eKtab
EN ع
العلمانية والحداثة والعولمة
Read free sample

العلمانية والحداثة والعولمة

by عبد الوهاب محمد المسيري

Page 1

مقدمة

ثلاث سنوات كانت رحلة هذه السلسلة حتى اكتمالها، أتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية التأخير بسبب عملي خارج مصر، واقتصار اجتماعاتنا المحورية على فترات زيارتي للقاهرة. ولم يكن الدكتور عبد الوهاب المسيري متعجلاً عليها في البداية، فكعادته كان يعمل على عدد من الكتب يريد الانتهاء منها أولاً، ولكن بعد أن أخذت السلسلة شكلها النهائي اشتد إلحاحه على إصدارها، وأخذ يشير إليها في معظم لقاءاته، وحدد أيلول/سبتمبر ألفين وثمانية موعداً زمنياً أقصى لصدورها، وجاء أيلول/سبتمبر ولم تأخذ طريقها للمطبعة. وتجمد الورق بين أيدينا مع غياب صاحبه عن متابعة التفاصيل، ولكن بقي كلام الدكتور المسيري قبل رحيله فيما يتعلق بالحوارات يلح علينا لننجز ما أراد أن يراه بين دفتي سجل في وقت يقترب مما كان مخططاً له.

فالمسيري كان شغوفاً بتقديم مسيرته الحياتية والفكرية ورؤاه لأكبر عدد من الناس من غير المتخصصين أو المهتمين، وكانت إحدى أهم رسالاته توسيع قاعدة المعرفة؛ لأنها اللبنة الأساسية لتوسيع قاعدة المشاركة. وجاء أسلوب الحوارات، الذي بُني على صيغة السؤال والجواب يمثل صورة مثلى لسعي الدكتور المسيري الدائم إلى تبسيط القضايا مما يساعد على سهولة انتشارها ووصولها إلى القاعدة العريضة من القراء.

وهذا العمل يبلور شخصية الدكتور عبد الوهاب المسيري الموسوعية المتعددة الاهتمامات من فكر ومعرفة إلى تاريخ وفلسفة مروراً بالثقافة والفن والسياسة. فمع غزارة إنتاج المسيري ظل اسمه مرتبطاً بموضوعات اليهود واليهودية والصهيونية والغرب وما يطرحه من إشكاليات. ويجهل غالبية الناس ما للمسيري من إسهامات فكرية وفلسفية في حقول أخرى متنوعة، يأتي على رأسها مجال تخصصه الأساس الأدب الإنجليزي، وكذا قصص الأطفال وكتابة الشعر، وهذا ما تحاول هذه السلسلة إلقاء الضوء عليه من خلال عرض الجوانب الحياتية والفكرية بشكل شامل بعد أن سبق عرضها عبر مؤلفات متخصصة تصب اهتمامها على قضايا بعينها.

كما أن هذه السلسلة فرصة لطرح آراء المسيري في قضايا لم يصدر فيها مؤلفات، وقد لا تكون محل اهتمام كبير في اللقاءات الإعلامية على أهميتها وقيمة ما يطرحه فيها المسيري من آراء، كالحب والفن والأغاني والقضايا السياسية ومشكلات الأحزاب وغيرها. وتنبع أهمية رأي المسيري في هذه القضايا من زاوية نظره وقراءته لها، حيث يضع كلاً منها في سياق خاص وآخر عام فيشكل منها نموذجاً، أو يضعها هي داخل نموذج تفسيري. فهو يسقط رؤيته الكلية على الأحداث التي قد تبدو مجرد تفاصيل عابرة أو سطحية، ولكن بعد إخضاعها للنظرة المتفحصة نجد أنها جزءٌ من منظومة يريد من يقف خلفها ويتبناها أن تسود، ونحن بدورنا نقف أمامها إما مقلدين عن غير وعي أو ناقلين منبهرين. ويحاول المسيري بمنهجه أن يدفع كلاً منا ليفكر قليلاً قبل أن يختار، ولو البسيط من الأمور أو السلوك أو الآراء، ليعرف أولاً ما هو النموذج الكامن وراء ما يفعل، وما هو النموذج الذي يجب أن يتبناه ويستبطنه.

وتضم هذه السلسلة في ثناياها عرضاً لأهم محطات المسيري الحياتية والفكرية، وإنجازه الموسوعي اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد ، والظروف التي أحاطت بالعمل، والصعوبات التي واجهها، وردود الفعل والانتقادات التي وُجِّهت له، وكيف استقبل العامة والخاصة هذا العمل الذي استثمر فيه جهداً لما يزيد على ربع قرن من عمره، وكذلك اجتهاده المميز وغير المسبوق في الاهتمام بقضيتين مصيريتين بحكم تحديات الواقع المُعاش الآن وهما المجاز والعلمانية. كما تضم عرضاً لآرائه في واقع حال مصر والأمة العربية والإسلامية، وكذا رؤيته لحال الفكر والثقافة والمثقفين العرب، إلى جانب نظرياته المتعلقة بالزواج وتجربته الشخصية التي استمرت ما يقرب من خمسين عاماً ولم تفقد حيويتها. مع ذلك لا يمكن القول إن هذه السلسلة تختصر المسيري فكراً ومسيرة، إذ لم تصل لمستوى حصاد حياته ولم يكن هذا هو الهدف منها في الأساس، ويمكن وضع هذا العمل في إطار التقديم والتعريف بتجربة ثرية كمسيرة عبد الوهاب المسيري، فهو يعرض بكثير من التفصيل الملامح العامة لهذا الموسوعي متعدد الاهتمامات.

Page 2

وقد شكّل هذا التنوع إحدى الصعوبات التي واجهتني في أثناء عمليات التصنيف والحذف والإضافة، فهناك ما كنت أراه تكراراً لبعض الأفكار ضمن الإجابات عن أسئلة تحت عناوين مختلفة، وكنت أميل إلى حذفها من بعض المواضع والحفاظ عليها في أكثر العناوين ارتباطاً بها، لكن ذلك أثّر بطبيعة الحال على مضمون الفكرة، وناقشت ذلك مع الدكتور المسيري فرفض الحذف ووضح ما كان معروفاً من أن وحدة الرؤية النابعة من مرجعية نهائية لا تعني هنا تكراراً وإنما هي وضع الحدث في سياقه العام المفسر. فالرؤية التي تحكم المسيري رؤية شاملة يتم إسقاطها على العناوين المختلفة مما يدعم تأكيدها ويساعد على تفسير الحدث ليس في ذاته فقط بل وفي ارتباطه بالأحداث والقضايا بمجموعها. وهذه إحدى سمات فكر المسيري الذي يتعامل مع قطاعات المعرفة المختلفة برؤية ومرجعية حاكمة قادته للتفسير والحكم على ما يتعرض له من قضايا فلسفية معرفية فكرية.

هذا على مستوى الرؤية، أما على مستوى الأحداث والأمثلة فقد تكرر الأمر نفسه، حيث يمكن للمثال أن يكون معبراً وشارحاً لعدد من القضايا، وهو ما دفعنا إلى استخدام حدث ما أو مثال شارح في أكثر من موضوع متعلق، مع مراعاة أن زاوية النظر تختلف من موضع إلى آخر.

وهناك مشكلة أخرى واجهتُها في أثناء التحرير؛ إذ تشتمل هذه السلسلة على عديد من الموضوعات؛ بعضها جاء ليعالج قضايا عامة، ومن ثم لم تكن هناك مشكلة في التعبيرات والكلمات المستخدمة فيها، وبعضها كان متخصصاً وهنا تجلت قضية المصطلحات والمفاهيم والأفكار التي تدخل في إطار التخصص والتي قد تربك غير المتخصصين. وكان أمامنا إما تجنب كل المصطلحات ذات الصبغة التخصصية أو التعبير عنها بلغة عامة تتناسب وعوام الجمهور. واخترنا طريقاً ثالثاً وهو الحفاظ على التعبيرات والآراء والمصطلحات المتخصصة على أن تأتي ضمن سياق لغة بسيطة وأفكار ورؤى واضحة، لأن حذف كل المصطلحات قد يدفع بالموضوع إلى العمومية أو التهميش. وقد ساعدنا على استخدام هذا النهج أسلوب المسيري في الكتابة والتخاطب بوجه عام والذي يتميز بسهولة وبساطة لا يخلان على الإطلاق بعمق ما يطرح، بل على العكس تماماً فهما يؤكدانه ويكرسانه.

وها هي ذي السلسلة اكتملت بعد أن كانت فكرة أتت في أثناء زيارة لي للدكتور المسيري، وكنت أناقشه في كيف يمكن للإعلام أن يضيف جديداً ليس على مستوى الحضور العام للضيف فقط وإنما على مستوى الفكر أيضاً، وكيف أن بعض اللقاءات التي أُجريت معه كانت ذات قيمة عالية وبعضها الآخر -وإن كان رصيناً - جاء مفتقراً إلى العمق، وأن بعض المحاورين نجح في أن يخرج من الدكتور عبد الوهاب المسيري ما يمثل إضافة حقيقية بعيداً عما سبق نشره من أعمال متوافرة في المكتبات العامة أو على الشبكة الإلكترونية، ومثل هذه اللقاءات جديرة بإلقاء الضوء عليها. ووافقني الدكتور المسيري في ذلك -وإن اختلف معي في تقييم المفيد من غيره فيما أجراه من لقاءات إعلامية- حيث كان من أشد المهتمين بالإعلام والمحدثين بقيمته وأثره. وهنا سألته: لماذا لا تعطيني كل الحوارات التي أُجريت معك أجمعها وأصنفها وأضعها في كتاب لنَرى الجمهور وحكمه إلى أي منا سيميل؟ فرحب بالفكرة ثم طوّرها لتكون تلخيصاً للمسيرة الفكرية والمعيشية عن طريق السؤال والجواب... وبدأت الرحلة.

وافاني الدكتور المسيري بما يحتفظ به من لقاءات وحوارات وما كتب عنه وعن أعماله منذ ستينيات القرن الماضي حتى تاريخ لقائنا. والمدهش، وإن كان متوقعاً، أن الأسئلة عن أهم القضايا التي طُرحت للنقاش كانت تتكرر على مدار أربعة عقود. وإن شئنا الدقة قلنا إن الأسئلة والإشكاليات موضع الجدل، والسجالات الفكرية والسياسية الدائرة في العالم العربي والإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن الحادي والعشرين؛ هي ذاتها، حيث لم يتم حسم الموقف من هذه القضايا بعد. وجدير بالملاحظة أيضاً أن المحاولات الجادة للدكتور عبد الوهاب المسيري في تفكيك الظواهر وتفسيرها لم تتوقف على مدار العقود الأربعة ولم تتحول إلا بقدر تبلور رؤيته، مما أدى إلى تعميق نظرته ووضع الأحداث داخل سياق واضح المعالم سهّل قراءتها وتفسيرها. ولم يقف المسيري عند هذا الحد الذي يشترك فيه كثيرون وإنما حاول بناء نماذج يمكن من خلالها توليد بديل أو بدائل يمكن اتباعها للخروج من التيه وإنجاز التحقق الإنساني.

والملاحظ أن رؤى المسيري تحفظ للإنسان توازنه الذي قد يفقده تحت وطأة الأحداث والتطورات المتسارعة التي يشهدها الواقع المحيط عن طريق إخضاعها لقراءة تفسيرية. فالتفسير لدى المسيري هو أهم مراحل الفهم، ولهذا اتبع منهجاً تفسيريّاً مبنيّاً على التحليل والنقد الذي يجعل الفرد كائناً أمام الآخر وليس مجهولاً أو مهملاً.

ومن هنا كان تأكيده الدائم على قيمة الهوية ودورها، ليس في حماية الأمة فقط بل وفي تقدمها. وشكّلت الهوية أهم عناصر النموذج الذي حاول المسيري صكه للبناء وللإعمار، وهو نموذج مستلهم من البيئة العربية والإسلامية غير مهزوم أمام الآخر. وفي هذا السياق أتت الانتفاضة لتستحوذ على إعجابه الشديد لا باعتبارها مجرد مشروع للمقاومة والتحرير - وهي قيمة في حد ذاتها ومدعاة للفخر - بل باعتبارها أيضاً نموذجاً خلاقاً يقف بقوة أمام النموذج الاستهلاكي الغربي الدارويني. فقد قدّم الفلسطينيون من خلال الانتفاضة مثالاً مميزاً للقدرة على التكيف مع الواقع، والاستفادة من مقومات الطبيعة الفلسطينية، والعودة للمخزون الحضاري في لاوعي الإنسان العربي، ثم إبداعها في إحياء التراث واستحضار حكمة الأجداد. ومن ثم شكّلت الانتفاضة عودة للمعجم الحضاري الإسلامي واستخدامه على النحو الأمثل مع مواكبتها للعصر وتطورها مع الحدث الآني، فقدمت بهذا نموذجاً للحياة والتنمية أسماه المسيري "نموذج التكامل غير العضوي". وما كان ليتأتى للمنتفضين القيام بذلك لولا إحساسهم بقيمة ذواتهم وتحققهم أمام عدوهم، حيث عرفوا نقاط ضعفه وما أصبح عليه، واختبروا إمكاناته الحقيقية على أرض الواقع ولم يستسلموا للصور والأفكار السائدة، وإن لم يدرك كثيرون منهم ذلك بعقله الواعي، فانتصار الانتفاضة نابع من تحقق الهوية الفلسطينية.

ومن هنا كان دفاع المسيري عن الهوية - لكونها السلاح وبداية الطريق - ليس من باب الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من مثقفي الأمة، وإنما عن دراية بسبل تأكيد الهوية. فقد رأى المسيري أن أولى خطوات النهضة هي إعادة الثقة فيما نملك، فلدينا قيمة مطلقة من استخلافنا في الأرض إلى جانب قيم واقعية متمثلة في الموروث الحضاري والقيمي. وثانية الخطوات هي إعادة تعريف الآخر وفقاً لما يطرحه والنتائج التي يحصدها من هذا الطرح، وعدم الاكتفاء بتعريفه وفقاً لما يفرضه هو من تحيزات، ثم الوقوف والتحرك في الحاضر صوب مستقبل تسوده قيم الإنسانية المشتركة وليس الفردوس الأرضي المزعوم.

Page 3

ولم يكن المسيري لينجز كل ما أنجزه على صعيد الفكر والمعرفة لولا إدراكه لقيمة الإنسان ومقدرته على الحركة والاختيار الحر. فقد كانت المسيرة دائماً مسكونة بالأحداث والتفاصيل، وبعض هذه الأحداث فقط يمثل المحطات الرئيسية في الحياة ويحدد اتجاه الإنسان، وبعض من هذه المحطات يحدد توجهاته وتحولاته. وتكتسب التفاصيل أهميتها بقربها أو بعدها من المحطات أو التحولات الفاصلة، والتفاصيل ليست بالقليلة في حياة ابن دمنهور كما أن المحطات هي الأخرى كثيرة، إلا أن حياته لم تشهد كثيراً من التحولات، وما حماه من التقلبات والتحولات الكثيرة أنه امتلك منظومة أخلاقية وقيماً عامة صاحبته عبر مسيرته، كما أنه وضع لرحلته الفكرية هدفاً نهائياً حدده منذ البداية، وهو ما أعانه أيضاً على أن يكتشف الطريق الذي منحه الإجابة عن جل تساؤلاته، فاختاره وسار فيه.

ولم يكن المسيري يستطيع العيش خارج نسق يفسر سلوكه ويحكمه، ويفسر له ما يحدث من حوله، ولذا تولدت لديه أسئلة وجودية شغلته منذ كان يافعاً وبقيت معه وتطورت بتطوره، وطرق عدداً من الأبواب الإيديولوجية بغية الرد عليها إلى أن أدرك وجود الله المتجاوز للسطح المادي، فآمن إيمان الواعي المدرك المحب، ليشكل تحوله من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية، والإيمان التحول الأهم في حياته. وإذا كان البعض يراه أحد التحولات، فإنني أميل إلى القول إنه التحول الوحيد على مستوى المسيرة الفكرية.

أما على مستوى تحوله من الأدب الإنجليزي إلى اليهود واليهودية والصهيونية فلا أراه إلا انتقالاً أو لِنَقُل تغييراً في الأولويات وليس تحولاً بالمعنى الحرفي للكلمة، فالأدب الإنجليزي كان المدخل الرئيسي لإدراك الدكتور عبد الوهاب المسيري لمضامين نهاية التاريخ ووحدة الوجود المادي في الغرب في أثناء إعداده للدكتوراه في شعر وليام ورذورث وولت ويتمان شاعر الديمقراطية الأمريكية كما يدعي الخطاب التحليلي الأدبي الأمريكي، وهذه الرؤية فسّرت له طبيعة الصهيونية ومنطلقاتها. كما أنه لم يهجر الأدب الإنجليزي أو يتهجم عليه؛ بل ظلت علاقته به قوية لكنها ثانوية في إطار اهتماماته.

ومن خلال إدراك المسيري لمعنى الله المتجاوز استطاع أن يضع نماذجه التفسيرية التي تحدد علاقة كل من الخالق والإنسان والطبيعة أحدها بالآخر، ومن ثم أصبح بالإمكان قراءة الأحداث، على تنوع مجالاتها وساحاتها بين فكر ومعرفة وسياسة وأدب وفن وثقافة، من خلال وضعها داخل نماذج فضفاضة لا تنغلق على ذاتها. وأُومن أن النماذج التي وضعها المسيري تعتبر من أهم إنجازاته الفكرية. وإذا كان قد حقق إنجازاً غير مسبوق في دراسته التشريحية لليهود واليهودية والصهيونية فإن نجاعة هذا التشريح جاءت عبر قراءتهم من خلال نماذجه التي يمكن تطبيقها على معظم ما يحدث في العالم. وعليه فمن غير المستغرب أن تدخل أغنية لروبي أو نانسي عجرم ضمن إطار هذه النظرة الفلسفية لأنهما خضعتا للنموذج ولم تقفا عند حدودهما الذاتية كإحدى تجليات الفيديو كليب بل هما من تبديات التحيز للنموذج الغربي وما فيه من مضامين تحاول تطبيع الجنس وإعادة الإنسان إلى ذاته وغرائزه.

وفي هذا الجانب أقر بأن النماذج كانت بحاجة إلى مساحة وتعميق أكثر بكثير مما أتت عليه، ولكن السعي للإيجاز وتقديم الأهم داخل كل عنوان كان هو المعيار الحاكم. وتبقى مؤلفات المسيري وما فيها من شرح وافٍ معيناً لمن يرغب في الاستزادة.

وكانت هذه السلسلة في الأساس تجميعاً للِّقاءات التي أُجريت مع المسيري منذ أواخر الستينيات، فقمت بتصنيفها وتبويبها طبقاً للموضوع، ثم رتّبت الأسئلة تحت كل عنوان فتَكَوّن هيكل لبعض الموضوعات وعظام متناثرة لبعضها الآخر، في حين أخذ قليل منها شكله النهائي. وعرضت الناتج على الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي رأى أنه نواة لعمل جامع، واقترح أن نضيف إليه المحاضرات والندوات إلى جانب اللقاءات التلفازية، وساعدت الأسئلة والأجوبة المضافة في ملء بعض الفراغات، لكنها أيضاً طرقت عناوين جديدة تمت إضافتها، فأخذ كل موضوع ملامحه ولكن بقيت المعلومات الواردة تحت كل عنوان كحاملات الجسور تحتاج إلى وصل المسافات وملء المساحات فيما بينها، وتم ذلك من خلال جلسات بيني وبين الدكتور المسيري والدكتورة هدى حجازي وأخرى دعا إليها الدكتور عبد الوهاب المسيري عدداً من تلاميذه الذين ناقشوا عدداً من الموضوعات التي كانت بحاجة إلى استكمال. وجاءت أسئلة واستفسارات الحضور ووجهات نظرهم وإجابات الدكتور المسيري لتكسو العظام لحماً فتجسدت الحورات في شكلها قبل النهائي، وعند هذه المرحلة أصبح الموضوع هو المركز بعد أن كان التركيز في البداية ينصب على النقاط الرئيسية والأسئلة محل اهتمام الإعلام واللقاءات.

ولم يكتف الدكتور المسيري بذلك، بل قام بتوزيع الأبواب والفصول على تلاميذه وأصدقائه كل حسب اهتمامه وتخصصه ليطرحوا ملاحظاتهم ويضيفوا من الأسئلة والنقاط ما يرون أنه قد فاتنا ونحن في زخم الانفعال بالعمل. لتعود مجتمعة للمراجعة وإعادة ترتيب الأسئلة والإضافة والحذف مرة ثانية وثالثة وقبل نهائية ونهائية. ولقد استفدت أيما استفادة من أسلوب المسيري في إنجاز أعماله الفكرية على مستوى الجهد والتدقيق، وأيضاً الرحلة المارثونية لمادة هذه المجموعة بين عدد من المعنيين والمهتمين، التي لم تقتصر على إثراء الأفكار وملء الفراغات بما أضافه كلُّ من وُضعت المادة أو جزء منها بين يديه وحسب، بل كانت رحلة عبّرت عن ذكاء المسيري التاجر بحكم الوراثة، فردود الفعل الآتية من أشخاص مختلفين كانت نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه استقبال الجمهور عبر عينة كاشفة من الأصدقاء والأبناء والتلاميذ.

ونتيجة لذلك، كانت هذه السلسلة تجميعاً للحوارات التي أجراها صحفيون وإعلاميون ومتخصصون ومهتمون عبر محاضرات أو ندوات أو لقاءات إعلامية، مضافاً إليها ما قام به أبناء المسيري وتلامذته من استكمال الموضوعات، ولذا فهو ثمرة مجهود جماعي قمت فيه بدور المنسق والمحرر، فالشكر هنا واجب ومستحق لكل من أجرى حواراً أخذناه كاملاً أو وزعناه على عدد من الفصول، والشكر لكل من طرح سؤالاً كان له أثر في لفت النظر إلى تعدد اهتمامات المسيري أو فتح لنا باباً لفكرة جديدة. وفي هذا السياق أشكر الدكتور أحمد عبد الحليم عطية الذي كانت حواراته مع الدكتور المسيري خير معين لنا، والشكر كل الشكر لمن واكب هذا المشروع فكرة وجمعاً حتى نهايته بمجهود بحثي أو نقدي، وكل من منحه من وقته واهتمامه، وأخص بالذكر الأبناء الأدبيين (إن جاز التعبير) للدكتور المسيري: الدكتور محمد هشام، والدكتورة جيهان فاروق، والدكتور ياسر علوي. ولا يفوتني هنا تقديم الشكر للسيدة منى البقلي التي بدأت رحلة جمع الأحاديث الصحفية وتصنيفها وبذلت في ذلك جهداً كبيراً. كما أتوجه بالشكر إلى السيدة أماني عزت التي تولت كتابة المخطوطة على الحاسوب، وكذلك إلى جميع العاملين في مكتب الدكتور عبد الوهاب المسيري على ما قاموا به من متابعة ودور محمود في إتمام العمل؛ فشكراً للأستاذ فضل عمران والأستاذة دينا رمضان.

وشكر خاص إلى الدكتورة هدى حجازي، التي كانت رفيقة الفكرة، وشريكة الجلسات، وصاحبة الفضل الأكبر في إكمال رحلة الحوارات بإشرافها على متابعة النسخة الأخيرة وطباعتها، فلها التحية والتقدير الكبيران لشخصها أولاً ولإصرارها ثانياً على استكمال ما أوصى به الدكتور عبد الوهاب المسيري فكانت خير راع لما ترك.

وغني عن القول أنني من أشد المعجبين بأفكار المسيري ورؤيته التي تتسم بالوضوح وصفاء الرؤية. فقد كان المسيري يمتلك قوة ملاحظة استثنائية تجعله يتوقف أمام ما يمرره كثيرون باعتباره من باب الأمر الواقع أو الشيء الطبيعي ليراه هو تعبيراً عن نسق أو تحيز أو نموذج ما. كما كانت لديه قدرة فائقة على وضع النظرية التي يمكن من خلالها قراءة الحدث العابر أو الموضوع البسيط أو القضية السطحية. وكانت هذه ميزة فكرية كبيرة ولكنها أيضاً مصدر استمتاع بما يكتب، والمصدر الأشمل للاستمتاع بكتاباته وحواراته هو أسلوبه السهل الناطق بخبايا وتلابيب الأفكار والمغلف بخفة ظل لا تفارقه في أكثر القضايا تعقيداً وعمقاً. وهذا الاستمتاع قادر على سرقة اهتمام المتلقي رغماً عنه أحياناً، وهو ما حدث معي طوال تحريري لهذه السلسلة، فتحولت مرات كثيرة إلى قارئة أكثر مني محررة، وكنت أقرأ كثيراً من الأجزاء لنهايتها ثم أعود مرة أخرى لقراءتها بعين المحرر وليس بعقل المتلقي. وأرجو أن يكون الحال نفسه مع كل قارئ وأتمنى أن يكون صدى هذا العمل في حجم ما توقعه الدكتور المسيري له.

وختاماً أدعو الله عز وجل أن يأجر صاحبه على كل ما جاء فيه من قول كان يعبر به عن سعي سعاه نحو الله، أو عن فعل ابتغى من ورائه تحقيق العدل وإعمار الأرض.. والله عنده خير الجزاء.

سوزان حرفي

الدوحة

تشرين الثاني/نوفمبر 2008

Page 4

1-الرؤية

س: صرحت بأنك تحاول أن توسع من نطاق الخطاب الإسلامي، بل والخطاب التحليلي العربي، فما دوافعكم؟

ج: لم يكن هناك دافع مسبق للتوصل إلى فكر جديد، وإنما ثمة بحث عن الحقيقة. لا تنسي أنني بدأت رحلتي المعرفية علمانياً ومادياً، وبالتدريج وجدت أن العلمانية المادية لا تفسر أشياء كثيرة في الإنسان، وبدأت تتساقط هذه المنظومة المادية تدريجياً. فكان كلما سقطت مقولة كنت أحاول سد الثغرة بطريقة ما أو بترقيع ثوبي المادي حتى أبقى داخل الإطار المادي، إلى أن وجدت الرقع أصبحت كثيرة وأكبر من الثوب وأنه من المستحيل الاستمرار في "ترقيع" المنظومة، وأن الأمانة الفكرية والعقلية تتطلب مني تبني منظومة أخرى، ومن هنا اضطررت إلى خلع الثوب المادي واستبدال ثوب إيماني إنساني به. وطرحت هذه الرؤية الجديدة المرتبطة بقراءاتي وبمعايشتي لمجموعة من الأحداث. ولا أدري هل يمكن تسمية هذا "مدرسة" أم أنه رؤية أو اتجاه أو منهج؟ على كل هذه مسألة نتركها للقراء وللنقاد، فهم الذين يقومون بالتقييم والتصنيف.

س: أهي مادية الفكر الغربي؟ أم قصوره في تحقيق الإشباع الفكري لديكم؟ أم هي الرؤية الإيمانية الكامنة في وجدانكم كانت العامل الحاسم في دفعكم للبحث عن رؤية فكرية جديدة؟

ج: يمكن أن أجيب بأن كل العوامل التي ذكرتها أدت دوراً في تحولاتي الفكرية والبحثية، وأن الشيء ونقيضه كانا فاعلين، فالرؤية الإيمانية كانت كامنة في وجداني وأخذت شكل الإيمان بالإنسان على أنه كائن متجاوز. وقد حاولت في مرحلة الترقيع أن أبقى داخل النموذج أو السقف المادي في بحثي عن المركز والمطلق. فتارة كنت أراه في العنصر الاقتصادي، ثم في التاريخ ومكره وحتمياته، ثم في القضية الفلسطينية، فهي قضية الحق فيها بيّن والظلم فيها بيّن. وبدأت أتأمل في الشعب الفلسطيني، وكيف أن هذا الشعب الفقير المقهور يقاوم ويرفض الظلم ويبدع. وقد أدى هذا إلى أن أهتدي إلى الإنسان على أنه كائن يوجد داخله ما هو متجاوز للسطح المادي والحتميات التاريخية والبيولوجية. فبالمقاييس المادية المحضة كان لابد أن ينتصر الإسرائيليون ويذعن الفلسطينيون، ولكن هذا لم يحدث، فسقطت المعادلات المادية الاختزالية البسيطة، وأصبح الإنسان هو المؤشر على وجود الله في عالم المادة والطبيعة والزمن والتاريخ. وعندما وصلت إلى أن النموذج المادي عاجز عن تفسير ظاهرة الإنسان وأنه لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا باللجوء لنماذج غير مادية، عدت إلى الرؤية الإيمانية. وكما ترين وصلت من الإنسان إلى الله، ولم أصل من الله إلى الإنسان.

Page 5

س: ما هي نقطة البداية، ومن أين انطلقت رؤيتك للكون والحياة؟

ج: حينما أتأمل حياتي كلها، الخاصة والعامة، أجد أن أهم ما فيها هو وجود عناصر عديدة أدت إلى اكتشافي أن الحياة الإنسانية مركبة ومفعمة بالأسرار والثنائيات والتنوع، وليست بسيطة أو سطحية أو أحادية، وأن الإنسان كائن فريد غير مادي وغير طبيعي مع أنه يعيش داخل العالم الطبيعي/المادي.

ولعل رفض الواحدية وإدراك ثنائية الإنسان والطبيعة/المادة، وما ينجم عنهما من ثراء وتركيب وتعددية، هما مدخلي لفهم العالم من حولي ولفهم الآخرين، ولفهم ذاتي. فأنا أرفض الواحدية (أي أحادية الأبعاد) وكل التنويعات عليها: الجوهر الواحد- البعد الواحد- عبادة الطبيعة- عبادة التكنولوجية- عبادة العقل- عبادة العاطفة- عبادة المثالية الخالصة- عبادة الروحية الخالصة، أرفض كل هذه الأمور إن جاء كل واحد منها على حدة، فهي كلها عناصر متكاملة متناقضة، تكون هذا الكائن الفريد: الإنسان الذي يقع في نقطة تقاطع بين كل هذه العناصر، والتقاطع هنا يعني التركيب كما يعني الحدود، فالطبيعة تضع حدوداً على التقنية، والمثالية على المادية، والجسد على الروح، والدنيا على الآخرة، والسياسي والمعرفي والتاريخي والنسبي والزمني على المطلق الواحد. ولعل فكرة التقاطع هذه تفسر تفضيلي شعر وليام بتلر ييتس على شعر ت. س. إليوت، فالأول نجح في أن يكتب قصائد عن النقطة التي تتقاطع فيها الأسطورة مع التاريخ، أما إليوت فقد اقترب كثيراً من عالم الأسطورة، وابتعد عن عالم التاريخ. وأعتقد أن غرامي بشعر محمود درويش يمكن تفسيره في الإطار نفسه، ومع هذا أعشق شعر صلاح عبد الصبور الذي يركز على نكبة الإنسان الكونية، ولا تفلح أي إنجازات تاريخية، في تخفيف حزنه العميق.

ويتبدى التقاطع هذا من ناحية في عدم إنكاري الدنيا وضرورة فهمها والتمتع بها، فهي المجال الذي يحقق فيه الإنسان حريته وإمكاناته، والإمكانات التي يحبو الله بها الإنسان هي نعمة تسعده إن اعترف بها وحققها، وهي نقمة تعذبه إن أنكرها وبددها. كما يتبدى التقاطع من ناحية أخرى في محاولتي قدر استطاعتي ألا أُستوعب في عالم المادة تماماً، وألا أذوب في اللذة والاستهلاكية، فهما يدمران حدود الإنسان. وهذا موضوع أساسي كامن في دراساتي وفي كتاب الفردوس الأرضي، الذي يتناول رغبة الإنسان الأمريكي العارمة في أن يحقق الفردوس الآن وهنا، فينكر التاريخ والماضي والمستقبل، ويعيش في اللحظة وحسب، وينكر ما وراء حدود المادة، أي ينكر عناصر التقاطع والتركيب، فينقلب الفردوس إلى جحيم، لأن الإنسان كائن مركب لا يمكنه أن يعيش إلا داخل حياة مركبة لا هي بالمادية الدنيوية ولا بالروحية الآخروية.

Page 6

س: تركز في دراساتك على أهمية اعتماد التراحم إطاراً مرجعياً والإصرار على أن ثمة مشتركاً إنسانياً تسميه "الإنسانية المشتركة"، التي يمكن أن تُشكِّل أساساً للتعامل الحضاري والسلمي بين المجتمعات والثقافات المختلفة. فما هي طبيعة الإنسانية المشتركة في فكر المسيري؟

ج: الإنسانية المشتركة مفهوم محوري في رؤيتي، وأحب أن أميز بينه وبين مفهوم الإنسانية الواحدة. مفهوم الإنسانية الواحدة في الحضارة الغربية، خاصة منذ عصر الاستنارة، يعني أن البشر يتسمون بشكل من أشكال التماثل والتشابه والتجانس الكامل. ما يحدث هنا هو عملية مساواة تنتهي إلى تسوية البشر الواحد بالآخر مما يلغي كل الخصوصيات بل والأبعاد المركبة، ويصبح الإنسان الغربي بالتدريج هو المثل الأعلى والنمط الكامل، وعلى الجميع أن يقلدوه ويلحقوا به، مما يعني أن التطور البشري يتبع ما يسمى باللغة الإنجليزية «unilinear paradigm» أي نموذج أحادي الخط، أي إن مسار التاريخ واحد بالنسبة لكل الشعوب، وبأنه سيصل إلى ذروته أو نهايته، حينما تهيمن الحضارة الغربية الحديثة وتتبنى كل الشعوب نموذجها "الحضاري". ومن هنا مفهوم الحقب التاريخية التي تتحقق في كل زمان ومكان بالشكل نفسه، وهو مفهوم سيطر على الرؤية الغربية للتاريخ كما هو الحال عند أوجست كونت وهيجل وغيرهم. بدلاً من ذلك أطرح فكرة الإنسانية المشتركة التي تنطلق من مفهوم إسلامي (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). نلاحظ في هذه الصياغة أنها تؤكد فكرة المساواة لكنها أيضاً تعترف بالاختلاف، فالعربي عربي والعجمي عجمي، لكن ثمة معايير تتجاوز كليهما وهو معيار "التقوى". هذه مسألة أساسية، والحضارة الإسلامية تؤكد دائماً مبدأ المساواة، وتقبل في الوقت ذاته عدم التماثل. ومن هنا نجد على سبيل المثال أسلوباً معمارياً إسلامياً هندياً، وآخر إسلامياً مصرياً وثالثاً إسلامياً سوريّاً، وداخل الأسلوب الإسلامي المصري يوجد أسلوب أيوبي وآخر مملوكي وثالث عثماني. ثمة تنوع ضخم لكن داخل إطار من الوحدة. والإنسانية المشتركة تعني أن هناك مقدرة أو طاقة إنسانية كامنة في كل البشر غير متشكلة، ولكنها تتحقق وتتشكل في أزمنة وأمكنة مختلفة، وتأخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الزمان والمكان، فإنسانيتي المشتركة تتحقق داخل الزمان والمكان العربيين، وتأخذ شكلاً عربياً، وإنسانية الصيني تتحقق داخل الزمان والمكان الصينيين وتأخذ شكلاً صينياً، ولكن هذا لا يجُب ما هو مشترك، وهذا مختلف تماماً عن فكرة الإنسانية الواحدة.

فكرة الإنسانية المشتركة، تعني أيضاً أن الإنسان ليس بكائن مادي. هذه الفكرة تدور في إطار ما يسمى بالثورة التوليدية التي تذهب إلى أنه يوجد في العقل أفكار كامنة «innate ideas» لا تُكتسب عن طريق التجربة وإنما تسبقها، فهي ليست معرفة مكتسبة وإنما مفطورة في العقل الإنساني، وهى فكرة تعود بجذورها إلى كانط وطورها تشومسكي وجان بياجيه، وهي تتفق تماماً مع مفهوم الفطرة في الإسلام. كل هذا يقف على طرف النقيض من رؤية لوك، والرؤية المادية التي ترى العقل باعتباره صفحة بيضاء، وأن كل المعرفة مكتسبة من خلال التجربة. فكرة العقل التوليدي هذه تشير إلى شيء غير محدود بحدود المادة وإنما يتجاوزها. بمعنى أنه لا يوجد زمان عام ولا مكان عام، يوجد زمان عربي ومكان عربي، وزمان غربي ومكان غربي، وزمان صيني ومكان صيني، والزمان والمكان يسمان الحضارات المختلفة، على الجميع أن يحترموا هذا الاختلاف مادام داخل فكرة الإنسانية المشتركة.

Page 7

س: هذا يعني أن لكل حضارة مقاييسها ومعاييرها، ألا يعني هذا سقوطاً في النسبية؟

ج: نعم، هذا الموقف يعني قبول قدر من النسبية والاختلاف وعدم التجانس واحترام الآخر، على أن تظل الإنسانية المشتركة هي المرجعية النهائية لنا جميعاً حتى لا نسقط في النسبية الشاملة العدمية، وأطلق على هذا الموقف اسم "النسبية النسبية"، فهي ليست نسبية شاملة ومطلقة، إذ تظل هناك معايير وقيم ومرجعية نهائية متجاوزة لصيرورة المادة!

س: مصطلح "الطبيعة/المادة"، يبدو كما لو كان جديداً، ولكنه مكون من مصطلحين كلاهما شائع ومعروف، فهل لك أن تفسر لنا ما المقصود بهذا المصطلح الجديد القديم؟

ج: لشرح هذا المصطلح سأبدأ بالقول إنني أؤمن بأن ثمة فارقاً جوهرياً كيفياً بين عالم الإنسان المركب، المحفوف بالأسرار، وعالم الطبيعة (والأشياء والمادة)، وأن الحيز الإنساني مختلف عن الحيز الطبيعي المادي، مستقل عنه، وأن الإنسان يوجد في الطبيعة ولكنه ليس جزءاً عضوياً منها، لأن فيه من الخصائص ما يجعله مختلفاً عن النظام الطبيعي/المادي، ومن ثم فهو قادر على تجاوزها وتجاوز قوانينها الحتمية، وصولاً إلى رحابة الإنسانية وتركيبيتها (وهذا هو مصدر ثنائية الإنساني والطبيعي التي تسم كل الأنساق المعرفية الهيومانية الإنسانية «humanistic»، دينية كانت أم إلحادية).

والطبيعة، في الخطاب الفلسفي الغربي الحديث، هي نظام يتحرك بلا هدف أو غاية، نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، توجد مقومات حياته وحركته داخله، يحوي داخله ما يلزم لفهمه، لا يشير إلى أي هدف أو غرض خارجه، وهو نظام ضروري كلي شامل، تنضوي كل الأشياء تحته. والتفكير المادي يرى أسبقية الطبيعة على الإنسان ومن ثم يختزله إلى قوانينها ويخضعه إلى حتمياتها بحيث يصبح جزءاً لا يتجزأ منها، ويختفي ككيان مركب متجاوز للطبيعة وللمادة، منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة، أي إن الحيز الإنساني يختفي ويبتلعه الحيز المادي، وبدلاً من ثنائية الإنساني والطبيعي تظهر الواحدية الطبيعية. ولكن صفات الطبيعة التي أدرجناها هي ذاتها صفات المادة بالمعنى الفلسفي، ولذا فنحن نرى أن كلمة "المادة" يجب أن تحل محل كلمة "الطبيعة" أو أن تضاف الواحدة للأخرى، وذلك لفك شفرة الخطاب الفلسفي الذي يستند إلى فكرة الطبيعة، ولكي نفهمه حق الفهم وندرك أبعاده المعرفية المادية. وقد فك هتلر شفرة الخطاب الفلسفي الغربي بكفاءة غير عادية حينما قال: "يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة". وهو قد تَبِعَ في ذلك كلاً من داروين ونيتشه، وانطلق من واحد من أهم التقاليد الأساسية في الفلسفة الغربية!

س: ما هي الفروق الأساسية بين الإنسان وما تسميه الطبيعة/المادة؟

ج: يمكن القول: إن الظاهرة الطبيعية مكونة من عدد محدود من العناصر المادية يمكن حصر معظمها ورصدها، على عكس الظاهرة الإنسانية التي تدخل في تكوينها عناصر مادية ونفسية وتراثية وثقافية، ولذا فإننا إن درسنا ظاهرة طبيعية دراسة متعينة كان بوسعنا أن نحدد علة (أو علل) ظهورها على عكس الظاهرة الإنسانية التي يصعب حصر كل أسبابها. ويلاحظ أن الظواهر الطبيعية تطرد على غرار واحد بغير استثناء، أما الظاهرة الإنسانية فلا يمكن أن تطرد بالطريقة نفسها، فكل جماعة بشرية تختلف في كثير من النواحي عن الجماعات البشرية الأخرى، كما أن كل عضو في جماعة عادة ما يكون متفرداً في بعض النواحي عن بقية أعضاء الجماعة التي ينتمي إليها، ولذا فإننا لا يمكن أن نحدد قانوناً اجتماعياً واحداً يتجاوز الزمان والمكان.

والظاهرة الطبيعية تتسم بأنها لا تملك إرادة حرة ولا وعياً ولا ذاكرة، وهي صفات من صميم إنسانية الإنسان. كما أن الظواهر الطبيعية لا تتأثر بالتجارب التي تجري عليها، أما الإنسان، إن أُخضع لتجربة معملية، فإنه سيتصرف بطريقة تختلف تماماً عن سلوكه العادي في حياته اليومية: فالإنسان يملك وعياً بنفسه وبما يدور حوله. ولعل هذا يجعلنا نأخذ موقفاً محايداً من الظاهرة الطبيعة، وهو أمر مستحيل في علاقتنا بالظاهرة الإنسانية. ويلاحظ أن معدل التحول في الظواهر الطبيعية يكاد يكون منعدماً ويتم وفق نظام كوني، أما معدل التحول في الظاهرة الإنسانية فهو أسرع بكثير، ولذا فإن الإنسان كائن له تاريخ، وهو تاريخ ثري متنوع. وينم مظهر الظاهرة الطبيعية عن مخبرها، فهي لا باطن لها (على الأقل حسب حدود إدراكنا الإنساني)، أما الإنسان فظاهره لا يشاكل باطنه.

لكل هذا يمكن دراسة الظاهرة الطبيعية بردها إلى عناصرها (الطبيعية/المادية) الأولية. أما الإنسان فلا يمكن رده إلى قانون عام ولا يمكن فهم كل جوانبه ولا تفسيره تفسيراً كاملاً، ولا يمكن رصده بطريقة نمطية اختزالية، بل لابد أن يظل باب الاجتهاد مفتوحاً بالنسبة إليه: إن عالم الإنسان عالم مركب، محفوف بالأسرار، أما عالم الطبيعة (والأشياء والمادة) فهو عالم أحادي بسيط إذا ما قيس بعالم الإنسان، ومن ثم فإننا نجد أن الحيز الإنساني مختلف عن الحيز الطبيعي المادي ومستقل عنه.

س: يبدو أن نظرتكم ورؤيتكم الوجودية والمعرفية للعالم وتركيزكم على ثنائية الإنسان والطبيعة، واختياركم نموذج المرجعية المتجاوزة والإنسان الرباني يؤدي إلى رفض الرؤية العلمية المادية الموضوعية الطبيعية، ورفض ما تطلقون عليه الإنسان الطبيعي أو البيولوجي أو المادي. وفي هذا -كما يرى بعض ناقديك- تقليل وتشويه لمفهومي المادية والعقلانية كما عُرِّفتا في تاريخ الفكر البشري!

ج: الفلسفة المادية هي المذهب الفلسفي الذي لا يقبل سوى المادة باعتبارها الشرط الوحيد للحياة (الطبيعية والبشرية)، ومن ثم، فهي ترفض الإله على أنه شرط من شروط الحياة، كما أنها ترفض الإنسان نفسه إن تجاوز النظام الطبيعي/المادي. ولذا، فالفلسفة المادية تَرُدُّ كل شيء في العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مبدأ مادي واحد. وإذا دخل عنصر آخر مادي على هذا المبدأ الواحد، فان هذه الفلسفة تصبح غير مادية.

والمادية ترى أسبقية المادة على الإنسان وكل نشاطاته، وتمنح العقل مكانة تالية على المادة. ولذا، فإنها ترى العقل باعتباره كياناً سلبياً ليست له فعالية، ووجوده ليس ضروريّاً لاستمرار حركة المادة في العالم. فنظرية المعرفة المادية (في مراحلها الأولى) تقر بإمكانية قيام المعرفة (فالعالم قابل لأن يُعرَّف لأنه معطى لإحساسنا ووعينا، بل إن مادية العالم هي شرط لمعرفته). ولمعرفة هذا العالم لا يحتاج الإنسان إلى استعارة وسائل من خارج عالم الطبيعة/المادة. والمادة -بحسب هذه الفلسفة- لا تسبق العقل وحسب، وإنما تسبق الأخلاق كذلك، ولذا، فإن الأخلاق تفسر تفسيراً مادياً ووفقاً لقانون طبيعي. فمنطق الحاجة الطبيعية المباشرة هو الذي يتحكم في الأخلاق الإنسانية، تماماً مثلما تتحكم الجاذبية في سقوط التفاحة. والشيء نفسه ينطبق على المعايير الجمالية، فالمشاعر والإحساس بالجمال وكل الأحاسيس الإنسانية يمكن فهمها بردها إلى المبدأ المادي الواحد، فهي مجرد تعبير عن شيء مادي يوجد في الواقع المادي. وأخيراً، المادة تسبق التاريخ كذلك، ولذا فكل تطور يتوقف على الظروف المادية والاقتصادية (على سبيل المثال: تطور أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج والمنفعة المادية الاقتصادية وقوانين العرض والطلب). ونوع الإنتاج في الحياة المادية شرط تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية على العموم. فالبناء الفوقي (الفكري والعقلي والنفسي) يُردُّ في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى المادة، أو ما يسمى البناء التحتي.

والإنسان في هذا الإطار "إنسان طبيعي"، أي إن سقف وجوده ووعيه هو السقف الطبيعي المادي. ويتفرع عن هذا الإنسان الطبيعي الإنسان الاقتصادي، الذي يحركه ويحدد سلوكه حُب مراكمة الثروة أو علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج. كما يتفرع عنه الإنسان الجسماني، الذي تدفعه غُدَدُه أو جهازه الهضمي أو العصبي أو التناسلي. إنه إنسان يُرَدُّ إلى ما هو غير إنساني. وأنا أذهب إلى أن هذه هي خطيئة المادية والعلمانية الشاملة، فهي لا تكتفي برد بعض أبعاد الإنسان إلى المادة، وإنما تصر على رد الإنسان في كليته إلى عالم الطبيعة/المادة، فتنزع القداسة عنه وتراه على أنه مادة محض.

Page 8

س: ما وصفته هو المادية المتطرفة أو السوقية، ولكن ماذا عن المادية المعتدلة أو الجدلية، وثمة فرق بينها؟

ج: المادية المتطرفة أو السُّوقية تذهب -كما يرى البعض- إلى أن العالم الحقيقي هو مجرد مادة تتغير في أحوالها وعلاقاتها المادية، وأن كل ما هو إنساني مجرد حركة للمادة. أما المادية المعتدلة فتحاول الوصول إلى رؤية أكثر تركيباً. ومع هذا، فإن كلاً من هاتين الرؤيتين، السوقية المتطرفة والمادية الجدلية، تفترض، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، أسبقية المادة على كل الظواهر التي تُردُّ، بعد كل هذا التهويم، إلى المبدأ المادي الواحد.

ولابد من الاعتراف أن بعض أشكال المادية بلغت مؤخراً درجة عالية من الصَّقْل والتركيب، إذ يرى بعض الماديين أن الخلق قد تم بالمصادفة، ولكن من خلال عمليات مادية عديدة، فبعد أن ظهرت الأميبا أحادية الخلية ظهرت كائنات مكونة من خلايا مركبة أدت في نهاية الأمر إلى ظهور الإنسان، كائن أصله مادي، ولكنه أكثر تركيباً من المادة. بل إن بعض هؤلاء الماديين يقولون: إن ظهور الغرض والغاية في العالم تم هو الآخر من خلال عمليات تطورية مادية. ولذا، فهم يتحدثون عن "المادة رفيعة التنظيم"، و"ذاتية التنظيم"، و"الخلق الذاتي"، وكأن المادة المتحركة المتغيرة الصماء قد ولدت من داخلها وعياً وتنظيماً ذاتياً، وشكلاً ومعقولية ومعيارية!.

إن هؤلاء الذين يرون أن المادة (من خلال المصادفة وحدها أو أية عملية أخرى) قد أدت إلى ظهور عناصر متجاوزة للمادة مثل "الإنسان" و"الوعي" و"العقل" و"الغائية"، هم - في نهاية الأمر- ينسبون إلى المادة مقدرات غير مادية. ومن ثم، فإنهم يكونون قد خرجوا عن مقاصد الفلسفة المادية، خصوصاً أن فَرَضياتهم لا تخرج عن كونها تكهنات عنيدة طفولية، تضمن لهم الاستمرار في ماديتهم، وتضمن لهم في الوقت ذاته تفسير ما حولهم من تركيب ووعي وغائية! (ولعل هذا هو أحد أشكال محاولة الإنسان العلماني الوصول إلى ميتافيزيقا دون أعباء أخلاقية، فالإصرار على أسطورة الأصل المادي هو الذي يحميهم من المسؤولية الأخلاقية!).

س: كيف تقول بأن عالم الحواس عالم مفلس، مع أنه مليء بعديد من التفاصيل الثرية؟

ج: أولاً عالم الحواس هو عالم المادة الذي يقاس، ويتسم بأن له خواص مثل الكثافة والحركة والوزن والطول والعرض وهكذا. وهذه كلها صفات تستحق الاحترام، لكن لنتخيل أننا ندرك إنساناً من خلال هذه الخصائص وحسب، فمن المؤكد أن يكون هذا الإدراك اختزالياً ظالماً، ولا يعقل أن نحب شخصاً أو نكرهه على أساس الوزن والتحرك والكثافة وهكذا... ولذلك يجب علينا أن نصل إلى طريقة لإدراك أبعاد الإنسان الأخرى، ومن ثم يجب أن تتم عملية إدراك الإنسان بطريقة تختلف عن طريقة إدراكنا للنحل مثلاً. ومحاولات التنبؤ بسلوك الإنسان يجب أن تختلف عن محاولات التنبؤ بسلوك النحل. ففي حالة النحل مثلاً ثمة مثير واستجابة، فحينما يشم رائحة زهرة معينة نجده يتجه نحوها. ولكن الإنسان مختلف، والمسألة ليست مثيراً واستجابة وإنما ثمة مثير، وثمة عالم الرمز والوسائط ثم عالم الاستجابة. ولنأخذ مثلاً بسيطاً. رائحة طعام ما قد تكون جيدة ومحببة عند شخص ما، في حين تكون مقيتة عند شخص آخر، ويمكن أن تكون محببة لشخص ما في مرحلة من حياته، ومقيتة في مرحلة أخرى، فما بالك إذا كان الأمر متعلقاً بالوطن والأرض. وهذا يساعدنا على فهم الصهاينة الذين يتصورون أن الوطن عقار قابل للبيع والشراء فيخلطون بين الأوطان والعقارات، وبالنسبة إليهم الأرض شيء يمكن بيعه وشراؤه، وكأننا في السوق، أما الذاكرة التاريخية والارتباط بالأرض فأمور لا أهمية لها في تصورهم، من هذا المنظور يمكنني القول: إن الفكر الصهيوني، بسبب أن إدراكه محصور بالحواس الخمس وبما يقاس، فكر مفلس تماماً يخفق في إدراك الفلسطينيين العرب وسلوكهم، وأعتقد أن الشيء نفسه ينطبق على النخبة الحاكمة الأمريكية في رصدها للعالم العربي والإسلامي.

س: ما هو موقفكم من العقلانية؟

ج: عادة ما أفصل بين العقلانية والمادية. فالعقلانية هي الإيمان بأن العقل قادر على إدراك الحقيقة من خلال قنوات إدراكية مختلفة، من بينها الحسابات الكمية الصارمة والحواس الخمس، كما أن من بينها أيضاً الخيال والعاطفة والحدس والإلهام. بمعنى أن العقل حينما يواجه الواقع فإنه يواجه واقعاً قد يكون مادياً بسيطاً، ولكنه قد يواجه حقيقة إنسانية مركبة، بل وأحياناً حقائق تشكل انقطاعاً في النظام الطبيعي أو النسق التاريخي. ولذا، فإن على العقل ألا يواجه الواقع بصيغة جاهزة بسيطة، وعليه أن يدرك المعلوم، وألا يرفض وجود المجهول، وإلا أصبح آلية لاختزال الواقع وتسويته، بدلاً من أن يكون أداة لرصده وتحليله وتفسيره.

س: لكنك تربط بين العقل والمادة في مصطلحات مثل "العقل المادي" و"العقلانية المادية"، هل لك أن توضح لنا مضمون هذه المصطلحات؟

ج: هناك من يرى أن العقلانية هي الإيمان بأن العقل قادر على إدراك الحقيقة بمفرده دون مساعدة من عاطفة أو إلهام، وأن الحقيقة هي الحقيقة المادية المصمتة المحضة التي يتلقاها العقل من خلال الحواس وحدها، وبأن العقل يوجد داخل حيز التجربة المادية محدوداً بحدودها، فيعيد إنتاج الواقع محكوماً بمقولات الطبيعة/المادة، فيرصد الواقع باعتباره كماً وأرقاماً وسطحاً خالياً من الأسرار والتفاصيل المتناثرة. هذا هو العقل الذي يسقط في الأداتية أو الإجرائية، فهو عقل غير قادر على تجاوز الحدود المادية، وهو لا يفرق بين الظواهر المادية البسيطة والظواهر الإنسانية المركبة. وهو عقل مادي يسوِّى بين الأشياء، ويمحو إحدى الثنائيات الأساسية في الكون: ثنائية الإنسان والأشياء، وبذلك يصبح العقل المادي أداة المادة في الهجوم على الإنسان، بدلاً من أن يكون علامة انفصاله عنها.

إن العقل المادي هو العقل الذي يوجد داخل حيز التجربة المادية لا يمكنه تجاوزها، يسري عليه ما يسري على الطبيعة من قوانين، فهو أداة الطبيعة، يمكنه تسييرها بمقدار ما يمكنه الالتحام بها والإذعان لها. وهو عقل محايد لا علاقة له بالأخلاق أو بالأسئلة الكلية (الخاصة بالغرض من وجود الإنسان في الكون)، أو بالمقدس أو بما يتجاوز عالم الحواس الخمس المباشر، فهو موصل جيد لما يدخله من معلومات ومعطيات لا يمكنه أن يتجاوزها، ولذا فهو لا يفرز سوى ما يمكن تسميته "أخلاق الصيرورة" أو "منطق الأمر الواقع" أو "موازين القوة". لأن العقل المادي لا يتعرف إلا على الحقائق المادية (ثمنها- حجمها- كثافتها) أي صفاتها المادية، ولكنه لا يعرف قيمتها، فالقيمة شيء متجاوز لعالم المادة وهو قادر على إدراك "ما هو قائم" وليس "ما ينبغي أن يكون"، لأن "ما ينبغي أن يكون" ينتمي إلى عالم غير العالم المادي المحسوس. بل إن العقل المادي معاد للتاريخ، لأن التاريخ بنية غير طبيعية غير مادية تتسم بالتنوع والتركيب والإبهام لا يمكن لهذا العقل أن يتعامل معها بكفاءة فهو يجيد التعامل مع الأرقام والكم والكثافة والحجم والوزن. ولذا العقل المادي حين يتعامل مع التاريخ يحاول أن يدخله الحيز المادي، فيتحدث عن "الحتمية التاريخية" وكأنها حتمية بيولوجية مادية. إن العقل المادي يتجه نحو اختزال الواقع المركب وإلى قوانين عامة تؤكد التماثل والعمومية، ولكنه في الوقت ذاته بسبب التصاقه بعالم الحواس يسقط في التفاصيل، فكأنه يتأرجح بعنف بين العام، الموغل في العمومية، والخاص الموغل في الخصوصية. فهو عقل يشبه أشعة إكس من ناحية، يمكنها أن تعطينا صورة لهيكل الإنسان العظمي، لكنها لا يمكنها أن تنقل لنا صورة الوجه الإنساني في أحزانه وأفراحه. ومن ناحية أخرى، يشبه «الميكروسكوب» الذي يعطينا أدق تفاصيل الخلية دون أن يمكنه أن ينقل لنا الصورة الكلية لهذا العالم. وقد خلصت من كل هذا إلى أن العقل المادي عقل عنصري إمبريالي؛ لأنه يسقط مفهوم الإنسانية المشتركة (فهو مفهوم كلي نهائي مركب لا يمكن قياسه) ولا يجيد إلا اختزال الواقع بهدف توظيفه. هذا العقل هو الكامن وراء مفهوم العقلانية الغربية، ومن هنا تسميتي لها بالعقلانية المادية، وهو الذي يؤدي إلى إعادة صياغة العالم الغربي بل والعالم بأسره في الإطار المادي.

Page 9

س: وماذا عن "العقلانية المادية" كما تسميها؟

ج: حين بدأت في تحليل الخطاب الفلسفي الغربي اكتشفت أن العقلانية الغربية ليست شيئاً مطلقاً، وإنما يختفي وراءها نموذج مادي يساوي بين الإنسان والطبيعة، ومن ثم يساوي بين العقل الإنساني والطبيعة المادية، ويجعل هذا العقل يذعن للطبيعة في نهاية الأمر إلى أن تصبح مهمته الوحيدة أن يرصد الطبيعة ويعرف مسارها وقوانينها ليطبقها على الإنسان، ومن هنا سميتها العقلانية المادية (التي تسمى عادة الاستنارة) التي عبرت عن نفسها في مقدرة العقل (المادي) على التجريب، ثم انفصلت النزعة التجريبية عن العقل، وأصبح العقل يلهث وراء التجريب المنفصل عن القيمة الإنسانية والأخلاقية، يتلقف نتائجه دون تساؤل عن المعنى والغاية.

وأعتقد أن هيمنة العقل المادي في الغرب هي المسؤولة عن الكره العميق الذي يشعر به كثيرون تجاه العرب، وعن عدم فهم قضية حق العودة للفلسطينيين وأهمية القدس. فاللاجئون الفلسطينيون يعيشون في وضع مادي مزرٍ، ومع هذا يرفض غالبيتهم التعويضات السخية التي يمكن أن تدفع لهم، وهم ما يزالون يتذكرون بيوتهم في حيفا ويافا ويحتفظون بمفاتيحها، وهم مستمرون في مقاومة العدو عبر ما يزيد عن مئة عام. وعلاوة على كل هذا يصرون على أن مدينة القدس هي عاصمة دولتهم (برغم أن كلنتون -كما يقال- عرض على السلطة الفلسطينية 30 بليون دولار). كل هذا، من منظور العقلانية المادية، يبدو أمراً متخلفاً لا عقلانياً يثير الغيظ والحنق، إذ كيف يمكن لهؤلاء الفقراء أن يتمسكوا بتراثهم ومقدساتهم على رغم كل الإغراءات المادية؟ ما الذي يجري في عقولهم؟

س: هل هناك لا عقلانية مادية؟

ج: نعم: من ثمرات هذا العقل المادي ما يسمى "الترشيد"، والذي ثبت أنه محاولة توظيف الوسائل بأحسن السبل في خدمة الغايات، أي غايات عقلانية كانت أم غير عقلانية. وهذا يعني أن يتعلم الإنسان كيف يبني جسراً أو طريقاً، ولا يهم إلى أين سيؤديان: إلى الجنة أم إلى الجحيم؟ المهم هو طريقة بناء الجسر، مما يؤدي إلى عقلانية الوسائل (كيف تقتل؟) لاعقلانية الغايات (لمَ تقتل؟). هذا يعني في واقع الأمر أن الرؤية العنصرية المادية يمكن أن توظف خير الوسائل العلمية والتقنية (العقلانية!) في خدمة اللاعقل، رؤية قد تكون "واقعية" بالمعنى المادي، ولكنها لا تخضع بأية حال لأي منطق عقلي إنساني. ولذا نجد أن ثمة تعايشاً كاملاً بين اللاعقلانية والعلم والتقنية. ألم يفعل ذلك المجتمعان النازي والصهيوني، فقد استخدما العلم والتقنية بكفاءة غير عادية، وهما يستندان في الوقت ذاته إلى رؤية داروينية لا عقلانية مادية. لا تؤمن سوى بالقوة وترفض الاحتكام إلى أي قيم عقلانية إنسانية توجد خارجها.

س: ولكن هذان النموذجان ينظر إليهما على أنهما من تجليات العقلانية؟

ج: نعم ثمة من يرى أن الإبادة النازية للملايين (من الغجر والسلاف واليهود والأطفال المعاقين ومن المسنين) ممن صنفوا باعتبارهم "أفواهاً مستهلكة غير منتجةٍ useless eaters" إنما هو أحد إنجازات العقلانية المادية، التي "حررت" الإنسان من أية أعباء أخلاقية مثالية غير مادية، وتعاملت مع البشر بـ "كفاءة" بالغة وبمادية صارمة، كما لو كانوا مادة استعمالية نسبية تخضع لقوانين الطبيعة/المادة، فمن يحيد عنها (مثل الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والرجال المسنين) لابد من التخلص منه في أسرع وقت وبأكثر الطرق كفاءة! أي إن العقل المادي هنا قام بتفكيك البشر بصرامة بالغة وكفاءة مدهشة، ونظر إلى الجميع بعيون زجاجية وكأنه حاسوب متأله، في غاية الذكاء، لا قلب له ولا روح! فالعقل المادي قام بتفكيك الإنسان ووظف آخر صيحات العلم والتقنية وبكفاءة غير عادية، في خدمة رؤية عنصرية متخلفة داروينية مادية غير أخلاقية، غير عقلانية. فهذه لا عقلانية مادية، إذ لا يمكن أن توصف مثل هذه الأفعال بأنها عقلانية.

ويمكننا القول: إن ثمة نمطاً من الحكام الإرهابيين الثوريين لا يختلفون كثيراً عن هتلر يدورون في إطار العقلانية المادية التي تتحول إلى لا عقلانية مادية! مثل روبسبيير، الذي حكّم العقل (المادي بطبيعة الحال)، فقام بتفكيك البشر في إطار "مصلحة الشعب" (كما رآها هو بطبيعة الحال) فأباد الملايين من أعداء الثورة "غير النافعين" بطريقة كفء منظمة. وهذا لا يختلف كثيراً عن ستالين، الذي قام بتفكيكهم في إطار علاقات الإنتاج ومعدلات النمو، فأباد ملايين الفلاحين (الكولاك) الذين كانوا يعوقون عملية الإنتاج المادية الحتمية بنفس الكفاءة والتنظيم. ويرى بعض مؤرخي الثورات التي تدور في إطار النماذج العقلانية المادية أن ظهور مثل هذا "الحاسوب المتألِّه" مسألة حتمية، وأنه قد يأخذ -بعد استقرار الثورة وتحولها إلى مؤسسات - شكل لجان خبراء ومستشارين! بل ويرون أن هذه ظاهرة حتمية لصيقة بالمجتمعات الحديثة، التي تُعرِّف النمو والتقدم والإنسان من منظور عقلاني مادي، وأن التكنوقراطية ونظريات التلاقي (بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي) ووحدة العلوم والاتجاه نحو التنميط أو الكوكبة والعولمة، إنما هي كلها تعبير عن هذا الاتجاه.

ودائماً ما أُحذِّر من تصور أن الغرب "عقلاني" وأننا يمكننا مقارعة الحجة بالحجة ونقنعه بعدالة قضيتنا وخلل نموذجه وسلوكه الإمبريالي. الغرب ليس مسيحياً ولا إنسانياً (هيومانياً) فهو من جراء هيمنة النموذج المادي عليه لا يدرك العالم إلا من خلال حواسه الخمس، أي إن الغرب وثني، ولابد أن تأتيه شواهد مادية وليس مقولات عقلية. فمثلاً كان من المستحيل إقناع الولايات المتحدة بأن غزو العراق سيضر بمصالحها وسيفجّر مشاكل كثيرة؛ لأن لوبي مصانع السلاح وشركات البترول كان يضغط على النخبة الحاكمة ويزين لها الأمر مبيناً المكاسب المادية التي ستصب في خزانات هذه الاحتكارات. ولذا كان لابد أن تتصاعد المقاومة وتتزايد تكاليف الحرب وتصل جثامين الجنود حتى يبدأ الشعب الأمريكي يدرك أبعاد القضية وحتى تبدأ النخبة الحاكمة في إجراء حسابات المكسب والخسارة، فتظهر قطاعات منها تطالب بالانسحاب من العراق. كل هذا يعني أن النموذج المادي يؤدي إلى اللاعقلانية المادية.

س: تتردد كلمة "الترشيد" في خطابك التحليلي وهي كلمة لها رنين إيجابي في العقل الإنساني، ولكنك على العكس من ذلك تجد أن لها مضموناً سلبياً؟

ج: هذه قضية في غاية الأهمية وتحتاج للتوضيح، أي مصطلح يخفي مفاهيم، ومهمة الباحث أن يبين هذه المفاهيم ويحاول تعريف المصطلح في ضوء المفهوم الكامن، وهذا ما فعلته مع كلمة "الموضوعية" فبعد أن عرفت "الموضوعية" كما ترد في الخطاب العربي، بينت أنها في واقع الأمر "موضوعية متلقية" وطرحت مفهوم "الموضوعية الاجتهادية". والشيء نفسه ينطبق على كلمة "ترشيد"، فالترشيد كآلية هو ببساطة إعادة صياغة الواقع وتنظيمه وإدارته بطريقة تضمن تعظيم الإنتاج وتحقيق أحسن النتائج من خلال أنجع الوسائل، وتوظيف المدخلات بطريقة تضمن تقليل العادم وتعظيم المردود، ويتم هذا من خلال عملية تخطيط مركبة وحسابات دقيقة. هذه هي إجراءات الترشيد بشكل عام، ولكن مع هذا ثمة أشكال مختلفة من الترشيد يمكن تصنيفها على أساس الهدف منها. فهناك الترشيد المضموني أي الذي له مضمون وهدف، وهو يعادل الترشيد التقليدي الذي يعني ألا يتعامل المرء مع الواقع بشكل ارتجالي وجزئي، وإنما يتعامل معه بشكل منهجي متكامل ومتسق مع مجموعة من القيم الأخلاقية المطلقة والتصورات المرجعية المسبقة التي يؤمن بها. فحينما قام المصريون القدماء ببناء الهرم الأكبر، على سبيل المثال، فإنهم أنجزوا هذا العمل المعماري الضخم من خلال عملية ترشيد ضخمة للعمالة ورسم خطط لنقل الحجارة، وتوفير الطعام لآلاف العمال. وكان الهدف من بناء هذا الهرم واضحاً للحكام والمحكومين، وهو بناء صرح لتقديس الفرعون الذي كان رمزاً للإله ولمصر. وحينما قام المسلمون بالفتوحات الإسلامية فقد حققوا انتصاراتهم من خلال عملية تخطيط مركبة، واستخدموا كثيراً من الإجراءات الترشيدية، حتى يمكن تنظيم قواتهم وتزويدها بالمؤن وتحريكها في أرض المعركة، وكان الهدف واضحاً تماماً للجميع، وهو نشر الرسالة الإسلامية في العالم.

ولكن ظهر نوع جديد من الترشيد في العصر الحديث وهو "الترشيد الشكلي أو الإجرائي" أو "الترشيد الأداتي" أو "الترشيد المادي" وهو الترشيد المنفصل عن القيمة والذي يدور في الإطار المادي، والموجَّه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروق له أو حسبما تمليه رغباته أو مصلحته. والترشيد المادي يتعلق بالكفاءة التقنية وتوفير أفضل الوسائل والتقنيات لتحقيق الأهداف (أية أهداف) بأقل تكلفة ممكنة وفي أقصر وقت ممكن، وكلما كانت الوسائل أكثر فعالية كان الفعل أكثر رشداً من الناحية الإجرائية أو المادية. فالترشيد التقليدي (المضموني) يتم في إطار المطلق الديني أو الأخلاقي أو الإنساني والمرجعية المتجاوزة، أما الترشيد الحديث (الشكلي) فهو متحرر من القيمة الدينية والأخلاقية والإنسانية منفصل عن الأهداف والمشاعر والغائيات الإنسانية خيِّرة كانت أم شريرة.

س: ولكن البعض يقول: إن عمليات الترشيد المادي هي مجرد آليات ليس لها أي أبعاد إيديولوجية؟

ج: هذا ادعاء إيديولوجي ليس له ما يسانده، فثمة منظومة إيديولوجية (معرفية وأخلاقية) كاملة تتم في إطارها أية عملية من عمليات الترشيد. وفي حالة الترشيد الذي يدَّعي التجرد من القيمة فإنه عادةً ما يفترض الطبيعة/المادة مرجعية نهائية له.

ويمكن القول بأن الترشيد المنفصل عن القيمة، والذي يدور في الإطار المادي، هو في واقع الأمر إعادة صياغة للمجتمع ككل عن طريق تفكيكه واستبعاد سائر العناصر المركبة التي تستعصي على القياس (العناصر الإنسانية أو الربانية)، وإعادة تركيبه على هدي المعايير العقلية المادية، إلى أن يتوافق الواقع الاجتماعي مع القوانين المادية، ويخضع للاختبارت والإجراءات الكمية وللقياس. ثم يتسم الشيء نفسه على مستوى الإنسان الفرد، باطنه وظاهره، ثم يتم ترشيده هو الآخر من الخارج ثم من الداخل في الإطار المادي، بحيث يمكن تفسير سلوك الإنسان في كليته من خلال نماذج مادية. والمفارقة الكبرى أن هذا الترشيد المادي يؤدي إلى ضمور الرشد الإنساني لأنه يتطلب الانصياع الكامل لنموذج خارجي، مادي، وفي نهاية الأمر غير إنساني، واستبعاد كل الاعتبارات الدينية والأخلاقية والإنسانية، وكل العناصر الكيفية والمركبة والنافعة والمحفوفة بالأسرار، بشكل تدريجي ومتصاعد، حتى تهيمن الواحدية المادية، ويتحول الواقع إلى مادة استعمالية، ويتحول الإنسان إلى كائن وظيفي أحادي البعد.

إن الترشيد الإجرائي يفترض عالماً مادياً تماماً، الإنسان فيه مادة سلبية تكاد تكون ميتة، مفعولاً به وليس فاعلاً، ولذا فنحن نسمي هذا النوع من الترشيد "تدجيناً"، ونظراً لأن الترشيد ليس له أية غائيات إنسانية فإن الإنسان يدرك بالتدريج أنه أصبح مجرد وسيلة بعد أن كان غاية، وأن عقله عقل أداتي إجرائي، عالم تكون فيه قوانين اللعبة أو أخلاقيات الصيرورة أكثر أهمية من نوع اللعبة أو الهدف منها.

Page 10

س: هل تريد أن تربط بين الترشيد الإجرائي أو المنفصل عن القيمة والحداثة الغربية المنفصلة عن القيمة؟

ج: نعم، فقد بدأت عملية ترشيد المجتمعات الغربية في عصر النهضة مع مولد منظومة الحداثة، وكانت معدلات الترشيد في بداية الأمر بطيئة متعثرة، ولكن أصبح الإنسان الغربي في القرن التاسع عشر واعياً بأهمية الترشيد، فاندفعت الحضارة الغربية قدماً للأمام بخُطا حثيثة لترشيد المجتمعات الغربية، ثم تزايدت معدلات الترشيد إلى أن تم ترشيد معظم مجالات الحياة: الإذاعة - التلفاز - تخطيط المدن- المعمار...إلخ، إن استمعتِ إلى نشرة الأخبار في التلفاز فستلاحظين أن أمام المذيع مثلاً خمس عشرة دقيقة ليغطي أخبار العالم: أوربة- الولايات المتحدة- الشرق الأوسط- أخبار الرياضة- أخبار النجوم- الأخبار الاقتصادية- بعض الطرائف والفضائح. وكي يستخدم المذيع 15 دقيقة على أكمل وجه، وبشكل يقال له رشيد، يجب ألا يزيد الوقت الذي يستغرقه كل خبر على كذا بايت bite، والبايت bite تستغرق كذا ثانية، ويتم تدريب المذيعين على الحديث بسرعة حتى يمكنهم تغطية كل الأخبار في الحيز الزمني المسموح به، كما يتم تدريب الفنيين على كيفية عرض الأفلام المصاحبة للنشرة بسرعة. والهدف من كل هذا ليس نقل الأخبار وإعطاء المستمع الفرصة ليميز بين الغث منها والثمين، والصادق منها والكاذب، وإنما الهدف هو توصيل الخبر بسرعة، حتى يمكن توظيف الحيز الزمني بطريقة يقال لها رشيدة! بل إن الأخبار ذاتها تحولت تدريجياً إلى نوع من أنواع التسلية يُقال له "infortainment" وهو مزيج من الأخبار "information" والتسلية "entertainment" التي يمكن تسميتها "أخباتسلية".

وتم ترشيد الحيز المكاني الذي يتحرك فيه البشر لضبط حركتهم وتوظيفها توظيفاً رشيداً، ولنقارن الطرق في المدن الحديثة بالطرق في المدن القديمة، الطرق في المدن القديمة دائماً ملتفة ومتعرجة، أما في المدن الحديثة فالطرق مستقيمة لا لفَّ فيها ولا دوران، وتحدد فيها سرعة السيارات، وتضبط حركتها من خلال إشارات المرور الضوئية. والشيء نفسه ينطبق على المنازل، فالمنازل في المدن القديمة تأخذ أشكالاً مختلفة تنبع من اعتبارات كثيرة بعضها غير رشيد إطلاقاً (بالمعنى المادي)، أما الآن فالمنزل يبنى في حيز حددته الدولة المركزية مسبقاً، وعادة ما يأخذ شكلاً هندسياً محدداً، كأن يكون مربعاً أو مستطيلاً، كما حددت الدولة المركزية شكل واجهته، فهي باعتبارها آلية الترشيد الكبرى، تتدخل في كل كبيرة وصغيرة.

إن الترشيد في المجتمع الغربي الحديث يدور في إطار مادي، فمنظومة الحداثة الغربية تصدر عن رؤية مادية، ترى أن ما يحرك العالم هو القوانين والدوافع والقيم المادية، وقد سموا هذه القوانين "القوانين الطبيعية"، وسموا المادة "الطبيعة"، ولذا فأنا أشير لها بأنها "الطبيعة/المادة". وانطلاقاً من هذه الرؤية المادية، لا تميز منظومة الحداثة الغربية بين الطبيعة/المادة والإنسان، فالإنسان إن هو إلا كائن طبيعي/مادي، تسري عليه القوانين الطبيعية/المادية نفسها التي تسري على الأسود والذئاب والفراشات واليرقات. في هذا الإطار حُدد الهدف من وجود الإنسان في الكون بأنه تعظيم المنفعة واللذة في إطار مادي. ومن هنا ظهر الإنسان الطبيعي/المادي، أي الإنسان الذي يدور في إطار النموذج الطبيعي/المادي: سماؤه هي السقف المادي، طموحه مادي، أحلامه مادية، أهدافه ودوافعه مادية. وبدلاً من إنسان مركب، متعدد الأبعاد، مفعم بالأسرار، مكون من جسد وروح، ظهر إنسان تحركه الدوافع الاقتصادية، فهو إنسان اقتصادي، أو يحركه مبدأ اللذة، فهو إنسان جسماني، ومهما اختلفت الدوافع، فهي تظل، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، مادية، يمكن ردها إلى الطبيعة/المادة، فهو إنسان طبيعي/مادي.

وهَمّ هذا الإنسان الطبيعي/المادي الأوحد هو تصعيد الاستهلاك، ولذا فعليه تسخير كل الموارد الطبيعية والبشرية التي حوله لصالحه، والترشيد في الإطار المادي لا يكتفي بطبيعة الحال باختزال الإنسان لدوافعه المادية، بل لابد من إعادة صياغة المجتمع ذاته وكل مجالات الحياة ووحدات المجتمع إلى القاسم المشترك المادي، ومن ثم يتم استبعاد كل ما هو مركب ومتجاوز لسطح المادة حتى يسهل إدارة المجتمع لتحقيق الأهداف المادية.

انظري إلى أي إعلان في التلفاز ستجدي أن الإنسان الذي يظهر فيه يتحرك في إطار المنفعة الاقتصادية واللذة الجنسية، إنسان بسيط غير مركب وكل ما حوله بسيط مختزل إلى البعد المادي: مصدر السعادة في حالة إعلانات السيارات هو اقتناء سيارة جديدة جميلة فارهة، سلعة قد تكون غير نافعة أو تتسم بصفات ليست بالضرورة نافعة، ولكنها ولا شك لذيذة، ومن هنا توجد بجوار السيارة دائماً فتاة شبه عارية تستخدم ساقيها اللذيذتين لتوجيه أنظارنا للمزايا اللذيذة غير النافعة للسيارة. أما معجون الحلاقة فهو له فعل السحر، فإن اشتريت هذه السلعة النافعة اللذيدة، فستجد عدداً هائلاً من البنات اللذيذات يسقطن صرعى جمالك. وأعترف أنني جربت هذه الوصفة السحرية، ولكن التجربة لم تحقق أياً من النتائج المرجوة منها ولو بنسبة ضئيلة! وهدف الإعلان اقتصادي نفعي، وهو بيع السلعة للإنسان الذي تحركه الدوافع الاقتصادية، ويتم ذلك من خلال مخاطبة غرائزه الجنسية التي يحركها مبدأ اللذة.

س: يمكن هنا الربط بين الترشيد و"الإنسان ذو البعد الواحد" وهي عبارة ترد كثيراً في خطابك، ما المقصود منها؟

ج: عبارة "الإنسان ذو البُعد الواحد" ترجمة للعبارة الإنجليزية "وان ديمنشينال مان one-dimensional man" وهي عبارة تَرد في كتابات هربرت ماركوز، أحد مفكري مدرسة فرانكفورت، وتعني "الإنسان البسيط غير المركب". والإنسان ذو البُعد الواحد هو نتاج المجتمع الحديث، وهو نفسه مجتمع ذو بُعد واحد يسيطر عليه العقل الأداتي والعقلانية التكنولوجية والواحدية المادية، وشعاره بسيط هو التقدم العلمي والصناعي والمادي وتعظيم الإنتاجية المادية وتحقيق معدلات متزايدة من الوفرة والرفاهية والاستهلاك. وتهيمن على هذا المجتمع الفلسفة الوضعية التي تُطبِّق معايير العلوم الطبيعية على الإنسان، وتدرك الواقع من خلال نماذج كمية ورياضية، وتظهر فيه مؤسسات إدارية ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وتُرشِّده وتُنمِّطه وتُشيِّئه وتُوظِّفه لتحقيق الأهداف التي حددتها. ويذهب ماركوز إلى أن المجتمعات الاستهلاكية تتسم بالهيمنة الكاملة للمؤسسات الرأسمالية على السلطة وسيطرتها على عملية الإنتاج والتوزيع، بل صياغة رغبات الناس وتطلعاتهم وأحلامهم) أي إنها تتحرك في كل من رقعة الحياة العامة والخاصة)، فهي تنجح في خلق طبيعة ثانية مُشوَّهة لدى الإنسان إذ يتركز اهتمامه على وظيفته التي يضطلع بها (فهو إنسان وظيفي). وتتركز أحلامه على السلع ويرى ذاته باعتباره مُنتجاً ومُستهلكاً وحسب، دون أدنى إحساس بأية غائية كبرى أو هدف أعظم، ويرى أن تَحقُّق ذاته إنما يكمن في حصوله على السلع. ويتم إشباع كل رغبات هذا الإنسان داخل مجال السلع هذا، حتى يصبح الإنسان أحادي البُعد تماماً (مُتسلِّعاً مُتشيِّئاً) مرتبطاً تماماً بسوق السلع حدوده لا تتجاوز عالم السوق والسلع.

س: هل الإنسان ذو البعد الواحد هو الإنسان الاستهلاكي؟

ج: يمكن أن نقول ذلك، فالديباجات التي تستخدمها الإعلانات تبدو كما لو كانت دعوة للتعددية والفردية، ولكنها، في واقع الأمر، قناع ماكر يخبئ عملية فرض الأنماط الاستهلاكية الجمعية التي توحي للمستهلك بأن يقلد الآخرين، وأن يتبع الموضات وآخر الصيحات، فكأن الفردية هنا هي قناع لعملية استيلاء كاملة على باطن الإنسان، تُدخل في روعه أن هذا الحلم هو حلمه وحده، وأن هذه السلعة سبيله الوحيد لتحقيق ذاته، مع أنه في واقع الأمر وسيلة تجعل تطلعاته وأحلامه مثل تطلعات وأحلام الآخرين، وبذا يمكن للآلة الاستهلاكية الاستمرار في الدوران. إن المستهلك أحادي البُعد هو شيء أنيق الملبس يستهلك كل السلع المطلوب منه أن يستخدمها، داخل إطار مجتمع تتم إدارته من الداخل والخارج بطريقة هندسية رشيدة غير ديمقراطية. ومع هذا، وهنا تكمن قوة المجتمعات الاستهلاكية، يظن الإنسان أنه يمارس حريته وفرديته، فمجال الاختيار في عالم السلع واسع لأقصى حد. ولكن هذا يخبئ الحقيقة الأساسية وهي أن مجال الاختيار في الأمور المهمة (المصيرية والإنسانية والأخلاقية) قد تقلص تماماً واختفى، وأن هذا الإنسان فقد مقدرته على التجاوز وعلى نقد المجتمع، وأصبحت عنده مقدرة عالية على التكيف وقبول الأمر الواقع والإذعان له. ويسمي ماركوز هذه المجتمعات "مجتمعات ديمقراطية لا تتمتع بالحرية"، أي مجتمعات شمولية نجحت في أن تجعل الجماهير تستبطن الرؤية السائدة في المجتمع وتسلك حسبها دون قمع بوليسي خارجي، بحيث يرى الإنسان أن الهدف من الحياة هو تَزايُد التحكم في الطبيعة وتَراكُم السلع وبذا يسود ضرب من " غياب الحرية في إطار ديمقراطي سلس معقول " (بالإنجليزية: سموث ريزنابل ديموكراتيك أنْ فريدم) smooth reasonable democratic unfreedom .

والإنسان ذو البُعد الواحد هو ذاته الإنسان الطبيعي (الإنسان الاقتصادي والجسماني)، وهو إنسان بسيط يعيش داخل نطاق الطبيعة لا يملك لها تجاوزاً، يسري عليه ما يسري عليها من قوانين، إنسان فقد تماماً العقل النقدي المُتجاوِز، وهو أيضاً الإنسان الوظيفي الذي يُعرَّف في ضوء الوظيفة التي تُوكَل إليه، وهو الإنسان الذي تم ترشيده وتدجينه في إطار العقلانية المادية التقنية. ومع أن ماركوز يخصص أحياناً ويتحدث عن الإنسان ذي البُعد الواحد باعتباره ظاهرة رأسمالية، إلا أنه، في معظم الأحيان، يراه باعتباره ظاهرة خاصة بالمجتمع الحديث كله.