eKtab
EN ع
العولمة والمستقبل
Read free sample

العولمة والمستقبل

by د. سيار الجميل

Page 1
 
المقدمة
 
هذا الكتاب
 
 
 
مثلت نهاية القرن العشرين تحديا كبيرا للقرن الواحد والعشرين الجديد الذي تسلم منه راية التقدم البشري، ولكن هل استفاد العرب من هذا التقدم؟ وهل وضعت هذه التحديات حدودا لتبعية الأنظمة العربية للغرب ولقمع الشعوب وتجويعها وتجهيلها وشل حركتها وتفاعلها مع ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال التي تشكل الأساس للعولمة بعناصرها الرئيسية: الاقتصادية والسياسية والثقافية؟
 
وقد لا يكون من المستغرب أن يعتري الفتور والاسترخاء أمة من الأمم فتتخلف عن ركب الحضارة وتفوقها وعناصر التقدم ومعطياته حينا. لكن ما عليه حال الأمة العربية هو إصابتها بكبوة طال تعثرها من شدة وقوعها وغور جراحها ومساهمة طبابة بعض الأنظمة في تعميق هذه الجراح. وكم كنا نتمنى أن تكون كبوة تنهض منها الأمة بعد وقوعها.
 
لقد كشفت ملابسات حرب الخليج الثانية واحتلال العراق تباشير نظام عالمي جديد تحكم العلاقات الدولية فيه، كما في أي نظام دولي جديد، في مراحل سابقة، دول العمالقة؛ الاقتصاديون والعسكريون. والولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة العظمى الوحيدة التي تنفرد بامتلاك القوتين العسكرية والاقتصادية الآن، وهي بالتالي وحدها ستظل تتحكم بدقة في السياسة الدولية في جميع مجالاتها ما لم تتبلور مراكز قوى متعددة وفاعلة، وما لم توجه ضربات تاريخية تحد من سيطرتها وسيطرت مجتمعها الصناعي الإمبريالي على العالم.
 
هذا الكتاب يحاول الإجابة عن السؤال الأهم بالنسبة لنا كعرب ومسلمين وهو: هل يستطيع العرب والمسلمون إيجاد موطئ قدم لهم في عالم اليوم الذي مفتوحا على مقاييس كل الأقدام، الصغيرة منها والكبيرة؟ وهل يمتلكون في ذواتهم، قبل اعتمادهم على الخارج ما يتيح لهم إيجاد موطئ القدم هذا؟
Page 2
مدخل
 
في تعريف العولمة
 
العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة، على وزن قولبة، واللفظ مشتق من العالم، والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة.
 
فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أما (عولمة) فرباعي مخترع، إن صح التعبير.
 
فإن هناك جماعة من اللغويين يقولون بجواز اختراع ألفاظ وكلمات في اللغة العربية على أوزان الألفاظ والكلمات الموجودة فيها، كما يقولون بجواز الزيادة والنقيصة على حسب الزوائد أو النقائص اللغوية الأخرى، مثل: صرف الباب الثلاثي إلى باب الانفعال، أو التفعيل، أو المفاعلة، أو الاستفعال، وكذلك أبواب الرباعيات ونحوها، فإنه كما يقال: عولمة، يقال: تعولمنا، وتعولمتُ، وتعولمتِ البلاد وهكذا، من قبيل تدحرجنا، وتدحرجتُ، وتدحرجتِ الكرات وما أشبه ذلك.
 
العولمة لغة واصطلاحاً
 
فالعولمة على ما سبق مشتق من العالم، أي: صرنا عالميين، ومعنى العالمية: أن تتحد كل شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة في الجملة، فيكونون كبيت واحد، وأسرة واحدة، فلا يكون هناك شعب فقير وشعب غني، ولا شعب أمي وشعب مثقف، ولا شعب تختلف اقتصادياته أو سياسياته أو ثقافياته أو اجتماعياته أو سائر شؤونه، كشؤون التربية والسلوك وما أشبه ذلك، عن شعب آخر، أي: كما كان عليه الحال قبل الآلة الحديثة، حيث الأسفار البعيدة، والاتصالات المنقطعة أو شبه المنقطعة، وإنما يكون الانتماء للعالم كله كالانتماء إلى دولة واحدة كلها، فكما يقال: بغدادي وبصري، يقال: عراقي ومصري، أو شرقي وغربي أو ما شابه ذلك، فإن البلاد وإن كانت مختلفة ولم يتصل بعضها ببعض، لكنّ الفكر يكون واحداً، والاتصال موجوداً، ويبقى الاختلاف قليلا وبشكل جزئي في بعض النقاط وفي المناطق الصغيرة من أطراف العالم.
Page 3
أما الاختلاف في العالم وعلى نحو عام وكلي فلا يكون، حيث تتداخل السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك بعضها في بعض، وتؤثر جميعاً على حياة الناس في الأرض أينما كانوا وحيثما حلوا ونزلوا، وذلك من دون اعتداد قابل للذكر بالحدود السياسية لدول ذات سيادة، أو الانتماء إلى وطن محدّد أو لدولة معيّنة، ومن دون حاجة إلى إجراءات حكومية خاصة، ولا إلى تعديل الإجراءات وتوحيدها أو تعديل الحكومات وتوحيدها، لأنها رغم كثرتها وتعددها تكون واحدة من حيث السلوك والأسلوب نوعاً ما، وإذا كان بينها اختلاف يكون الاختلاف عندها من نوع الاختلاف في الولايات، لا كالاختلاف في الدول.
 
إذن: العولمة التي أصبحت اليوم كلمة شائعة في العلوم الاجتماعية، ومستخدمة كثيراً في الأدب المعاصر، يمكن تعريفها بما يلي: إعطاء الشيء صفة العالمية، من حيث النطاق والتطبيق.
 
من تعاريف العولمة أيضاً
 
ولقد عرفوا العولمة بتعريف آخر، قالوا: (العولمة اسم شمولي مصطلح للدلالة على حقبة نفوذ تتميز بأدوات أوسع من الأدوات الاقتصادية، تهم الثقافة والحضارة حتى البيئة، مع احتفاظ الاقتصاد بعمودها الفقري، ولديها قدرة التأثير على العالم، وذلك بغلبة من الرأسمالية الغربية التي تجتاح العالم وتسيطر على أسواقه المالية والفكرية).
 
وعرفوا العولمة بتعريف ثالث، قالوا: (العولمة هي الحركة الاجتماعية التي تتضمن انكماش البعدين: الزماني والمكاني، مما يجعل العالم يبدو صغيراً إلى حد يُحتّم على البشر التقارب بعضهم من بعض).
 
وعرفوها بتعريف رابع وهو: (التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسية والثقافة والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد، أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية).
 
فقالوا: إن المفهوم الدقيق للعولمة يعني هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وانتشاره في الصميم مضافاً إلى انتشاره في الظاهر أيضاً، وبعبارة أخرى واضحة يعني: هيمنة النمط الرأسمالي الأمريكي، ليتلازم معنى العولمة في مضمار الإنتاج والتبادل المادي والرمزي، مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال العالمي أو الكوني، وذلك ضمن مفهوم تعيين مكاني جغرافي: وهو الفضاء العالمي برمته، وتعيين زماني تاريخي: وهو حقبة ما بعد الدولة القومية، أي: الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطارا كيانياً لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والسياسي، والاجتماعي والثقافي.
Page 4
فالعولمة المتداولة تعني: وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتداول، والتوزيع والتسويق، والتجارة والتمويل، إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها.
 
وبعبارة ثانية: إن ظاهرة العولمة المتداولة هي بداية عولمة الإنتاج، والرأسمال الإنتاجي، وقوى الإنتاج الرأسمالية، وأخيراً علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضاً، وترويجها في كل مكان مناسب خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله.
 
فالعولمة بهذا المعنى هي: رسملة العالم على مستوى الصميم بعد أن تمّت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره.
 
ويكون الناتج من هذه التعاريف كلها: أن العولمة حسب قول البعض هي: حرية أصحاب رؤوس الأموال، لجمع المزيد من المال في سياسة اقتصادية قديمة، كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق الربح، وانقلابه اليوم إلى الاعتماد على تشغيل المال فقط دون خسائر من أي نوع، للوصول إلى احتكار الربح.
 
إن هذا المعنى يتلخص في عودة الهيمنة الغربية من جديد، لكن محمّلة على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح، ومدجّجة بالعلم والثقافة حتى وإن كانت غير إنسانية، وبذلك تقلب القاعدة القديمة القائلة: إنّ القوي يأكل الضعيف، إلى قاعدة جديدة عصرية عولمية تقول: السريع يأكل البطيء، علماً بأن القاعدة الجديدة، لا تختلف عن القاعدة القديمة، من حيث النتيجة، بل تكون هذه الجديدة أشدّ بأساً وأعظم ظلماً من تلك القديمة، لأن أصحاب السرعة يعملون على تثبيط حركة الآخرين بكل وسعهم وجميع إمكانياتهم.
 
إن منطق التطور الرأسمالي يقضي بالتوسع المستمر خارج الحدود، إذ قد انتقلت الرأسمالية من حدود الدولة القومية والاقتصاد القومي، في عملية زحف استعماري سريع، وفرض هيمنة واسعة حتى شملت عالم ما وراء البحار ومعظم مناطق جنوب الأرض لتطال المواد الخام واليد العاملة الرخيصة والأسواق.
 
وهكذا خرج النظام الرأسمالي العالمي من واجهة المزاحمة أو المنافسة الحرة، إلى واجهة الاحتكار وواجهة الهيمنة والاستعمار مع أن الاحتكار والاستعمار من أبغض الصفات التي يمكن أن يتصف بها ظالم وغاشم.

 
Page 5
ومن التعاريف الأخرى
 
العولمة لفظ مأخوذ من (عالَم) وكما أن الناس اختلفوا فيها ما بين مندد ومسدد، فقد اختلفوا كذلك في تعريفها، ولكن يكاد يتفق الجميع على حد أدنى، وهو اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع من يعيش فيه، وتوحيد أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات، والجنسيات والأعراق.
 
فمهما تعدّدت السياقات التي ترد فيها (العولمة) فإن المفهوم الذي يعبّر عنه الجميع، في اللغات الحيّة كافة، هو الاتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد. ومن هنا جاء قرار مجمع اللغة العربية في القاهرة بإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً. وكل هذا لا يخرج عن اعتبار العولمة، في دلالتها اللغوية أولاً، هي جعل الشيء عالمياً، بما يعني ذلك من جعل العالم كله وكأنه في منظومة واحدة متكاملة.
 
وتظهر مشكلة العولمة في هذا التعريف، فطالما أن الأعراق متنوعة، والثقافات متعددة، والأديان مختلفة، والأهواء متباينة، فمن يحكم هذه الصبغة الواحدة؟ من يضع ضوابطها ويحدد قوانينها؟ ثم كيف يلزم تاجر صغير كان يعيش في أرضه آمناً في سربه، عنده قوت يومه، بمزاحمة غيره من العمالقة له في أرضه؟ وإذا كان هذا محتملاً لكون العصفور يرزق مع النسر، وتلك الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً؟ فأي مبرر يمكن أن يقبل لإلغاء عادات الناس وأنماطهم الاجتماعية؟ ومن الذي يضع الصبغة الجديدة للوحدة الاجتماعية؟ وكيف يلزم ملايين البشر بغسل أدمغتهم، وتنظيفها من فكرهم الأصيل لصالح آخر دخيل؟
 
ولهذه الإشكالات وغيرها كان من الطبيعي أن يكون في المجتمعات الإسلامية والعربية شبه إجماع بين أطراف الرأي العام السياسي فيها، ماركسيهم وقوميهم وإسلاميهم يقول بأن العولمة، بالموجهات الرئيسية التي تحركها، لا تتضمن أي جديد بل هي شكل من الاستعمار لا تختلف في أهدافها عن أهداف الموجات الاستعمارية السابقة. فلا يمكن لرأس المال المهيمن، وللشركات العملاقة المتعددة الجنسيات أن تنـزع نحو أهداف أخرى غير السيطرة على الأسواق وغزو موارد الكوكب واستغلال العمل المأجور والرخيص أنّى وجد. والفرق بين المشروعين الاستعماريين، القديم والجديد، هو أن المشروع الجديد يحتاج إلى التأقلم مع الظروف العالمية التاريخية المتغيرة، أي صعود هيمنة الولايات المتحدة الأحادية على العالم، وتحويل حلف شمال الأطلسي إلى التحالف العسكري السياسي الوحيد في العالم، وفي خدمة مجموعة صغيرة من الدول الصناعية• كما أن الاستعمار الجديد يستخدم خطابا للمشروعية يشدد على قيم نشر الديمقراطية واحترام حقوق الشعوب بدل الخطاب الذي حرك قوى الاستعمار الأسبق الذي ركز بشكل رئيس على قيم تمدين الشعوب الهمجية، أعني كل الشعوب غير الأوربية، وتحضيرها أو إدخالها في الحضارة الفعلية• ولئن كانت للاستعمار الأول أشكال تدخله العسكرية، فإن الاستعمار الجديد ينتهج أساليب جديدة، لا تقل فعالية عن السابقة على الرغم من أنها اتسمت بقسط أكبر من الأغطية القانونية• فالتدخل العسكري الانفرادي والمكشوف للدول الاستعمارية قد ترك مكانه حتى الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد.
Page 6
وسواء كانت «العولمة» تعني الكوكبة أو «الكونية» أو «سيادة النموذج الرأسمالي» وهيمنته على العالم، فإن النظام العالمي الجديد الذي بدأ يسود في العالم مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين قد أفرز العديد من النظريات والمصطلحات، منها: نظرية: «نهاية التاريخ» التي تبناها المفكر الياباني الأصل: فوكوياما، والذي اعتبر نهاية الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفيتي نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية. ونظرية «صراع الحضارات» لأستاذ العلوم السياسية الأمريكي صامويل هانتجتون، الذي اعتبر نهاية الحرب الباردة، وانتصار المعسكر الغربي على المعسكر الشرقي بداية لصراع طويل وممتد بين الغرب النصراني وحضارته الغربية، والشرق المسلم وحضارته الإسلامية، وأيضا بروز بعض الأفكار والنظريات الأخرى مثل: «ما بعد الحداثة» وغيرها حتى الوصول إلى مصطلح «العولمة».
 
وقد عقدت العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية لمناقشة مصطلح «العولمة» وأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإن كانت معظمها انطلقت في إطار التوجه المؤيد للمصطلح، الذي يؤيده أصحاب التوجه «الليبرالي» أو المعارضين لها من منطلق أنها «أمركة» أو «تصب في خانة الرأسمالية» من أصحاب التوجهات اليسارية والماركسية.
 
ولعل أبرز الندوات والمؤتمرات التي ناقشت قضية العولمة خمسة مؤتمرات في أقل من ثلاثة أعوام.
 
كما أن بعض الهيئات والمؤسسات والتنظيمات الكبرى في العالم العربي لم تتطرق لمناقشة هذه القضية مثل الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، أو رابطة العالم الإسلامي!!
 
وإذا كان مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حاول أن يناقش البعد الثقافي للقضية، وخطورة «العولمة» على الثقافة العربية إلا أن الوجوه التي دعيت للمؤتمر وقدمت أبحاثا كانت من المؤيدين لـ «العولمة» لأنها «انفتاح على ثقافة الغير».
 
وانصب اهتمام المؤتمر في الأساس على «العولمة والهوية الثقافية» أما ندوة «العولمة والاتجاهات المجتمعية في الوطن العربي» المنعقدة في القاهرة فقد انصب اهتمامها في الأساس على البعدين الاقتصادي والاجتماعي واهتمت كما جاء في الدراسة التي أعدها المفكر الاقتصادي سمير أمين على «تحليل العولمة وتأثيراتها وآلياتها» وناقش المسألة من منظور أيديولوجي، وقدمت الندوة رؤية لمناخ العصر. وإن كانت انصبت على محاكمة النظام العالمي الجديد، والقوة المهيمنة على العالم وتمركز الحضارة الرأسمالية حول أفكار اقتصادية.
Page 7
الأمر الذي انعكس على الهيمنة الرأسمالية على الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية ولكن المؤتمر أغفل الجوانب الاجتماعية للعولمة وآثارها على حياة الشعوب وقيمها وسلوكياتها.
 
وبغض النظر عن دفاع البعض المستميت عن «العولمة» وتحفظ البعض غير المحدود عليها فإن لـ «العولمة» أبعادها السياسية التي ستنعكس حتما على العالم الإسلامي.
 
فالعولمة في الأساس نتاج انهيار نظام عالمي كان يقوم على «القطبية الثنائية» بانهيار أحد أقطاب النظام، وهو الاتحاد السوفيتي، بل وزواله تماما بانتهاء الحرب الباردة وسيادة قطب واحد أخذ يسيطر على هذا العالم سياسيا وعسكرياً، الأمر الذي أحدث هوة عميقة وخللاً كبيراً في المنظومة السياسية العالمية، وفي ظل عدم التكافؤ في القوة والإمكانات بدأ الخلل يظهر، ولمعالجة هذا الخلل وجدنا من يبشر بقيام نظام عالمي جديد قوامه «سيادة حقوق الإنسان» و «الحرية الديمقراطية» و «دور أكبر ومؤثر للأمم المتحدة في حل المنازعات سلميا» وظهرت آثار هذا النظام في إنهاء التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا ونهاية حكم الأقلية البيضاء وبداية حكم الأغلبية السوداء، وبدأ يذوب الجليد بين واشنطن وبكين بعد عداوة طويلة، وأخذت واشنطن تلعب الدور الأكبر في صنع السياسة الروسية، ونجحت في «تطويع» الكرملين بتنصيب يلتسين رئيسا ودعمه وتأييده بلا حدود.
 
وأخذت معالم النظام العالمي الجديد تتضح أكثر وتأخذ أبعادا متناقضة، فالشرعية الدولية تتدخل لتفرض قوانين وقرارات الأمم المتحدة في مكان وتتغاضى عن تنفيذ هذه القوانين في مكان آخر، فتحكمت «المصالح الدولية» في تسيير دفة هذا النظام، وتحكمت الشركات متعددة الجنسيات في صنع القرار السياسي، فهناك أكثر من (200) شركة متعددة الجنسيات هي التي تصنع اليوم القرار السياسي. وظهرت سياسة «الكيل بمكيالين» حيث يكيل النظام العالمي الجديد بمكيالين فهو يطبق قرارات الأمم المتحدة بحذافيرها في مكان، ويتجاهل تماما القرارات الدولية في مكان آخر، الأمر الذي دفع د. كلوفيس مقصود مدير مركز عالم الجنوب في الجامعة الأمريكية في واشنطن إلى وصف «هذا النظام الجديد بالفوضى» وقال: «لا هو نظام عالمي. ولا هو جديد. بل هو فوضى متميزة بنزاعات إقليمية تعيد إلى الواجهة تيارات فكرية كنا اعتقدنا أنها مر عليها الزمن».
Page 8
فالذي نشاهده اليوم في ظل هذا النظام الجديد، والتبشير بـ «العولمة» هو دول تفككت كما يحدث الآن في أفغانستان والصومال والكونغو الديمقراطية ومذابح ضد الإنسان ارتكبت دون تحقيق دولي كما حدث في البوسنة والهرسك، وحدث في رواندا حيث أبيد أكثر من نصف مليون مواطن دون أن تحرك القوى المهيمنة ساكنا، بل إن تدخلات الشرعية الدولية في بعض المناطق أدت إلى نتائج عكسية، ففي البوسنة سقطت سربنيتشا وأباد الصرب أكثر من أربعة آلاف مسلم وهي تحت الحماية الدولية ورجال القبعات الزرقاء، وفي الصومال تدخلت الأمم المتحدة فكانت الكارثة، زادت الصراعات وزاد القتال، حتى المحاكمات لمجرمي الحرب التي صدرت بها قرارات من مجلس الأمن الدولي لم تنفذ سواء ضد مجرمي الحرب في البوسنة أو في رواندا، وحتى المواثيق والمعاهدات الدولية لم تحترم ولم تنفذ، مما جعل المنبهرين بالنظام العالمي الجديد وبإفرازاته السياسية والاقتصادية والثقافية يتضجرون من هذا النظام وتناقضاته.
 
فالنظام الجديد الذي حاول من الناحية السياسية عولمة «الديمقراطية» ومنظوره الخاص لـ «حقوق الإنسان» وفهمه لـ «الحرية» تجاهل تماماً وضعية الشعوب الأخرى وظروفها ومتطلباتها، وكان النتاج عولمة الفقر إضافة إلى عولمة السوق، واستقطاب جديد من الشمال الغني المسيطر للجنوب الفقير، وتبني القوى الدولية للقضايا التي تريد ما دامت مصلحتها تقتضي ذلك، وتتجاهل قضايا أساسية لعدم وجود مصلحة لها.
 
وإذا كان النظام العالمي الجديد والسياسات التي تحكمت في تسيير دفة العالم والهيمنة عليه هي التي أفرزت ظاهرة «العولمة» فإن هذا النظام وآلياته يتم تسييره من قبل دول ومؤسسات وهيئات دولية تتحكم في النظام الاقتصادي في العالم، فآلية النظام الاقتصادية مكنت الدول الغربية القوية مادياً وتكنولوجياً من الضغط على دول العالم الثالث، لتفتح اقتصادياتها أمام رأس المال والمنتجات الغربية كما مكنتها في الأساس من «خلخلة» العوائق القانونية والمالية التي تضعها الدول، في الجنوب، أمام منتجات الشمال. الأمر الذي جعل الدول الغنية تقوض الأسس التي تقوم عليها أركان الدول في العالم الثالث الفقير، وجاءت اتفاقيات الجات في 1994م لتتحكم منظمة التجارة العالمية، في الاقتصاد العالمي، بتحكمها في 90% من حركة التجارة العالمية، والدول في العالم الثالث ملزمة بالدخول في اتفاقيات الجات والتسليم بها، وفتح أسواقها أمام منتجات وسلع الدول الغنية، الأمر الذي يحطم اقتصاديات هذه الدول.
Page 9
فالنظام العالمي الجديد يسعى بكل قوة لتنفيذ مصالح القوة العالمية الدولية ومصالح الشركات متعددة الجنسيات. وإن أي سعي في ظل «العولمة الاقتصادية» لتحقيق التنمية الذاتية أو المعتمدة على النفس تواجه بعراقيل من صنع ووضع القوى والعوامل الخارجية وهي بالقطع ستكون معادية لأي جهد وطني، فبلدان «المركز» التي تدير «عولمة الاقتصاد» تجني المكاسب الطائلة بفضل تبعية «بلدان التخوم» لها سياسياً واقتصادياً وإعلامياً بل وثقافياً.
 
ولقد انتشر استخدام مصطلح العولمة في كتابات سياسية واقتصادية عديدة (بعيدة عن الإنتاج الفكري العلمي الأكاديمي في البداية) في العقد الأخير، وذلك قبل أن يكتسب المصطلح دلالات إستراتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات واقعية عديدة في العالم منذ أوائل التسعينات.
 
يُستخدم مفهوم العولمة لوصف كل العمليات التي بها تكتسب العلاقات الاجتماعية نوعًا من عدم الفصل (سقوط الحدود) وتلاشي المسافة؛ حيث تجري الحياة في العالم كمكان واحد (قرية واحدة صغيرة) ومن ثم فالعلاقات الاجتماعية التي لا تحصى عددًا أصبحت أكثر اتصالاً وأكثر تنظيمًا على أساس تزايد سرعة ومعدل تفاعل البشر وتأثرهم ببعضهم البعض.
 
وفي الواقع يعبر مصطلح العولمة عن تطورين هامين هما: التحديث، والاعتماد المتبادل، ويرتكز مفهوم العولمة على التقدم الهائل في التكنولوجيا والمعلوماتية، بالإضافة إلى الروابط المتزايدة على كافة الأصعدة على الساحة الدولية المعاصرة. وبناء على ذلك، فالمفهوم يحتوي على مساحة من التناقض بين وجهة النظر الليبرالية الداعية للاحتفال بالاعتماد المتبادل بين الدول، مقابل وجهة النظر الراديكالية التي لا ترى في ذلك إلا مزيدًا من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام الاقتصادي المرتكز على حرية السوق.
 
وتاريخيًا، فإن مفهوم العولمة لا يتجزأ عن التطور العام للنظام الرأسمالي، حيث تعد العولمة حلقة من حلقات تطوره التي بدأت مع ظهور الدولة القومية في القرن الثامن عشر، وهيمنة القوى الأوروبية على أنحاء كثيرة من العالم مع المد الاستعماري.
Page 10
بين رأس المال والتكنولوجيا والثقافة
 
ومؤخرًا، ساهمت ثلاثة عوامل في الاهتمام بمفهوم العولمة في الفكر والنظرية، وفي الخطاب السياسي الدولي:
 
1 - عولمة رأس المال أي تزايد الترابط والاتصال بين الأسواق المختلفة حتى وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمي الكبير، خاصة مع نمو البورصات العالمية.
 
2 - التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والانتقال والذي قلل، إلى حد كبير، من أثر المسافة، وانتشار أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من الناس كما في شبكة الإنترنت.
 
3 - عولمة الثقافة وتزايد الصلات غير الحكومية والتنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، فيما يسمى الشبكات الدولية، حيث برز التعاون استنادًا للمصالح المشتركة بين الجماعات عبر القومية، مما أفرز تحالفات بين القوى الاجتماعية على المستوى الدولي، خاصة في المجالات النافعة مثل: الحفاظ على البيئة، أو في المجالات غير القانونية كتنظيف الأموال والمافيا الدولية للسلاح.
 
وفي الواقع، فإنه على الرغم من ترحيب دعاة العولمة بزوال الحدود القومية ودعوتهم لإنهاء الدولة القومية، والحد من الإغراق في الخصوصية الثقافية والمحلية، لكن الواقع الحالي يثبت وجود قوتين متعارضتين: التوحد والتجزؤ.