة العلمية المعاصرة للعالم. وهناك ثلاثة تصورات مختلفة للموضوع. أولا، محاولة تحقيق النهضة العلمية في المجتمع بدون محاولة إنشاء علاقة بين نظرة الثقافة العربية وبين النظرة العلمية. ثانيا، محاولة تحقيق تلك النهضة من خلال محاولة تحقيق اتفاق أو تطابق بين النظرة العلمية وبين نظرة الثقافة العربية.
وثالثا، محاولة تحقيق تلك النهضة ليس من خلال التطابق بين النظرتين، وإنما فقط من خلال تحقيق نوع من التوافق أو الاتساق بينهما. والتوافق أو الاتساق "Consistency"، وهو مفهوم موجود في فلسفة العلم المعاصرة، هو مفهوم واقعي أكثر منه نظري. وهو لا يعني التطابق أو التماثل، وإنما يعني فقط عدم وجود أي تناقضات أساسية بين تصور معين وباقي تصوراتنا ومعارفنا عن العالم.
والهدف الأول هو الهدف الذي فشل فكر النهضة العربية في تحقيقه في القرن الماضي لأنه كما هو واضح غير واقعي وغير قابل للتحقيق. والهدف الثاني واضح أيضا، لأسباب عديدة، أنه غير واقعي. أما الهدف الثالث فهو الهدف الوحيد الممكن والقابل للتحقيق، والذي نهدف إلى تحقيقه في هذا المؤلف.
والاتساق المطلوب يتحقق حينما يمكننا الرد على السؤال كيف يمكن أن يصبح العلم مكونا جوهريا في المجتمع العربي. لذلك من الضروري أن يرتكز هذا الاتساق على مفهوم قادر على الربط بين التصورات النظرية للاتساق وبين الممارسات العملية. بحيث يمكن الحكم بأنه إذا تحقق هذا المفهوم العملي تحقق الاتساق المطلوب.
والمفهوم القادرعلى تحقيق الربط المطلوب هو مفهوم القيم المجتمعية. فتحقيق التوافق بين النظرة العلمية إلى العالم ونظرة الثقافة العربية الإسلامية، على المستويين النظري والعملي، يستلزم أيضا أن يتحول العلم إلى قيمة مجتمعية أساسية.
ذلك أن المفهوم الأساسي الذي يعمل من خلاله المجتمع هو مفهوم القيمة. فالبشر إذا اجتمعوا في جماعة واحدة كان من الضروري حتى يتمكنوا من الحياة المشتركة أن يتفقوا على الأهمية الاستثنائية لبعض الأنشطة والمعاملات. فمن الضروري مثلا أن يتفقوا على أن يضمنوا الأمان لبعضهم البعض وأن يلتزم الجميع بذلك. أي أن يعطوا للأمن "قيمة" خاصة في حياتهم كمجتمع مشترك. فالضمان الحقيقي للأمن، إذن، هو أنه قد تحول إلى "قيمة مجتمعية أساسية" يلتزم بها الجميع على وجه العموم، ولا يشذ عنها إلا حالات استثنائية.
كذلك تمثل الأسرة والعلاقات الأسرية قيمة مجتمعية أساسية كامنة في كل فرد، ولا يشذ عن ذلك إلا أقلية محدودة. وكذلك يمثل الحفاظ على الأخلاق العامة قيمة أساسية في مجتمعنا، وكذلك قيمة التكافل الاجتماعي واحترام القانون..الخ من القيم المجتمعية.
لذلك إذا أردنا أن يصبح العلم جزءا أساسيا من حياتنا فلا يكفي أن نقرر بأهميته للمجتمع أو لإثبات الاتفاق بين العلم وبين ثقافتنا، ثم ننصرف إلى شئوننا. وإنما من الضروري أن نعمل على أن يصبح قيمة مجتمعية أساسية مثله مثل باقي القيم المجتمعية.
وتحول العلم إلى قيمة مجتمعية أساسية، هو كمثل أي فكر هادف، له متطلباته. بحيث يمكننا القول بأن تحقيق هذه المتطلبات يعني أن هذا العمل الفكري يسهم في تأسيس قيمة العلم. أي أنه هناك شروط يلزم تحققها في أي عمل فكري يهدف إلى ذلك. وهذه الشروط، التي سنوضحها فيما يلي من سطور، ترتبط مباشرة بالمشكلات التي أعاقت ولازالت تعيق تحول العلم إلى قيمة مجتمعية أساسية في مجتمعاتنا، وبالتالي تعيق جهود النهضة.
أولا، يحتاج تأسيس العلم كقيمة أساسية في المجتمع أن يكون مفهومنا عنه متسقا مع تصوراتنا عن العالم وأن لا يتناقض هذا المفهوم مع أي من اعتقاداتنا الأساسية. وهذا يطرح القضية الجوهرية عن العلاقة بين العلم والدين، وما يتفرع منها من قضايا فرعية. كمثل قضية الحرية والحتمية وحدود المعرفة الإنسانية..الخ.
ويمثل ذلك شرطا أساسيا لأننا إذا تجاهلنا معالجة هذه القضية من الممكن أن ينشأ نوع من التناقض المكبوت بين اعتقاداتنا الأساسية وبين العلم. فيتحول العلم إلى عملية إجرائية سطحية تجري بحكم الحاجة إلى العمل وتحقيق عائد مادي بدون أن يتحول إلى قيمة مجتمعية. فنكون في الظاهر مرحبين بالعلم وفي الباطن رافضين له.
ثانيا، يحتاج تأسيس العلم كقيمة أساسية إلى وضوح العلاقة بينه وبين المجتمع. هل العلم هو مجرد مناهج تدرس في المعاهد والجامعات وتجارب تجرى في المعامل. أم هو نشاطا مجتمعيا شاملا يشمل حياة الإنسان كلها بغض النظر عن كونه عالما متخصصا أم لا، وبغض النظر عن كون الموضوعات التي يتعامل معها الإنسان في حياته قضايا علمية بالمعنى الدقيق أم لا. وإذا كان التصور الأخير هو التصور الصحيح فكيف يكون مفهوم العلم في هذه الحالة. وكيف يكون المجتمع بصفة عامة، وليست المعاهد والجامعات فقط، مسئولا عن تغلغل العلم كأحد القيم الأساسية فيه.
وتتضمن قضية العلاقة بين المجتمع والعلم، بطبيعة الحال، العلاقة بين النظام السياسي والمجتمعي القائم وبين العلم، وأولويات هذا النظام ومدى دعمه لقضية العلم من عدمه. وتتضمن كذلك مسئولية المثقفين في مواقعهم المختلفة سواء الكتاب أو الإعلاميين أو الفنانين ممن لهم التأثير القوي على الجانب الثقافي والفكري في المجتمع.
ثالثا، من المهم التفرقة بين الحديث "عن" العلم والحديث "في" العلم. فالحديث "عن" العلم هو حديث عن العلم كموضوع من الخارج بدون معرفة حقيقية بالقضايا الجوهرية في العلم. سواء على مستوى موضوعات فلسفة العلم أو الموضوعات الأساسية في العلوم التخصصية المختلفة. أما الحديث "في" العلم فهو حديث عن القضايا ذاتها التي يواجهها الفلاسفة والعلماء عند معالجة المشكلات العلمية المختلفة.
ففي الحالة الأولى يشعر المستمع أو القارئ أنه إزاء نوع من الوعظ والتوجيه والإرشاد بدون أن يكتسب أي معلومات إضافية تساعده على تكوين تصوراته الخاصة. أما في الحالة الثانية فيستطيع القارئ أن يتعرف على المشكلات التي تقابل المفكرين والعلماء وأن يتمثلها بشكل أو بآخر. وهو ما يؤدي به إلى أن يصبح بشكل ما مشاركا في هذه المشكلات.
ويستلزم الحديث "في" العلم نوع من المعرفة بالمشكلات المشتركة بين التخصصات والعلوم المختلفة، ونوع من القدرة على الاطلاع على المعارف في العلوم المختلفة. وهذا الأسلوب في معالجة المشكلات العلمية يوصف في الأدبيات بأنه "عابر للمجالات العلمية" "Trance-disciplinary". فنجد مثلا في مشكلات العلم ارتباطا وثيقا بين نظرية ميكانيكا الكم، وهي نظرية فيزيائية وبين مفهوم "الوعي" وهو مفهوم مرتبط بالفلسفة وعلم النفس. أو بين مفهوم الكاوس (الفوضى المنظمة) وهو مفهوم رياضي في الأساس وبين طبيعة عمل خلايا المخ الإنساني والتي تنتمي إلى البيولوجيا..وهكذا.
ولذلك لا يستطيع المتخصص في الفيزياء فقط، مثلا، أن يحيط بالمشكلات العلمية عموما إلا إذا تحول إلى الاطلاع في المجال الأوسع المرتبط بالفلسفة وعلم النفس والعلوم التخصصية الأخرى. كما لا يستطيع المتخصص في الفلسفة فقط، مثلا، أن يحيط بمشكلات العلوم التخصصية الأخرى إلا إذا تحول إلى الاطلاع والمعرفة العلمية المباشرة.
رابعا، فإذا توافرت القدرة على المعرفة والاطلاع على المشكلات المرتبطة بما هو مشترك بين العلوم يصبح من الضروري توفر القدرة على عرض هذه المعارف بشكل مقروء لغير المتخصص. ذلك أن القدرة على تبسيط العلوم والمفاهيم الفلسفية المرتبطة بها هي قدرة مستقلة بذاتها. لأنها تستلزم القدرة على تحويل المفاهيم العلمية التي تطرح عادة في شكل صيغ رياضية أو مصطلحات تخصصية علمية أو فلسفية دقيقة إلى اللغة الأدبية العادية التي يستطيع أن يقرأها غير المتخصص. وإذا وجد غير المتخصص أنه يستطيع أن يحصل على المعرفة العلمية بشكل يسير ومفهوم كان ذلك دافعا قويا له للارتباط بالعلم.
ذلك أنه على الرغم من أن المعارف العلمية الأساسية يتم تحصيلها في مراحل الدراسة المختلفة إلا أن العلم يتقدم ويتغير باستمرار مما يخلق حاجزا بيننا وبين المعارف العلمية الأساسية. وذلك بالإضافة إلى أن التقسيم التخصصي في مراحل الدراسة يؤدي إلى الاهتمام بنوع معين من العلوم وتجاهل أنواع أخرى. مما يؤدي إلى الفصل بشكل أساسي بين المتخصصين في العلوم والمتخصصين في الآداب. فيفتقد العلميون الجانب الفكري والإنساني في العلم، ويفتقد دارسو الإنسانيات الجانب العلمي للفكر الإنساني. وهنا يأتي دور الثقافة العلمية التي تمكن الإنسان من الاستمرار في متابعة المعرفة العلمية والارتباط بها.
خامسا، يحتاج تأسيس العلم كقيمة في المجتمع إلى معالجة الارتباط بين الفرد في حياته العامة والخاصة وبين العلم. ففي مجتمعاتنا نجد أن العالم في المعمل يتبع المبادئ العلمية بشكل دقيق وعن معرفة كاملة بمنهج العلم في تخصصه الدقيق. ولكنه حينما يخرج من المعمل يتعامل مع الآخرين في الطريق، ومع جيرانه، ومع عائلته وأبناؤه، وربما مع زملاؤه في المعمل ذاته، بشكل غير علمي.
وحتى يتحقق ذلك من الضروري إثبات أن التعامل العلمي، بالمعنى المجتمعي العام، يستطيع أن يغير حياة الفرد إلى الأفضل. فتصبح المساهمة في العمل العام، والمشاركة في اتخاذ القرار السياسي والمجتمعي، وتربية الأبناء، والحفاظ على الصحة الشخصية، والحفاظ على البيئة المجاورة، وإدارة الموارد الشخصية..الخ كلها مبنية على أساس علمي بالمعنى العام. وهذا يمكن تحقيقه من خلال بيان العلاقة الوثيقة بين العلم والمجتمع.
وليس في ذلك مبالغة أو تعويما لموضوع العلم أو تسطيحا له ليصبح متساويا مع أي نشاط إنساني عام آخر. فالمجتمعات الغربية الناهضة التي نجحت في السيطرة على العالم لم تنجح في ذلك لمجرد نجاحها في تحقيق طفرة اقتصادية أو معاهد علمية. وإنما نجحت بسبب "الإيمان" بالعلم إن جاز التعبير. فبالنسبة لمجتمعات الحداثة الأوروبية ظهر مفهوم العلم باعتباره أسلوب حياة وباعتباره وسيلة الخلاص للإنسان في العالم وتحقيق سعادته. والمهم هو أن لا يتحول هدفنا لإنشاء العلاقة بين العلم والنشاط المجتمعي عموما إلى مجرد شعار، وإنما أن نحقق الشروط التي تكفل تحقيق هذا التحول إلى أرض الواقع.
وترتبط أيضا قضية علاقة الفرد في حياته الخاصة والعامة بالعلم بموقفه من النظام السياسي وقدرته على تغيير الواقع إلى الأفضل. فليس صحيحا أن النجاح في تحقيق العلم كقيمة أساسية في المجتمع مرهونا باهتمام النظام السياسي أو الحكومة بهذا الهدف أو بدعمها له، وإنما العكس هو الصحيح.
ذلك أنه إذا كان العلم قيمة أساسية في حياة الفرد فإنه سيؤدي إلى إدراكه لمسئوليته عن تغيير واقعه وزيادة قدرته على تغيير هذا الواقع. وهو ما سيمثل دافعا أساسيا له نحو الدفاع عن حقوقه الطبيعية وعن اتخاذ موقفا إيجابيا تجاه مجتمعه. والدليل على ذلك هو أن العلم كان قد انتشر كقيمة مجتمعية أساسية ووسيلة للخلاص في المجتمعات الأوروبية قبل تغير الأنظمة السياسية وظهور الثورة الفرنسية والديمقراطية الإنجليزية بأكثر من قرن من الزمان.
وإذا تحققت هذه الشروط، التي تتمثل في إنشاء علاقة العلم باعتقاداتنا وتصوراتنا الأساسية وبينه وبين المجتمع وبينه وبين الفرد وتوفر المعارف اللازمة وأسلوب نقلها إلى القارئ. إذا تحققت هذه الشروط في العمل الذي يتصدى لقضية تأسيس قيمة العلم في المجتمع كان من الممكن اعتباره عملا صحيحا له مضمون عملي حقيقي وليس مجرد تصورات نظرية تهدف لاستخدام العلم كشعار عام خال من المضمون.
Page 3
3 - اعتبارات منهجية
لذلك واتفاقا مع طبيعة الموضوع نوجه هذا المؤلف إلى عموم المثقفين ومتخصصي العلوم من ناحية وإلى متخصصي فلسفة العلم من ناحية أخرى. فالمؤلف سوف يغطي القضايا العلمية الأساسية من جوانبها المختلفة حتى يصل إلى الحالة الراهنة للفكر العلمي، ثم يتم تطبيق هذه التصورات على الثقافة العربية الإسلامية. ولكن الأسلوب الذي سنتبعه لن يكون ملتزما بأسلوب البحث العلمي الدقيق، كما في أبحاث فلسفة العلم. ولا أسلوب التعريف الدقيق بالموضوعات المطروحة والإحاطة الشاملة الدقيقة بها، كما في كتب الدراسة العلمية.
ولكن بدلا من ذلك سوف نركز على القضايا التي ترتبط بقضيتنا وهي تأسيس العلم كقيمة مجتمعية. ثم على عرض المفاهيم الأساسية المرتبطة بتلك القضايا باستخدام اللغة العربية البسيطة. واضعين في الاعتبار أن القارئ لن يحتاج سوى للثقافة العامة لفهم تلك التفاصيل. ولن يحتاج إلى أي معارف سابقة سواء في فلسفة العلم، والتي هي المجال الذي ينتمي إليه هذا المؤلف، أو في أي من العلوم التخصصية التي سنضطر إلى استعراض بعض مفاهيمها الأساسية.
ولكننا في نفس الوقت سوف نحتاج إلى أن نعرض للتفصيلات التخصصية لبعض القضايا الأساسية التي من المحتم أن نعالجها. وفي هذه الحالة سوف نحرص على أن يتم عرض التفصيلات التخصصية في هوامش كل فصل. وبذلك يكون القارئ المثقف ثقافة عامة، أو المتخصص في أحد العلوم التخصصية فقط، قادرا على قراءة المؤلف بشكل واضح بدون الرجوع للهوامش. أما بالنسبة للقارئ المتخصص فسوف يكون بإمكانه الرجوع إلى الهوامش لمتابعة التفصيلات التخصصية الدقيقة اللازمة. وكذلك يمكنه الرجوع إلى الإحالات والمراجع لمتابعة القضية المطروحة بشكل أكثر تفصيلية.
ولسوف يكون مهما على وجه الخصوص بالنسبة للقارئ المتخصص الأجزاء التي تطرح مشكلات فلسفة العلم المعاصرة والتغيرات المعاصرة في النظرة إلى العالم. كما ستقع التحليلات الخاصة بالعلاقة بين العلم والمجتمع وبينه وبين الفرد في مجال اهتمامه. لأنه من المعروف أن التوجهات العلمية المعاصرة تركز على الجوانب الاجتماعية للعلم وعلى ما يسمى بعلم اجتماع المعرفة وعلى أثر التوجهات الفكرية للعالم على نتاجه العلمي. فيمكن إذا للقارئ المتخصص أن يتابع السلسلة ابتداء من الفصول الخاصة بمشكلات فلسفة العلم والتصورات الجديدة بخصوص المعرفة العلمية.
وبالنسبة لطالب الفلسفة سوف يمثل الشرح المبسط للقضايا الأساسية في العلم نوع من المجال الأوسع للفهم يضاف إلى الكتب الدراسية التي تركز على الموضوع بشكل دقيق. أما بالنسبة للباحث لنيل درجة علمية فسوف يمثل هذا المؤلف بالنسبة له نوع من الطرح الأوسع للقضايا العلمية المرتبطة بالواقع. فيتيح مجالا أكبر لاختيار نقاط للبحث مرتبطة بواقعنا وتصوراتنا الحضارية. كما ستتيح له الهوامش والمراجع التي سنحرص على إضافتها مجالا أوسع للتعرف على الأعمال الأساسية والهامة في فلسفة العلم المعاصرة.
والسبب في توجهنا إلى هذه المستويات الثلاث من القراء هو طبيعة الموضوع نفسه، الذي يطرح العلم باعتباره نشاطا إنسانيا مجتمعيا عاما. وهو الطرح المبني على النظرة المجتمعية الكلية للعلم التي لا تجعل العلم منعزلا عن المجتمع في إطار من الأكاديمية. وتجعل العلماء بمثابة كهنة المعبد والعالمين بالحقيقة المطلقة.

4 - تقسيم الموضوع
وتطبيقا للشروط السابق بيانها نقسم معالجتنا لقضية تأسيس العلم كقيمة في المجتمع إلى بابين وأربعة أقسام بحيث يتضمن كل باب قسمين منها. فيتضمن الباب الأول القضايا النظرية، فيشتمل في القسم الأول على التعريف بالعلم كتصور نظري، وفي القسم الثاني على التعريف بطبيعة العلاقة بين العلم والمجتمع. ويتضمن الباب الثاني القضايا التطبيقية، فيشتمل في القسم الثالث على العلاقة بين العلم واعتقاداتنا الدينية، وفي القسم الرابع على العلاقة بين العلم والمفهوم الصحيح للمواطنة.
فنخصص القسم الأول لاستعراض مفهوم العلم وطبيعته ومشكلاته. فنقوم بالتعريف بالمفاهيم الأساسية والمستقرة حاليا للعلم الحديث. ثم نعرض بشكل موجز للكيفية التي نشأ وتطور بها العلم الحديث. ابتداء من جذوره في العلم العربي، حتى القرن العشرين الميلادي. ثم نعرض للمشكلات التي قابلت تلك المفاهيم والمحاولات التي يقوم بها المفكرون والفلاسفة للتغلب عليها. وننتهي على صورة العلم في أوائل القرن الحادي والعشرين.
وفي القسم الثاني نعالج علاقة المجتمع ككل بمفهومنا عن العلم. ولسوف نبين في هذا القسم أن العلم هو مفهوم مرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة المجتمع ومرحلته الحضارية. ونبين أن العلم في الحضارة العربية الإسلامية القديمة قد ارتبط بمفهومها عن وظيفة الإنسان في العالم، والتي هي إعمار الأرض. وأنه في الحضارة الغربية الحديثة قد ارتبط بتصورها عن وظيفة الإنسان في العالم، وهي إخضاع الطبيعة واستغلالها لمصلحته. وأن التصورات الجديدة عن العلم تربط بين النظرة الإنسانية إلى العالم وبين طبيعة العلم.
أما القسم الثالث فنخصصه لبحث العلاقة بين مفهومنا عن العلم الحديث وبين معتقداتنا الدينية وتصوراتنا الأساسية عن العالم. ولسوف نبين في هذا القسم أن مشكلات التوافق بين التصورات الحديثة عن العلم وبين تصوراتنا عن العالم، والنابعة من حضارتنا العربية الإسلامية كانت ناتجة بشكل أساسي عن المفهوم الحتمي الكلاسيكي للعلم. وأن التصورات الجديدة للعلم التي تتشكل الآن، والتي استعرضناها في نهاية القسم الأول، لا تتناقض بشكل أساسي مع نظرتنا إلى العالم وإنما إذا طرحت بشكل صحيح سوف يمكن أن تتسق معها. وطرحنا في هذا القسم المنهج الصحيح لمعالجة القضايا المشتركة بين الدين الإسلامي والعلم، وعالجنا بعض المشكلات المطروحة في المجتمعات العربية والإسلامية كتطبيق لهذا المنهج.
وفي القسم الرابع والأخير قدمنا معالجتنا لقضية العلاقة بين الفرد العربي والعلم متمثلة في طرح مفهوم "المواطن العلمي". والمواطن العلمي هنا ليس المواطن الذي يستطيع أن يمارس العلوم التخصصية، وإنما المواطن الذي يتعامل مع المجتمع بحسب المنهج العلمي بالمعنى العام. ذلك أنه إذا اتسقت اعتقادات وتصورات الفرد عن العالم مع مفهومه عن العلم أمكن أن يتحول العلم إلى مكون أساسي في طبيعة الفرد.
وفي ظل هذا الاتساق سوف يكون ممكنا أن نبين أن حياة الفرد العربي الاجتماعية والنفسية والتي تسيطر عليها في النسبة الاغلب المبادئ الدينية والتقاليد الاجتماعية يمكن أن تتفق مع المفهوم الصحيح عن العلم. فإذا أصبح العلم مكونا أساسيا غير متناقضا مع مبادئ الفرد واعتقاداته الأساسية كان ممكنا أن يقوم بدوره في المجتمع بالشكل الصحيح. وأن يتحمل مسئولياته المجتمعية والسياسية لتحقيق نهضة المجتمع، متخليا عن السلبية التي تسيطر على مجتمعاتنا حاليا. وبهذا يكون المؤلف قد بدأ بالقضايا النظرية مقدما التصورات المعاصرة للمعرفة العلمية ومنتهيا بالمشكلات العملية مقدما تصورا تطبيقيا لتحقيق التصورات النظرية في أرض الواقع.
وبهذا التقسيم يعبر هذا المؤلف عن تصورات إنسانية عامة، وليست عربية أو إسلامية فقط. فإنشاء العلاقة بين الخلفيات الثقافية والمجتمعية، على العموم، والعلم يؤدي إلى إنهاء سيطرة ثقافة واحدة على الفكر العلمي، هي فكر الحداثة. وإلى استبدال ذلك بالفكر العلمي الذي تشارك في تصوراته كافة الثقافات والنظرات المختلفة للعالم. لذلك فالفكر المطروح في هذا المؤلف هو فكر إنساني عام في المقام الأول، وفكر خاص بالثقافة العربية الإسلامية على وجه العموم، وبالمجتمعات العربية على وجه الخصوص.
التصورات الجديدة للمعرفة العلمية
موضوع هذا المؤلف هو إنشاء العلاقة، النظرية والعملية، بين العلم وبين فكر النهضة العربية. وإنشاء هذه العلاقة يعني إنشاء العلاقة بين النظرة العلمية إلى العالم وبين نظرة الثقافة العربية الإسلامية لنفس العالم. وبذلك تصبح الخطوة الأولى في معالجة هذه القضية هي طرح النظرة العلمية المعاصرة للعالم.
وبصفة عامة يمكن القول بأن معالجتنا الحالية لهذا الموضوع تختلف عن المعالجة الأولى لفكر النهضة العربية في بديات القرن العشرين لنفس الموضوع في سمتين أساسيتين. الأولى هي أننا نأخذ في الاعتبار بشكل أساسي الفرق بين نظرة الثقافة العربية الإسلامية وبين النظرة العلمية إلى العالم. في حين أن المعالجة الأولى لفكر النهضة لم تضع مثل هذا الفارق في الاعتبار. وكان ذلك طبيعيا لأن العلم في بدايات القرن العشرين لم يكن يفهم سوى باعتباره مفهوما موضوعيا بشكل تام لا يختلف من ثقافة لأخرى أو من مجتمع لآخر، وهو المفهوم المعروف لفكر الحداثة.
والثانية هي أننا نربط بشكل أساسي بين العلم كتصور نظري وبين العلم كممارسة مجتمعية عامة، وليس فقط كممارسة للمتخصصين في العلم، اي العلماء. في حين أن المعالجة الأولى تعاملت مع العلم باعتباره نشاطا تخصصيا لفئة معينة من المجتمع، وأن المطلوب من المجتمع هو أن يحقق الشروط التي تؤدي إلى إنتاج العلم بواسطة مؤسسات خاصة بهذا النشاط.
وكل من هاتين السمتين يعبر عن التحول في طبيعة المعرفة العلمية منذ بداية القرن العشرين حتى الآن. ويمكن القول بأن هذا التحول الأساسي في طبيعة المعرفة العلمية قد بدأ مع الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي. فظهرت بشكل تدريجي التصورات العلمية التي تتعارض مع فكرة الموضوعية الكاملة للمعرفة العلمية . فبدأت بالاعتراف بتأثير الانحيازات الذاتية للعالم القائم بالبحث العلمي ثم بعدم إمكانية معرفة الطبيعة في حقيقتها بشكل كامل ثم إلى الاعتراف بأن النظرة إلى العالم تؤثر على المعرفة العلمية.
وعلى التوازي مع هذه التحولات ظهرت أيضا بشكل تدريجي التصورات التي تربط بين المجتمع والمعرفة العلمية. فبدأت بالاعتراف بتاثير الاختلافات الثقافية على المعرفة على وجه العموم، ثم بالاعتراف بأن الاختلافات الثقافية والمجتمعية تؤثر على توجهات البحث العلمي من مجتمع لآخر، ثم بالاعتراف بأن هذه الاختلافات تؤثر حتى على الأبحاث العلمية ذاتها وعلى نتائجها.
وهناك مستويان لعرض التصورات المعاصرة للعلم، والتي تنتج في مجموعها النظرة العلمية المعاصرة للعالم. الأول هو مستوى التصورات العلمية النظرية التي تتناول مشكلات الفكر العلمي المجرد. مثل مفهوم السببية والقانون العلمي والتفسير العلمي للوجود الطبيعي والإنساني..الخ، وهي المشكلات التي تصنف علميا في مجال فلسفة العلم. والمستوى الثاني هو مستوى العلاقة بين التصورات العلمية المختلفة، من ناحية، والمجتمع وخلفياته الثقافية والحضارية، من ناحية أخرى. وهذه تصنف علميا في مجال علم اجتماع المعرفة.
ومن الضروري بيان أن الوضع الحالي بالنسبة للنظرة العلمية سواء على مستواها النظري المجرد أو على المستوى المرتبط بالمجتمع ليس على اتفاق. وأنها حاليا تعد منقسمة انقساما أساسيا بين اتجاهين متضادين.
الاتجاهات التي لا تزال تؤمن بعلم الحداثة وتعترف بالمشكلات العديدة التي تقابله حاليا كنتيجة لتطورات واقعية عديدة. وتعترف بأن العلم الحديث لم يستطع أن يتغلب على تلك المشكلات ولكنها تعتقد في أنه سوف يستطيع أن يتغلب عليها في المستقبل من خلال تجديد أفكاره بما يتلاءم معها. وهذه الاتجاهات تنقسم هي الأخرى إلى اتجاهات جزئية عديدة تختلف بحسب الأسلوب الذي تراه ملائما لتجديد العلم الحديث بما يتلاءم مع متغيرات الواقع.
والاتجاهات التي ترى أنه من اللازم الاعتماد على تصورات علمية جديدة بشكل كامل استجابة للمتغيرات الواقعية التي فرضتها المعارف الجديدة عن الطبيعة والعالم. وهذه الاتجاهات هي الأخرى تنقسم إلى اتجاهات جزئية عديدة لا يجمعها تصور واحد حتى الآن وإن كان من الممكن رصد ملامح عامة لها.
أي أن الصورة الآن ليست صورة بسيطة كما كان الحال في الماضي في عصر استقرار العلم الحديث حتى أوائل القرن العشرين. لذلك يصبح من الضروري استعراض هذه الصورة بشكل يتيح متابعة التدرج في التحول من العلم الحديث إلى العلم المعاصر، وفي نفس الوقت يتيح معرفة الحالة الراهنة للمعرفة العلمية بتوجهاتها المختلفة. ولأن القضية هي قضية خلافية في المقام الأول فسيكون استعراضنا لهذه التطورات معتمدا اعتمادا تاما على استعراض الأعمال الحديثة والمعاصرة التي تعبر عن هذه التحولات.
Page 4
الباب الأول

التصورات العلمية الجديدة

القسم الأول: العلم ونظرتنا إلى العالم

« من العلم الحديث إلى التصورات العلمية الجديدة »

تمهيد :

هناك إذن مستويان تجلت من خلالهما التصورات العلمية الجديدة. المستوى النظري، الخاص بالتصورات الفلسفية، والمستوى العملي الخاص بالتصورات الاجتماعية. ولذلك الأمر الطبيعي هو أن نستهل المؤلف بمعالجة التصورات الجديدة على المستوى الأول، النظري. فنقوم باستعراض التحولات التي مرت بها التصورات النظرية للعلم خلال القرن العشرين. وستكون الإشكالية التي نعرض من خلالها هذه التحولات هي إثبات أن النظرة العلمية للعالم ليست نظرة واحدة وإنما هي مرتبطة بالمراحل الفكرية والحضارية التي تمر بها البشرية. وأنه يمكن أن توجد أكثر من نظرة علمية للطبيعة في نفس الوقت.
والقضية الجوهرية هنا هي أن الفكرة السائدة في الفكر العلمي المعاصر هي أن العلم هو نشاط موضوعي بشكل تام لا يختلف من فرد لآخر أو من مجتمع لآخر أو من ثقافة لأخرى. وهذا يستتبع، بشكل ضمني، أنه ليس هناك سوى نظرة علمية واحدة للعالم، نظرة موضوعية، يمكن الكشف عنها تدريجيا بواسطة تقدم العلم، هي النظرة الميكانيكية.
هذه النظرة العلمية الموضوعية الميكانيكية للعالم تنطلق، ضمنا أيضا، من مفهوم الحقيقة المطلقة، أي أنه هناك حقيقة واحدة مطلقة للعالم يمكن معرفتها. ومفهوم الحقيقة المطلقة، في أي مجال فكري، يؤدي بشكل مباشر إلى الصراع. فإذا كانت الحقيقة المطلقة يمكن معرفتها، فسوف يكون من حق كل اتجاه أن يعرض الحقيقة من وجهة نظره باعتبارها هي الحقيقة المطلقة. وبذلك سوف لا يكون ممكنا حسم الاختلاف سوف من خلال القوة.
ولأن النظرة العلمية الموضوعية مثلت أحد صور مفهوم الحقيقة المطلقة، فقد عبرت عن ثقافة واحدة معينة وفكر فلسفي معين هو فكر الحداثة الغربية. وعبرت هذه النظرة عن سيطرة الفكر الغربي الحديث على العالم، كما عبرت في نفس الوقت عن ثقافة القوة بصور مختلفة. ولذلك يكون العكس صحيح أيضا، فتعبر النظرة النقيض للنظرة العلمية الموضوعية المعبرة عن الحقيقة المطلقة عن نوع من التحلل أو التحرر من سيطرة الفكر الغربي الحديث على العالم، وفي نفس الوقت نوع من التحول إلى عالم يعترف بالتعددية الثقافية.
ولأن مفهوم العلم، الحديث، الموضوعي، والمعتمد على النظرة الميكانيكية هو مفهوم غير واقعي وغير حقيقي، ظهرت تصورات جديدة في المعرفة العلمية تتعارض معه. ومهمتنا في هذا القسم من المؤلف إبراز هذه التحولات والكشف عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن يتحول العالم إلى نظرة جديدة. نظرة تدعم التعددية الثقافية وتنشأ عن مشاركة الثقافات المتعددة في تشكيل العالم وعن نظراتها المتعددة إليه.
Page 5
1 - تقسيم الموضوع

ولأن مهمتنا هي إبراز عملية التحول الجارية حاليا في الفكر العلمي، فسنستعرض في الفصول التالية خطوات هذه العملية بدءا من الصورة التقليدية للعلم الحديث مرورا بظهور الصعوبات المتعددة أمام هذه الصورة التقليدية وانتهاء بالتصورات الجديدة المختلفة.
فنقدم في الفصل الأول السمات العامة للتصور التقليدي للعلم الحديث سواء على مستوى مفهوم العلم الحديث أو على مستوى تعريف المنهج العلمي في صورته التقليدية. بحيث نعرض لهذا التصور التقليدي في أكثر صوره عمومية، إذ أن واقع الأمر هو أن مفهوم العلم لم يكن أبدا في أي وقت من الأوقات محل اتفاق عام.
وفي الفصل الثاني نقدم صورة عامة للكيفية التي ظهر بها العلم الحديث بشكل متدرج خلال عصر النهضة الأوروبية مرتكزا على جذوره في العلم العربي. ونبين أن العلم الحديث ليس منفصلا بشكل تام عن التصورات العلمية السابقة عليه. وأن الواقع هو أن العلم يتطور بشكل يبدو كأنه تغيرا جذريا، ولكنه في الواقع لا يتغير من مرحلة لأخرى بشكل تام. فالعلم العربي لم يكن متناقضا بشكل تام مع العلم اليوناني القديم. كما أن العلم الغربي الحديث لم يكن متناقضا بشكل تام مع العلم العربي القديم.
وفي الفصل الثالث نستعرض التصورات العلمية التي تبين الارتباط بين العلم ونظرتنا إلى العالم، ونبين أن العلم الحديث هو علم معتمد على نظرة فكر الحداثة. وذلك تأكيدا للارتباط بين العلم والنظرة إلى العالم وتمهيدا لاستعراض التحولات التي مر بها العلم في القرن العشرين. ثم في الفصل الرابع نستعرض المشكلات التي واجهت العلم الحديث ابتداء من ظهور نظرية ميكانيكا الكم في الثلث الأول من القرن العشرين، ثم ما تلا ذلك من مشكلات علمية، وانقسام ردود الأفعال حول هذه المشكلات.
أما في الفصل الخامس فنستعرض التصورات الجديدة للمعرفة العلمية التي نشأت كرد فعل على المشكلات التي قابلت العلم الحديث ولم يتم التغلب عليها حتى الآن. ثم نستعرض في الفصل السادس ما ترتب على مفهومنا للمعرفة العلمية من تغيرات بالمقارنة بصورة العلم الحديث كما عرضناها في الفصل الأول، كنتيجة للتصورات العلمية الجديدة.
وفي الفصل السابع، والأخير، نستعرض بعض المشاريع العلمية البديلة لعلم الحداثة والتي طرحت كاستجابة للمشكلات التي واجهت هذا العلم. ولأن هذه المشاريع البديلة مطروحة في صورة تطبيقات علمية فإن هذه المشاريع تبين علميا أنه يمكن أن يطرح أكثر من تصور عن طبيعة العلم ونظرته إلى العالم في نفس الوقت.

2 - اعتبارات منهجية

يمثل هذا القسم من المؤلف القسم الأكثر اعتمادا على التصورات النظرية، وتنتمي الموضوعات المطروحة فيه، بشكل دقيق، إلى مجال فلسفة العلم. فسواء كان الموضوع هو مفهوم العلم بالمعنى الكلاسيكي أو المشكلات التي قابلت هذا المفهوم أو التصورات الجديدة التي طرحت، فالقضايا المطروحة هي قضايا تخصصية دقيقة. وكافة هذه القضايا ترتكز على تراث من المناقشات الفلسفية العميقة التي استغرقت القرن العشرين كله.
لذلك من الضروري بيان أن المعرفة الدقيقة بالنسبة لتلك المشكلات الفلسفية ليس مهما بالنسبة للقارئ من عموم المثقفين. فالهدف من المؤلف كله، ومن هذا القسم خصوصا، ليس استعراض التصورات الأكاديمية المطروحة بخصوص العلم وإنما استعراض المفاهيم التي توصل إليها الفكر الإنساني. وذلك بهدف الارتكاز عليها في معالجتنا للعلاقة بين العلم والمجتمعات العربية والإسلامية.
على هذا الأساس حرصنا على أن يكون تركيزنا عند استعراضنا للتصورات العلمية المختلفة على المفاهيم التي تطرحها هذه التصورات وليس على المناقشات التي أدت إليها، أو إلى طبيعة الاختلافات الفلسفية حولها. ثم على الاتساق المنطقي بين المفاهيم المطروحة بحيث تشكل في مجموعها تصورا متكاملا واضحا. فإذا كانت بعض القضايا ليست واضحة بالنسبة للقارئ غير المتخصص، فليس ذلك مهما بالنسبة للقضية المطروحة في المؤلف، وإنما المهم هو استقرار المفهوم الذي يكمن وراء القضية في ذهن القارئ. وهذا المفهوم سنحرص طوال المؤلف، أن يكون واضحا ومباشرا وخاليا من المصطلحات العلمية.
فعلى سبيل المثال عندما نقول بأن نظرية ميكانيكا الكم قد نتج عنها ظاهرة غير معروف سببها حتى الآن وتتعارض مع النموذج الميكانيكي للطبيعة، هي ظاهرة التشابك. ليس مهما بالنسبة للقارئ أن يعرف بدقة ما هي نظرية ميكانيكا الكم، ولا تفصيلات ظاهرة التشابك. وإنما المهم بالنسبة له هو أن يكون مفهوم "التشابك" واضحا وأن يتم تعريفه بشكل غير معتمد على المصطلحات العلمية، وهذا ما قمنا به في ثنايا البحث.
أما إذا كان القارئ يريد أن يفهم بشكل أكثر عمقا الموضوع المطروح، أو أن يتثبت من حقيقة الظاهرة التي ذكرناها، فيمكنه في هذه الحالة الرجوع إلى الإحالات المرجعية المشار إليها. ونظرا للطبيعة التخصصية للموضوع ولدقة الموضوعات المطروحة فقد حرصنا، رغم كثرتها، على أن نقرن كل فكرة أو مفهوم تخصصي بالإحالة المرجعية التي تتيح للقارئ الاستزادة من الموضوع، أو التثبت منه، إذا رأى ذلك.
Page 6
الفصل الأول : مفهوم العلم الحديث

ليس المقصود بمفهوم "العلم" الذي نعالجه في هذا المؤلف العلم بمعناه في اللغة كمعنى عام. وإنما المقصود هو نوع معين من العلم، هو العلم الحديث، الذي يتحدد بحدود معينة في موضوعه وحدود معينة في منهجه.
فالعلم الحديث يتسم بأن موضوعه هو الموضوعات الملموسة. سواء كانت الموجودات الطبيعية كمثل الجماد والمادة الحية والحيوان. أو الموضوعات المرتبطة بالوجود الإنساني، كمثل النفس الإنسانية واللغة والتاريخ..الخ. كما أن منهجه هو المنهج التجريبي الذي يعتمد على الاستقراء. والاستقراء، كلفظ، مشتق من "القراءة"، وهو يعني قراءة الطبيعة واستنباط ما تدل عليه ظواهر الطبيعة من حقائق.
والعلم بمعناه الحديث، اي العلم التجريبي، هو أحد الأساليب الثلاث الاساسية التي يتعامل بها الإنسان من العالم. فإلى جانب التعامل التجريبي مع الواقع، يتعامل الإنسان مع العالم من خلال تصوراته العقلية عنه. كما يتعامل مع العالم من خلال الاعتقاد المباشر بموضوعات الوجود المختلفة وطرح تصورات عن العالم مبنية على هذه الاعتقادات.
والعلم هو موضوع على درجة عالية من التعقيد ويتكون من موضوعات جزئية عديدة وله مستويات متعددة. فالعلم على مستوى الواقع الطبيعي، مثل الأحجار والأشجار، يختلف عن العلم على مستوى الكيانات دون الذرية، مثل الإلكترون والفوتون.
في الحالة الأولى تكون نتائج العلم حقائق ملموسة بشكل مباشر. أما في الحالة الثانية فنتعرف على نتائج العلم من خلال أجهزة ومؤشرات. فالطائرة التي ينتجها العلم تطير فعلا أمام أعيننا. اما إنتاج نظير معين من النظائر النادرة لليورانيوم مثلا، فلا يدل عليه سوى المؤشر الذي يشير إلى تفكك أو تركب ذرة ما وانطلاق إشعاع ما. وهو دليل ليس ملموسا ولا مباشرا، ونحتاج للثقة في آراء العلماء المتخصصين حتى نترجمه إلى واقع. ولذلك فهناك فرق كبير بين العلم على المستوى الطبيعي وبين العلم على المستوى دون الذري.
والعلم هو مؤسسة تتغير وتتطور باستمرار، فبعض النظريات العلمية تمثل حقائق في مرحلة ما من مراحل العلم. ولكنها هي ذاتها في مرحلة أخرى تصبح مجرد نظريات قديمة ليست لها قيمة علمية على الإطلاق. ومع ذلك فهناك ما يمكن أن نسميه بالحقائق المطلقة في العلم. فوجود المجموعة الشمسية، والتفرقة بين الكواكب والنجوم في الكون، هو من الاكتشافات المطلقة التي لا يمكن أن تتغير بتغير العلم. لذلك هناك نوع من الحقائق العلمية التي لا تتغير، وهناك نوع آخر من الحقائق العلمية التي يمكن أن تتغير مع تقدم العلم.
والعلم هو نشاط إنساني عام، فكل نظرية علمية جديدة تكون معتمدة على جماع المعرفة العلمية للبشرية ككل منذ نشأ البشر على الأرض. وكل موضوع علمي يساهم فيه أي فرد هو تلقائيا شريك لأي عالم آخر على وجه الأرض يبحث في نفس الموضوع، حتى ولو لم يتلاقيا أبدا.
ولذلك هناك فرقا بين معنى ونشاط العلم على المستوى الفردي أو الشخصي وبين معناه على مستوى الجماعة العلمية أو البشرية جمعاء. في الحالة الأولى يكون العلم ممثلا في الخطوات المنهجية التي يقوم بها الفرد المحدد. أما في الحالة الثانية يكون العلم ممثلا في أسلوب عمل الجماعة العلمية والمنظمات العلمية المختلفة التي تنشئها.
كما أنه هناك فرقا بين العلم بمعنى المعرفة العلمية القائمة، بتخصصاتها المختلفة، وبين العلم بمعنى "البحث العلمي". في الحالة الأولى يكون العلم هو جماع المعارف القائمة، أو صورة العالم في فترة معينة من تاريخ الإنسان. أما في الحالة الثانية فيكون العلم هو الأسلوب الذي يقوم به الباحث العلمي في التخصصات المختلفة.
فبالمعنى الأول هناك العلم العربي والعلم الحديث والعلم المعاصر بعد ظهور نظرية ميكانيكا الكم. وبالمعنى الثاني يكون هناك المنهج العلمي العربي والمنهج العلمي الحديث والتصورات المتعددة المعاصرة للمنهج العلمي. في الحالة الأولى العالم هو الدارس لتخصصه العلمي، وفي الحالة الثانية العالم هو الباحث العلمي القادر على خدمة البشرية من خلال تحقيق المزيد من الاكتشافات العلمية(1).
وعلى الرغم من هذه الدرجة من التعقد في مفهوم العلم، الذي هو أحد المفاهيم الأكثر عمومية للإنسانية، إلا أنه توجد سمات عامة مشتركة وثابتة للمعرفة العلمية.
Page 7
1 - السمات الأساسية للمعرفة العلمية

المبدأ الأساسي في العلم بمعناه الحديث هو التحليل(2)، أي تحليل العلوم الأكثر عمومية إلى العلوم الأكثر تخصصية. فالطبيعة كموضوع عام للعلم تنقسم إلى علوم جزئية مثل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. وكل علم جزئي له موضوعه المحدد والمنهج التجريبي المناسب له. وهذه العلوم الجزئية تنقسم بدورها إلى علوم أكثر تخصصية لها موضوعاتها الأكثر تحديدا ومناهجها الأكثر ملاءمة. وبالمثل فالعلوم المرتبطة بالإنسان، وتسمى بالعلوم الإنسانية تنقسم إلى علوم جزئية مثل علوم النفس واللغة والتاريخ والجغرافيا. وكل علم أيضا له موضوعه المحدد والمنهج العلمي المناسب له.
وعلى الرغم من أن هناك اختلافا أساسيا بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية يتمثل في طبيعة الموضوع محل البحث. والذي هو الموجودات المادية في الحالة الأولي والوجود الإنساني في الحالة الثانية. على الرغم من ذلك يمكن القول على وجه العموم أنه توجد أربعة سمات أساسية تميز المعرفة العلمية. وهي على التوالي التجريبية، والسببية، والتعميم من وقائع الخبرة، وشمولية وعمومية القوانين العلمية(3).
( أ ) التجريبية
والتجريبية على العموم تعني التعامل المادي المباشر مع الواقع واكتشاف حقائقه. وهي عكس التصورية التي تعني الاعتماد على العقل فقط لمعرفة حقائق الواقع. فالإنسان بواسطة التجريب استطاع أن يعرف المواعيد والأجواء المناسبة لزراعة المحاصيل المختلفة، فدخل عصر الزراعة. وفي نفس الوقت لم يستطع، اعتمادا على التصورات العقلية وحدها، أن ينتج معرفة صحيحة بخصوص طبيعة النجوم في السماء أو كيفية عمل الخلايا الحية، فظلت تصوراته عنها خرافية.
والتجريبية درجات، اقلها الملاحظة المباشرة للظواهر، كمثل ملاحظة حركات النجوم واستنتاج مواقعها وأعمارها. وفي درجة أعلى من التجريبية يقوم العالم باختلاق الظروف المناسبة التي تمكنه من ملاحظة ظاهرة معينة محل البحث. وذلك كأن يقوم عالم البيولوجيا بإضافة وسط كيميائي معين وملاحظة تأثير ذلك على الخلايا الحية في نسيج معين.
ولكن أعلى درجات التجريبية هي تصميم التجربة العلمية. ففي أحيان كثيرة، بل في أغلب الأحيان، مع تقدم العلم، يكون من غير الممكن ملاحظة الظاهرة الطبيعية محل البحث في سياقها الطبيعي. وفي هذه الحالة يقوم العلماء بتصميم تجربة علمية تتيح كافة الظروف اللازمة لإنتاج الظاهرة المطلوبة. وذلك كأن يقوم عالم الفيزياء بوضع بعض المواد الفيزيائية في درجات حرارة عالية جدا وضغط شديد لاختبار هذه المواد في ظروف مشابهة لبعض الظروف الطبيعية.
والتجربة العلمية، خصوصا بعد تقدم العلم، تمثل امتدادا لحواس الإنسان. فبدلا من النظر المباشر اخترعت الميكروسكوبات والتلسكوبات. وبدلا من السمع أو اللمس أو الشم تم اختراع الأجهزة الإلكترونية المختلفة. وهذه الأجهزة تعطي نتائجها في صورة قياسات رقمية وجداول بيانية. أي أنه بدلا من الإدراك الكيفي التقريبي الذي تتميز به الحواس الإنسانية تحقق التجربة إمكانية القياس الكمي للظاهرة محل البحث. وتأسيسا على القياس الكمي أصبحت الرياضيات أساسية في إجراء التجارب العلمية وفي البحث العلمي على العموم(4).
وتصميم التجربة العلمية يتضمن في طياته عملية النمذجة (Modeling). فحتى تحقق التجربة ما هو منتظر منها من نتائج يحتاج من يصمم التجربة إلى عمل نماذج مشابهة للظروف الواقعية في الطبيعة. كما يضطر إلى التركيز على جوانب معينة من هذا الواقع وتجاهل جوانب أخرى. فتتحول التجربة إلى نموذج تقريبي للواقع ولكن لا يكون مطابقا له مطابقة تامة.
ولأن التجريبية هي مبدأ قبل أن تكون إجراء معين ظهر في العلم ما يسمى بالتجربة الذهنية "Thought Experiment". حيث يطرح العالم تصورا لتجربة حقيقية ثم يقوم، منطقيا، بإثبات أنه إذا أجريت التجربة في الواقع فإنها سوف تثبت أو تنفي حقيقة معينة. وهذا النوع من التجارب يتمبشكل أساسي في الأحوال التي يكون من غير الممكن إجراء التجربة في الواقع، أو أنه لا حاجة فكرية لإجراءها نتيجة أنه يمكن توقع نتيجتها منطقيا(5).
(ب) السببية
السببية "Causality" في أدنى تعريف لها هي أنه لكل شيء سببا. والسببية هي مبدأ عام مشتق بشكل تلقائي مباشر من تعاملنا مع الواقع. فنحن نتوقع دائما وجود سبب معين وراء وقوع أي حدث طبيعي، لذلك هي مبدأ غير قابل للإثبات. ولذلك ايضا ظهرت تصورات تنكر مبدأ السببيةوترى أننا ننشئ فكرة السببية نتيجة فقط لملاحظتنا للارتباط بين الأحداث في الماضي، ولكن لا شيء في الواقع يفرض هذا الارتباط مستقبلا(6).
ولكن على الرغم من الاختلاف حول مبدأ السببية، إلا أنها في الواقع المبدأ الجوهري في المعرفة العلمية. فالتغير في الطبيعة يظهر في شكل حركة للأجسام "تتسبب" في الأحداث المختلفة. فحركة الجسيمات داخل الشمس تتسبب في تفاعلات نووية تؤدي إلى إطلاق حرارتها. وحركة جزيئات المادة الكيماوية في درجة حرارة معينة "تتسبب" في تفاعلها مع مادة أخرى. وحركة الخلايا في مخ الإنسان " تتسبب " في أدائه لوظيفته، وهي التفكير .. وهكذا .
ولذلك كان الهدف الأساسي في التجربة العلمية هو محاولة التوصل إلى السبب الأساسي في وجود الظاهرة. ولذا يتم تصميم التجربة بحيث تستبعد بقدر الإمكان كافة المؤثرات التي لا يتوقع أن تكون سببا في حدوث الظاهرة. وبحيث يتم التركيز على الحدث الذي يتوقع العالم، نتيجة لملاحظة الظواهر، أن يكون سببا لها.
ومعرفة أسباب الظاهرة يمكن أن تأخذ الصورة الكمية، وفي هذه الحالة يكون السبب مطروحا في صورة علاقات رياضية. كمثل قانون التربيع العكسي للجاذبية، أو قانون التناسب بين الضغط والحرارة في الغازات. ويمكن أن تكون معرفة الأسباب كيفية، وفي هذه الحالة يكون السبب مطروحا ضمن علاقات تقديرية غير رياضية. وذلك كأن نفسر مرض معين بأن سببه هو العدوى بفيروس معين، ونقول بأن العدوى قوية أو ضعيفة أو متوسطة.
والسببية في العلم هي علاقة حتمية، أي أن العلاقة بين السبب والنتيجة هي علاقة ثابتة في كل الظروف والأحوال. ومع تقدم العلم ظهرت أنواع من السببية. فهناك السببية الاحتمالية "Probabilistic Causality" حيث تكون النتيجة المحددة مترتبة على حركة عدد كبير جدا من الأجسام، كما في ضغط الغاز الناتج عن حركة الجزيئات. وهناك السببية العقلية "Mental Causality" والتي تنشئ العلاقة السببية في العقل الإنساني بين الذاكرة مثلا، وبين الاعتقاد في حقيقة معينة.
ولأن اكتشاف الطبيعة هو في واقع الأمر اكتشاف للعلاقات بين الكيانات الطبيعية. مثل أن اكتشاف الذرة هو اكتشاف للعلاقة بين مكوناتها من الكترونات ونيوترونات وبروتونات، وأن اكتشاف الخلية الحية هو اكتشاف للعلاقة بين مكوناتها من بروتينات وجينات وبروتوبلازم..الخ. لذلك فالسببية في العلم هي اكتشاف العلاقات بين كيانات الطبيعة، بغض النظر عن التعريف النهائي لمفهوم السببية ذاته(7).
Page 8
(ج) التعميم من واقع الخبرة (الاستقراء)
القيمة الأساسية التي يتميز بها العلم عن باقي النشاطات الإنسانية هي القدرة على التنبؤ بالظواهر العلمية. فالهدف الأساسي من ملاحظة ظاهرة معينة هو تعيين الظروف التي تؤدي إلى إنتاجها أو ظهورها. فملاحظة كسوف الشمس مثلا في تواريخ معينة يؤدي إلى معرفة أسباب هذا الكسوف ثم القدرة على التنبؤ بتاريخ الكسوف القادم.
والقدرة على التنبؤ تتضمن فرضية أساسية هي أن الظاهرة التي تتكرر في ظروف معينة يمكن تحويلها إلى قاعدة عامة. ولأن القسم الأغلب من الظواهر تكون الظروف الطبيعية المصاحبة له معقدة، وتكون إمكانية إعادة إنتاجها في نفس الظروف محدودة، ولأن أغلب الظواهر الطبيعية تكون معقدة وممثلة عبر علاقات رياضية. لذلك بدلا من إجراء التجارب في كل الظروف الممكنة يضطر العلماء إلى "افتراض" أن نفس هذه العلاقات سوف تكون ثابتة في كل الظروف.
فمثلا تمثل رياضيا ظاهرة انتقال السوائل، كما في انتقال المياه خلال الأنابيب، بواسطة معادلة تفاضلية تسمى معادلة لابلاس. وذلك على الرغم من أن الرصد الفعلي للظاهرة لا يعطي معادلات، وإنما يعطي قيما معينة في حالات ثابتة وفي ظروف محددة. ولكن حتى يتمكن العلماء من التنبؤ بالظاهرة في المستقبل يتم تحويل القياسات التي تعطى عادة في شكل جدول إلى معادلة تفاضلية يمكن استخدامها في التنبؤ بما سوف يحدث في الطبيعة بدون إعادة إجراء التجارب.
وعملية تحويل القياسات المحدودة إلى معادلة تفاضلية يمكنها التنبؤ بالظاهرة هي في جوهرها عملية "تعميم"، أو انتقال من عدد محدود من النتائج إلى عدد لا محدود. وعملية التعميم هذه تسمى عملية "الاستقراء". فبواسطة الاستقراء يمكننا التنبؤ مثلا بالطول الذي يتمدد به قضيب من الحديد إذا تم تسخينه إلى درجة حرارة معينة. فإذا علمنا أنه عند درجة حرارة 10 درجات مثلا يتمدد 1 سم، وعند 20 درجة يتمدد 2سم. إذا علمنا ذلك يمكننا التنبؤ بأن نفس القضيب إذا تم تسخينه إلى 12 درجة سوف يتمدد بقدر 1.2 سم.
وعملية الاستقراء تعبر عن الأسلوب أو المنهج الأساسي الذي يعمل به العلم، لذلك يذكر عادة أن المنهج العلمي هو منهج الاستقراء. وذلك لأن الاستقراء يبدأ من الوقائع العلمية ذاتها وينتهي عند إنشاء العلاقات بين المتغيرات الطبيعية. وذلك على عكس المناهج التصورية التي تبدأ من تصورات ذهنية معينة ثم تحاول إثباتها في الطبيعة(8).
فعلى سبيل المثال كان التصور الأرسطي (نسبة إلى ارسطو) عن حركة الكواكب أنها حركة دائرية. وكان ذلك مبنيا على تصور ذهني هو أن الدائرة هي أكمل الأشكال الهندسية. ولكن عندما استخدم التلسكوب في ملاحظة الأفلاك وتم تطبيق نظريات نيوتن أمكن التوصل إلى الحركة الحقيقية للكواكب والتي هي في حقيقتها حركة قطع مكافئ. وكانت هذه النتيجة نتيجة علمية لأنها تبدأ من الوقائع وتعتمد منهج الاستقراء الذي يصعد من الوقائع إلى التصور الكلي والذي هو القاعدة أو النظرية.
وعلى الرغم من أن منهج الاستقراء هو المنهج الأساسي في العلم. إلا أنه مع تقدم العلم ظهرت مشكلات كثيرة في تفسير الاستقراء وظهرت تصورات عديدة بديلة لازالت محل جدل حتى الآن، وهو ما سوف نناقشه في الأجزاء التالية من هذا العمل. ولكن يمكن القول، في كل الأحوال، أن أي تصورات جديدة عن كيفية عمل العلم تمثل بصورة من الصور نوع من الامتداد لمنهج الاستقراء الذي هو المنهج الأساسي في العلم.
( د ) شمولية القوانين العلمية
تتضمن عملية الاستقراء فرضية أن نفس القاعدة التي تحكم الظاهرة تظل سارية في المجال المحدد لها. فقاعدة العلاقة بين الحجم ودرجة الحرارة في الغازات لها حد أدنى هو درجة الحرارة التي يتحول الغاز عندها إلى سائل. وثابت التسارع في الجاذبية حدوده ارتفاع معين عن سطح الأرض تنعدم بعده الجاذبية الأرضية. والخلية الحية تمارس عملها طبقا لقواعد معينة تحكمها، ولكن في حدود درجة معينة من الجفاف بعد ذلك تضطرب في أسلوب عملها أو تتوقف تماما ..وهكذا.
بمعنى آخر لا تمثل عمليات الاستقراء الجزئية لظواهر الطبيعة سوى قواعد أو قوانين جزئية. ولكن لأنه يمكن تقسيم موجودات الطبيعة إلى فئات من الموجودات المتشابهة، كمثل المعادن والسوائل والغازات والمواد العضوية والخلايا الحية والحيوانات والإنسان. لذلك كان من المعقول افتراض أنه يمكن الربط بين التعميمات الجزئية للموجودات التي تنتمي إلى فئة واحدة ضمن قواعد أكثر عمومية هي القوانين الطبيعية.
وعملية التحول هذه، من التعميمات الجزئية إلى القوانين العامة، تتضمن نوع من التفسير للطبيعة. فنفس نتائج التعميم ذاتها، في تصور معين للطبيعة، يمكن أن تنتج مجموعة معينة من القوانين. والنتائج ذاتها يمكن أن تنتج أيضا مجموعة مختلفة تماما من القوانين تتسق مع تصور آخر مختلف تماما عن التصور السابق. والمثال المشهور لذلك هو التعميمات الجزئية لحركة الأجسام.
فقد قدم جاليليو قوانين الحركة في حالة السقوط الحر وفي حالة الحركة البندولية. وهي قوانين جزئية ناتجة عن استقراء الطبيعة في حالات محددة. وقد أنتج تفسير هذه التعميمات الجزئية، من خلال تصور معين للطبيعة، قوانين نيوتن الميكانيكية، والتي هي قوانين شاملة في الطبيعة. ولكن نفس التعميمات في سياق آخر مختلف، ومن خلال نظرة تفسيرية مختلفة، أنتجت قوانين النسبية العامة.
وعلى ذلك فالقوانين الطبيعية تتسم بأنها تمثل مستوى أكبر من العمومية والتجريد من التعميمات الجزئية المعتمدة على الاستقراء. ولأن التوصل إلى هذه القوانين يعتمد على تفسيرنا للتعميمات الجزئية، فإن قوانين الطبيعة تعتمد إلى درجة كبيرة على تصوراتنا الفلسفية عن طبيعة العالم. فقوانين نيوتن الميكانيكية هي قوانين عامة وشاملة تنطبق على الموجودات المادية سواء كانت موجودات كونية مثل الكواكب والنجوم أو الاجسام الصغيرة مثل جزيئات الأتربة العالقة في الهواء. وهي قوانين تعتمد على النظرة الميكانيكية للعالم.
ولذلك أحد الفروض الأساسية التي يقوم عليها العلم الحديث أن قوانين الطبيعة ثابثة في كل زمان ومكان. فقوانين نيوتن قوانين ثابتة سواء على سطح الأرض أو في باطنها أو في أي مكان في المجرة أو في الكون كله. وهي ثابتة الآن وفي الماضي وفي المستقبل.
فلا يمكن، مثلا، تصور أن قوانين الطبيعة تسري على سطح البحر ولكنها تتغير مثلا على قمة الجبل أو في المناجم في باطن الأرض. ولا يمكن تصور أن قوانين الطبيعة التي تعتمد عليها علوم الجيولوجيا والفلك في العصور الماضية السحيقة قد تغيرت الآن أو يمكن أن تتغير بعد آلاف أو ملايين السنين.
والهدف النهائي للعلم هو التوصل إلى القوانين العامة للطبيعة والتي تتضمن في طياتها كافة القوانين الجزئية. ولأن التغير في الطبيعة ونشأة الظواهر المختلفة يعتمد في النهاية على حركة الأجسام، فإن القوانين العامة للطبيعة هي في النهاية قوانين الحركة. والحركة في الطبيعة تنتج من قوى الطبيعة. لذا فإن قوانين الحركة والتي هي قوانين الطبيعة هي ناتج عن تصورنا للقوانين التي تحكم قوى الطبيعة الأساسية(9).
والقوى الأساسية في الطبيعة حسب آخر ما وصل إليه العلم أربعة قوى أساسية. هي قوة الجاذبية والقوة النووية القوية والقوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية. وقد تمكن العلماء من توحيد القوى الثلاث الأخيرة في نظرية واحدة للذرة. فأصبحت القوى الأساسية هي قوة الجاذبية والقوة الموحدة للثلاث قوى الأخرى.
ويطمح العلماء في التوصل إلى النظرية العامة التي تستطيع أن توحد القوى الأربعة الأساسية. وفي هذه الحالة ستكون النظرية الموحدة هي أعلى قوانين الطبيعة عمومية وشمولا وتجريدا، والتي سيتفرع منها باقي قوانين الطبيعة(10).
Page 9
2 - المنهج العلمي

كما ذكرنا سابقا يمثل الاستقراء السمة الجوهرية للعلم. وذلك باعتبار أن جوهر العلم هو التعامل المباشر مع الواقع واستخلاص القوانين التي تحكمه. ولكن على الرغم من ذلك، المنهج العلمي، كمفهوم، هو أكثر تعقيدا من مجرد استخدام الاستقراء في صورته البسيطة التي أوضحناها فيما سبق.
والمنهج، لغة، هو الطريق أو السبيل المؤدي إلى مكان محدد. وهو في الفكر، على وجه العموم، مجموعة من الخطوات الخالية من المضمون والتي يتم تطبيقها وتكرارها بشكل منظم على الموضوع محل البحث. فمثلا، مجموعة المواد الدراسية التي يدرسها التلاميذ بشكل منظم على مراحل ابتدائي ثم إعدادي ثم ثانوي ثم جامعي تمثل، بغض النظر عن المضمون، منهج تعليمي يهدف إلى الوصول إلى الحد الأدنى من المعرفة الأساسية للطالب. ويمكن أن يتغير مضمون هذه المواد ويظل المنهج كخطوات قابلا للتطبيق.
ولا يختلف المنهج العلمي عن ذلك، فهناك مجموعة من الخطوات التي يقوم بها الباحث العلمي حتى يستطيع أن يصل إلى الهدف المطلوب، وهو تحقيق الكشف العلمي وتفسير ظواهر الطبيعة. ويمكن القول بأن المفهوم "المنهج العلمي" له مستويان أحدهما هو صورته العامة عندما نتعامل مع أي موضوع بصورة علمية. والثاني هو صورته الخاصة التي يطبقها العلماء، كل في تخصصه، عند إجراء الأبحاث العلمية الدقيقة. لذلك هناك أسس عامة للمنهج العلمي تنطبق بصورة عامة على كل العلوم، سواء كانت علوم فيزيائية أو بيولوجية أو علوم الإنسان، وصور تطبيقية متعددة بحسب طبيعة العلم محل التطبيق.
( أ ) الصورة العامة للمنهج العلمي
تتمثل الصورة العامة للمنهج العلمي في سلسلة من الخطوات المحددة. تبدأ بتحديد الموضوع محل البحث بشكل واضح. ثم يتم ملاحظة الظواهر الطبيعية المرتبطة بالموضوع. ويلي ذلك استنتاج الفرض العلمي من خلال معارفنا المسبقة عن الموضوع ومن خلال استقراء الظواهر التي تمت ملاحظتها. وبعد التوصل إلى الفرض العلمي يتم تأكيده من خلال إجراء تجارب عديدة عليه في ظروف مختلفة. وإذا تأكد الفرض تحول إلى نظرية يتم اختبارها بشكل مستمر في المجتمع العلمي حتى يثبت خطؤها أو حاجتها إلى التعديل. ويتم إعادة خطوات اختبار النظرية وتعديلها بشكل مستمر.
تحديد الموضوع
الخطوة الأولي في أي تعامل علمي مع أي ظاهرة هي تحديد الموضوع محل البحث بشكل واضح. فظاهرة كمثل حركة النجوم يمكن أن تنتمي إلى علم الكوسمولوجي كما يمكن أن تنتمي إلى علم التقاويم. ودراسة التربة يمكن أن تنتمي إلى علم الإنشاءات الهندسية كما يمكن أن تنتمي إلى العلوم الزراعية. فإذا تحدد موضوع البحث بشكل واضح أصبح من الضروري الالتزام بالموضوع محل البحث عند معالجة الظاهرة وعدم الخلط بينه وبين أي موضوع آخر.
وأهمية تحديد الموضوع تكمن في أن العلم هو في الحقيقة عملية تراكمية للمعارف البشرية عبر التاريخ. وتحديد الموضوع معناه الاعتماد على هذه المعارف السابقة في التعامل مع الظاهرة. فمثلا، إذا أردنا أن نتعامل بشكل علمي مع ظاهرة معينة في السلوك الإنساني، كمثل عقدة الخوف من الأماكن المغلقة. يجب أن نتعامل معها في سياق المعارف العلمية السابقة عنها. ولا يكفي أن نتعامل معها علميا انطلاقا من ملاحظاتنا للظاهرة فقط.
تحديد الوقائع
تتحدد الظاهرة محل البحث من خلال تحديد وقائع محددة تمثل في مجموعها هذه الظاهرة. والتحديد العلمي للوقائع يجب أن يتم بشكل دقيق وبحسب المعايير العلمية التي يحددها المجال العلمي الذي تنتمي إليه الظاهرة. ففي علوم الفيزياء تتحدد الوقائع بواسطة مقاييس علمية دقيقة، يمكن أن تصل كمسافة إلى النانومتر (10-9 متر) وزمانا إلى الفمتوثانية (10-15 ثانية). أما في البيولوجيا فتتحدد الوقائع بشكل اقل دقة. وفي بعض الحالات تكون الوقائع محددة بشكل تقديري غير كمي، كما في علوم الطب عند تحديد شدة الآلام أوكفاءة عمل أعضاء الجسم.
الفرض
يلي تحديد الوقائع العلمية والوصف الدقيق للظاهرة في أحوالها المختلفة، وضع الظاهرة في إطار الخبرة السابقة. أي وضع فرضية معينة بخصوص الظاهرة بحيث تتسق هذه الفرضية مع خبراتنا السابقة عن الموضوع الذي تنتمي إليه. فإذا ثبت أن هذا الفرض يتسق مع باقي الخبرات يتم اختبار هذا الفرض في ظروف مختلفة وبصور مختلفة. فإذا ثبت أن هذا الفرض هو فرض صحيح في كل تلك الحالات المختلفة أصبح ممكنا اعتباره قاعدة عامة ثابتة أو قانونا.
والفرض يمكن استنباطه بواسطة الاستقراء كما بينا سابقا. كما يمكن أن يعتمد على الحدس أو الشعور الداخلي المبني على الخبرات السابقة. وفي كل الأحوال يتم التوصل إلى الصورة النهائية للفرض والتي ستتحول إلى قاعدة أو قانون بصورة تدريجية. فيمكن أن نبدأ من استقراء الوقائع واستنتاج الفرض ثم اختباره في الواقع. أو أن نبدأ من الخبرة السابقة وتحديد الوقائع ثم وضع الفرض بواسطة الحدس ثم اختباره. وفي الحالين يتم تعديل الفرض بشكل مستمر حتى يتسق من ناحية مع الوقائع ومن ناحية أخرى مع الخبرة السابقة حتى يصل إلى صورته النهائية.
الاختبار التجريبي
كل خطوات المنهج العلمي تعبر عن التعامل التجريبي مع الواقع. ولكن الاختبار التجريبي للفرض العلمي يتميز بأن التجربة في هذه الحالة يتم تصميمها بحيث تهدف إلى اختبار الفرض في ظروف عديدة مختلفة عن الظروف التي تمت فيها ملاحظة الوقائع واستنتاج الفرض في سياقها. ذلك أن الفرض يمكن أن يكون ملائما فقط لمجموعة الظواهر التي تمت ملاحظتها بشكل استثنائي. ولكن إذا تأكدت صحة الفرضية في ظروف عديد مختلفة بشكل كاف وبدقة رياضية عالية بشكل كاف أيضا، فإنه يتحول في هذه الحالة إلى قاعدة ثابتة أو نظرية.
التفسير والتنبؤ
وإذا تم اختبار الفرض بشكل كاف وتحول إلى نظرية أصبح ممكنا استخدام النظرية في تفسير الظواهر المختلفة المرتبطة بها والتي لم تكن قابلة للتفسير فيما سبق. كما تستخدم النظرية في التنبؤ بالظواهر المستقبلية. فإذا ثبتت عدم قدرة النظرية على تفسير بعض الظواهر المرتبطة بها، أو ثبت خطأ التنبؤ بواسطتها في حالة معينة، كان ذلك دليلا على أن النظرية ليست صحيحة في كل الحالات. وأنه إما أنها تحتاج إلى تعديل أو إلى استبدالها بنظرية أخرى أكثر شمولا(11).
Page 10
( ب ) الصورة الخاصة للمنهج العلمي
تختلف الصور الخاصة للمنهج العلمي بحسب طبيعة العلوم الخاصة المختلفة. فالمنهج العلمي في علم مثل الفلك يعتمد بشكل كامل على ملاحظة الأجسام السماوية، فليس هناك من وسيلة لعمل تجربة علمية يتم فيها عمل نموذج للنجوم والمجرات والكواكب. أما علم الكيمياء فيعتمد بشكل أساسي على التجارب المعملية. وعلم البيولوجيا يعتمد في جانبه الأكبر على عمليات الوصف والتصنيف..الخ من العلوم المختلفة.
بمعنى آخر أن لكل تخصص علمي المنهج العلمي الملائم له في حدود مفهوم المنهج العلمي بالمعنى العام. كما أنه من المعروف أن العلماء أنفسهم لهم أساليب مختلفة عديدة لتطبيق المنهج العلمي. ولذلك لا يمكن القول بأنه يمكن تحديد الأساليب العلمية في العلوم التخصصية بشكل دقيق.
ومن الأساليب التي يستخدمها العلماء في العلوم التخصصية، أسلوب الملاحظة، والتصنيف، وتحليل النتائج، والمقارنة، وإنشاء النماذج، وتثبيت بعض المتغيرات، والاستقراء، واستخدام الصيغ الرياضية، والتناظر بين الظواهر المختلفة، والتجربة والخطأ، والوظيفية، والتجارب الذهنية، والتجريب على الحاسب، والأساليب الإحصائية الاحتمالية، والمنهج التاريخي، ودراسة الحالة، والاستنباط المنطقي، والتحكم في الظواهر في الواقع، والاتساق المنطقي..الخ.
ولأن الأساليب العلمية التي يستخدمها العلماء في تخصصاتهم نابعة من خبرة العلماء أنفسهم في مجال تخصصهم والتجارب التي سبق إجراؤها. لذا فإننا نجد أن هؤلاء العلماء هم الأقدر على طرح تفصيلات الأسلوب العلمي المتبع في تخصصهم. وليس من المهم في هذا المؤلف أن نستعرض بشكل تفصيلي هذه المناهج الجزئية التخصصية، إذ يكفي ما عرضناه بخصوص المنهج العلمي بالمعنى العام.

3 - الفرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية

تنطبق المفاهيم الخاصة بسمات العلم كنشاط إنساني وكمنهج علمي على العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية سواء بسواء. ولكن، عند التطبيق، هناك فروقا أساسية بين كل من هذين المجالين للعلم تؤدي إلى اختلافات أساسية في السمات الأساسية لكل منهما وفي المنهج المستخدم.
فالواقعة في العلوم الطبيعية هي حدث طبيعي ملموس يمكن إدراكه مباشرة بواسطة الحواس أو بصورة غير مباشرة بواسطة الأجهزة العلمية المختلفة. ولكن في العلوم الإنسانية لا تكون الواقعة ملموسة بواسطة الحواس أو الأجهزة وإنما تكون معبرة عن الإدراك الإنساني للواقع. فالواقعة في العلوم الطبيعية يمكن أن تتمثل في اصطدام جسمين أو تفاعل مادتين كيميائيتين أو انقسام خلية حية..الخ.
أما في العلوم الإنسانية فيمكن أن تتمثل في واقعة تاريخية لا يمكن إدراكها مباشرة الآن. وإنما ما ندركه هو ما حفظه الإنسان في ذاكرته أو كتاباته عنها. أو أن تتمثل في استخدام معين للغة الإنسانية بواسطة جماعة ما من الجماعات. فلا تتمثل الواقعة في الجانب المادي للغة (الكتابة ذاتها أو الأصوات)، وإنما في المعنى الذي يكتسبه استخدام اللغة. أو أن تتمثل في انخفاض قيمة سهم معين لمؤسسة اقتصادية معينة. فلا تتمثل الواقعة في أية مظاهر مادية لانخفاض السهم وإنما في المعنى الذي يدركه الإنسان من واقعة انخفاض السهم.
فالواقعة في هذه الحالة ليست واقعة مادية وإنما هي واقعة معنوية، أي ما يدركه الإنسان من معنى للأحداث المادية المصاحبة لها، وتسمى في الأدبيات بالواقعة غير الملموسة. ولذلك لا ترتبط الوقائع غير الملموسة بواسطة قوانين السببية المادية العادية وإنما بواسطة ما يسمى بالسببية المنطقية. ولأن الواقعة في العلوم الإنسانية تختلف اختلافا أساسيا عنها في العلوم الطبيعية فالاختلاف هو اختلاف أساسي بين المجالين.
ولأن الاختلاف بين المجالين هو فيما يخص طبيعة الوقائع التي هي الأساس في التعامل العلمي مع الموضوع. فإنه لا يمكن تطبيق القوانين الميكانيكية التي تتميز بها العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية. وظهرت بدلا من ذلك تصورات بديلة. فظهرت التصورات التي تحاول أن تطرح قوانين للمجالات المختلفة للعلوم الإنسانية تتسم بالسببية الحتمية. كما في نظريات الحتمية التاريخية، والنظريات البنيوية المختلفة في اللغة والأنثروبولوجيا، ونظريات المثير والاستجابة في علم النفس.
وفي مقابل ذلك ظهرت نظريات تعتمد على أنه لا يمكن التعامل مع موضوعات العلوم الإنسانية من خلال القوانين الحتمية على غرار العلوم الطبيعية. فظهرت النظريات التي تعتمد على قدر من الذاتية الإنسانية، أو الفهم الإنساني. وذلك كما في نظريات التحليل النفسي عند فرويد، والنظرية اللغوية التحويلية عند تشومسكي، والنظريات الحديثة في علم الاجتماع والتاريخ التي تعتمد على المشاركة الفاعلة من الباحث.
وليس هنا محل عرض التفصيلات الخاصة بالمشكلات الخاصة بالعلوم الإنسانية. ولكن ما يهمنا هو بيان أن هناك اختلافا أساسيا بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وأن الخلافات حول طبيعة العلوم الإنسانية وهل هي علوم بالمعنى الدقيق كما في العلوم الطبيعية أم هي بصورة ما أقل علمية إن جاز التعبير هو خلاف لم يحسم حتى الآن. وهو خلاف يرجع بشكل أساسي إلى الخلاف بين النظرة الميكانيكية للعالم والتي ترى أنه يمكن رد كل التغيرات في الطبيعة بما فيها تلك المرتبطة بالإنسان إلى المادة وطبيعتها الميكانيكية. وبين النظرة اللاحتمية للعالم والتي ترى أن الطبيعة على وجه العموم، والنشاط الإنساني على وجه الخصوص، لا تخضع للحتمية الميكانيكية.