eKtab
EN ع
العمر الوضاء في جزيرة الفضاء
Read free sample

العمر الوضاء في جزيرة الفضاء

by ​لينا كيلاني

Page 1

كلمة حول الرواية

إن تغير المناخ، وارتفاع منسوب البحار، وتهديد المدن الساحلية، كل هذا وغيره يطرح السؤال: إلى أين سيفر سكان هذه المدن إذا ما جاءت أمواج المد أو (التسونامي) واكتسحتها؟ أيصمدون في وجهها أم أنها ستقتلعهم في اكتساحها كما ستقتلع حضارات ومدناً بكاملها؟ وعلى الجانب الآخر؛ ألن يظل الإنسان مرتبطاً بهذه الأماكن؟ وماذا يفعل التقدم العلمي إن لم يفتح لهؤلاء آفاقاً جديدة للهروب من مشكلة ما يواجهونها؟

إنه في الحقيقة يفعل في ظروف تشبه ظروف هذه الرواية.

وإذا كان الإنسان يفكر في العيش على القمر، أو على المريخ، فلماذا لا يعيش في جزر فضائية؟ وإذا كانت سفينة الفضاء الدائمة تتيح رحلاتها للرواد، والمكتشفين، وربما للسائحين أن يقيموا فيها لأيام أو لشهور أو ربما لأعوام، فلماذا لا يعيش الإنسان في جزر تفترضها هذه الرواية وتطلق عليها اسم جزيرة الفضاء؟

Page 2

نقطـة الصفـر

شعرت (رونا) بخطوات خفيفة إلى جانبها، وسمعت موسيقا ناعمة تصدر من الجهاز الخاص بها.. مصحوبة بعطر منعش. فتحت عينيها فرأت (رانيو) أمامها، وقد بدا أنيقاً بلباسه الفضي شبه المعدني الذي لا يرتديه الشبان من حولها إلا في مناسبات نادرة. قالت في نفسها: "آه.. كدت أنسى موعد اليوم لكثرة ما انشغلت بتلك الأجهزة، وما بثته من أخبار قرن مضى فيما كانوا يسمونه الزواج.. هل أخطأت بعدم ضبطي لموعد النوم واليقظة؟!".

نهضت من سريرها الوطيء شبه عارية، وانسلت إلى غرفة النظافة، وأخضعت جسدها لعمليات تدليك وتنظيف، ثم جلست على كرسي معدني، فقام روبوت صغير قصير بإطلاق الضحكات، وهو يصفف لها شعرها بعد أن غسله جيداً، ثم رش فوق وجهها مسحوقاً ناعماً أصبح الوجه بعده مثل وردة نضرة.

ترددت رونا في أن تحدث رانيو عما رأته في الليلة الماضية.. لكن الوثيقة التي أرسلتها إلى مركز الأبحاث للربط بين الذكور والإناث لا تدع لها فرصة للتراجع عن أي شيء.

خرجت من غرفة النظافة وقد قررت أن تبوح بكل شيء مهما كانت النتائج. شعرت أنها لم تعد كما هي وكما عرفت نفسها.. فتلك المعلومات فتحت في قلبها أكثر من عقلها حفرة كبيرة تقفز منها ألوف الأسئلة. وشجعت نفسها كما لم تفعل من قبل، وقالت لرانيو:

- الحقيقة أنني لم أستطع أن أجد سبباً لعيشنا في هذه الكرات الزجاجية في الفضاء، في حين لا يزال على الأرض بشر يعيشون.. يزرعون الأرض ويأكلون.. وهم في بيوت مثلنا، ولو أنها بيوت من مواد أخرى وبأشكال أخرى.

ضحك رانيو، وقال:

- نعم.. نعم.. أنا أعرف ذلك.. وهم يتقاتلون باستمرار حتى على محصول قطعة أرض صغيرة أو إنتاج شجرة.. ثم إنهم يدفنون موتاهم في التراب فتزداد الأرض تلوثاً وقذارة.

قالت رونا:

- ليس هذا ما أعنيه، بل أعني أننا نحن بالذات في هذه المنطقة البحرية لماذا نعيش هكذا؟ ولماذا لم يهاجر أسلافنا إلى البر ويعيشوا كغيرهم من البشر؟

Page 3

ضحك رانيو، وأجاب:

- ذلك لأن كوارث حصلت في تكرار المد البحري والعواصف والزلازل، مما هدد الحياة في الجزر التي كنا نعيش فيها، فأسرع العلماء والمهندسون والبناؤون بتصميم هذه الجزيرة الفضائية، واشتغلت المعامل في صناعة كل ما يلزم للحياة هنا.. ولما أعلن المرصد الجوي عن عاصفة رهيبة مصحوبة بزلزال فقد استطاعت الحكومة آنذاك أن تنقذ من أمكن إنقاذه من السكان.. وهكذا عاشوا.. وتطوروا.. وتكاثروا.. حتى جئنا نحن إلى الحياة.

انتفضت رونا، وقالت:

- لماذا أنت لا تعرف الحقيقة كاملة؟ لقد أنقذوا العلماء والمهندسين والماهرين في الصناعات والخبراء أيضاً. والباقون تركوهم لمصيرهم وانتقلوا إلى هنا.

قال رانيو:

- وماذا يهم في ذلك؟ حوادث جرت منذ أمد بعيد وانتهى أمرها.. ثم إننا ماذا نفعل الآن بمن يموتون؟ ألا نلقيهم في الماء بكل بساطة؟ الإنسان كالآلة يا رونا عندما يتعطل يصبح غير ذي نفع، ويجب التخلص منه.

قالت رونا:

- إلى هنا يكفي، لن أحدثك عن كل ما قرأت عنه، واطلعت عليه.

ثم اغتصبت ابتسامة صغيرة، وقالت:

- قرأت أيضاً عن الأيام الأولى للزواج كما كان. إنهم يعدونه شهراً.. يسمى شهر العسل.

يضحك رانيو، ويصفق بيديه فرحاً، ويقول:

- وما هو هذا العسل؟ هل هو فاكهة أم ماذا؟

عادت رونا لتشعر بغيظ غامض لكنها قالت:

- أما نحن فأمامنا يوم واحد لارتباطنا.. نجول من خلاله في أنحاء جزيرتنا الفضائية.. ثم نعود للعيش هنا.

قال رانيو بلهجة جدية كما لو أنه أمام مديره في المختبر:

- نعم.. نعم.. ولكن ليس قبل أن تتطابق لائحة الشروط لكل منا، وأنا أتساهل معك إذا لم يكن التطابق كاملاً، بل نقص نقطة أو نقطتين لا أكثر؛ ذلك لأنني...

وامتلأ قلب رونا بغضب لم تعرفه من قبل، وطفرت على لسانها عبارة:

- لماذا تقول أناسبك وتناسبني؟ لماذا لا تقول أحبك وتحبني؟ هذه العبارة أجمل وأكمل، وقد خفق قلبي، وأنا أرى من أفلام الماضي الناس يرددونها في الأغاني.. وفي النزهات.. وفي الطرقات.. وحتى في المدارس والجامعات.

Page 4

قال رانيو مبتهجاً:

- حسناً، ذلك لأنني أحبك، هل يرضيك هذا؟

قالت رونا:

- أما اللائحة فقد أرسلتها منذ أمس.

أجاب:

- وقد وصلتني.. وعلى الفور أرسلت لائحتي.

لامست رونا جبهتها، وقالت:

- آه.. لم أطلع على بريدي الإلكتروني.

فقال رانيو:

- لا يهم.. تستطيعين أن تطّلعي عليها بسرعة وأنا أقوم بتأدية بعض الاتصالات الضرورية، وأطلب الطائرة إلى منفذ بيتنا هذا. وحاولي أن تطابقي بين اللائحتين.. وإلا...

قالت بعصبية:

- وإلا ماذا؟

أجاب:

- وإلا أعادونا إلى الخلية الكبرى التي عشنا فيها حتى هذا اليوم.. أم نسيت أنهم منحونا هذا البيت لأننا ارتبطنا؟

قالت رونا تختصر الكلام:

- سأوافق على كل نقاط لائحتك.. ماعدا واحدة.. وهي طريقة إنجاب الأطفال.

قال بذعر:

- ماذا؟ الأطفال؟ أنا أريد أن يكون لي طفل بشكل عادي.. ولا أضطر إلى استنساخ نفسي.

قالت رونا:

- أنا قلت (الطريقة) ولم أقل عدم إنجاب الأطفال. اسمع يا عزيزي.. الطريقة التي أفضلها هي رحم امرأة طبيعية مثلي.. وليس اللقاح الصناعي والنمو الصناعي.

قال رانيو وقد ظهرت حبات عرق على جبهته:

- ماذا قلت في أول كلامك؟ أعيدي ما قلت، من أين لك بهذه الكلمة: «عزيزي»؟

ضحكت رونا، وأجابت:

- أتيت بها من الماضي، هل تعترض على كلمات العاطفة، أم أننا أصبحنا آلات وانتهى الأمر؟

نظر رانيو إلى نقاط ضوء على الجدار المحشو بالأزرار والأضواء من كل لون، وقال:

- تكفيني دقائق معدودة. وأنت يا رونا؟

Page 5

قالت:

- وأنا كذلك.

ثم ضغطت على زر في الجدار فانفتح على منظر لأزياء متعددة ذات ألوان مبهجة، وما إن أشارت بيدها إلى أحدها حتى سمعت صوت اهتزازات كما لو أنها سلاسل، ثم ظهر الثوب أمام رونا فالتقطته، ثم غابت وراء مرايا رجراجة مثل شلال تتغير ألوانها كل ثانية. ارتدت الثوب.. وضغطت على زر فاكتسى الثوب باللون الأبيض وكأنه كان بلا لون، ثم برزت عند ياقته ريشة ملونة غرستها في الرأس، ثم سقطت باقة معدنية ملونة يكون للمرأة عادة الخيار في أن تلتقطها أو لا. لم تعرها رونا انتباهاً للوهلة الأولى فسحبت منها الحلقات، وقالت:

- لماذا لا تكون خواتم زواج كما كان الحال في الماضي؟

Page 6

" اليـوم رقـم (1) "

عندما تم استعداد رونا لبدء اليوم الأول من ارتباطها بمن اختارها واختارته أي (رانيو)، كانت ساعة كبيرة في الجدار الزجاجي الضخم، تعلن هذا البدء برنين له دوي يتردد مرة واحدة، ثم يعيد الرنين، وهكذا، حتى خرجا من المنزل الجديد إلى ساحة مطار زجاجي فخم حيث تنتظرهما طائرة مروحية صغيرة. قال رانيو:

- إن البرنامج المعد باللحظة والثانية ليس اختيارياً، والمشاركون ينتظرون.. هكذا يفعلون مع كل اثنين يرتبطان.. أم أنك نسيت أو تجاهلت؟

قالت وكأنها تخاطب نفسها:

- ضاعت حريتنا تماماً. لماذا لا نتحول إلى آلات أو روبوتات ونستريح؟

وبدا رانيو وكأنه لم يسمعها، بل سبقها بخطوة أو خطوتين فيما يسمونه أرض المطار حيث الهدوء والسكون، ولا صوت سوى صوت المحرك. ولما جلسا في المقعدين المتجاورين، وصوت قائد الطائرة الآلي يرحب بهما ويقدم التهنئة، قالت رونا:

- لو أنهم مرة واحدة في العمر يكون في مقعد القيادة إنسان حقيقي، ولا يعتمدون هكذا على الإلكترون.. أتمنى لو أن أمي كانت معنا.. أو أي صديق.

حاول رانيو أن يطيّب خاطرها، فقال بلطف:

- كأنك لست من عالم هذه الجزيرة.. ربما أفسدتك تلك الأخبار المحشوة في الأقراص التي اطلعت عليها بالأمس.

Page 7

وأضاف:

- هيا انظري إلى السماء الزرقاء.. وإلى البحر الأزرق.. وإلى الزجاج الذي يعطيك أي لون تريدين. أما أنا فأفضل اللون الذهبي؛ لون الشمس التي تغمر عالمنا دائماً.

أجابت:

- أريد أن أرى سحباً رمادية في السماء.. فكل شيء حولي يبدو بهذا اللون.

نهض رانيو فضغط على زر صغير فأصبح المشهد كله رمادياً.. ما هي إلا دقائق حتى هبطا إلى البناء الأول الكبير والكروي الذي خصص لمثل هذه المناسبات. فاستقبلتهما موسيقا خاصة تسمى الموسيقا الكونية، وهي مزيج من أصوات الرعد، والأمواج، والعصافير، والطيور المغردة المجهولة التي لا يعرفونها، فكأن هذه الموسيقا تهبط من السماء، وتنتشر في كل اتجاه.

وفجأة تحولت كل الجدران إلى شاشات، وكل منها تبرز وجه زميل أو صديق أو صديقة وهم يقدمون التهنئة.. وفي الوسط ظهر القائم على الحفل، ورحب بهما، ثم قدم التهنئة في حين برزت من أرض القاعة مائدة صغيرة فوقها أنواع من الحلوى كلها بيضاء لكن طعومها مختلفة. تقدمت رونا وتناولت قطعة بحجم الإصبع وقدمتها لرانيو.. والتقط رانيو قطعة على شكل زهرة وقدمها لرونا، ثم انفتح باب سري ظهرت منه شجرة متحركة في حوض ماء، وهي تحمل عدداً من الفواكه في كل قسم منها نوع.. أخذت الشجرة تدور ثم توقفت، وكان الغصن الماثل أمام الزوجين يحمل التفاح فقطف كل منهما ثمرة فعادت الشجرة لتختفي من جديد.

بعد أن خرجا من قاعة الاحتفال نظر رانيو إلى جهاز صغير في يده، وقال لرونا:

- انظري إلى عدد التهنئات التي وردتنا.. لم نكن ندري أن لنا هذا العدد من الأصدقاء.. وكلهم من الذين لم يرتبطوا بعد.

قالت رونا وكأنها غير مهتمة:

- أنا لم أطلع بعد على كامل البرنامج.. وماذا فيه غير الاطلاع على مظهر الجزيرة العائمة في الفضاء؟

وصوت يقول:

- تستطيعان إلغاء فقرة ما من البرنامج.. أما استبدال غيرها بها فهذا غير متاح لأنه يحتاج إلى استعداد مسبق.

قربت رونا رأسها من رانيو، وبدأ الجهاز يعرض الشريط من أوله: البرج، الحديقة الاستوائية، المدرسة الحرة للأطفال، دار الفنون، المجمع الكبير للشباب، وأخيراً الفندق البانورامي، ومن ثم الغرفة التي تحمل اسميهما وعلامتها حرف (الراء)، والتوقيت للإقامة مشار إليه في الغرفة، وهو ست ساعات من لحظة الوصول إذا كان البرنامج كاملاً، أما إذا ألغيت فقرات منه فإن مدتها تضاف إلى الإقامة في الفندق، والعبارة الأخيرة: "حظاً سعيداً".

Page 8

سأل رانيو:

- ما رأيك؟

أجابت:

- أشعر بالتعب.. وأنا لم أتناول الأدوية اللازمة لمثل هذا اليوم.. ولا حبوب الفيتامينات والمعادن الاعتيادية والطعام، ولا أشعر بميل إلى الحركة.

قال رانيو:

- إذن نختصر البرنامج ونربح الوقت للإقامة في الفندق.

قالت رونا:

- يقولون إن زيارة الحديقة الاستوائية تنعش النفس، وتفتح الشهية للحياة؛ لما فيها من تنوع النباتات والأزهار والأطيار، ومن الحيوانات التي كانوا يسمونها الأليفة، والطيور الملونة.

قال رانيو:

- معك حق. إنه مكان جميل. أما أن حيواناته أليفة، فهذا لأننا روضنا سائر الحيوانات غير الأليفة، ولأننا تحكمنا في جينات بعض الطيور.. ونقلنا أصوات بعضها إلى الآخر.

قالت رونا متعجبة:

- أحقاً؟.. أنا لم أطلع بعد على النشرات العلمية بهذا الشأن، مع أنني في مختبر للجينات كما تعلم.

ضحك رانيو، وقال:

- أنت تعملين في مختبر للجينوم البشري.. أما هذه...

فقاطعته رونا:

- لا فرق في هذا الموضوع بين البشري وغير البشري.. كلها جينات.

سأل:

- وهل يدخل في مختبرك مزج البشري مع غير البشري؟

انتفضت رونا، وأجابت:

- هذا يوم لسعادتنا.. ولا أريد الكلام عن هذا الموضوع. أنا أكره هذا النوع من التجارب، لكنني لا أصرح بذلك؛ حتى لا يحولونني إلى المستشار النفسي.

Page 9

قال رانيو:

- لقد ابتعدنا عن موضوعنا الخاص بنا الآن.. قلتِ الحديقة الاستوائية.. وبعدها؟

أجابت:

- مركز الأطفال.. ثم مباشرة إلى الفندق.

تنهد رانيو، وقال:

- وهذا من أجل أن تفتح شهيتك أيضاً للأطفال.

قالت:

- القصة ليست شهية بل إمكانية.. وأنا أجريت الفحوص اللازمة من أجل الإنجاب.

قال رانيو:

- أنا أمازحك لا أكثر، لأنني قرأت في اللائحة التي قدمتها لمركز الارتباط.. وشروطك وافقت عليها كما تعرفين.

ردت رونا وكأنها كانت ناسية:

- آه.. صحيح.. صحيح.. وإن كنا لم نطابق بين اللائحتين عندما كنا في البيت.

قال رانيو:

- لكنني قلت لك إنني أتساهل في بعض النقاط .

فأجابت بارتياح:

- بل تحدثت في نقطة أو اثنتين.

قال وقد التمعت عيناه ببريق فرح غامض:

- ما رأيك لو نحذف مركز الأطفال أيضاً ونصل فوراً إلى الفندق؟

أطرقت رونا برأسها موافقة، وخرجا إلى محطة قطار يصل أجزاء الجزيرة العائمة في الفراغ بعضها ببعض.. واستطاعا من مقصورتهما بالأجهزة الكاشفة أن يتفرجا على كل أجزاء الجزيرة حتى وصلا إلى الفندق.

كان الفندق أيضاً على شكل كرة ضخمة، مثل أكثر الأبنية التي معظمها كروي، وبعض منها مستطيل أو مربع. لكن الفندق مختلف عن الشكل الكروي قليلاً؛ لأن غرفاً فيه تبرز من أطرافه على شكل دوائر فتبدو مثل نبات شوكي، أما قمته فهي مدببة وفيها الرادارات، وموانع الصواعق، وشبكات الاتصالات، وأجراس الإنذار للطوارئ، مع أعمدة طويلة مضيئة في رأسها كاميرات صغيرة تضيء بلون النار، فتبدو مثل منارات دوارة في بحر لا يتطلع إلى البر.

Page 10

قالت رونا:

- الآن عليك أن تجمع أحرف أسمائنا وتهتدي إلى الغرفة. ثم إلى حرف (الراء) إذ يبدو أن هناك غرفاً كثيرة لهذا الحرف.

وضع رانيو رأسه في جهازين صغيرين، وأخذ يبدل الأزرار والشاشات، ثم قال فجأة:

- ها هي ذي غرفتنا.. وفي داخلها شاشة تظهر فيلماً عن تنقلنا.. انظري.

ونظرت رونا وقالت:

- أبدو في هذا الثوب الأبيض وهذا النحول والتراخي مثل شبح.

قال رانيو:

- ومن أين أتيت بهذه الكلمة؟.. أنا لا أعرفها.

أجابت وهي تتنهد:

- سأحدثك عن كل شيء عندما نستريح.

في الغرفة ذات النتوء على البحر بدا الزوجان رانيو ورونا مثل طائرين حطّا على عش في شجرة أسطورية عملاقة. قالت رونا:

- أريد أن أخلع ثوبي هذا وأخضع لجلسة تدليك كاملة، ولابأس من بعض الشراب المثلج. ولك أن تفعل مثلي في القسم الثاني من الحمام يا عزيزي.. أم أن لك خياراً آخر؟

قال:

- لي خياري الدائم وهو أن ترددي دائماً كلمة (عزيزي).. فهي ستبرد اللهفة أكثر من الشراب المثلج.

قالت رونا:

- كنت أظن أنها ستلهبك لا أن تثلجك. على أي حال سأرددها دائماً.. وأقوم بإحصاء لها.

قال رانيو بضجر:

- الإحصاء.. الإحصاء.. ألا يمكن أن أنسى للحظة أنني في مركز إحصاء.. وأنه لا عمل لي سوى الأرقام في الصباح والمساء؟

ردت رونا:

- لا عليك يا عزيزي مادامت حياتنا مرسومة هكذا. نحن سكان هذه الجزيرة العائمة في الفراغ. التي بنوها بعد أن اختفت جزيرتنا الأرضية. ترى لماذا لم يختفوا هم أيضاً معها؟ أكان من الضروري أن يبنوا هذه الجزيرة الزجاجية العجائبية؟.. أنا اطلعت على كل شيء في الحياة الأرضية. صحيح أنها قاسية ومليئة بالدم والإجرام والخوف والحذر، لكنني أعتقد أنها صحيحة أكثر من حياتنا هنا.

قال رانيو:

- هل عدنا إلى الحديث عن الأرض؟ يبدو أنك لن تتخلصي من تأثيرات ما رأيت في أرشيفات التاريخ.. تاريخ الإنسان.

قالت رونا:

- لن أتخلص من كل ذلك إلا إذا شعرت بحريتي المطلقة.. وأنا هنا لا أشعر بها.

وبعد أن انقطع الحوار دخلت رونا في عملية استراحة في الحمام.. وعندما انتهت أخرجت من الجدار كرسياً صغيراً تكومت فوقه، ثم اندفع بها إلى طرف الغرفة حيث السرير الدائري فانقذفت به وهي تتنهد.

عندما أصبح رانيو إلى جانبها قالت:

- أرجوك يا رانيو.. اجعل الوقت ليلاً فأنا سئمت هذا الضياء المبهر الذي يعكسه الزجاج دائماً.