eKtab
EN ع
العراق والتحالف الغربي 1991 - 2003
Read free sample

العراق والتحالف الغربي 1991 - 2003

by د. عماد هادي علو الربيعي

Page 1
المقدمة

إن حدثا" تاريخيا" كبيرا" مثل الحرب على العراق منذ العام 1991 واحتلاله في العام 2003، من قبل تحالف غربي صهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، لا يمكن تفسير اسبابه ودوافعه واحداثه بعامل واحد أو أكثر، مهما كانت أهمية هذا العامل أو ذاك. لذلك تعددت وتنوعت الاسباب والدوافع التي تشرح وتوضح مبررات هذا التحالف الغربي المعادي للعراق. وقد اجتهد المؤرخين والباحثين في تناول وتقييم هذا الحدث التاريخي الكبير، ويرجع ذلك اساسا" لاختلاف الأسس والمعايير السياسية والاقتصادية والتاريخية وحتى الانسانية لتعدد المدارس لكل العلوم الانسانية وتفاوت تطورها واختلاف مناهجها وذلك من طبيعة الامور ولزوم المنطق، حيث تعددت محاور المناولة، وتباينت زوايا التقويم بل لقد اختلفت حدود الرؤيا للمؤرخين من موقع واحد .

وعليه فان حصر وتحديد اسباب ودوافع العداء الغربي الصهيوني للعراق للمستوى الذي أدى الى تحالف عسكري واسع النطاق، تداعى لشن حروب منذ العام 1991 وغزو انتهى باحتلال بلاد الرافدين مهد الحضارات في العام 2003، سيبقى ميدانا" مفتوحا" للتحليل والمناقشة والبحث لسنوات عديدة مقبلة على ضوء تكشف وظهور المزيد من الحقائق والاسرار التي توضح وتصف خطورة واهمية تشكيل هذا الحدث التاريخي الكبير، وهو الأمر الذي تناوله الكتاب لما له من أهمية لفهم ما جرى في العراق قبل وبعد غزو العراق في سنة 2003.

وقد تضمن الكتاب تمهيدا" وثلاثة أقسام موزعة بواقع فصول ومباحث وخاتمة وملاحق. وتضمن التمهيد دراسة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مهدت لظهور الدولة العراقية الحديثة، وكان الهدف من وراء ذلك التعريف بالعوامل المحركة للتطورات السياسية من خلال الاطلاع على الدوافع السياسية التي جعلت من العراق هدفاً استراتيجياً للأطماع الغربية، فالعراق يعتبر من الناحية الجغرافية مركز الشرق الأوسط والسيطرة عليه تعني السيطرة على قلب الشرق الاوسط، جغرافيا وعسكريا وحضاريا. فكان الغزو الذي قامت به قوات التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعراق سنة 2003، خارج نطاق الشرعية الدولية وتحت مبررات ثبت بطلانها لاحقا"، الأمر الذي نجم عنه تدميرا "شاملا" لدولة عضو في الأمم المتحدة، وتمزيقا" لنسيجها الاجتماعي في المرحلة التي أعقبت الغزو حيث تصاعدت مظاهر العنف لأعلى مستوياتها، وسط انتهاكات وجرائم قامت بها قوات التحالف المعادي للعراق بحق الشعب العراقي ما يصعب حصره وتعداد تداعياتها ونتائجها على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

وقد بحث المؤلف في العداء الغربي للعراق في القسم الأول من الكتاب، حيث تناول في الفصل الأول من هذا القسم الحرب في القانون الدولي والذي تطرق المؤلف في مباحثه الى مدى مشروعية الحروب وقانونيتها، والى معنى العدوان في القانون الدّولي. وأن الحرب الأمريكية ضد العراق منذ عام 1991هي حرب قذرة بدوافعها وأهدافها لغرض الهيمنة الأمريكية بسلاح الدمار والابادة الجماعية عن طريق الحصار الشامل الذي استخدمته ضد العراق. متجاوزة بتلك الممارسة العدوانية الحدود التي ترسمها الأعراف الدولية للحروب من حيث إيذاء وقتل للمدنيين وتدمير ممتلكاتهم ووسائل حياتهم وبأسلوب بعيد عن أي منطق إنساني وأخلاقي يعبر عن ممارسة غير أخلاقية لحرب غير عادلة تصل إلى حد الإفناء الكلي، والتدمير الغير مبرر لشعب،اختلفت وتعددت وتباينت المبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية لعدوانها عليه منذ أكثر من ستة عشر عاما أدت إلى احتلاله واستباحة سلامته الإقليمية واستلاب استقلاله السياسي ومحو كل مظهر من مظاهر سيادته.

أما في الفصل الثاني من القسم الأول ،فقد انصرف الى دراسة التحالف المعادي للعراق، حيث درس ظروف تشكيل التحالف المعادي للعراق منذ سنة 1990، مستقرئ" لموضوع التحالف الغربي المعادي الذي ما يزال يتكالب على الامة العربية منذ مطلع القرن العشرين، حيث مارست القوى الغربية المعادية للامة العربية صيغا" متعددة في فرض التفوق المادي على الأمة العربية انطلاقا" من نظرة استعلائية عنصرية، عبر تحالف غربي صهيوني جسد العدوانية الأمريكية ضد العرب وقد تجسد ذلك في الدعم الأمريكي - الصهيوني (الاسرائيلي) لإيران في حربها مع العراق(1980-1988) والتي كشفتها فضيحة (ايران كونترا) أو (ايران كيت).

تكفل الفصل الثالث من القسم الأول في دراسة جذور وأسباب العداء الغربي للعراق بدءا" من الموقف الصهيوني الغربي المعادي للعراق، والمنطلق من اعتبار العراق الهدف الاكثر خطورة على المشروع الاستعماري للتحالف الغربي في منطقة الخليج العربي والشرق الاوسط، خصوصا" بعد تأميمه لشركات النفط الغربية في العام 1972، وكان من الاسباب التي صعدت الشعور بالقلق من العراق وسرّعت في شن الحرب عليه وغزوه واحتلاله لاحقا" طروحات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وشخصيته الكاريزمية ذات التطلعات القومية المناهضة للمشروع الغربي الصهيوني. وتطرق المؤلف في مبحث هذا الفصل إلى الصراع حول الثروة النفطية العربية لاسيما في منطقة الخليج العربي والذي أصبح حقيقة تلازم المنطقة والحياة العربية منذ اكتشاف النفط فيها. من هنا كان التفكير والتخطيط الأمريكي لتهيئة الظروف والبيئة الاقليمية التي تعطي مبررات قوية لوجود عسكري امريكي طويل الامد في منطقة الخليج العربي، فكان افتعال الأزمة الكويتية مع العراق كمبرر للتدخل السريع بقصد احتلال منابع النفط العربي وتدمير العراق، حيث توج هذا المخطط بالهجوم العسكري واسع النطاق على العراق ليلة 16/17 كانون الثاني 1991مع اصرار امريكي على فرض حصار شامل على العراق بهدف استنزاف قدراته الدفاعية والاقتصادية وتدمير بنيته الاجتماعية، تمهيدا" لاحتلاله لاحقا" والذي جرى في نيسان 2003.
Page 2
القسم الثاني من الكتاب وضعه المؤلف تحت عنوان حروب التحالف المعادي على العراق واشتمل على الفصول الرابع والخامس والسادس.

خصص الفصل الرابع لدراسة حرب التحالف المعادي للعراق 1991، اذ تناولت مباحثه الدور الكويتي في الاعداد لحرب التحالف المعادي للعراق سنة 1991. كما جاءت مباحث العدوان العسكري و الاستخدام الأمريكي للأمم المتحدة، لتؤكد ان استهداف العراق من قبل التحالف الغربي كان القصد من ورائه اضعاف العراق وإلحاق الأذى به، حيث أظهرت العديد من المؤشرات أن الأعداد لإضعاف وتدمير العراق كان قد أعد له مسبقا" وقبل دخول القوات العراقية إلى الكويت في آب 1990، وأن الحرب التي شنتها قوات التحالف المعادي للعراق عام 1991، استهدفت تصفية العراق الحديث، عبر تدمير البنى الارتكازية فيه، في وقت استخدمت فيه الولايات المتحدة الأمم المتحدة لإضعاف واذلال العراق باستصدارها من مجلس الامن ما يقارب خمسون قرارا"، تقع تحت البند السابع هذا بالإضافة إلى ما أصدرته مختلف منظمات الأمم المتحدة من قرارات إدانة للعراق. كما تطرق مبحث ترسيم الحدود بين العراق والكويت إلى حقيقة أن مجلس الأمن اعتمد إجراء مغايراً تماماً لقراره رقم 660 (1990) ! وعندما اعتمد مجلس الأمن القرار المرقم 687 (1991) والذي خصص القسم ( أ) منه على إجراءات ترسيم الحدود الدولية بين العراق والكويت، فانه تعامل مع مسألة الحدود بموجب الفصل السابع من الميثاق مسجلاً بذلك سابقة غير معروفة حتى الآن، افقدت العراق أراضي واسعة غنية بالبترول، بالإضافة إلى فقدان العراق للقاعدة البحرية الوحيدة له المطلة على الخليج العربي ألا وهي قاعدة( أم قصر) البحرية. كما قام المؤلف بإلقاء الضوء في مبحث الحصار الاقتصادي على تداعيات العقوبات الاقتصادية الخانقة على العراق التي استمرت ثلاثة عشر عاماً عانى منها البلد بشدة، و استهدفت بالأساس الشعب العراقي وقدراته على الصمود و الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للعراق وإثر ذلك على جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

أما في الفصل الخامس فقد ركز المؤلف على الدور الذي قمت به اللجنة الخاصة UN – ISCOM باعتبارها أحد الوسائل التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف المعادي للعراق لإضعاف وتدمير القدرات الدفاعية والصناعية العراقية. وقد قامت اللجنة بتدمير كمية كبيرة من الأسلحة والمنشآت الصناعية. كما تعمدت اللجنة تعطيل العمل في المناطق الحساسة التي يعمل بها كبار المسؤولين العراقيين بمن فيهم رئيس الجمهورية، كما مارست التفتيش بشكل استفزازي، بحيث أصبح عملها نوعا من أنواع التجسس الدائم على العراق،وبعد انتهاء اعمال اللجنة الخاصة UN – ISCOM، جاءت مرحلة الاعترافات الأمريكية بالأخطاء والإخفاقات في الحرب ومبرراتها التي ألحقت بسمعة الجيش الأمريكي والشعب الأمريكي ما لم يكن يتمناه أي أمريكي متحمس للقيم والأفكار والمبادئ التي يدعي بها المجتمع الأمريكي. كما تطرق المؤلف الى دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث لعبت هذه الوكالة دورا" مهما" هي الاخرى في تجهيز أداته القانونية والتمهيد الاعلامي والنفسي للرأي العام العالمي لقبوله ووضع العالم علي شفا الحرب واستكمال إضعاف العراق والتأكد من خلوه من أسلحة الدمار.

في حين انصرف الفصل السادس من القسم الثاني الى تسليط الضوء على انتهاكات وجرائم قوات التحالف المعادي في الحرب على العراق والتي أشرت شراسة القوة التدميرية غير المبررة لتدمير بلد وشعب وجيش. ثم بحث المؤلف في انتهاك قوات التحالف المعادي للعراق للمعايير الأخلاقية في هذا الصراع الذي اتسم بالعديد من السلوكيات والانتهاكات غير الأخلاقية والجرائم ضد الانسانية . كما تم البحث في المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات التحالف المعادي للعراق، حيث أن تلك القوات كانت تسيء كل يوم استخدام التفويض الذي انتزعته حكوماتها من مجلس الأمن، وتمعن في ممارسات سادية وبربرية ومجازر، تستهدف اهانة كبرياء وكرامة الانسان العراقي. ان الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات التحالف المعادي للعراق جرى بحثها ايضا" بحسب عدد من المعاهدات الدولية والقوانين الأساسية للمحاكم الجنائية الدولية، ومنها قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. يضاف إلى ذلك قيام المؤلف بدراسة أساليب الإبادة الجماعية التي اتبعتها قوات التحالف المعادي للعراق ومن ضمنها فرض الحصار الشامل على شعب العراق وتدمير مخزونات الأغذية، والسعي لتلويث تجهيزات مياه الشرب، ومحطات الطاقة الكهربائية ومصافي النفط والمستشفيات والطرق والجسور كما استخدمت واشنطن الحرب البيولوجية المتواصلة ضد العراق، وذلك بسبب الحظر على الدواء و اللقاحات المختلفة الذي سبب انتشار الأمراض بين البشر والحيوانات والنباتات. وقد خصص المؤلف مبحثا" عن التداعيات الا أخلاقية للحرب على العراق على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية. وقد وجد المؤلف أنه من الضروري تخصيص مبحث منفصل لبحث واحدة من أبرز تداعيات الحرب على العراق، الا وهو الفساد الإداري والمالي الأمريكي في العراق الذي استشرى مستغلا" قرار مجلس الأمن رقم 1483 في 22 أيار/مايو 2003، الأساس الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية في توفير التكييف القانوني الوحيد الممكن، وفقا لقواعد القانون الدولي، الذي أتاح لها إدارة الموارد المالية للعراق وتوجيهها بالطريقة التي رأتها مناسبة لمصالحها، بالإضافة إلى إضفائه الشرعية القانونية على احتلالها للعراق فكان سوء الإدارة المالية والتلاعب والتحايل من أجل سلب الأموال العراقية.

تكفل القسم الثالث من الكتاب بدراسة اضعاف القدرات العسكرية العراقية وذلك من خلال مباحث الفصول السابع والثامن والتاسع.

فقد تناول الفصل السابع الاحتلال الأمريكي والمؤسسة العسكرية العراقية، حيث سارعت سلطات الاحتلال الأمريكي إلى استهداف المؤسسة العسكرية العراقية العريقة بالتدمير وحلها رغما" عنها، باعتبارها أهم عناصر القوة العراقية، لذلك خصص مبحث لدراسة دوافع حل المؤسسة العسكرية العراقية، كما بحث المؤلف في ظروف تشكيل الجيش العراقي الجديد( NIA)، مخصصين مبحث لدراسة النتائج التي تمخضت عن دمج الميليشيات في الجيش الجديد، بعد أن تهافتت الأحزاب والتيارات والقوى السياسية التي برزت على الساحة السياسية العراقية بعد سنة 2003على دفع عناصرها وأنصارها للدخول والانخراط في صفوف الجيش الجديد ولم تؤخذ التجربة والكفاءة والمهارة والخبرة بنظر الاعتبار، قدر الاهتمام والاخذ بالانحدار الطائفي والعنصري أو الانتماء الحزبي في الانتماء إلى الجيش الجديد. وقد خصص المؤلف مبحثا" لدراسة ظروف تشكيل وزارة الدفاع العراقية الجديدة على انقاض وزارة متجذرة في قدمها ومتأصله في نفوس العراقيين ومشاعرهم كانت قد شكلت في العام 1921 قبل تشكيل الدولة العراقية الحديثة.

أما الفصل الثامن من القسم الثالث فقد انصرف لدراسة اثر التوافقات السياسية الداخلية والاقليمية على إعادة تسليح الجيش العراقي، من خلال عدة مباحث كان من أولها دراسة الرؤية الأمريكية لتسليح الجيش العراقي ثم البحث في اسباب ودوافع تبدل الاستراتيجية الأمريكية بالعراق بعد أن أدى التلكؤ الأمريكي في تسليح وتجهيز وتدريب الجيش العراقي الجديد بالإضافة الى تردي الوضع الأمني في العراق الى القاء المزيد من الثقل والصعوبات الجمة على كاهل قوات الاحتلال الأمريكية التي منيت بخسائر كبيرة بدأت تلحق بها نتيجة لتزايد انشطة المقاومة او( العصيان والارهاب ) كما يدعوها الامريكان، وصولا" إلى تسليط الضوء على الاتفاقية الاطارية بين العراق وامريكا Strategic Framework Agreement والتي اتخذت تبريرا" لتوقف البرامج التدريبية الأمريكية وكذلك توقف برامج التدريب لبعثة الناتو التدريبية. وخصص أحد مباحث الفصل الثامن لدراسة استراتيجية التسلح العراقية بعد عام 2003، حيث تستحوذ هذه العملية على أهمية محورية تتجاوز الإطار المباشر لها، وتمتد إلى آفاق أرحب تتعلق بمستقبل العراق وطبيعة التوجهات الاستراتيجية الكبرى للسياسة العراقية في المستقبل القريب، سياسياً وعسكرياً. كما خصص المؤلف مبحثا" لدراسة موقف القوى والأحزاب السياسية الحاكمة اليوم في العراق من عملية اعادة تسليح الجيش العراق، بالإضافة إلى دراسة مواقف دول الجوار من تسليح الجيش العراقي.

الفصل التاسع من القسم الثالث خصصه المؤلف لدراسة دور الفساد الاداري والمالي في اضعاف القدرات العسكرية العراقية. من خلال عدة مباحث كان أولها دراسة الفساد الإداري والمالي الأمريكي في العراق، حيثُ كان الفساد، إن لم تكن السرقة المُتعمدة لأموال العراق، في آلية استخدام تلك الأموال، كما خصص مبحث لدراسة الفساد الإداري والمالي في وزارة الدفاع العراقية، مستندين في ذلك الى ما رصدته هيئة النزاهة العراقية من قضايا الفساد الاداري والمالي التي شابت عملية تسلح الجيش العراقي الجديد. فعلى الرغم من مضى ما يقارب التسع سنوات على تشكيل الجيش العراقي الجديد وبإشراف من لدن السلطات الأمريكية المحتلة والحكومات التي تعاقبت على العراق منذ احتلاله في 9/4/2003، لم ترتقي عملية تسليح و إعادة تشكيل الجيش العراقي إلى المستوى الذي يلبي متطلبات مجابهة التهديدات الداخلية والخارجية التي يتعرض لها العراق، وعلى الرغم من التخصيصات المالية الضخمة التي خصصت لتسليح وتجهيز وتدريب الجيش العراقي الجديد، فانه لا يزال عاجزا" عن تحقيق أهم الأهداف الاستراتيجية للعراق، ألا وهو الامن والاستقرار وعاجزا" عن النهوض بأبسط المهام التي تناط بالجيوش النظامية الا وهي حماية الاراضي والاجواء والمياه الاقليمية للعراق نتيجة لضعف القدرات القتالية للجيش العراقي الجديد.

أما الخاتمة فهي تحوي أهم الاستنتاجات التي توصل اليها المؤلف من خلال دراسة حروب التحالف المعادي للعراق.
Page 3
تمهيد

العراق(1) بلاد ما بين النهرين العظيمين، دجلة والفرات، اللذان ينسابان في العراق من شماله إلى جنوبه، واللذان كانا أساس نشأة حضارات ما بين النهرين التي قامت في العراق على مر التاريخ حيث نشأت على أرض العراق وعلى امتداد 8000 سنة مجموعة من الحضاراتعلى يد الأكديين والسومريين والآشوريين والبابليين انظر الملحق رقم (1) خارطة حضارات العراق. والعراقيين أول من اخترع الحرف بالعالم فكانت الكتابة المسمارية واللغة السومرية أساسا" للعلوم البشرية كافة (2). وكان العراقيين أول من سن القوانين خلال السلالات الأول ى للحضارتين السومرية والبابلية. كما أن العرقيين هم أول من أخترع العجلة وسبقوا الحضارات البشرية بكل الإبداعات كالشعر والرسم والملحمة الأدبية والموسيقى والعلوم.

والعراق، إحدى دول غرب القارة الآسيوية المطلة على الخليج العربي. يحدها من الجنوب الكويت والمملكة العربية السعودية، ومن الشمال تركيا، ومن الغرب سوريا والأردن، ومن الشرق إيران، انظر الملحق رقم (2) موقع العراق في منطقة غرب القارة الآسيوية. والعراقعضو في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وأوبك. والخليج العربي هو المنفذ البحري الوحيد للعراق على العالم حيث يبلغ طول الساحل البحري للعراق حوالي 58 كيلومتر ويعد ميناء أم قصر أهم الموانئ العراقية المطلة على الخليج(3).

إن الاهمية التاريخية للعراق تتجلى من خلال اتخاذه مقرا لإمبراطوريات كبرى شهدها التاريخ مثل امبراطوريتي البابليين والآشوريين، وصولا لأكبرها امبراطورية العباسيين التي حكمت نصف آسيا وشمال افريقيا طيلة قرون. بل ان هذا البلد كان كذلك مقرا وعاصمة للإمبراطوريات اجنبية كبرى، مثل امبراطوريتا الاسكندر المقدوني ثم الساسانيين الذين اختاروا المدائن عاصمة لهم.

ويتميز العراق بتنوع تكوينه الاجتماعي والاثني، الذي يتوزع بين شيعة وسنة، بالإضافة الى الاكراد والتركمان والمسيحيين وغيرهم، الأمر الذي يجعله بيئة ملائمة للفتن الطائفية والعرقية والمذهبية، ليس في الداخل العراقي بل في المنطقة بشكل عام لما للعراق وشعبه من علاقات ووشائج تاريخية ولغوية ودينية وقومية تربطه بالدول المجاورة له.

وعليه فأن الاهمية الاستراتيجية للعراق جعلته هدفا" استراتيجيا" للأطماع الغربية، فالعراق يعتبر من الناحية الجغرافية مركز الشرق الاوسط والسيطرة عليه تعني السيطرة على قلب الشرق الاوسط، جغرافيا وعسكريا وحضاريا. وهو كذلك اقتصاديا يمتلك اكبر خزين نفطي، بالإضافة الى النهرين والكثير من المعادن المهمة المكتشفة وغير المكتشفة. لذلك فقد كان العراق محط أنظار الدول الاستعمارية الكبرى، فالبريطانيون والأمريكان الذين سعوا للحصول على موطئ قدم في العراق أو للحصول على امتياز معين أو غير ذلك، كانت غايتهم الاستحواذ على الخيرات وتأكيد النفوذ السياسي، ويعود اهتمام الدول الغربية بالعراق إلى فترة زمنية سابقة تمتد إلى ثلاثة قرون مضت، حيث أصبح هذا الجزء المهم من الوطن العربي الذي يتوسط منطقة ما يسمى بـ (الشرق الأوسط) (4) يحتل جزءً كبيراً من تفكير الاستراتيجيين الغربيين لأهمية موقعه الجغرافي ومركزه السوقي (الاستراتيجي) الذي يربطه بالخليج العربي وإيران(5). وكانت شركة الهند الشرقية الأداة والوسيلة الخبيثة لنشر السياسة الاستعمارية البريطانية في منطقة الخليج العربي، حيث كانت بريطانيا تنظر منذ بداية تكوينها إلى مياه الخليج العربي على أنها ملك لها(6). وحقق التجار البريطانيون من وراء المتاجرة في البصرة أرباحاً طائلة، هذا فضلاً عن ان البصرة كانت مركزاً ينقل عبره بريد الشركة براً(7).

كانت بريطانيا خلال تلك الفترة وما بعدها تحاول ترسيخ وجودها في العراق، خصوصاً وأنها كانت تدرك ما للعراق من أهمية مستقبلية في السياسة الدولية حيث كانت تعده حلقة اتصال مهمة على طريق جنوب آسيا والى الهند التي كان للبريطانيين فيها مصالح اقتصادية وحيوية كبيرة لذلك كانت لندن تبدي اهتماماً كبيراً للتغلغل في شؤون العراق أثناء فترة الحكم العثماني(8).

وخلال الحرب العالمية الأول ى (1914- 1918) طرد العثمانيين من العراق، وقد تمكن البريطانيون من احتلال بغداد في 11 آذار 1917. وقامت دول الحلفاء ومن ضمنها المملكة المتحدة بتقسيم الدولة العثمانية باتفاقية سايكس بيكو سنة 1916 (9). انظر الملحق رقم (3) تقسيم المشرق بين المحتلين حسب اتفاقية سايكس بيكو.
Page 4
وفي 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 1920، وضعت عصبة الأمم العراق تحت الانتداب البريطاني (10)، وبذلك ظهر العراق ككيان سياسي وجغرافي معترف به دوليا" لأول مرة في التاريخ المعاصر، مكون من ثلاث ولايات عثمانية سابقة هي بغداد والبصرة والموصل. وصارت بغداد عاصمة الدولة العراقية الجديدة ومركز إدارة الانتداب (الاستعمار) البريطاني في البلاد، وقد قامت القوات المسلحة البريطانية بقمع الثورات العراقية ضد الاحتلال، وكان من أبرز هذه الثورات: الثورة العراقية الكبرى التي قامت بها العشائر العراقية ضد الاحتلال البريطاني في حزيران من عام 1920، التي سميت ثورة العشرين، وكان من النتائج المهمة التي تمخضت عنها الثورة هي تنظيم العلاقات العراقية البريطانية على أسس تعاهديه. ففي 26 تشرين الأول عام 1921، أعلن برسي كوكس عن تشكيل حكومة مؤقتةبرئاسة نقيب أشراف بغداد (عبد الرحمن الكيلاني)، وشغل الموظفون البريطانيون مراكز استشارية حيث أصبحوا مستشارين للوزراء العراقيين(11). وبذلك وضع الحجر الأساس لقيام الحكومة العراقية، التي كانت البذرة الأول ى في مسيرة الدولة العراقية الحديثة (12).

وقررت الحكومة العراقية الانتقالية في 11 تموز 1921 اعلان فيصل بن الحسين ملكاً على العراق على ان تكون حكومته دستورية ممثلة لكل أبناء الشعب وتنهج الديمقراطية. وتوج فيصل رسمياً ملكاً في 23 آب 1921. وأقر الدستور العراقي في 21 آذار 1925(13).

ولقد كبلت بريطانيا العراق بقيود كبيرة بعدة معاهدات كبلت العراق وأصبحت مقدرات العراق بموجب هذه المعاهدات تحت سيطرة بريطانيا (14). وفي عام 1929أعلمت المملكة المتحدة العراق أنها سوف تمنحه الاستقلال عام 1932، اذا ما وقع معاهدة جديدة معها في 30حزيران 1930(15)، منحت فيها المملكة المتحدة لنفسها قواعد عسكرية جوية لقطعاتها قرب البصرة وفي منطقة الحبانية قرب الفرات، وتكون نافذة حال دخول العراق إلى عصبة الأمم في 3 تشرين الأول 1932 قبل العراق في عصبة الأمم كدولة مستقلة.

وكان للنفط الدور الكبير في توجيه سياسة بريطانيا نحو العراق ومحاولة بريطانيا الانفراد بالعراق وعدم ادخال أي شريك لها في خيراته، من خلال سيطرتها المطلقة عليه والزام العراق بقبول المعاهدات التي كانت تفرضها على العراق ابتداءً من معاهدة 1922 حتى معاهدة 1930 وبذلك استطاعت بريطانيا ترسيخ نفوذها في العراق فيما بعد عن طريق توجيه الحكومات العراقية المتعاقبة خلال العهد الملكي وفق استراتيجياتها وخدمة لأهدافها الاستعمارية، لجعله تابعاً لها عن طريق السيطرة على الامكانيات الاقتصادية للعراق، وتسخير هذه الامكانيات لخدمة الأغراض البريطانية.

أثرت على الشارع العراقي توجهات الملك غازي الأول 1933 – 1939 الوطنية ومن ثم سياسات وزارة رشيد باشا عالي الكيلاني 1941 المناهضة للاحتلال البريطاني، خصوصا" عندما طالب البريطانيون العراق، بعد قيام الحرب العالمية الثانية 1939 بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا واعلان الحرب عليها وفقا لبنود معاهدة 1930، وهو ما رفضه الشارع العراقي الذي طالب بإنهاء الوجود البريطاني في العراق والغاء معاهدة 1930، وأدت سلسلة الأحداث الدستورية بين التيار الوطني التحرري والتيار الليبرالي الميال لممالأة بريطانيا، إلى قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني أو ما يعرف بثورة مايس 1941. وقامت القوات العسكرية العراقية بتطويق القاعدة البريطانية في الحبانية وفي الثاني من مايس/ ايار 1941 اعلنت الحرب رسميا بين القوات العراقية والبريطانية. فقامت القوات البريطانيةبمهاجمة العراق واعادة احتلاله مرة اخرى واسقاط حكومة رشيد عالي الكيلاني (16). الامر الذي نجم عنه تأزم الوضع الداخلي وتفاقم المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما اججت مشاعر المعارضة الشعبية للحكم الملكي ورموزه حيث نجم عن ذلك انتهاء الحكم الملكي في العراق في 14 يوليو/ تموز 1958، عندما قاد الجيش العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم انقلابا عسكريا"، قتل على اثره الملك فيصل الثاني، وأعلنت الجمهورية، وانتهى بذلك النفوذ والتواجد العسكري البريطاني في قواعد الحبانية والشعيبة. كما أنسحب العراق من حلف بغداد والاتحاد مع الأردن سنة 1959، وفي سنة 1960 أعلن العراق بعد انسحاب بريطانيا من الكويت عن تبعية الأخيرة له.

وفي 8 فبراير/ شباط 1963، قاد حزب البعث انقلابا عسكريا" على عبد الكريم قاسم وأصبح عبد السلام عارف الذي لم يكن بعثياً رئيساً للعراق. الا أنه ما لبث أن قاد انقلابا" عسكريا" في 23 تشرين الثاني 1963ضد حزب البعث وأقصاه من السلطة. وبعد مصرع عبدالسلام عارف سنة 1966 (17)، تولى أخوه عبد الرحمن عارف الرئاسة، ليقصى عنها أثر انقلاب عسكري قاده حزب البعث في 17 يوليو/ تموز 1968، وتولى الرئاسة أحمد حسن البكر، وأمم العراق شركات النفط الغربية سنة 1972، الأمر الذي اثار حفيظة الدول الغربية على العراق. وفي سنة 1979 تولى صدام حسين رئاسة العراق بعد تنازل أحمد حسن البكر عن السلطة.

برز دور العراق على مسرح السياسة الدولية عبر ما يتميز به من تنوع التكوين الاجتماعي والاثني لشعبه الذي يتوزع بين شيعة وسنة، بالإضافة الى الاكراد والتركمان والمسيحيين وغيرهم، ويقع مباشرة وسط القطبين الاسلاميين المتصارعين: القطب الشيعي الايراني والقطب السني السعودي الأمر الذي جعله البلد الوحيد المهيأ جغرافيا وسكانيا، لأن يكون ساحة للصراع بين القطبين المتحاربين وتعميق الشقة في العالم الاسلامي أجمعه بين الشيعة والسنة، وبالتالي البوابة الواسعة التي يمكن الدخول منها الى ترتيب الأوضاع وإعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة بما يخدم مشروع الهيمنة والسيطرة الأمريكي على المنطقة الغنية بالبترول، القائم على التقسيم الطائفي للعالم الاسلامي، وفرض الممارسة الفعلية لهذا الصراع أي بلوغ مرحلة الحرب الدامية بين الطرفين. فكانت الحروب الغربية على العراق منذ سنة 1991، وتزامنت مع اضعاف وخنق العراق حربيا واقتصاديا وبشريا طيلة اعوام التسعينات، الى جانب التأسيس لاندلاع الصراع الطائفي ليس في العراق فحسب بل في منطقة الشرق الاوسط برمتها. وصولا" إلى غزو العراق واحتلاله من قبل قوات التحالف الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في 2003 ، التي جعلت منه ساحة مكشوفة ومثال فاضح لكل المسلمين للصراع الطائفي الدامي المحتدم بين القطبين الشيعي السني، وارضاء لعذابات المسيحيين والصابئة وباقي الجماعات العرقية والدينية. في مسعى واضح لتفكيك الدولة العراقيةالحديثة التي قامت منذ العام 1921، وتدمير بنيتها التحتية(18)، الأمر الذي كانت عواقبه وخيمة على الصعيد الانساني والثقافي.. وتسبب بمقتل اكثر من مليون و (300) ألف مدني عراقي وتدمير البنية التحتية لهذا البلد الجريح (19).
Page 5
وقد أكد تقرير الأمم المتحدة لحقوق الانسان الصادر في الربع الأول من عام 2007، ان ( 45% ) من العراقيين يعيشون بأقل من دولار في اليوم, اضافة الى لجوء اكثر من ( 2,5 ) مليون عراقي الى الخارج ونزوح نحو ثلاثة ملايين آخرين في الداخل، حيث كانت نسبةالمهجرين واحدا من بين كل ستة عراقيين، كما وصلت نسبة السكان الذين يعيشون في الاحياء الفقيرة الى 53 % من اصل 19 مليون شخص يقطنون المدن الحضرية(20).

وأكد تقرير محكمة بروكسل المكوّنة من مجموعة من الشخصيات العلمية والأكاديمية والأدبية ذات المنزلة العالمية المعروفة والمرموقة، أن الحالة التي يواجهها التعليم في العراق منذ بدء الاحتلال البغيض عام 2003 لا تزال خطيرة جدا، لا سيما بعد حرق ونهب وتدمير 84% من مراكز التعليم العالي، اضافة الى ما تدمير اكثر من 700 مدرسة ابتدائية طالها القصف الأمريكي واعمال العنف التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.. وأوضح التقرير ان الاحتلال الغاشم واعمال العنف التي شهدها العراق لا سيما خلال الفترة الواقعة بين عامي ( 2006 و 2010 ) تسببت بمقتل نحو (200) استاذا جامعيا واكاديميا، كما قتل خلال هذه الفترة (197) إعلاميا وصحفيا. وتسبب احتلال العراق من قبل قوات التحالف المعادي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بخراب ثقافي لا سيما بعد سرقة الاف القطع الأثرية العراقية بينها (15000) قطعة نفيسة تعود الى حضارة وادي الرافدين التي كانت موجودة في المتحف الوطني في العاصمة بغداد , كما ان قوات الاحتلال الأمريكية قامت منذ غزوها العراق في آذار عام 2003, بتحويل سبعة مواقع اثرية الى قواعد او معسكرات لها, بينها مدينة (أور)التي تعد واحدة من اقدم المدن في العالم ـ وهي مسقط رأس النبي ابراهيم عليه السلام ـ اضافة الى مدينة بابل التاريخية التي دمرتها القوات الغازية بشكل لا يمكن اصلاحها(21).

ولذلك فان السؤال المطروح هو عن اسباب ودوافع العداء الغربي للعراق للمستوى الذي ادى الى تحالف عسكري واسع النطاق، تداعى لشن حرب قذرة قادتها الادارة الأمريكية ضد العراق لا تزال مستمرة منذ سنة 1991 وغزو انتهى باحتلال العراق في 2003، حتى بعد إعلان الرئيس باراك أوباما انتهاء العمليات القتالية وسحب معظم قوات الاحتلال الأمريكية نهاية العام 2011، ولا يزال ينجم عنها من الخسائر والخراب والتدمير والجرائم ما يصعب حصره وتعداد تداعياتها ونتائجها على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

القسم الأول:العداء الغربي للعراق

الفصل الأول

الحرب في القانون الدولي

منذ إن عقدت معاهدة وستفاليا عام 1648 تعددت وتنوعت تصنيفات وتسميات الحرب بين حرب مشروعة ، وحرب باطلة، وحرب عادلة، وأخرى جائرة، وحرب عدوان، وحرب دفاع. وبعد حروب طاحنة في أوربا منذ مطلع القرن العشرين، صدر ميثاق الأمم المتحدة عام1945 ليضع معايير جديدة في مدى مشروعية الحروب وقانونيتها (22) وليعرفها بأنها صراع مسلح بين الدول تدور طبقاً لوسائل حددها القانون الدولي العام، ووضع أحكاماً خاصة بها. وإذا خرجت إجراءات القوة على القواعد المحددة في نصوص القانون الدولي، تصبح أعمالا غير مشروعة وتطبق على الدولة المخالفة للأحكام المنصوص عليها في المادة (16) قرار عصبة الأمم (جنيف) وأحكام اتفاقيات (لاهاي) الدولية عام 1907 و1909، وأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. حيث ذهبت الإنسانية بعد تلك الحروب الطاحنة التي اجتاحت أوربا إلى إنكارها وتحريمها واستبدلت تسميتها بمصطلح (النزاع المسلح) حيث جعلت الأمم المتحدة إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب أّجل أهدافها حتى ذهب ميثاقها إلى منع التهديد باستخدام القوة فضلا عن استخدامها. وهو ما أوجب (على أعضاء الأمم المتحدة أن يمتنعوا في علاقاتهم الدولية عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة) (23).

وهذا يعني أن الإنسانية آو المجتمع الدولي اعتبر أن وجود أدوات العنف بيد أصحاب القوة سواء كانوا أفرادا" أو تشكيلات أو دول يستوجب التزاما أخلاقيا بتلك القيم والمبادئ التي اتفق عليها أعضاء الأمم المتحدة لتجنيب الأجيال القادمة ويلات الحروب الناجمة عن استخدام غير عقلاني للقوة الغاشمة.

ان احتكار الغرب الاستعماري وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية لعناصر القدرة والقوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والنووية، وتملكها لمؤسسات تجسسية ومخابراتية مع أدوات التفتيش والتجسس ذات مستوى عالي.! يتيح لها حرية الاستخدام غير العقلاني للقوة الغاشمة ضد دول وشعوب لا تستحوذ على جزء يسير من عناصر القدرة والقوة التي تملكها دول الغرب الاستعماري. الامر الذي يدفعنا الى وصف أي استخدام غير متكافئ وغير عقلاني للقوة الغاشمة بالعدوان. فما هو العدوان؟
Page 6
في معنى العدوان

إن في اصل كلمة العدوان معان كثيرة متداخلة لكنها تكمل بعضها بعضا فمنها العدو، وفيها معنى تجاوز الحد من الظلم والعدوان في اللغة معناه الظلم الصراح. واصطلاحا فان العدوان هو سلوك يرمي إلى إيذاء الغير أو الذات أو ما يحل محلهما من الرموز (24). أما من الناحية السياسية فالعدوان هو استخدام القوات المسلحة أو التهديد باستخدامها عبر حدود معترف بها دوليا (25). والعدوان في القانون الدّولي هو (استعمال القوّة من قبل دولة ضد أخرى لا يبرره الدّفاع عن النّفس أو أية استثناءات قانونية معترف بها) (26)، وأن عدم شرعية العدوان من أكثر معايير القانون الدّولي المعاصر جوهرية، و منع العدوان كان هدفاً وغاية منذ عهد عصبة الأمم المتحدة ومن ثم منظّمة الأمم المتحدة. وعليه مما سبق باعتبار العدوان سلوكا يرمي إلى إيذاء الغير فهو ممارسة غير أخلاقية تتحكم في ظهورها عوامل ثقافية واجتماعية وسكانية ولكن الأكثر ظهورا في الصراعات الدولية هي العوامل الاستراتيجية والاقتصادية.

ومما لاشك في أن العدوان لابد أن يعبر عنه باستخدام القوة بمختلف أشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية لفرض إرادة المعتدي على المعتدى عليه. إن الابتعاد عن مبدأ الحوار والتفاوض في حل النزاعات الدولية المعاصرة يجعل من استخدام القوة المسلحة في حل تلك النزاعات وسيلة إفناء تام أو تؤدي إلى صراع مدمر ليس من النمط الذي كان سائدا في الحروب السابقة بسبب التقدم الهائل في تكنولوجيا الحرب والدمار والأسلحة الغير تقليدية، خصوصا مع وجود وعي دولي إنساني وأخلاقي بضرورة الحفاظ على حياة المدنيين ووسائل عيشهم.ولذلك فقد حصر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة في ثلاث حالات فقط وما عداها فهو عدوان يتعين على المجتمع الدولي ردعه قبل أن يقع وردعه وقمعه إذا ما وقع والحالات الثلاث التي سمح الميثاق باستخدام القوة فيها هي:

* استخدام القوة المسلحة إزاء أية دولة كانت أثناء الحرب العالمية الثانية معادية لإحدى الدول الموقعة على الميثاق، إذا كان هذا العمل قد اتخذ أو رخص به نتيجة تلك الحرب(27).

* إباحة استخدام القوة المسلحة في حالة الدفاع الشرعي عن النفس على نحو فردي أو جماعي، ولا تثبت الإباحة إلا بتوافر شرطين:اولهما أن يكون الاعتداء مسلحا،وثانيهما أن يستخدم هذا الحق بالقدر الذي تقتضيه الضرورة اللازمة لدفع العدوان ريثما يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين (28).

* استخدام القوة المسلحة استجابة لمقتضيات نظام الأمن الجماعي وتولاه مجلس الأمن بوصفه الجهاز التنفيذي الذي ينوب عن المجتمع الدولي في الحفاظ على السلم والأمن وليس ليحقق مقاصد السياسات الوطنية لأية دولة أو مجموعة دول بعينها (29).

ونلاحظ أن أي من الحالات أعلاه لا تنطبق على واقع استخدام القوة المستمر ضد العراق الذي يعتبر عدوانا صريحا بحسب تعريف العدوان الذي حددته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3314 الصادر في 14 كانون الأول / ديسمبر عام 1974 بأنه (استخدام القوةالمسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأي صورة تتناقض وميثاق الأمم المتحدة وفقا لنص التعريف ) (30).

وبما أن الحرب ليست وسيلة لحل المنازعات الدولية، وهي لم تعزز عبر التاريخ الطويل مبادئ مثالية وأخلاقية نادى بها فلاسفة العقل والعدالة الاجتماعية. فأن الحرب الأمريكية ضد العراق منذ عام 1991هي حرب قذرة بدوافعها وأهدافها لغرض الهيمنة الأمريكية بسلاح الدمار والابادة الجماعية عن طريق الحصار الشامل الذي استخدمته ضد العراق. وهذا ما ذهب إليه أيضا فرنسيس أ. بويل (Francis A. Boyle ) أستاذ القانون في جامعة ألينوي الأمريكية بوصفه، الهجوم الأمريكي على العراق ليلة 19/20 آذار –مارس/2003 سلوكاغير أخلاقي وجريمة ضد السلام من حيث كونه انتهاكا لقوانين الحرب الدولية المتعارف عليها التي حددتها معاهدة لاهاي لعام 1907عن بدأ العمليات الحربية(31)، والتي لا تزال الولايات المتحدة من الموقعين عليها على النحو الذي تدل عليه الفقرات 20-21-22و23من الدليل الميداني للجيش الأمريكي رقم 27 -10 (الصادر في عام 1956)وبحسب ميثاق نورمبيرغ (1945) وحكم نورمبيرغ (1946) ومبادئ نورمبيرغ(1950) (32).

كما أن التصعيد الفوري في الاستعداء على العراق بعد 2/8/1990 من قبل الإدارة الأمريكية لم يمنح الجامعة العربية الفرصة والوقت الكافي لخلق مناخ ملائم لحل سلمي بين العراق والكويت حيث أفشلت الإدارة الأمريكية التوجهات العربية لنزع فتيل الحرب (33) التي ألحقت بالعراق دمارا" شاملا على مدى ستة عشر عاما استهدف البنى التحتية المدنية بما فيها الجسور والطرق والسكك الحديد ومحطات الكهرباء ومحطات تصفية المياه والمصانع والسدود ومراكز الاتصالات ودور العبادة والمستشفيات...الخ. حيث قال بهذا الصدد السيد احتساري مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بعد زيارته لبغداد في آذار 1991 في تقريه عن الزيارة (..إن معظم الوسائل الداعمة للحياة الحديثة قد دمرت ) (34). وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أعربت في إعلان حماية النساء والأطفال في حالة الطوارئ والنزاعات المسلحة، بقـــرار 3318 (د-29) في 14 كانون الأول ، ديسمبر 1974، عن عميق قلقها للآلام التي يعانيها النساء والأطفال من السكان المدنيين، في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة أثناء الكفاح في سبيل السلم وتقرير المصير والتحرر القومي والاستقلال، ضحايا لأفعال لا إنسانية فيصيبهم منها أذى شديد،

وإدراكاً منها لما يعانيه النساء والأطفال من الآلام في كثير من مناطق العالم، وخصوصا في المناطق المعرضة للقمع والعدوان والاستعمار والعنصرية والسيطرة والتسلط الأجنبيين، ودعت جميع الدول الأعضاء إلى الالتزام بالإعلان التزاما دقيقا. وحظرت الاعتداء علي المدنيين وقصفهم بالقنابل، الأمر الذي يلحق آلاما لا تحصى بهم، وخاصة بالنساء والأطفال الذين هم أقل أفراد المجتمع مناعة، وأدانت هذه الأعمال، واعتبر الإعلان تلك الأعمال وجميع أشكال القمع والمعاملة القاسية واللا إنسانية للنساء والأطفال، بما في ذلك الحبس والتعذيب والإعدام رميا بالرصاص والاعتقال بالجملة والعقاب الجماعي وتدمير المساكن والطرد قسرا، التي يرتكبها المتحاربون أثناء العمليات العسكرية أو في الأقاليم المحتلة، أعمالا إجرامية. فالولايات المتحدة بدلا من الالتزام بهذا الاعلان الدولي وحماية النساء والأطفال عمدت إلى قصفهم وقتلهم بالطائرات والقنابل العنقودية والإشعاعية راح ضحيتها المئات من النساء والأطفال ودمرت بيوتهم على رؤوسهم في الفلوجة والسامراء وتلعفر والنجف وبعقوبة وغيرها من المدن العراقية الصامدة، ووفقا لهذا الإعلان فأن أمريكا ارتكبت و ترتكب في العراق أعمالا إجرامية في انتهاك صارخ للقانون والمواثيق الدولية والقيم الإنسانية.

إن سلوك الهيمنة التي تنتهجه الولايات المتحدة تجاه الأمم المتحدة وأعضائها لا تتواءم مع مبدأ المساواة بين الدول، وأن استخدامها للغة التهديد والوعيد ضد الدول ووصفهم بالمارقة ومحور الشر وما إلى ذلك من الأوصاف والنعوت يخل أخلالاً بالغا بروح التوافق في القانون الدولي، وقد وضع هذا السلوك الأرعن مستقبل القانون الدولي على المحك وأمام مخاطر كبيرة وألحقت بقواعده وإجراءاته وهياكله ضررا بالغا، يحتاج إصلاحها إلى عقود طويلة.

يضاف الى ذلك أن أعضاء دائمون في مجلس الأمن قالوا أن عمليات الدمار تلك قد خرجت عن إطار القرار (678 الصادر في 29 تشرين الثاني 1990)، وتحول القرار المذكور إلى أداة سياسية لتدمير بلد حر مستقل(35)، وهو ما يشكل خرقا فاضحا لأحكام الشرعية الدولية، وانتزاعا لدور مجلس الأمن الذي حدده الميثاق، لكل ذلك صرح الأمين العام للأمم المتحدة دي كويلار بان ما حصل ليس حرب الأمم المتحدة.

إن استثمار التطور التكنولوجي والعلمي والتفوق الواضح والكبير في الأسلحة والقوات في عدوان عسكري سمته الأساسية الاستخدام المفرط للقوة ما هو بحسب تعبيرات القانون الدولي إلا حرب غير عادلة سواء من حيث الآليات والوسائل والأهداف.كما إن استخدام الولايات المتحدة لقوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية بهذا الشكل العدواني ضد الشعب العراقي منذ عام 1991متجاوزة بتلك الممارسة العدوانية الحدود التي ترسمها الأعراف الدولية للحروب من حيث إيذاء وقتل للمدنيين وتدمير ممتلكاتهم ووسائل حياتهم وبأسلوب بعيد عن أي منطق إنساني وأخلاقي يعبر عن ممارسة غير أخلاقية لحرب غير عادلة تصل إلى حد الإفناء الكلي، والتدمير الغير مبرر لشعب،اختلفت وتعددت وتباينت المبررات التي ساقتها الإدارة الأمريكية لعدوانها عليه منذ أكثر من ستة عشر عاما أدت إلى احتلاله في 2003 واستباحة سلامته الإقليمية واستلاب استقلاله السياسي ومحو كل مظهر من مظاهر سيادته.
Page 7
انتهاك الشرعية الدولية

إن مؤشرات ضعف وانهيار الاتحاد السوفيتي دفعت الولايات المتحدة للعمل بشتى الوسائل لفرض هيمنتها على الساحة الدولية. ولكي تضفي المشروعية على تصرفاتها وسلوكها المنافي للشرعية الدولية، عمدت إلى استغلال الأمم المتحدة وتسخيرها كواحدة من الآليات المهمة في إدارة الصراعات الدولية بدلا من تسخيرها لحل النزاعات الدولية. وهذا الأمر تجسد بوضوح من خلال استصدار الولايات المتحدة الأمريكية لقرار مجلس الامن الدولي رقم 1483 في 22أيار/مايو 2003 الذي وصف الولايات المتحدة وبريطانيا بانهما دولتا احتلال وانوجودهما العسكري والمدني في العراق يمثل سلطة احتلال (36)، وهي الوضعية التي سعت الولايات المتحدة إلى فرضها على العراق والمجتمع الدولي، باعتبارها توفر التكييف الوحيد الممكن، وفقا لقواعد القانون الدولي، الذي يتيح لها إدارة الموارد المالية للعراق وتوجيهها بالطريقة التي تراها مناسبة لمصالحها. انظر الملحق رقم (4) قرار مجلس الامن الدولي 1483/2003. ان شرعّنة الغزو والاحتلال لدولة عضو في الأمم المتحدة ومن قبل المنظمة الأمم ية نفسها، تعتبر سابقة خطيرة في مجال العلاقات الدولية، واستغلال لا أخلاقي لمفهوم الشرعية الدولية.

إن الشرعية الدولية بوصفها القواعد القانونية النافذة في ظل النظام الدولـي السائد(37)، قد غيبته الولايات المتحدة وجعلته لافتة تتستر ورائها لتجنب المعارضة ولإضفاء المشروعية على مساعيها في الحرب على العراق واحتلاله لاحقا في عام 2003(38). خارقة بذلك كل القيم والمبادئ الأخلاقية التي تتشدق بها، فالعمليات والفعاليات العسكرية التي نفذتها قوات الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها كانت عدوانا تنطبق عليه كافة شروط العدوان الواردة بتعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة لأنه كان خروجا عن قواعد الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية وخصوصاً اتفاقيات جنيف لعام 1949 وتعديلاتها اللاحقة. ولا أدل على ذلك من التدمير الشامل والتشظي والانقسام الطائفي والعرقي والهروب والهجرة من العراق وعمليات قصف المدن وقتل المدنيين بصورة وحشية وهمجية لم يسبق لها مثيل واستخدام الأسلحة المحرمة ضده (اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض) لقد شكل العدوان والحرب على العراق منعطفا خطيرا في تاريخ الشرعية الدولية تمثل في استخدام الأمم المتحدة كأداة للحرب لصالح العدوان الأمريكي خلال فترة عقد التسعينات من القرن الماضي ومن ثم تجاوزها وعدم الرجوع إلى مجلس الأمن في قرار احتلال العراق عام 2003. حيث ظل مجلس الأمن عاجزاً عن إصدار قرار إدانة بسبب الفيتو الأميركي. لقد حاولت الولايات المتحدة بشتى الطرق والإغراءات والرشاوى إصدار قرار من مجلس الأمن يسمح لها باحتلال أو غزو العراق، أو "تحريره" كما تقول، وفشلت بذلك لمعارضة فرنسا وروسيا والصين واحتمال إستخدام الفيتو، ولكن رغم ذلك قامت بالعدوان بالتعاون مع بريطانيا وعدد آخر من الدول، وبالمقابل لم يستطع المجلس أن يصدر قرار بإدانة العدوان لاحتمال الفيتو من قبل الولايات المتحدة أو بريطانيا. ولو أراد العراق أن يقاضي الولايات المتحدة في المحاكم الدولية لإستطاع ذلك وإحتمالات النجاح عالية، ولكن سيجابه بمشكلة أخرى نتيجة عدم إلتزام وإعتراف الولايات المتحدة بالمواثيق الدولية.

الفصل الثاني
Page 8
التحالف المعادي للعراق

الحلف علاقة تعاقدية بين دولتين أو أكثر للاتفاق على تدابير معينة تتخذ لمواجهة دولة أو مجموعة دول تهدد أطراف التحالف وترتبط اقامة الاحلاف العسكرية باستخدام القواعد ومنح التسهيلات واجراء التمارين والتدريب المشترك للقوات البرية والجوية والبحرية (39). إن دخول الدول في الأحلاف يأتي نتيجة لوجود مصالح مشتركة بين تلك الدول يعززها التحالف الذي يعقد لإضعاف قدرات أو كأداة ضغط على دول قد تتقاطع مصالحها وتوجهاتها وأهدافها مع الدول المتحالفة والتأثير عليها وتحديد حرية تحركاتها السياسية وفرض التبعية عليها غالبا".

وقد تشكل التحالف المعادي للعراق في اطاره القانوني استنادا" لقرارات مجلس الامن التابع للأمم المتحدة بعد دخول القوات العراقية الكويت في الثاني من آب 1990 بدأ من القرار 660 في 6 /آب/1990 ومروراً بالقرار 687 الصادر في 29 تشرين الثاني 1990 الذي أجاز استخدام القوة ضد العراق والقرارات الأخرى ذات الصلة التي استمر صدورها على امتداد السنوات الثلاثة عشر التي أعقبت هجوم قوات التحالف المعادي للعراق في 17 كانون الثاني 1991.

وقد تجسد هذا التحالف المعادي للعراق بشكله المادي من خلال تشكيل إتلاف عسكري مكون من 34 دولة ضد العراق لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بانسحاب القوات العراقية من الكويت (40)، وبلغت نسبة الجنود الأمريكيين من الائتلاف العسكري حوالي 74% من العدد الإجمالي للجنود التي تم حشدهم، وقد وصل العدد الإجمالي لجنود قوات هذا الائتلاف إلى 959,600.وقد شاركت جيوش عدد من الانظمة العربية المرتبطة بالغرب في هذا الائتلاف العسكري. النظر الجدول رقم (1) دول التحالف المعادي للعراق عام 1991.

الجدول رقم (1)

المصدر: Nationmaster.com - Gulf War Coalition - Troops by country (http://www.nationmaster.com/graph/mil_gul_war_coa_for-military-gulf-war-coalition-forces)

وقد قامت الولايات المتحدة بعدد من الإجراءات لاستمالة الراي العام في الشارع الأمريكي إلى القبول بفكرة التدخل الأمريكي في مسألة الكويت حيث برزت أصوات معارضة للتدخل في الشارع الأمريكي. ومع ذلك فقد وافق مجلس الشيوخ الأمريكي في 21 يناير سنة1991على استخدام القوة العسكرية لتحرير الكويت بموافقة 52 عضو ورفض 47. كما وافق مجلس النواب الأمريكي بموافقة 250 عضو ورفض 183(41).

وقد بدا واضحا" من خلال استقراء الأحداث التي سجلت قبل واثناء الهجوم على العراق في 17 كانون الثاني 1991 وصولا" الى احتلاله لاحقا" في 9نيسان 2003 أن للحرب على العراق أسباباً" اخرى ظهر بعضها لاحقا" من خلال تصريحات المسؤولين والقادة في التحالف المعادي للعراق في مناسبات عدة قبل واثناء وبعد الحرب ومازال البعض منها لم يعلن عنه. الا أن الامر الذي بات واضحا" أن الهجوم الذي شن على العراق في 17كانون الثاني 1991 كان بداية للإعلان عن تطبيق مشروع السيطرة والهيمنة الأمريكية على منطقةالشرق الاوسط والعالم ونهاية (التاريخ) الذي يحكي ثنائية الصراع (42) بين المشروع القومي العربي والمشروع الأمريكي الصهيوني(43) الذي عزز وجوده العسكري في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي، وظهر جليا" أن خلفيات واسباب التحالف المعادي للعراق متعددة ومسبباتها تخوض في أعماق العقلية الغربية تجاه العرب ودوافعها وان بدت جديدة ووليدة المستجدات الناجمة عن دخول القوات العراقية للكويت في 2ىب 1990، الا انها ذات دوافع سياسية ودينية وتاريخية وفكرية تعكس حقيقة العدوانية الغربية تجاه العالم العربي والتي تتجدد باستمرار لأسباب ومبررات مختلفة. ويعزو الدكتور (احمد كمال شعث ) أسباب التحالف المعادي للعراق الى طبيعة الروابط العالمية التي تحكم نوعية الصراع وحدوده بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، وخروج العراق قويا" من الحرب مع ايران (1980-1988) واتجاهه لتفعيل برنامجه النووي، الأمر الذي " جعل المواجهة أمر لا مفر منه.. خاصة مع امتلاك هذا البلد لمعظم انتاج ومخزون البترول العالمي.. الأمر الذي حدا بأمريكا الى ادارة الصراع أمريكيا" " (44).

إن استقراءنا لموضوع التحالف المعادي الغربي الذي ما يزال يتكالب على الامة العربية منذ مطلع القرن العشرين، يتطلب منا العودة الى المنطلقات الفكرية لاستراتيجية القوى الغربية المعادية للأمة العربية، والتي عبرت عنها التنظيرات الغربية التي استندت اليها مجمل الحركات الاستعمارية ازاء الامة العربية وما افرزته من نتائج تجزيئية يعاني منها العرب حتى اليوم (45).

فالغرب الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية لايزال يتوجس من نهضة عربية كتلك التي حفزها الاسلام عند ظهوره في شبه جزيرة العرب، وكيف تحول العرب في فترة زمنية قصيرة الى دولة قوية هزمت الامبراطورية الفارسية والبيزنطية، بل أن بعض الغربيين المتصهينين يذهبون إلى أبعد من ذلك ليقف عند معارك الأشوريين والبابليين ونبوخذ نصر في فلسطين ضد اليهود. ومن جهة اخرى ذهب بعض الغربيين ومن بينهم (رامزي كلارك) وزير العدل الأمريكي الأسبق، الى أن الاسباب الحقيقية للعدوان على العراق من طرف الولايات المتحدة الأمريكية تتعلق اساسا" بوضع هذه الاخيرة الاقتصادي والاجتماعي والصناعي والسياسي المتدهور ومستقبلها في القرن الواحد والعشرين كقوة أولى في العالم(46).

إن تطور وتعدد اشكال العداء للعرب كان يتمثل بتطور وتعدد اشكال المجابهة الى حالة من الصراع استغرقت زمنا" طويلا" وشملت كل تفاصيل الحياة وتنوعت فيها الوسائل وتعددت الصيغ وشهدت اغرب موقف تمثل في التقاء وتحالف قوى عديدة في الصراع ضد العرب(47) حتى وصلت لحد التحشد والاستعداد لحرب عالمية ثالثة على حد تعبير قائد القوات الجوية الأمريكية أيام العدوان على العراق عام 1991(48).
Page 9
الاستلاب والتجزئة

إن فهم ما حدث للعراق منذ 1990 مرورا" باحتلاله عام 2003 وصولا" الى ما تلا ذلك من صراع طائفي وصل الى شفير حرب أهلية، لابد أن " ينطلق في بداياته الصحيحة من فهم الديمومة التاريخية للاستلاب والفعل الغربي المنظم ذلك الفعل الذي سبق كثيرا" بدايات الغزوالأوربي مطلع القرن السادس عشر للوطن العربي"(49) فقد كان التحالف الاوربي المعادي للأمة العربية إبان الحروب الصليبية يستهدف السيطرة على المشرق العربي في إطار الصراع بينه وبين الأمة العربية الاسلامية بسبب التناقض الحضاري الذي شعرت به أوربا، متمثلة بالكنيسة، مع الاسلام وما يمكن أن يحدث عن النضج الروحي من قوة وتهديد للمصالح الاوربية، حيث يقول المستشرق الانكليزي كاردنر (ان القوة التي تكمن في الاسلام هي التي تخيف أوربا)(50)، ويذهب مستشرق انكليزي آخر هو لورنس براون الى ابعد من ذلك بقوله ( اذا اتحد المسلمون في امبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم أو أمكن أن يصبحوا ايضا" نعمة أما اذا بقوا متفرقين فانهم حينئذ بلا وزن ولا تأثير ) (51). اما شاتوبريان (52) فيقول( لم تدور الحروب الصليبية حول انقاذ كنيسة القيامة وحسب بل دارت حول معرفة من الذي سينتصر على هذه الأرض) (53) أي يسيطر ويستحوذ على المشرق العربي وهذا ما أكده البابا (أوربان الثاني) عام 1095م في خطبته لحث الصليبيين على التوجه الى بيت المقدس عندما قال "ليست هذه الحرب لاكتساب مدينة واحدة فقط (بيت المقدس) بل هيلكسب اقاليم آسيا كلها مع غناها وخزائنها التي لا تحصى فاتخذوا محجة القبر المقدس وخلصوا الاراضي المقدسة من ايدي المختلسين وأنتم املكوها لذواتكم فهذه الارض كما قالت التوراة تفيض لبنا" وعسلا" "(54)، ان هذه الطروحات الغربية كانت الغاية منها ايجاد المسوغات والتبريرات لفرض نمط من الاستلاب (مؤسسا" بوصفه حقا" أوربيا" سيتكون بشكل رئيس من حق احتلال ارض أو اخرى وكذلك الشواطئ من أجل تأسيس، أما مدن حرة هناك أو مستعمرات أوربية ومرافئ تجارية ) (55). وهذا يتطلب بالتالي اضعاف الامة العربية صاحبة الأرض الحقيقية عن طريق فعل سياسي منظم باتجاه تجزئة الوطن العربي الى وحدات سياسية وكيانات لا تملك بمفردها عناصر القوة الكافية للدولة.

ان التجزئة كانت دوما" هدفا" اساسيا" تمحورت حوله كتابات المفكرين الغربيين عند تناولهم الشرق بشكل عام والوطن العربي بهويته العربية والاسلامية بشكل خاص لأهداف ومبررات عديدة، كانت بدايتها أهمية الموقع على الطرق الاستراتيجية نحو المستعمرات ومن ثم تصاغ الاهداف في العصر الحديث لاعتبارات تمليها طبيعة التطور الذي وصلت اليه الحضارة الغربية ومستلزماتها الضرورية في المقدمة منها الطاقة (56).
Page 10
فرض (التحضر) الغربي

لقد شنت القوى الغربية حملات مسعورة ضد الاسلام وضد البناء الواحد للحضارات العربية، فصورت الاسلام مجرد دين وسخفت ذلك البناء العام وحجبت الحضارة القديمة بنسبتها الى اقوام ظهرت في دراسات حرّفها المستشرقون متنافرة غير مرتبطة برابط الوحدة البشرية وركزت في نشاطها الثقافي على ابراز الطابع الاسطوري في الحضارة العربية(57)، كما استثمرت القوى الغربية تفوقها التقني في عملية اقناع عام بأن التقدم يبدأ بالسير على طريق النموذج الغربي وأن العودة الى الذات القومية مسألة غير مجدية ولاسيما أنها قاومت اي فكرة للتجديد ومارست ضغوط فقدان الثقة والتشتيت والانبهار بالنموذج الغربي لتضع هزيمة الانسان العربية في مراحلها الأولية.

لقد مارست القوى الغربية المعادية للأمة العربية صيغا" متعددة في فرض التفوق المادي على الامة العربية انطلاقا" من نظرة استعلائية عنصرية، حيث لم يكن الطريق المباشر هو انجح الاساليب دائما" وانما في بعض الاحيان كانت تأخذ طابع قتل الحافز الذاتي على تحقيق التقدم والاجبار على الانتماء الايديولوجي الى النموذج الغربي المادي. لذلك فان الاستراتيجيات الغربية كانت دوما" تنطلق تحديدا" من نظرة الغرب الى الثقافة العربية والاسلامية بوصفها ثقافة عدوة، وهذا العدو لابد من محاربته واحتلال ارضه وتجزئتها كلما استطاع الغرب الى ذلك سبيلا".

يقول أستاذ التشريع الجزائري (لارشي) الفرنسي: "لا سبيل أنجح لفرنسا من التعليم الابتدائي لتخليص السكان المسلمين من الأفكار المسبقة التي تحول بهم دون مدنيتنا ولرفع مستواهم الأدبي والثقافي " (58). ان هذه الرؤية ليست فقط تبريرية وانما في حقيقتها تمارس عن عمد نوعا" من التغييب لحقائق معاكسة تماما" وتلغي بنظرة استعلائية قرونا" طويلة من العطاء الانساني للحضارة والهوية العربية الاسلامية ومنجزاتها الكبيرة في مجالات الفكر والعلوم والفلسفة والمنطق..