eKtab
EN ع
العمل الإذاعي- ماهيته، طبيعته، مبادؤه
Read free sample

العمل الإذاعي- ماهيته، طبيعته، مبادؤه

by د. عيسى محمود الحسن

Page 1
المقدمــــة
 
لم يكن الإعلام من حيث هو فن ذا تأثير كبير على الرأي العام، ولكن التأثير المنظم للإعلام لم يظهر إلاّ منذ فجر القرن العشرين حيث أصبح للإعلام مقوماته وميدانه، وظهرت فنون عديدة للإعلام وتكتيكات جديدة للأخبار ووسائل الاتصال بالجماهير.
ومن أشهر من لمعت أسماؤهم في الإعلام خلال الحرب العالمية الأولى اللورد نورث كليف الذي كان يعمل على إقناع الرأي العام بأنْ ليس هناك تناقض بين سياسة الحكومة الألمانية وبين وسائل الإعلام، حيث ربطها بالفن الإذاعي، ورأى أنه من الواجب أن يتم وضع نظام دعائي توضح فيه الأعمال وأهدافها ليس فقط للحاضر وإنما للمستقبل أيضاً.
وعندما انطوت صفحات الحرب العالمية الأولى برزت الظاهرة الإذاعية كتعبير عن الحياة الجديدة التي أعقبت هذه الحرب، وكتعبير عن رغبة الإنسان في الإفضاء إلى أخيه الإنسان، والاتصال به والتأثير عليه وجعله تحت سيطرته، ولقد تناولت الوسائل الإعلامية في ألمانيا على يد غوبلز كثيراً من الأساليب المختلفة التي تهيئ جواً أو تأثيراً على المستمعين، ومن هذه الأساليب خلق الوهم بالإجماع.
ويرى بعض الإعلاميين أن الإعلان عن الأعمال المقبلة ثم تحقيقها بالفعل في وقتها يعتبر براعة إعلامية، لأن ذلك أيضاً يربي في النفوس قواعد الثقة.
والإعلاميون الناجحون يرون أن من أسباب نجاحهم تقديم المعلومات الجديدة للمستمعين والمشاهدين والقراء، لذا فإنهم يعتمدون كثيراً على أنفسهم في الحصول على هذه المعلومات، فيقومون لأجل ذلك بجولات مختلفة في أماكن متعددة بين وقت وآخر في الداخل والخارج للحصول على المعلومات من مصادرها.
ويؤكد الباحثون أنه ليس صحيحاً أن الإعلام المنظم كفيل بالسيطرة على المتلقين وآرائهم حتى لو كان الإعلام قائماً على تغيير الحقائق، وإنما الصحيح أن الإعلام يكون أكثر احتمالاً للنجاح إذا أمكن تغيير وجهة نظر المتلقي بالنسبة لموضوع معين دون تشويه الحقيقة في ذاتها.
وعندما انفجرت الحرب العالمية الثانية قفزت بالإذاعة المسموعة إلى المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام المختلفة حيث نشأ فن الإذاعة معبّراً عن عصر السرعة إذا استطاع هذا الفن خلال عمر قصير جداً أن يصل إلى هذه المرحلة وأن يثبت كفن ناضج وأصيل وهي له مقوماته وأسسه ومنهجه، وبعد أن كانت الإذاعة تعتمد على الصحف والمسرح والحفلات الغنائية والموسيقية فيما تقدمه لمستمعيها من أحاديث سرد وخطابات وأخبار ومسرحيات وغناء وموسيقى، استطاعت أن تخلق لنفسها أنواعاً جديدة خاصة من الفن إلى جانب الأنواع المختلفة وبرامج المنوعات والبرامج الموسيقية والخاصة والتمثيليات والمناقشات والدردشة، كما استطاعت أن تطور معظم الفنون وتصهرها وتخلق لنفسها منها صوراً خاصة بها، هي الصورة الإذاعية.
ثم بدأت تظهر الإذاعات الموجهة التي اختلف هدفها عن أهداف الإذاعات المحلية أو التي في داخل الوطن وتمثلت أهدافها في تعريف المستمع الأجنبي بالجهة التي تقوم بتوجيه تلك الإذاعة، وتبصيره بقضاياها ووجهة نظرها اتجاه مختلف القضايا الدولية والمسائل العالمية واكتسابه إلى جانب قضاياها وآرائها.
وفي هذا الكتاب الذي نتحدث فيه عن مبادئ العمل الإذاعي، حاولنا الوصول إلى هذه الأهداف كنتيجة بعد سلسلة من المقدمات الممهدة للوصول إليها، حيث ابتدأنا بالدعاية والرأي العام مروراً بوسائل الاتصال الجماهيري ثم تحولاً نحو أهداف الإذاعة وتنسيق البرامج وصولاً إلى الإذاعات الموجهة وبحوث المستمعين وذلك لتكوين فكرة عامة عن العمل الإذاعي وما هيته وطبيعته...
وهو ما هدفنا إلى الوصول إليه.
المؤلـــــف
Page 2
الدعاية والرأي العام
 
بداية لا بد من التفريق بين الدعاية والإعلام، فالإعلام يقوم على تزويد الناس بالمعلومات الصحيحة، والأخبار السليمة، والحقائق الثابتة الصادقة، من أجل تكوين رأي عام مستنير، بحيث يعبر هذا الرأي تعبيراً موضوعياً عن عقلية الجماهير وروحها وميولها، وهو يخاطب العقل وليس الغرائز كما تفعل الدعاية التي تهدف إلى أغراض معينة تتسم بالتزييف، والعبث بالأرقام والحقائق والمعلومات، واستخدام الأخبار غير الصحيحة والمحرّفة والكاذبة، للتأثير على الناس بهدف تضليل الجماهير وخداعها من أجل السيطرة عليها واكتساب رأيها، رغم أن الدراسات أثبتت أن الرأي يتحدد عموماً بالأحداث أكثر مما يتحدد بالكلمات، ما لم تفسر هذه الكلمات ذاتها على أنها حدث. غوبلز مثلاً قد قفز بالوسائل الدعائية إلى درجة عالية من الفن، ونجح في إنقاذ الأمر بالنسبة إلى حزبه في عام 1932 حيث كان من نتيجة ذلك أن تولد الشعور لدى الرأي العام في ألمانيا بأن حزب غوبلز يلاقي نسبة تأييد إجماعي من شعب ألمانيا، وقد نجحت هذه المناورة في التأثير على الرأي العام، وكان غوبلز يسمي هذه الانتخابات التي تجرى في البداية بأنها انتخابات الطليعة، وكان يرى فيها أهمية بالغة في التأثير على الرأي العام.
والواقع أن الدعاية تستلزم وسائل مغالة لتنظيمها، ومن أهم هذه الوسائل الإعلام الذي يحتاج إلى جهد متواصل لإمداد جماهير المستمعين بالأخبار والأنباء التي يهمها معرفتها، والاهتمام بالواقع، وخواص القطاعات المختلفة من الرأي العام. 
وكان غوبلز يهتم بشكل خاص بالإحصائيات، لأن لغة الأرقام كثيراً ما تغني عن التفاصيل التي قد تكون زائدة عن حاجة المستمع العادي، ولأنها تربي الثقة في النفس، حيث كان يعهد إلى تقديم الحقائق مبتدئاً بشرحها وشرح وجهة نظره لما كان يزمع أن يتخذ من قرارات تؤثر تأثيراً مباشراً في الرأي العام.
والدعاية علم كبير يتصل بمستوى غير عادى بالأحاديث والندوات والنقاشات، لأنها في معظمها دعاية متصلة بالرأي العام.
والدعاية مكروهة من قبلنا رغم أننا نقوم بها بشكل متواصل، ذلك لأنها كانت -وما زالت –مرتبطة دائماً بالأساليب الاستعمارية والامبريالية والصهيونية التي تهدف إلى إقناعنا بآراء وأفكار وقضايا ووجهات نظر معينة، لتحقيق أهداف وغايات تلك القوى المعادية العدوانية، وهذه المفاهيم إجمالاً ضد مصلحتنا شعباً وأرضاً ووطناً وحضارة وثقافة وتاريخاً وتراثاً، بينما كلمة "دعاية" في حقيقتها عبارة عن الأسلوب الذي يتبع لإقناع الآخرين لهذا يجب إعادة موقفنا العاطفي منها، لأنها شكل إقناعي فني تقنع به الآخرين.
ويحدد علم الدعاية نفسه فنية الأسلوب الذي به تتم محاولة إقناع الآخرين، فلقد تتخذ الدعاية أحياناً شكل حملة مركزة مثلما حدث أيام العدوان الثلاثي الذي استهدف قناة السويس، ومثلما حدث بالنسبة لما يسمى بمحاربة الإرهاب الذي استهدف أولاً أفغانستان والقضاء على طالبان والقاعدة رداً على أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالمقابل فإنه رغم الذبح اليومي والتصفيات الجسدية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على يد القوات الصهيونية الإرهابية، إلاّ أن الدعاية كحملة مركزة لحماية الشعب الفلسطيني لم تتحقق، بل بالعكس، فالطرف الآخر العدواني الإرهابي استطاع من خلال استغلاله ما يسمى بمحاربة الإرهاب كرد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن يجعل الرأي العام وبخاصة العربي يلزم الصمت إزاء الجرائم الوحشية وعمليات الإبادة الجماعية، التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وانتفاضته.
كذلك قد تأخذ الدعاية شكل حملة بأسلوب يومي، كأن تكون من أجل احترام الناس للحرية والاستقلال، فهذه وغيرها أيضاً دعاية.
Page 3
 أما أدوات موضوع الدعاية فتتمثل في الأسس التالية:
1-الموضوع المقصود.
2-الوسيلة التي تمثل الفكر للآخرين.
3-مدى تأثير أفكار الداعية على الآخرين.
وفيما يتعلق بالموضوع فلا بد عند محاولة اختياره البحث أولاً فيه ودراسته والاقتناع به وبأبعاده وظروفه وذلك ببحثه ودراسته الدراسة الشاملة، حيث يتم التركيز على نقطة معينة مع عدم إهمال بقية النقاط، عندما تأخذ على سبيل المثال موضوع الإرهاب... ما هي النقاط التي يمكن وضعها في الاعتبار؟ وفي هذه الحالة من المفروض أن نناقش المواضيع التالية:
التعريف بالإرهاب، هل هو إرهاب الأفراد، أو الجماعات أو التنظيمات أم إرهاب الدولة؟ الأسباب الحقيقية لطرحه في هذه الظروف مع أنه ليس جديداً؟ من الذي يحتاج حقيقة لحمايته من الإرهاب؟ هل هو المعتدى أم المعتدى عليه؟ 
هناك فرق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة للشعوب في مواجهة الغزاة والمستعمرين والمحتلين وما يقوم به هؤلاء من قمع وقتل وإبادة لتثبيت احتلالهم، هناك فرق بين ما يقوم به هؤلاء المعتدون من جرائم القتل والتدمير بكل ما يملكون من الأسلحة بما بينها المحرم دولياً، وبين الذين يمارسون النضال والكفاح المسلح للحصول على الحقوق واسترداد الأرض والديار والعودة إلى الأوطان، وهو ما تقرّه الكتب السماوية وتؤيده كل الأعراف والقوانين الدولية.
ويتم التفكير في هذه النقاط المطروحة حسب أهميتها بالنسبة للجمهور المستهدف بالدعاية، بحيث توضع في الاعتبار ظروفه السياسية، وحصيلة ما لديه من أفكار مكتسبة ومعرفة ما إذا كان قد تعرض لمثل هذا الإرهاب خلال مرحلة من مراحل نضاله في سبيل الحرية والاستقلال.
وفي مثال آخر حول موضوع الدعاية لتنظيم الأسرة في واحدة من البلدان المزدحمة بالسكان.. فإن النقاط التي يمكن وضعها في الاعتبار كالتالي:
تنظيم الأسرة يفيد الصحة، يزيد الدخل، يزيد درجة العناية بالأطفال، لا يتعارض مع الدين في شيء.
ويتم التفكير في النقطة حسب أهميتها، مع مراعاة توجيهات وظروف الجمهور الموجود والمستهدف بالدعاية، وتراعى أيضاً الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي تحيط بالحملة الدعائية، وتوضع أول نقطة، كما تتأثر النقطة الملائمة للزمان والمكان ويتم التوجيه لنوع معين عنده من الناس ويجب أن يتجه موضوع الدعاية ليس فقط إلى عقول الناس بل أيضاً إلى عواطفهم.
عند محاولة الإقناع بالنسبة للجمهور المستهدف بالدعوة يكون هناك تودد له، فكلما تحقق نجاح ما في خلق علاقة معه خُلقت ثقة وخُلق تقبل، فيجب خلق علاقة شخصية مع المرأة بأن تقول لها بأنك حريص على صحتها، ومن الممكن لهذا السبب أن يأتي ابنك ضعيفاً عندما تكونين غير سليمة الجسم.
هذا فيما يتعلق بموضوع الحملة الدعائية الذي يتطلب دراسة كاملة، وكذلك دراسة المكان والزمان والظروف والنفسيات، ويتطلب دراسة السوق والعادات والتقاليد وكل المجتمع دراسة كاملة، وعلى هذا يتوقف نجاح جهاز الإعلام في الإذاعة.
Page 4
الأمر الآخر، من الذي يقوم بالدعاية؟
قد يقوم بها فرد أو مجموعة أفراد يكونون وراء الفكرة الإعلامية المراد أعلام الآخرين بها.
والفرد من الممكن أن يكون ظاهراً أو غير ظاهر، بالنسبة للإذاعة عادة يكون معروفاً للجمهور فهو الذي يقوم بالعمل، ومهما كان الأمر في الإذاعة تتم الدعاية عن طريق فرد معروف، حيث كانت قد أجريت عليه دراسة قبل تكليفه، فهل هو مقنع للناس الذين يتجه لهم بالموضوع؟
مثال آخر... إذا كنا نريد أن نعمل دعاية للهجرة المعاكسة من المدينة إلى الدواخل، فكيف يتم الاختيار؟ هل يكون المرسل امرأة أم رجلاً؟ وهل الموضوع يهمهما أم لا؟
البدو عادة وكذلك أهل الريف يتقبلون من الرجل، ويسمعون للشخص المتنوّر، ولديهم الرجل المسنّ الكبير مقنع في الأحاديث أكثر.
كذلك فيما يتعلق بالشخص المكلف الذي تنقل عنه الرسالة الإعلامية والدعائية، فإن ظروفه يجب أن تدرس سواء كان رجلاً أم امرأة، صغيراً أم كبيراً، شكله مقنع أم غير مقنع ولا بد من معرفة في أي جانب يكون هذا الشخص مقنعاً، وبشكل عام يجب أن يكون المرسل مناسباً للرسالة الإعلامية الدعائية وللجمهور.
الأمر الثالث هو وسيلة نقل الرسالة الإعلامية، وذلك يكون بإحدى طريقتين:
الأولى: مباشرة ووجهاً لوجه، وبإقناع مباشر.
الثانية: غير مباشرة، مثل الإذاعتين المسموعة والمرئية وكذلك الصحافة.
وكل وسيلة لها مقتضياتها الخاصة بها، ولا يصح أن تتوه عند رجال الدعاية، فيجب أن يعرفوا الوسيلة وأن يلموا بها ويدرسوها ويعرفوا مقتضياتها الخاصة وطبيعتها وفلسفة العمل الإذاعي.
وكل هذا يحتاج إلى سياسات مستمرة، وإلى وسيلة سريعة لمعرفة الرأي العام بشكل يومي ودائم،  إذ يجب أن تقاس حاسة الناس واستطلاع رأيهم، ومعرفة رد فعل الدعاية التي نبثها عند الآخرين.
يتحتم على الإعلاميين إذن أن يلمّوا بالدعاية ويدرسوها ويعرفوا كل ما يتعلق بها، خاصة وقد تأكد أنها أقوى سلاح في زمن السلم، ومن أقوى أسلحة الحرب في زمنه، وليس أدلّ على ذلك من الأثر الهائل الذي حققته الدعاية النازية التي كان غوبلز يشرف عليهما أثناء الحرب العالمية الثانية والتي كانت تتم عن طريق الإذاعة بصفة رئيسية.
وقد استفاد غوبلز في حملته الدعائية تلك من إحدى النظريات النفسية القائلة بأن الدعاية يكون لها أثر فعَّال على المستمع إذا كان يعاني من حالة من التفكير القلق، فاستغل غوبلز القلق النفسي الناجم عن الحرب في التأثير على الرأي العام في الدول المتحالفة ضد دول المحور مما كان له أكبر الأثر في الروح المعنوية للحلفاء.
إننا بحاجة إلى التأثير على الرأي العام العالمي، ولكن من خلال الصدق الإعلامي ومبدأ الإنصاف لأننا أصحاب حق ومظلومون، ففي الوقت الذي تصف فيه وسائل الإعلام نضال وكفاح الشعب الفلسطيني صاحب الحق المسلوب في وطنه بأنه إرهاب، تصف فيه جرائم القتل والإبادة الجماعية الوحشية، والتدبير واحتلال الأرض ونهب الممتلكات والأموال وتدمير المقدسات الذي يقوم به الصهاينة بحق الدفاع عن النفس والأمن، فوسائل الاعلام لا تتحرى الصدق والدقة والإنصاف لأنها تنفذ سياسات معينة لتحقيق أهداف استعمارية وصهيونية، والصدق الاعلامي يؤكد عدم اللجوء للخداع والتضليل والكذب، والخبر في وسائل الاعلام يجب أن تكون لديه قدسيته، أي أن تكون للحوادث عند وقوعها قدسية خاصة وأن تُعامل معاملة الحقائق التي لا تقبل التحوير والتزييف.
Page 5
الإذاعة كوسيلة اتصال بالجماهير
 
المقصود بعبارة الاتصال بالجماهير هو نقل الفكرة إلى غيرك، إذ أن الإنسان يمتاز عن الحيوانات الأخرى بأنه يفكر ورأسه ملئ بالأفكار، حيث يفكر طوال الأربع والعشرين ساعة، فيتواصل تفكيره حتى وهو نائم لأن عقله لا ينام، ويستمر في التفكير الذي يظهر على شكل أحلام قد يتذكرها بالكامل أو يتذكر بعضاً منها أو شيئاً من حلم واحد فقط.
هذه الأفكار كلها سواء أكانت في اليقظة أم في النوم تبقى بلا قيمة إلاّ إذا انتقلت من صاحبها  إلى غيره، وكلمة غيره لها وضع خاص في اللغة العربية، فرغم أنها اسم فلا يمكن أن تدخل عليها (أل) التعريف، لأن (غير) في اللغة العربية تسمى اسم نكرة مطلقة، وتعريفه لا يتم إلاّ بإضافتها إلى شيء آخر مثل: غير ذلك، ولكن يجوز إدخال أل التعريف عليها في وضع واحد فقط وهو عندما تعني كل الأفراد عدا واحداً أو عدا فلاناً، مثل: انقل فكرتي إلى الغير، وإن كان الأفضل أن أقول "انقل فكرتي إلى غيري" ونقول "الوضع غير السليم" وهذا هو الصحيح، ولا يمكن القول أبداً "الوضع الغير السليم" فهو خطأ، المهم أن نقل الفكرة من شخص إلى غيره هو المقصود بكلمة وسيلة الاتصال، ولكي تنتقل الفكرة من شخص إلى آخر أو إلى آخرين لا بد من وسيلة تنقل بها هذه الفكرة، فما هي هذه الوسيلة لدى الإنسان التي ينقل بها أفكاره؟
إن أنجح وأهم هذه الوسائل كانت وما زالت اللغة... فبدونها لا يتيسر نقل الأفكار، ونتساءل: هل كان الإنسان منذ وجد على هذه الأرض يتكلم؟ أم كان قد أمضى فترة لا يستطيع فيها أن يتكلم ثم تكلم؟
عادة في البحث العلمي لا يحاول الباحث، بل البعض يعتبر أنه من الخطأ محاولة اللجوء إلى الكتب السماوية أي الدين فهو تصديق وإيمان، لا جدال فيه ولا نقاش، أما العلم فهو جدال ونقاش وفيه شك.. ومن خلال هذا الشك تكون المحاولة تلو الأخرى للوصول إلى الحقيقة، وبهذه الطريقة تحت الكثير من المحاولات العلمية لإثبات أن الإنسان كان يتكلم.
والكلام مسألة تتعلق بالصوت الذي هو تلك الظاهرة الطبيعية التي يميزها الإنسان بالأذن، التي هي العضو الوحيد الذي يتأثر بالصوت دون الحواس الأخرى، وقدرة الإنسان على السمع بهذه الأذن جعله قادراً على الكلام، ولنفترض أنه كان لا يتكلم، بدليل أن شعوباً ما زالت حتى اليوم تستخدم بعض الإشارات التي تُغني عن الكلام، فكيف نشأت الإشارات التي تُغني عن الكلام؟.. لعلها تكون ما تبقى من العصر الذي كان فيه الإنسان لا يتكلم ولا ينطق، حيث كان يستخدم الإشارات، أي يشير في عهد خرسه لنقل أفكاره إلى غيره، مثل هذه الإشارات ما تبقى في الإنسان من مقدرة على تحريك جلده كالحيوان، إذ من البداية حاول الإنسان التعبير عما يجول في خاطره وفي ذهنه وأفكاره وما يثير أحاسيسه ومشاعره، وما يحيط به مما يعنيه أو يهتم له، مغير الإنسان في بداية وجوده وحياته عن كل ذلك بالرسم والتلوين على جدران الكهوف، أي أن هذا الكلام يعتمد على النظر، فيمكن أداؤه بالنقش على الطين، أو الحفر في الصخر، أو الرسم على الجدران، ثم على الورق، أو بالإشارة بالرايات أو الكشافات الضوئية، ولكنه في كل هذا يظل بعيداً عن علم الصوت، منعدم الصلة بجهاز الكلام وجهاز السمع، فهو يعتمد على ذبذبات من نوع آخر.
هذا كله كان قبل أن يتمكن من الكتابة بألآف السنين وفي الإمكان مشاهدة تلك الرسوم التي تركها الإنسان القديم في الكهوف وهي تروي حكايات صيده ومعاركه ومطارداته للحيوانات، بالإضافة إلى الملابس التي كان يرتديها والأسلحة التي كان يستخدمها.
وكان الإنسان البدائي يعتقد بأن للطبيعة لغتها التي تتكلم بها معه، وتحذره أو تهدده أو تخيفه، أو تشجعه، كالرعد والصواعق والرياح.. فالكل يتكلم بما في ذلك الطبيعة.
وإذا كان ذلك يعنى نقل المعلومات، فأغصان الأشجار التي تتمايل تدل على أن ريحاً هوجاء قادمة، وأيضاً السحاب الداكن السواد نذير عاصفة، وطبيعي أن تختلف لغة الطبيعة بهذا المعنى عن أي حديث أو تبادل للمعلومات بين البشر، بل وبين الحيوانات ذاتها، لأن الأصوات الصادرة عنهم هنا هي أصوات ذات دلالة موجهة إلى مخاطب مقصود، ويعني بدراسة اللغات غير اللسانية، وهو علم يسمى علم "السيميوطيقا" ومعناه نظرية الإشارات والرموز، ويتناول أي نسق من الإشارات، أو لغة تستخدمها وحدات الكائنات أياً كانت طبيعتها.
Page 6
وإذا توفر منهج دقيق وبسيط لتسجيل الحركات أو ما وراء اللغة كما يسميها علماء السيميوطيقا، أي صيغ بسيطة تشبه لغة الصيغ الكيميائية أو رموز الشطرنج، فإننا نستطيع أن نكون منها ما يكفي لعمل معجم ضخم للغة الإشارة التي يستخدمها كل شعب في الحديث بين أبنائه.
لقد كان خطيب الرومان المعروف "بشيشرون" منذ ألفي عام يُّعلم الخطباء أن كل حركات الروح لا بد وأن تلازمهما حركات المعصم والأصابع والعينين وحركات الذراع المبسوطة على امتدادها والقدم التي تضرب الأرض بقوة وحركات العينين بخاصة، فالحركات مثلها مثل لغة الجسد يفهمها الناس على البعد ولقد بذل معلم الخطابة الروماني القديم جهده لجمع ما يمكن أن نسميه قاموس الحركات.
وقد استخدم الهنود الحمر الأمريكيون علامات النار في الليل للإبلاغ عن غرباء وفدوا إلى أرضهم، أو عن حيتان ألقى البحر بها إلى الشاطئ... إلخ.. أما الدخان فكانوا يستخدمونه كعلامة أثناء النهار، ويتألف شكل الرسالة من عدد مواقد النار، أو مواضع الدخان، وكذلك عدد هبّات الدخان التي يمكن التحكم فيها عن طريق إلقاء غطاء من الجلد فوق النار ثم جذبه ثانية، وتتكرر العملية حسب العدد المطلوب، وبذلك يتحدد محتوى العلامة الذي قد يفيد لاعلام القبائل الأخرى بما يقصده جيرانهم في دقة وتحديد، ولغة العلامات هذه هي لغة بصرية.
وعنى المصريون بالرموز التصويرية التي تعد أول الخطوات في اختراع الكتابة، فمكنتهم العلامات الصوتية بعد ذلك من أن يصبحوا أول من عرفوا الكتابة الحقة التي نشأت بين سكان وادي النيل قبل ظهورها في أي شعب آخر من شعوب العالم القديم.
واهتم المصريون أيضاً في عصر الأهرام بتسجيل مناظر مختلفة على جدران المقابر التي حول الأهرام، وبهذا كانوا أقدم شعب في العالم ترك لنا مناظر مصورة تكشف لنا عما كانت عليه حياتهم، ولذلك فإنه يخيل لزائرها كأنما انتقل به الزمن وأنه يجوس خلال بيوت أولئك القدماء، ويمشي في بلاد وادي النيل في الوقت الذي كان يبني فيه سكانه تلك الأهرام العظيمة، ذلك أن أهم الفنانين في ذلك العصر هم النحاتون الذين كانوا ينحتون من الخشب أو الحجر تماثيلهم ويلونونها لتصبح أكثر محاكاة للأصيل، وكانوا يصنعون في مكان العين بلوراً صخرياً يشع دائماً بنور الحياة بحيث كانت هذه التماثيل صورة صادقة لأصحابها، ووصل فيها الفنانون إلى مستوى رفيع من الإتقان لم يصل إليه فنانون آخرون فيما بعد، مع أنها أقدم التماثيل التي جاءت مطابقة لصورة أحجامها في تاريخ الفن.
فالمصري القديم إذن توسّل باللغة البصرية في البداية من أجل الإعلام، وكانت بداية التطور في الكتابة على يد السكان القدماء في مواطن الحضارة في الشرق القديم، وهي وادي النيل، ووادي دجلة والفرات، ووادي (اليانج تسي كيانج) فعرف المصريون الكتابة "الهيروغليفية" وعرف البابليون الخط المسماري الذي انتشر في أنحاء الشرق الأدنى، وعرف الصينيون ضرباً من النقوش الكتابية انتشرت في الشرق الأقصى، وما زالت لها سيادة فيه حتى وقتنا الحاضر.
فالإنسان الأول كما تقدم كان يعبّر عن أغراضه بنقش صور تمثل ما في ذهنه، وتطورت هذه الطريقة حتى وصل الناس في مراكز الحضارة المختلفة إلى التعبير عن المقاطع والكلمات بنقوش اصطلاحية.
وكان للمصريين الفضل الأكبر في الوصول إلى المبادئ الأساسية في الكتابة المنظمة، وذلك حين وقفوا إلى نوع من الحروف الهجائية، فالحروف التي تستعملها الآن معظم أمم العالم تنحدر كلها من مصدر واحد وهو الكتابة المصرية القديمة أو "الهيروغليفية" أي النقوش المقدسة كما كانت تسمى عند الإغريق.
وقد نقل الفينيقيون عن المصريين هذه الكتابة وتفرعت من الحروف الفينيقية سائر الحروف الهجائية في أوروبا والشرق الأدنى، ومن هنا بدأ الاتصال بالحضارة المصرية القديمة عن طريق الكتابة الهيروغليفية التي لا تتألف برمتها من إشارات تعبّر عن الفكرة كما اعتقدوا أزماناً طويلة، بل من أحرف تقرن بقليل من الإشارات الفكرية، ولا تكون هذه إلاّ ملاحق للأحرف ومعينة لها، وبديهي أننا إذا استطعنا الصعود إلى أوائل عهد الكتابة المصرية لوجدناها كغيرها من الكتابات الأولية، إشارات تعرب عن الأفكار، لأن الناس ابتدأوا في كل مكان بتصوير أفكارهم بالرسم، وكلما زاد تعقيد هذه الأفكار حل الرمز محل التمثيل المادي، ثم حلت الإشارة مكان الرمز، وهي صورة مختصرة، خذ مثلاً من الهيروغليفية، نجد أن الشعب المصري أخذ يعنى بداية برسم العين عضو البصر، ثم استخرج دلالتها على اسم الفعل، فإذا ما تقدم ودخلت أفكاره في العموميات دل بالعين على المعرفة وبُعد النظر وما إليهما لأنها أقرب الدلالات إلى ذلك، فإذا دعته الحاجة إلى سرعة الكتابة لم يعد يرسم العين إلاّ دائرة ساذجة في وسطها نقطة، وبهذه الكيفية تخلص المصريون القدماء كغيرهم من الرسم البحت إلى الهيروغليفية ومن هذا إلى الكتابة اليدوية وهي على نوعين، الهيراطية التي وجدت على أقدم البرديات الديموطية وهي أكثر اختصاراً ووجدت بين عهدي الأسرتين الحادية والعشرين والخامسة والعشرين.
Page 7
فإذن كان كل جماعة خطها الاتصالي الذي يتفق مع تركيبها وعلاقاتها الاجتماعية كما يقول العلماء المعاصرون، وهناك استنتاجات متعددة تثبت كيف تطور الإنسان وكيف دخل الحضارة.
يدعي بعض العلماء بأن الإنسان بدأ حياته آكل لحوم رمم، ذلك أن كل جسم حيوان أو إنسان يحتاج لغذاء، كان يبحث عن كل شيء يتعلمه في سبيل الحصول على لقمة العيش ويستمر عمله أربعاً وعشرين ساعة، وفي سبيل هذا التعلم كان بحثه متواصلاً وبشكل مباشر عن اللغة.
ولقد أدعى العالم "رالف ليفي" إن الإنسان كان يأكل الرمم في بداية حياته واستند في ذلك على أن الإنسان لا أظافره ولا أسنانه تساعده على أن يمسك بحيوان مهما كان صغيراً ويقوم بتقطيعه حتى ولو كان هذا الحيوان أرنباً، لذلك أقبل على صنع أي شيء من الأدوات تساعده على الصيد وعلى تقطيع الحيوانات، ليأكل لحومها بدلاً من البحث عن الرمم الناتجة عن الحيوانات التي يتم اصطيادها، وبعد ذلك أخذ الإنسان في تطوره في صنع الآلات التي يحتاجها لصيد الحيوانات وتقطيعها، فتمكن من اختراع أو صنع سلاح الحجر، ثم الأجهزة الآلية بعد ذلك، ويوجد كتاب اسمه "مليون سنة من عمر الإنسان" يعطي فكرة عن صناعة الإنسان البدائي للأدوات، ولكن لو فكرنا وتمعنّا في أعضاء جسم الإنسان بالمقارنة مع أعضاء جسم الحيوان قد نرى هناك نقصاً خلقياً وإن كان هذا النقص يعتبر ميزه عند الإنسان، فهو يمشي على قدميه مستقيم القامة، الأمر الذي ميّزه عن الحيوان الذي يمشي على أربع، فحقق بذلك خاصتين: الأولى أن بصره قد ارتفع واتسع أفقه، والثانية أن يديه تحررتا من حمل جسمه واستطاع بهما إن يدافع عن نفسه، وأصبحتا حساستين تنقلان الإحساس... إلخ.
إن وضع الإبهام يختلف عن وضعه عند الحيوانات، فهو عند الإنسان يشبه الكماشة، وهذه أيضاً ميزه عند الإنسان في المقابل هي نقص خلقي عند الحيوان.
وأكبر وأعظم ميزه عند الإنسان هي العقل، فهو في تطوره الاجتماعي بدأ جامع قوت فكان يبحث عن الرمم كما ذكرنا ويبحث أيضاً عن الثمار، ثم بعقله استطاع أن يخترع آلات الصيد ليصيد بها حيوانات أخرى، وأيضاً بعقله وفي ظروف مناخية معينة استطاع أن يكتشف الزراعة.
ولم يكن الإنسان مستقراً، حيث كان في حل وترحال من أجل الصيد، وأثناء ذلك استطاعت بعض المجتمعات والعشائر والقبائل أن تتحول إلى الرعي فأخذت تنتقل من أجله وليس من أجل الصيد، وهناك فرق بين الصيد الذي يعني الإمساك بالحيوان، وبين الرعي الذي يعني صيد الحيوان ثم تربيته.
وقد ثبت أن الإنسان في وقت من الأوقات لم يكن يعرف العلاقة بين الذكر والأنثى أو الولادة، ولما أدرك الإنسان هذه العلاقة استطاع أن ينتقل من الصيد إلى استئناس الحيوان ثم إلى استيلاده، وبعد أن كان جوالاً يترحل ويتنقل أصبح مستقراً وفي كل هذه الأطوار سواء كان جامعاً للقوت أو صياداً أو راعياً أو زارعاً مستقراً، فإنه كان في حاجة إلى معرفة أفكار الآخرين وفي حاجة إلى تعريف هؤلاء بأفكاره.
فما هي الأجهزة التي كان الإنسان البدائي يستخدمها لمعرفة أو نقل هذه الأفكار؟
في البداية استخدم صوته وحده، ولم يكن هناك أجهزة لتوصيل أو إسماع صوته للآخرين، وسماع أصواتهم.
في ذلك الوقت كانت الأجهزة نوعاً من المنبر، أي شيء بارز يرتفع عن مستوى الأرض، هذا المكان المرتفع المسمى بالمنبر يجعل أكبر عدد من الناس يسمع الصوت سواء كان فوق صخرة أو فرع شجرة أو أي شيء بارز أو مرتفع من الأرض كلها تشترك في تسمية واحدة تعنى المنبر، ولا شك أن أثره آنذاك كان محدوداً لأن الصوت مهما ارتفع فلن يصل إلاّ إلى عدد محدود، ويمكن أن نتصور مثل هذا المنبر في مكان ذي مجتمع من الناس قليل ومحدود، فيؤدي مهمته كوسيلة اتصال، وإذ كان المجتمع أكثر اتساعاً من الممكن استخدام رسول نبعثه ليعتلي منبراً آخر كالأول يحاول من خلاله إسماع صوته للآخرين. ويأتي بعد ذك المنادي الذي يقوم بلفت الأنظار، ثم من الممكن استخدام طبل، أو مزمار للفت الأسماع فيقول الكلام الذي يريد أن يسمعوه.
 وفي إفريقيا استخدم الطبل وحده لنقل الأفكار إلى الآخرين بما يشبه طريقة البرق "التلغراف" بجهاز موريس الذي يعتمد على النقطة والشرطة.
إن دقات الطبول لها معنى معين يفهمه كل المحيطين في المنطقة التي يستهدفهم فيها إيقاع ودقات الطبول ومن الممكن أن يصل إليهم الصوت وعلى مسافات واسعة ويشمل مساحات كبيرة.
وبعد التطور الذي وصل لما نحن فيه الآن فإن الإذاعة حالياً هي المنبر والمنادي والرسول وغير ذلك، وقلنا بأن المنادي يمكنه استعمال المزمار والنفير والطبل. والهيئة ذات الجرس لها أهمية في الإذاعة.
إن كل ما سبق من حديث عن توصيل الأفكار لدى الإنسان البدائي للآخرين هو مدخل للحديث عن الكتابة وهي الخطوة الثانية في تطور وسائل الاتصال بالجماهير أو نقل الأفكار، وعند مراجعة كتاب أصل الأشياء نجد أن الكتابة لها قصه تتصل أيضاً بتاريخ الإنسان وتطوره العقلي والاجتماعي فوق هذه الأرض.  
Page 8
 الكلمة المنطوقة والمكتوبة
 
للكلمة منذ بداية التاريخ قد سيمتها، وأيضاً لها خطورتها، وقد جاء في إنجيل يوحنا عبارة تؤيد هذه الكلمة وهي "في البدء كانت الكلمة"، وكانت كلمة الله، ثم كان عبد الله. 
وهذا يدل على ما للكلمة من أهمية، والكلمة أعمال قبل أن تكون أقوالاً، أو كلاماً، حيث تأتي الأعمال ترجمة للأقوال أو الكلام.
أمّا عندما قال أبو تمام بيته "السيف أصدق أنباء من الكتب" وهو يشير بهذا إلى فتح عمورية فإنه يقول بأن العمل أصدق من الكلام، ولم يقصد بذلك الكلمة الصادقة، وإنما جاءت في البيت بأن السيف أصدق من كلام المنجمين أو العمل والفعل هو أصدق من كلام هؤلاء، وهناك مثل انجليزي يقول بأن الأفعال تتكلم أكثر من الكلمات، وهذه العبارة في ظاهرها صحيحة لكن ينقصها شيء من الدقة والدليل أمثلة من الحياة التي عشناها ونعيشها، فقد تقوم حرب بسبب كلمة قد سيء فهمها وأدت إلى خلافات تصعدت أو تطورت إلى اشتباكات ومن ثم إلى حرب بالمعنى الواسع.
كلمة الديمقراطية مثلاً.. كل العالم يدعيها، ولكن كل طرف في هذا العالم لديه معنى وتفسير لغوى خاص لهذه الكلمة ويختلف في مغزاه عما لدى الطرف الآخر. كذلك كلمة الحرية لها وجهان أحدهما للخير والآخر للشر، وهي بلورة لأيديولوجية معينة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والكلمة الطيبة قد تفتح باب الرزق، فقال -$ -"الكلمة الطيبة صدقة"، أما الكلمة السيئة فقد تؤدي إلى الحرب والقتل والدمار.
إن كل ما سبق يدل على أن الكلمة لها قيمتها، وهي تقسم إلى قسمين:
1. الكلمة المنطوقة: وهي تصنع بالفم والشفاه واللسان والأنف وتدرك بالأذن، وهي تتبدد في اللحظة التي تخرج فيها، ما لم تستخدم الآلات لحفظها من الضياع، وهي محدودة الطاقة، تقوّى من أجل سماعها.
ولغة الكلام تقوم على استخدام الأصوات بمواصفاتها المعروفة بالإيقاع والنغم والنبر، وهي لها سرعات متفاوتة عند انطلاقها دون اعتبار للوقفات التي تكمن بين مفردات عباراتها، وهي قد تكون نشيطة أو عابثة أو قاسية أو شديدة أو ضعيفة أو غاضبة أو هادئة أو متعجرفة أو اقناعية وغير ذلك يعتبر مرآة صادقة كما يجول في خاطرنا أو ما تنطوي عليه مشاعرنا.
2. الكلمة المكتوبة: وتصنع باليد، وتدرك بالعين، وتحفظ وتبقى بقاء المواد المصنوعة، ويمكن نقلها محفوظة إلى أي مكان من العالم، وقد كانت الكلمة المكتوبة قبل بروز الإذاعات لديها فرصة للانتشار على مجال واسع بسبب نشرها في الكتب والصحف والمجلات.
أما الكلمة المنطوقة فكانت ضيقة المجالات بين المستمعين، تحتاج إلى جهد لنقل الأفكار، حتى حدثت الاختراعات التي جعلتها أقوى من الكلمة المكتوبة التي تنتشر، ذلك أنه تم التوسع باستخدام الإذاعتين المسموعة والمرئية إلى جانب استخدام الهاتف من قبل، وقد أدى ذلك كله بالكلمة المنطوقة لأن يتسع انتشارها، يضاف إلى ذلك أن كل الناس يسمعون، ولكن الكثيرين منهم لا يكتبون، وهم مستعدون لأن يستمعوا من أجل أن يفهموا.
من هنا نرى أن الكلمة المنطوقة تمتاز عن الكلمة المكتوبة بأن الجميع يستطيع أن يسمعها ويفهمها بعكس المكتوبة التي تحتاج لمن يقرؤها حتى يفهمها، وتتمثل خطورة المنطوقة بأنها تسمع عن طريق الإذاعتين المسموعة والمرئية، وهي بخلاف الكلمة العادية التي تكتسب أهميتها من خلال موقف معين قد حدث، فمثلاً لو قيلت الكلمة المنطوقة لمجموعة من الأشخاص في غرفة محدودة، فمن الطبيعي أن يكون تأثيرها محدوداً وبسيطاً بحدود هذه الغرفة، أما جهاز  الإذاعتين المسموعة والمرئية فقد يستمع لهما في لحظة واحدة ملايين الأشخاص، مما يؤكد خطورة الإذاعة بشكل غير عادي.
Page 9
وبينما جهاز الإذاعة قد يمثلان أي نظام في دول العالم، إلا أن جهاز الإذاعة يعتبر صديقاً أنيساً لطيفاً، يستأنس به الناس، وهذا يؤكد مرة أخرى أن للإذاعة والكلمة المنطوقة المذاعة أكبر الخطورة، يضاف إلى ذلك بأن الكلمة المنطوقة إذا قيست بالكلمة المكتوبة فهي كلمة حيّة يستطيع الكل أن يفهمها ويفهم معانيها بسهولة.
وفي غير الإذاعة – المسموعة والمرئية -هناك أيضاً ما يعطي للكلمة المنطوقة قوة للتأثير على مستمعيها، فنبرات الصوت وإشارات الجسم وكل الحركات تؤثر فيها.
وفي الموقف اللغوي المعينّ قد يفهم من الكلمة المنطوقة عدة معانٍ حسب إلقائها والظروف التي تقال فيها، فالكلام بكلماته المنطوقة كالموسيقى تماماً فيه ارتفاعات وانخفاضات، فنحن نستطيع أن نضغط على كلمة فتعطي أداء معيناً ونضغط على كلمة أخرى فتؤدي معنى آخر. فالكلمة المنطوقة خطيرة لأن فيها الحياة وفيها الشخصية وأيضاً الموقف الذي يعطي الانطباع الشخصي بخلاف الكلمة المطبوعة التي تلتزم الدقة في التطوير دون أي افتعال كان، لذلك فهذه الكلمة عندما تتحول إلى منطوقة يجب أن نكون موضوعيين في نطقها وأن تكون خالية من الانفعالات، ولا تعطى الأهمية المعينة عند قراءة الأخبار، ولكن فقط تعطى الموضوعية.
والخلاصة أن الكلمة مقدسة في مضمونها وفي صيغتها، وأيضاً في شكلها، ويجب أن يكون الاهتمام بالكلمة المذاعة من ناحيتين:
أولاً: من ناحية المضمون والمعنى أو الفكرة.
ثانياً: من ناحية الصيغة واللفظ والشكل.
والذي يرسم مضمون الكلمة المذاعة هي الجهة الرسمية ولتكن الإذاعة أو سياسة الدولة، وهي التي تضع الخطة للقيم والمثل المعينة التي يمكن التعبير عنها بالكلمة المذاعة، وهذه المسألة تتعلق بسياسة الدولة أو على الأقل بسياسة المسؤولين عن الإذاعة. وإزاء ذلك  على المذيعين أن يدققوا في اختيار المادة التي تذاع وأن يختاروا المضمون النظيف، والمعاني الإنسانية الكريمة التي تهدف إلى تهذيب السامع وتثقيفه أو حتى تسليته، علماً بأن التسلية بالكلمة النظيفة أهم وأقوى أثراً من الكلمة النابية.
ويعتبر المذيع أخطر من النظام الذي تتبعه الإذاعة، لأن هذا النظام يعطي الإطار العام فقط، ولا يستطيع إعطاء طريقة التنفيذ واختيار الكلمة، أما من حيث الشكل فهذه تقوم بدراستها مجموعة من العلوم أهمها في الوقت الحاضر الصوت وخواصه، الصوتية والصرفية والنحوية وهو مجال واسع وعريض.
Page 10
الصوت واللغة
 
الصوت: ظاهرة طبيعية يميزها الإنسان بالأذن، العضو الوحيد الذي يتأثر بالصوت دون الحواس الأخرى، وهو أثر سمعي يصدر طواعية واختياراً عن الإنسان في الموقف المعني، وقدرة الإنسان على السمع جعلته يستطيع الكلام، فيخرج صوته من خلال مجموعة معينة من أعضاء جهاز النطق، والعملية لها ناحيتان: فسيولوجية عضوية، وكذلك طبيعية، فإذا تكلمنا من الناحية الفسيولوجية أي من ناحية نطقها ومخارجها وأعضاء النطق فإنه يتطلب دراسة أعضاء النطق ووظائف هذه الأعضاء. أما لو تكلمنا من الناحية الطبيعية من خروج النطق والتقاء الصوت بالأذن فإنه يتطلب دراسة تأثير الموجات الهوائية في الأذن ثم العملية العقلية الناتجة عن تأثير الذبذبات الهوائية في الأذن.
والناحية الأولى هي التي يجب أن تُعطى الأهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالإذاعة، ومن الأهمية بمكان دراسة أعضاء النطق في جهاز النطق عند الإنسان فهي قريبة الشبه بآلات النفخ الموسيقية، إذ أن النفس الذي يملأ الرئتين يصطدم عند خروجه في حالة الزفير بالأغشية المعروفة بالأوتار  الصوتية داخل الحنجرة فيحدث اهتزازاً يتناسب مع قوة اندفاع الهواء وسعة الفتحة التي بين الأوتار الصوتية، وهذا الصوت يستحيل سماعه إلاّ عقب خروجه إلى الهواء عن طريق الحلق والفم والأنف المعروفة بمناطق الرنين، ولما كان لكل واحد من أعضاء النطق وظيفته الحيوية الأخرى فإن مصطلح أعضاء النطق هو مصطلح خاطئ فاللسان وظيفته الذوق والأسنان المضغ... إلخ.. وعلى هذا فإن أعضاء النطق هي تسمية مجازية فقط، ويبلغ عدد هذه الأعضاء ستة عشر، والكلام ليس وراثياً، وهو –  كلغة – ظاهرة اجتماعية تتغير بتغير المجتمع. وتقسيم أعضاء النطق هو تقسيم عرفي لتسهيل العمل، حيث أنها ليست منفصلة عن بعضها بعضاً، بل هي وحدة متكاملة لها وظائف إنسانية عدة، وبعض هذه الأعضاء قابل للحركة والبعض الآخر ثابت، فاللسان متحرك والأنف ثابت، وتحريك اللسان هو أخطر ما يؤديه الأعضاء.
-الحنجرة: عبارة عن غرفة تقع خلف ما يسمى "تفاحة آدم" وهي مكونة من عدة غضاريف، وخلف هذه الحنجرة توجد الأوتار الصوتية وهي في غاية الأهمية وهي عبارة عن وترين أشبه بشفتين ولها قابلية للحركة وتتخذان أوضاعاً عدة عند إصدار الأصوات، وما يهمنا منها هنا هو أربعة أوضاع:
الوضع الأول: وضع الذبذبة، وتكون بطريقة تجعل الوترين يتذبذبان بسرعة وبانتظام، وتسمى حالة الجهر، والذي يخرج حينئذٍ الصوت الجهور.
الوضع الثاني: وضع الهمس أو عدم الذبذبة بأن ينفرج الوتران انفراجاً تاماً بحيث يخرج الهواء بسهولة فلا يجعل الوترين يتذبذبان أو يتحركان، والصوت الذي يخرج هو الصوت المهموس.
الوضع الثالث: وضع الوشوشة، وهو لا يهمنا في هذا المقام.
الوضع الرابع: وضع همزة القطع، حيث يخرج الهواء من الرئتين فينغلق الوتران انغلاقاً تاماً لفترة قصيرة جداً ثم ينفرجان فجأة وبسرعة، وهذه هي حالة همزة القطع العربية. ومن هنا لا نستطيع القول أن الهمزة مجهورة أو مهموسة.