مع الشروق
أي «إسلام» ورث الميادين؟ جولة بين مخاطر الفتن في المشرق العربي
أخيراً: صار الشارع في المدن العربية والبلدات والأرياف، للناس.. كل الناس، العمال البسطاء والمثقفين، أصحاب المهن والموظفين، أبناء البيوتات والرعاع، الأطباء والمهندسين والمحامين والذين على باب الله.
لم يعد الشارع للشرطة والفراغ المزدحم بالعابرين ومواكب السلطان.
فجأة صار الشارع، مصدر القرار.
ولكن هؤلاء الذين نزلوا اليه، على حين غرة وبغير اتفاق مسبق، لم يكونوا يحلمون، بل كانوا يريدون التغيير مع نقص في الثقة بأنهم قادرون على اتخاذ مثل هذا القرار وتنفيذه.
...فهم ليسوا واحداً، وليس اجتماعهم دليل اتفاق على ما بعد لقاء المصادفة. لا بد من أن يتعارفوا. لا بد من أن يناقض بعضهم بعضاً لاكتشاف المشترك والمختلف عليه وحدود الاختلاف.. فلا هم يأتون من ماض سياسي واحد، ولا في أذهانهم صورة محددة للخطوة التالية، والأخطر أن الوقت لم يتح لهم فرصة النقاش تمهيداً للاتفاق حول المستقبل. ثم أن البعض منهم يختزن تجربة طويلة كان لها منطلقها الفكري وكان لها سياقها العملي في مواجهة نظام السلطان، بالمهادنة والمواجهة، بالسجن والنفي والاسترضاء بالنيابة والمشاركة الهامشية... في حين أن البعض الآخر يأتي مثقلاً بقراءاته وأحلامه للقفز إلى الذرى الديموقراطية بإرادة «الميدان» معززاً بإسناد الديموقراطيات الكونية بزعامة الإدارة الاميركية.
من قبل، وفي الماضي القريب، كانوا ينزلون إلى الشارع بالعاطفة، مرة، وبالأمر مرة ثانية: تنزلهم فلسطين في تظاهرة غضب على تقاعس أنظمة السلاطين وجبنها وعجزها عن مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية التي تخطت القدس والضفة والقطاع إلى عواصمهم ذاتها، بل وإلى ما خلف العواصم وفوق الدولة.
أما المرة الثانية فحين ينزلهم السلطان في تظاهرة تأييد له ضد «الآخرين»، دولاً أو أنظمة متآمرة، أو جهات مشبوهة ربما كانوا «هم» تلك الجهات، فيها أو معها، في ذهن السلطان!
الى أين من هنا؟
ذلك كان السؤال المفجر، بعد أن افتدى النظام نفسه برأسه!
أما أهل النظام فقد صادروا الميدان: ها قد نجحتم فأسقطتم الطاغية! مبروك! أنجزتم مهمتكم المباركة، فارتاحوا ودعونا نستنقذ الدولة! الدولة ضرورة حياة بل هي مصدر الحياة. سنحمي نحن الدولة، واذهبوا فاتفقوا على نظامكم العتيد!
أفرغ الشارع من أهله في العديد من العواصم العربية، فاحتله الجدل:
في ثلاث من أربع دول عربية نجحت فيها انتفاضة «الميدان» في إسقاط النظام، ضاع «النصر» وسط الزحام، وحل محله القلق والضياع وعدم وضوح صورة النظام البديل، وبالتالي افتقاد القدرة على إقامته بالسرعة المطلوبة وبالحزم الضروري.
وحدها تونس تبدو وكأنها تخطت المأزق مؤقتاً ربما لأن نظام بن علي قد اختار أن يخرج إلى ثروته، خصوصاً بعد ما خذله الجيش الذي تبدّى أن «قيادته» الفعلية كانت في «الخارج» أكثر مما كانت في قصر قرطاج.
ثم أن «ورثة» بن علي الذين عادوا من المنافي البعيدة كانوا قد وجدوا الوقت لتنظيم صفوفهم في ظل رعاية لم تتأخر في الإعلان عن ذاتها، ولا هم ترددوا في الإعلان عن برنامجهم من قلب واشنطن، مقدمين نسخة معدلة من برنامج الإخوان المسلمين في طبعة غربية منقحة ومزيدة، تطمئن باريس أولاً ومن خلفها الغرب كله، عبر تركيا اردوغان وقطر الشيخ حمد وبركاته المؤكدة بالحقائب السمينة!
هذا فضلاً عن أن نظام بن علي قد سقط بسرعة قياسية وقبل أن تتفكك المؤسسات أو تنهار، وظل الجيش حارساً للانتظام العام، وهكذا بقيت «الدولة» حاضرة، وأمكن إنجاز انتخابات النظام الجديد بالحرس القديم ذاته مع تبديل في «الرؤوس» مشفوعاً بتعهدات صارمة بأن تبقى تونس ما كانته، وأن تستمر «السياحة» المصدر الأول والأهم للدخل القومي برضا أهل الشرع والقيمين على الدين الحنيف، وقد غدوا الآن في مركز القرار.
بالمقابل فإن محاولة استنقاذ «النظام» بإسقاط رأسه قد تكررت في مصر، فتمت إزاحة حسني مبارك، بأقل الخسائر الممكنة، ثم فتح الباب أمام استنزاف «الميدان» بمسلسل من التدابير الهادفة إلى إرجاء «القرار» في انتظار أن تستعد القوى المؤهلة لقيادة المرحلة الانتقالية... لخوض الانتخابات!
أثيرت قضايا شائكة بغير حصر، وطال الجدل حول دور الجيش وعلاقة الجيش بالميدان، والدستور وهل يكون اولاً أو تسبقه انتخابات مجلس الشعب والشورى وانتخابات الرئاسة، بل إن الدستور ذاته صار موضع حوار طرشان. وتاهت الحكومات البلا صلاحيات في غمار الجدل. أسقط رأس الأولى وجيء برأس مستعار، ثم بثالث مستعاد من الماضي.
في هذه الأثناء، وبرعاية واضحة من الجيش، كان «الميدان» ينقسم: «ميدان الإيمان» ممثلاً بالإخوان المسلمين وعلى يمينهم السلفيون و«ميدان الآخرين» الذين يصعب توحيدهم على برنامج لسلطة ما تزال «ممسوكة» ممن لا يرغبون بتسليمها إلى من لا يعرفون أو - بالتحديد - إلى من لا يثقون بقدراتهم فضلاً عن توجهاتهم المتناقضة، سياسياً وفكرياً واجتماعياً.
هكذا، وببساطة، انتقل الجيش من موقع البديل المؤقت والحكم في انتظار كلمة الشعب حول النظام الذي يريد إلى مقرر في شأن «خليفته» في قيادة البلاد، وبالتالي إلى قوة دعم علنية لتيار بالذات، كان يعرف أنه الوحيد المؤهل لجني ثمار الانتخابات، لأنه ينفرد بعراقة وجوده ثم أنه منظم جيداً وصاحب الخبرة الطويلة سياسياً وكل ذلك بين الكفاءات التي مكنته من الاستمرار على قيد الحياة، برغم الحروب المنظمة ضده، على اختلاف العهود.
أما في ليبيا، حيث كانت «الكتائب المسلحة» هي جيش السلطان وأولاده، فقد تعذر استخدام الجيش كقيادة عبور إلى التغيير، تحمي «النظام» بخلع رأسه لتبرر دوامه... وهكذا كان لا بد من حل بديل يستنقذ الانتفاضة الشعبية المهددة من داخلها بقدر ما هي موضع هجوم صاعق بالنار من خارجها، كاد يصل إلى منطلقها في بنغازي قبل أن توحد صفوفها.
وحين تورطت الانتفاضة في لعبة الاستعراض العسكري كان طبيعياً أن تتفجر مسألة القيادة ولمن تكون: لطلائع الثوار من أهل البيضاء وفيهم البراعصة الذين لهم ثأر قديم على ثورة القذافي لأنه اسقط سلطتهم (الملك إدريس) ام لبنغازي عاصمة الشرق؟.
كان لا بد من إنقاذ سريع لا يتوفر في الداخل، ولا في المحيط... وهكذا تبرعت جامعة الدول العربية بالفتوى، فكان اللجوء إلى مجلس الأمن، ولكل من دوله «ثأر بايت» على القذافي، وكان تفويض الحلف الأطلسي بأن ينجز المهمة، ولا يهم أن تصل أعداد الضحايا إلى أكثر من ستين الفاً، وأن تدمر المطارات وفيها الطائرات الحربية الحديثة والثكنات وقواعد الصواريخ وطوابير الدبابات والمدفعية الثقيلة.
لا بأس غداً يشتري النفط سلاحاً أكثر حداثة وأعظم فعالية، فالغرب جاهز الآن لأن يحل محل الاتحاد السوفياتي ومعسكره الذي اختفى من الوجود.
لمن القيادة الآن؟! للمجلس الانتقالي ام للحكومة المؤقتة ام لمجلس زعماء القبائل؟ وأين موقع الإسلاميين؟! ثم أين نذهب بثوار مصراته الذين ينسبون لأنفسهم حسم المعركة عبر الاستيلاء على سرت، بعد مقاومة شرسة امتدت لأسابيع وانتهت بمصرع الطاغية في ظروف ملتبسة وبطريقة مستنكرة؟. وأين الإسلاميون الذين قفزوا، فجأة إلى المسرح وبعضهم آت من «القاعدة» عبر واشنطن، وبعضهم الآخر من لندن، وبعضهم الثالث جاء من الدوحة التي باتت مركزاً كونياً لحضانة الثورات ورعايتها بالمال والسلاح والفضائية الأقوى من حزب.
هكذا نجد أنفسنا أمام أصناف من التشكيلات الإسلامية، بعضها يأتي من ماضي الاضطهاد بعد عبور «المطهر» الأميركي، وبعضها الآخر، السلفي، وهو مستجد ويأتي من الماضي ومن قبل أن يصير «الإسلام» رسالة الإيمان الموجهة إلى الناس كافة.
وفي ظل الشعار الديني تزداد معركة التغيير صعوبة وتعقيداً، لا سيما في المشرق العربي، التي تعذر على امتداد ألف سنة أو يزيد أن تمحي الذكريات أو تطمس الصفحات السوداء حاملة للوقائع الدموية الخطيرة التي كادت تذهب بالدين وهو في فجره بعد.. فوقائع الاقتتال في موقعة الجمل ثم في صفين والمذبحة، من بعد، في كربلاء ما تزال طرية، والأرض ما زالت تحمل الشهادات والسجلات الناطقة التي تستعصي على النسيان.
من هنا يتشعب الحديث عن سوريا ومستقـبل النظام فيها وينحدر فجأة إلى مخاطر الحرب الأهلية ذات الشعار الطائفي الصــريح، والتي ستـكون إذا ما تم تفجيرها مذبحة هائلة تمتد لتشمل المشرق العربي جمــيعاً، العراق ولبنان إضافة إلى سوريا، مع الارتدادات المتوقعة والتـي يمكن أن تجد لها أصداء قوية في البحرين وفي اليمن، وربما لامست المملكة العائمة على الذهب الأسود ومعها الكيانات الصغـيرة القائـمة على آبار النفط والغاز.
ومعروف أن جراح لبنان لمّا تلتئم بعد، بعد أن عاش أو فرضت عليه وعلى شعب فلسطين ومقاومته المسلحة معاهدات الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلي أن يعيشا دهراً من الحرب الأهلية متعددة الشعارات والجبهات والأهداف.
وها إن العراق المثخن بالجراح الآن يحتفل بالجلاء الطوعي لقوات الاحتلال الاميركي الذي اجتاحه في ربيع العام 2003، فلم يقاتله الطاغية كما ينبغي أن يقاتل، لأنه كان قد استهلك قدرات شعبه في حروب عبثية، مرات خارج حدوده، ومرات أكثر داخل حدوده وضد شعبه بالذات.
لكن عراق ما بعد الاحتلال لم يعرف قيادة وطنية جامعة تعيد توحيد شعبه الذي اغرق في مسلسل من الفتن التي ضربت وحدته الوطنية.
يمكن القول باختصار: إن الاحتلال الذي ورث الطغيان قد أورث العراق للفتنة الأهلية.
السؤال: أي إسلام هو المؤهل والقادر على بناء المستقبل العربي في مختلف ديار هذه الأمة، التي تعيش في قلب الخوف بينما انتفاضتها تملأ الميادين وتسقط الرؤساء، في حين تجدد أنظمة الماضي ذاتها بالشعار ذي الوهج الديني مستحضرة مخاطر حروب أهلية لا تنتهي.
اللهم إذا استعاد الميدان جماهيره ومشى إلى التغيير وبرنامجه في يده، لا تشغله عنه أية مساومة مع الماضي.
4/1/2012
عن الإسلاميين والسلطة: كيف تغيب فلسطين عن الشعار الديموقراطي؟
يعاني المواطن العربي - بأكثرياته المسلمة - من خلل فاضح في علاقته بتنظيمات الإسلام السياسي.
لقد نشأ وهو يحمل لها صورة غير محببة تبدأ من شكليات، كالقيافة المميزة واللحى، وصولاً إلى السجن الذاتي للمرأة في لباسها الذي يظهرها أسيرة دهور التخلف والخوف من الشمس، وتنتهي في الطروحات السياسية الملتبسة التي كثيراً ما أساءت إلى هذه التنظيمات، إذ أظهرتها وكأنها خارجة على هوية الأمة، لا هي تقر بالوطنية ولا هي تقبل بالعروبة هوية جامعة.
على مر السنين، وعبر معارك المواجهة مع القوى الاستعمارية، ثم في معارك الاستقلال الوطني وإقامة الكيانات السياسية، كانت التنظيمات الإسلامية مشغولة بأمور أخرى، بينها ترميم الخلافة الإسلامية (العثمانية) أو إقامة خلافة أممية جديدة، وفي كل الحالات المناداة بالإسلام هو الحل، حيث تكون المعارك السياسية محتدمة، ويضيق مجالها الفكري أو ميدانها العملي عن استيعاب الدين بتنوعاته الفقهية ومنطلقاته وقواعده المطلقة التي لا تتناسب مع مجتمعات قائمة على التعدد وحق الاختلاف.
حتى في قضية فلسطين، والصراع الذي ما زال مفتوحاً مع المشروع الإسرائيلي الذي هو حصيلة مخطط دولي اجتمعت على إعداده دول كبرى وهيئات ومنظمات اجتماعية وفكرية ترفدها رساميل أممية هائلة، اختار الإسلاميون التركيز على الجانب الديني لهذا المشروع السياسي الخطير، موفرين بذلك مزيداً من المبررات لحرب دينية، في حين أنها - بداية وانتهاء - حرب مصالح استراتيجية، تهدف إلى فرض هيمنة مديدة على الأرض العربية الغنية بموقعها ومواردها، وإن ظل لها شميم ديني آت من الماضي أكثر مما هو متصل بالحاضر، واستطراداً بالمستقبل.
ها نحن الآن نشهد ما يمكن اعتباره اجتياح الماضي لمستقبل هذه الأرض العربية، بالاتكاء على مساندة معلنة من قبل القوى العالمية الكبرى في مواجهة التيار الوطني - القومي التقدمي في العديد من الأقطار العربية التي أعادتها الانتفاضات الشعبية إلى الحياة.
لا يتصل الأمر بمناقشة حق الإسلاميين، كقوى سياسية ذات وجود فاعل في معظم المجتمعات الإسلامية، في أن يصلوا بالانتخابات إلى السلطة. ذلك يتنافى مع بديهيات الإيمان بالديموقراطية المجسدة بإرادة الشعب.
لكن المسألة تتصل ببرنامج الإسلاميين على تنوعاتهم الإخوانية والسلفية، سواء بصيغتها التقليدية القديمة أم بصيغها الجديدة المحسنة بالحذف والإضافة، كما في الطبعة التركية التي يراها البعض «معاصرة» ويمتدح نجاحات مؤسسيها ودعاتها والحاكمين باسمها في تقديم «نسخة حضارية» يقبلها الغرب بل ويزكيها، بديلاً من النسخة القديمة المتخلفة، في تقدير الجمهور المخاصم للتوجهات الإسلامية.
ولأن قضية فلسطين، وبالتالي الاحتلال الإسرائيلي للأرض والقرار، تفرض نفسها على الحاضر العربي، ومن ثم على المستقبل، كما فرضت نفسها من قبل على الماضي، فإنها تتصدر أسئلة الامتحان الفعلي لبرنامج الإخوان المسلمين وهم يتقدمون إلى موقع القرار وسلطته في أكثر من بلد عربي.
على هذا فالنموذج التركي لا يوفر الإجابة المطلوبة لمن يبحث عن الغد الأفضل: غد التحرر واستقلال الإرادة والحق في بناء تجربة مميزة على قاعدة احترام كرامة الإنسان ومنعة الدولة وتقدم المجتمع.
اذ لا تختلف تركيا تحت الحكم الإسلامي (الإخواني) في جوهر سياساتها تجاه إسرائيل، واستطراداً تجاه الغرب الداعم والحامي للمشروع الإسرائيلي، عنها في ظل الحكومات التي كانت تعتمد نهجاً مغايراً بل مناقضاً تماماً في سياستها الداخلية، الاقتصادية - الاجتماعية، لنهج حكومة أردوغان.
ما زالت تركيا عضواً رئيسياً فاعلاً في الحلف الأطلسي، وما تزال القواعد الأميركية فيها، وما تزال علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية مع إسرائيل ممتازة ومميزة، حتى أن الهجوم العسكري الإسرائيلي المتوحش على باخرة الحرية حاملة المساعدات إلى غزة المحاصرة، بكل ما أسقطه من ضحايا وألحقه بكرامة تركيا من مهانة، لم يؤثر على جوهر هذه العلاقات وآفاقها المستقبلية التي يرى فيها بعض العرب اجتماعاً عليهم ومحاصرة لتطلعاتهم في اتجاه التحرر والتحرير بدءاً بفلسطين وانتهاء بالمستقبل جميعاً.
بالمقابل فقد غاب أي ذكر لفلسطين عن برامج الانتفاضات المنتصرة، كما في تونس وليبيا (؟)، وكذلك عن الحملة الانتخابية الناجحة للإسلاميين في مصر، ناهيك ببرنامج الحكومة المغربية الجديدة التي يشكل فيها «الإسلاميون» الكتلة الوازنة وربما المرجحة.
ولقد لاحظ المتابعون حماسة شديدة لدى رموز الحكم الجديد في تونس للمعارضة السورية حين استضافوا مؤتمرها، واستمعوا إليهم وهم يشنون حملة شعواء على النظام في سوريا... ومع التفهم لهذا التعاطف من على البعد بين قوى لا تعرف بعضها بعضاً حق المعرفة، ولا يجمعها - من حيث المبدأ، وإذا ما استثنينا العلاقات الداخلية لبعض الإخوانيين - هدف سياسي مشترك، فإن التوحد في الموقف من نظام سياسي معين، وبغض النظر عن ممارساته القمعية تجاه شعبه، لا يكفي لبناء جبهة نضالية تتجاوز القارات بدولها وسياساتها، وتقفز من فوق إسرائيل، وبالتالي قضية فلسطين وحقوق شعبها فيها، لتتخذ موقفاً من «نظام» لا يشكل سقوطه بنداً في برنامج الحكم التونسي الإسلامي الجديد.
وهنا يصبح للقاء المسؤولين التوانسة الجدد مع رموز الطائفة اليهودية في تونس، دلالات تتجاوز التسامح الديني... خصوصاً أنه لم يصدر عن السلطة الجديدة ما يفيد بالقطع مع السياسة التي اعتمدها الطاغية بن علي متمثلة في إقامة تمثيل دبلوماسي مع إسرائيل.
كذلك فقد صدر عن ممثلين للسلطة الجديدة في ليبيا، مجهولة الهوية والمؤقتة دائماً والمنقسمة على ذاتها والمهددة بالتبعثر، ما يؤكد الالتزام بالشريعة حرفياً وصولاً إلى الحجاب، ورطنوا بالإنكليزية وهم يعلنون شكرهم محرريهم بقيادة الحلف الأطلسي، وتقبلوا مباركات وزيرة الخارجية الأميركية السيدة هيلاري كلينتون، لكن احداً منهم لم ينطق كلمة فلسطين علناً، ولا أشار إلى إسرائيل ولو إشارة عابرة.
... ونصل إلى مصر وحقيقة أن «ميداناً» فيها قد صنع الثورة وأسقط رأس النظام، وأن «ميداناً» آخر كان يعقد الصفقات مع الرأس المؤقت للنظام ليؤمن المناخ الذي يمكنه من جني ثمار الانتفاضة التي لم يكن من أطلقها، ولكنه كان الأقدر على الإفادة من مناخها لتحقيق نصر سياسي باهر لم يكن ليتحقق له لولا «التواطؤ» شبه المعلن مع المجلس العسكري، بدءاً من الفتوى حول تعديل الدستور وتسلسل عملية بناء المؤسسات، وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية.
ومع التسليم بحق من اختارته الأكثرية ليمثلها في المجلس النيابي، عبر انتخابات حرة يملك الإسلاميون عدة اجتياحها بشعاراتهم وحسن تنظيمهم وقدرتهم على استقطاب عامة المؤمنين، والأهم: بإمكاناتهم المالية المحترمة، وعبر استخدامهم فزاعة البديل: إما الشيوعي الكافر، وإما السلفي الهمجي والمتخلف.
ومع التسليم بكفاءة الإخوان المسلمين في الإفادة من الفرص المتاحة، ومن قصور الوعي السياسي عند العسكر، ومن ثمار الانفتاح الأميركي على الحركات الإسلامية التي تخلت عن عدائها للإمبريالية والسياسة الأميركية والغربية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
مع التسليم بذلك كله، فلا بد من الإشارة إلى أن التنازلات التي قدمها الإسلاميون للإدارة الأميركية، ولإسرائيل تحديداً ومشروعاتها التوسعية التي لا تستثني لا القدس ولا المسجد الأقصى خاصة، لا تبقي أية قيمة سياسية - بالمعنى الوطني، فضلاً عن القومي - للشعارات التي خاض بها الإخوان الانتخابات، والتي كانت بمجملها «محلية» أو «أممية» وليست من منطقة وسط تحدد الهوية والقضية، وبالتالي فقد سقطت فلسطين بشكل متعمد تجنباً لاستفزاز إسرائيل وواشنطن.
في البداية ظهر انحراف أولي عبر أحاديث لبعض رموز السلفيين عن الالتزام المطلق بمعاهدة كمب دايفيد ومقتضيات الصلح مع العدو الإسرائيلي.
وحين ووجه هذا الانحراف بانتقادات خجولة تحفظ الإخوان فهربوا من تحديد أي موقف، حتى إذا جاءت الإشارة الاميركية اندفعوا يجهرون بالقول أن ليس في برنامجهم إعادة النظر في معاهدة الصلح المنفرد مع إسرائيل، وامتنعوا عن تصنيف إسرائيل كعدو. ثم إنهم لم يقولوا حرفاً واحداً عن ضرورة وقف النهب الإسرائيلي للبترول والغاز المصري، حتى لا يخدشوا عفاف معاهدات الصلح المنفرد..
هل ما يطالعنا الآن في الدول العربية بشمالي أفريقيا خصوصاً، نسخة أخرى معدلة من الإسلاميين، ليس فيها ما كان لدى القدامى منهم من منحى جهادي يتخذ من فلسطين عنواناً له؟
لقد كان الإسلاميون، تاريخياً، معادين للقومية، ويعتبرونها بدعة استعمارية اقتبسها بعض المضللين من العرب عن مستعمريهم ليخرجوا على الخلافة والسلطان العثماني، ولهذا نادوا بخلافة عربية ثم عدلوا فجعلوها مفتوحة أمام أمة الإسلام عامة.
ولكن الإسلاميين، أو معظمهم، كانوا معادين للصهيونية وبالتالي لإسرائيل، وقد قاتلوا تحت راية فلسطين ولهم فيها شهداء.
هل متى صار الخيار بين السلطة وفلسطين تصير المفاضلة صعبة حتى التخلي عن القضية المقدسة؟
ولماذا السلطة، إذن، إذا ما جاءت كمنحة أميركية شرطها الأول التخلي عن القضية، أي عن الهوية... والإسلام فيها؟
ذلك هو السؤال المطروح على إسلاميي السلطة الجديدة في مصر وتونس وليبيا والأقطار الأخرى التي تموج بالثورة لأهداف تتجاوز السلطة إلى جوهر القضية.
ففلسطين قضية داخلية في مصر كما في كل بلد عربي... وأبسط الأدلة امتلاء الجدران في المدن والأرياف بصور الشهداء الذين قاتلوا حتى الاستشهاد لحماية الاستقلال والثروة الوطنية والحق ببناء غدٍ أفضل، أبرز عناوينه، تحرير الإرادة كمدخل لتحرير الأرض والثروة الوطنية وبناء الديموقراطية، في ظل نظام يحمي حرية استقلال الدولة وقرارها المستقل.
11/1/2012
«الميدان» في مواجهة خيانة «العسكر»: الإسلاميون
يعلنون انتصارهم على العروبة
وضع «الميدان» بجماهيره المتدفقة بالاعتراض نهراً في مختلف الأقطار العربية، مغرباً ومشرقاً، وإن ظلت القاهرة هي «المركز»، نقطة النهاية لحقبة امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان كان عنوانها تصدي الجيوش - بالانقلابات العسكرية - لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، وكان أقواها وأطولها عمراً ملكياً (مصر، أساساً ثم العراق وبعده ليبيا، مع استذكار تونس التي سقط «الباي» فيها سهواً عشية تحريرها بالنضال الشعبي من مستعمرها الفرنسي)... وكانت معظم الملكيات تدّعي لنفسها حق الحكم بالنسب الشريف.
صحيح أن بعض هذه الجيوش (في تونس ومصر خاصة) قد استنقذت قياداتها دوراً لها عن طريق لعب دور «الوسيط» في إزاحة رأس النظام والتبرؤ من ممارساته وليس من سياساته... لكن «الميدان» ما زال يصر على مطلبه بشطب أي دور سياسي للجيش وعودته إلى مهمته الأصلية في حماية البلاد من أعدائها في الخارج. وأول الأعداء وأخطرهم بالتحديد: إسرائيل ونهجها التوسعي الذي يستهدف شطب قضية فلسطين وحقوق أهلها فيها، والاندفاع إلى مركز قيادة الشرق الأوسط الجديد - تحت المظلة الاميركية.
بالمقابل اندفعت إلى مقدمة مسرح الفعل الحركة الإسلامية المثقلة بتاريخ من الصدامات مع النظام العربي بطبعتيه الملكية والجمهورية، وقبل ذلك وبعده بمواجهات محتدمة بالفكر والثقافة مع الحركة القومية العربية، ومعها أحزاب اليسار عموماً وطموح المجتمع إلى حماية وحدته الوطنية وحقوق المواطن فيه بغض النظر عن دينه.
كان منطق الإسلاميين، بجناحيهم، الإخوان و«السلفيين» أن الحركة القومية، بل العروبة تحديداً، قد غرَّبت الأمة عن هويتها، وأخرجتها من دينها الحنيف... والأخطر أنها قادتها، على امتداد قرن من التبشير والعمل السياسي، وستين عاماً من السلطة أو التسلط بقوة العسكر إلى هزائم متتالية والى تدمير المجتمعات، وتسببت في تفكيك أو التمهيد لتفكك أكثر من دولة في المشرق والمغرب.
الطريف أن الإسلاميين الذين كانوا يأخذون على «الأنظمة العسكرية» المموهة بالوطنية أو العروبة أو بهما معاً عجزها عن مواجهة إسرائيل والانتصار عليها وخضوعها للخارج (سوفياتياً في ما مضى، وأميركياً بعد اندثار المعسكر الاشتراكي وتفرد واشنطن بالقرار الدولي) قدموا أوراق اعتمادهم كمشروع سلطة المستقبل في الأقطار التي أسقط «الميدان» حكامها وحرصوا على توطيد علاقة الصداقة مع الإدارة الاميركية والتبرؤ من معاداة إسرائيل والسعي إلى تدميرها... بل إنهم أكدوا أنهم سيحافظون - في ما خص مصر - على اتفاقات الصلح المنفرد، وعلى الاستمرار في تأمين النفط والغاز لدولة يهود العالم بالقدس التي لا تتعب إسرائيل من التأكيد على أنها ستكون العاصمة الأبدية والتي لا تتوقف عن تدمير الأحياء العربية فيها وتهجير أهلها، بحيث يبقى المسجد الأقصى أشبه بالمتحف أو المزار.. وكذلك كنيسة القيامة ودرب الآلام.
اللافت أن شعارات الإسلاميين عموماً والسلفيين بشكل خاص، تتبدى وكأنها استئناف عصري للمعركة التي دارت على امتداد القرن الماضي بين الذين ما زالوا يتطلعون إلى الدولة الإسلامية التي كانتها الخلافة ولو بصيغة عصرية، وبين القائلين بالعروبة فكرياً، أو بمدّعي بناء الدولة على قاعدة من أحزاب «القومية العربية».
فالإسلاميون، الذين لم ينسوا أن العروبة «بدعة» جاءت من الغرب واستخدمها ضد الخلافة التي تحولت إلى سلطنة عثمانية، ففتحت له الطريق لدخول هذه المنطقة التي قسمها إلى «دول علمانية»، هؤلاء الاسلاميون يرون أن الفرصة قد حانت الآن لبعث الدولة الإسلامية حيثما انتصر ـ أو سوف ينتصر ـ «الميدان» على الأنظمة العسكرية التي ما تزال ترفع راية العروبة، ولو زوراً، أو ترفع على الساريات رايات ترمز إلى «العلم العربي» الذي يفترض أنه علم «الثورة العربية» التي ابتدعتها ورعتها قوة الاستعمار الغربي.
لقد جاء زمن الثأر: وا إسلاماه.. وها هي الفرصة سانحة، «فالميدان» بلا رأس ولا قيادة ولا برنامج. ومن حق الإسلاميين إذن أن يتولوا القيادة، تاركين للملايين من الشباب المتحمسين، والذين لا يملكون أية فكرة عن بناء الدولة، حق التجمع - ولو إلى حين - والهتاف ضد الحكم العسكري وضد النظام الذي يتداعى تدريجياً. لا يملك هؤلاء «الفتية البررة» تصوراً للنظام البديل، خصوصاً أن الشعارات البراقة والهتافات المدوية وقصائد السخرية التي تبهج الحشود وتظلمات المعارضين والآخرين، لا تفيد في إعادة بناء الوطن ودولته القوية والقادرة على تحقيق طموحات شعبها بملايين المؤمنين من أبنائه.
..الثأر، لغم، فالشعب الذي خدعته طويلاً شعارات أو ادّعاءات حكم العسكر الذي تمدد من سوريا إلى مصر فالعراق فاليمن فالجزائر فالسودان فليبيا، قد استعاد زمام المبادرة، وها هي القوى المعبرة عن وجدان الناس تتولى القيادة لامتحان شعارها الأثير الذي طوردت حملته بالاعتقال والتشريد والإعدام أحياناً والقهر دائماً.
وفي منطق الإسلاميين فقد استهلك العروبيون أو الوطنيون قرناً كاملاً من الحكم بالشعار العلماني، واستخدموا الجيوش طريقاً إلى السلطة بدل أن تكون عدة التحرر والتحرير، فدمروا مشاريع الدولة حيث تولوا الأحكام، ثم أضاعوا فلسطين، وسلموها بالمفتاح إلى أعداء الأمة من اليهود، ثم إنهم فتحوا البلاد للهيمنة الأجنبية، وأفقروها وهجروا كفاءاتها أو حطموها معنوياً فلم تعد مؤهلة - تحت قيادتهم - لان تنجز ما هي قادرة على بنائه من أسباب التقدم والقوة.
ومؤكد أن حجج الإسلاميين في هذا المجال عديدة ومؤكدة، خصوصاً أنهم قادرون على إثبات عدائهم المبدئي للأنظمة العسكرية، وإن نقضته بالخطايا المميتة التي تمت في زمن حكم السادات (الالتحاق به وهو يذهب ضد إرادة الأمة إلى الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلي) أو في زمن حكم حسني مبارك، وآخر ما أنجزوه في هذا المجال «التحالف» معه في الانتخابات ما قبل الأخيرة في عهده... مع السكوت دائماً عن العلاقة الخاصة جداً والمدعومة بالغاز والنفط واتفاقات كويز، فضلاً عن السفارة المحصنة في قاهرة المعز، ورحلات الطيران وانخراط آلاف العمال المصريين الفقراء في بناء المستوطنات لمن تستقدمهم إسرائيل من الغرباء، ليحلوا محل أهلها وأصحاب أرضها الفلسطينيين.
في أي حال لا يمكن الاعتراض على وصول الإسلاميين، والإخوان تحديداً، إلى السلطة طالما إن ذلك يتم عبر صناديق الاقتراع، وبمعزل عن إفادتهم المؤكدة من «الحياد المريب» للجيش الذي كاد يضبط متلبساً بالتواطؤ في مصر خاصة، وبنسبة أقل في تونس.
لكن عدائيتهم المبدئية للهوية العربية للبلاد التي اقتربوا من سدة الحكم فيها سوف تأخذهم عبر المجاهرة بالحرص على الصداقة مع الولايات المتحدة الاميركية التي كان وسيبقى عنوانها إسرائيلياً، لا يمكن أن تطمئن لا الشعب في مصر أو في الأقطار العربية الأخرى إلى أن بعض ثمن هذه السلطة قد دفعها أبناؤهم من دمائهم إنقاذاً لهوية بلادهم وحقها في بناء دولة منيعة على أعدائها وقادرة على تأمين مسيرتها إلى التقدم والعمران.
ليس الموقف من إسرائيل بنداً سياسياً تفصيلياً في خطة أي تنظيم أو حزب إسلامي أو علماني يقدم نفسه كمشروع كسلطة مؤهلة وقادرة على الإنجاز في ظل نزول الشعب إلى «الميدان».
إن الموقف من إسرائيل هو الأساس لأي حكم وطني، حقاً في أي بلد عربي من أقصى المغرب إلى أدنى المشرق.
هو الأساس في السياسة الخارجية ومدى الارتباط بمشروع الهيمنة الاميركية على الإرادة والقرار.
وهو الأساس في السياسة الداخلية التي تهدف إلى حماية كرامة الوطن ومواطنيه وحقهم في بناء دولته القوية والقادرة، المنيعة على أعدائها، والمجسدة إرادة شعبها وقدراته لبناء مستقبلها الأفضل.
ان إسرائيل مشروع استعماري - صهيوني معاد في أساس إعداده ثم في خطة إقامته على ارض فلسطين، للأمة العربية جميعاً، وبأقطارها كافة، بمسلميها ومسيحييها، بأكثريتها والأقليات فيها.
إنه البديل عن «الدولة» في هذه الأرض الممتدة ما بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، بكل ثرواتها وطاقاتها وحقوق أهلها فيها.
هل من الضروري الإشارة إلى أن التركيز على حكم الشريعة خطر على وحدة الأمة عموماً، ووحدة الشعب في كل قطر.. لأنه يتجاوز السياسة إلى العقيدة الإيمانية. وقبل الحديث عن غير المسلمين من الأمة فإن بعض الأصوليات الإسلامية يأخذها الحول إلى استعداء اكثريات إسلامية (من السنة قبل الشيعة)، ومن ثم إلى تقسيم المسلمين أنفسهم ودفعهم إلى مواجهة بعضهم البعض، بما يذهب بوحدة الشعب، ثم بمشروع الدولة العصرية المؤهلة والقادرة على تحقيق أهداف «الميدان» وهي باختصار: إعادة بناء غد أفضل للإنسان العربي في مختلف بلاده... والوحدة الوطنية هي شرط التقدم نحو إنجاز الهوية، والعروبة في أساس الوحدة الوطنية وليست خارجها!.
ومن اقترب من الصلح مع إسرائيل، أو صمت عن هذا الانحراف، إنما يمهد لنقل الحرب إلى الجبهة الداخلية، بالفتنة.
وبعض ما قاله إسلاميون صاروا في السلطة أو بقربها من المصريين والتوانسة في منتدى دافوس يصب مزيداً من المياه في طاحونة الفتنة.. لحساب إسرائيل... وهكذا تبين ان لا خلاف بين إسلام ناطق بالفرنسية أو إسلام ناطق بالإنكليزية مع الإسلام الناطق بلغة قريش!.
.. اما «الطاغية» حسني مبارك فما زال يتمتع بكل امتيازات الرئيس - ولو نائماً في الطائرة الخاصة التي يستخدمها يومياً، تقريباً، في التنقل من المستشفى الملكي إلى المحاكمة - خارج الموضوع، والتي لا تبدو لها نهاية واضحة إلا في زيادة الانقسام الداخلي.
1/2/2012
رسالة إلى الأمين العام نبيل العربي ذهبت
الجامعة العربية إلى نيويورك ولم تعد..
لا بد من التأكيد، بداية، أن الكتابة عن رحلة الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، لكي يقدم شهادته حول المأساة الدموية التي تعصف بسوريا، لا تقصد التشهير بالسيد نبيل العربي، وإن أكدت الاعتراض على المهمة ذاتها، بظروفها وملابساتها و«رئيس الوفد» الذي اقترحها وقادها في الذهاب من القاهرة والإياب اليها.
فالرحلة، أصلاً، في تقدير جمهور المهتمين بكرامة الأمة، وكرامة الجامعة كمؤسسة، ثم أمينها العام، لم يكن لها ما يبررها، وبالتالي ما يعود بالنفع على الجامعة ذاتها... بل إن الشواهد جميعاً، وأخطرها السابقة التي تورط في إنجازها «السلف الصالح» السيد عمرو موسى، كانت تؤكد أن الرحلة مصدر أذى بالغ، ولعله مدمر، على دور جامعة الدول العربية، أو ما تبقى لها من دور...
فذهاب الجامعة بشخص أمينها العام إلى نيويورك سيفضح عجزها عن أداء مهمتها، وسيحولها بالتالي إلى شاهد زور، بل وإلى مدع ٍ عام بلا وكالة فعلية عن طرف غير ذي صفة، لا يملك أن يفوضه، خصوصاً بعدما اثبت عجزه عن أن يكون مرجعية لحل يجترحه ويفرضه بما له من سلطة معنوية، فكيف وقد تحول إلى طرف في الخصومة عندما أخرج «الدولة السورية» من مقعدها فيها، وهي بين مؤسسيها يوم لم يكن للشيخ حمد دولة من غاز.
ثم إن السيد الأمين العام، الذي لا موقع له في المنظمة الدولية، ولا دور له في الاجتماع الاستثنائي الذي نظم من دون الحاجة إلى موافقته، قد تحدث بوصفه ضيفاً إنما جاء ليؤكد ـ بصفته المعنوية ـ مطالعة الاتهام التي أدلى بها رئيس الدورة القطري، وبالتالي فقد تبدى في موقع التابع لا المتبوع، خصوصاً أنه ـ بروتوكولياً- بموقع وزير، في حين أن القطري هو برتبة رئيس وزراء، فضلاً عن كونه رئيس الدورة.
هذا كله في الشكل، أما في المضمون فليس مجلس الأمن المرجعية الرسمية للأمة العربية، سياسياً وثقافياً وأمنياً واقتصادياً، يذهب إليه من هو في موقع المرجع ليرفع إليه تقريره!
وفي المضمون أيضاً فليس مجلس الأمن الدولي هو المرجعية الشرعية المعتمدة لأي نزاع داخلي، أو ظهور تمرد شعبي، أو طغيان نظام، وإلا لما وجد مجلس الأمن فائض وقت يكفي للنظر في الصراعات شبه المتواترة بين أنظمة الحكم العربية وشعوبها، والتي بلغت ذروتها فتفجرت ثورات شعبية متلاحقة على مدار العام، فأسقطت أنظمة عاتية بعضها تجاوز في الحكم أربعة عقود، وبعضها ثلاثة عقود وأكثر، وبعضها عقدين ونصف... قبل أن نصل إلى النظام السوري.
ثم إن الرئاسة لما يفترض أنه الوفد العربي هي بالضرورة لرئيس الدورة، ورئيس الدورة رئيس حكومة، والأمين العام - بالغة ما بلغت كفاءته ـ هو عضو في وفد «دولة الرئيس»... وبالتالي هو مجرد مؤكد ومصدق على كلام «دولة الرئيس»، فأين الجامعة العربية من كل ذلك، خصوصاً متى انتبهنا إلى أن الرئيس القطري لا يداري في إظهار خصومته الشخصية، فضلاً عن خصومة دولته، لسوريا بنظامها ورئيسها جميعاً.
ونأتي إلى مجلس الأمن والمواقع الحاكمة فيه: هل من الضروري شرح مدى التعاطف مع الأمة العربية جميعاً، ومع قضاياها، على امتداد تاريخ عرض تلك القضايا على هذا المجلس، منذ عرض قضية فلسطين لأول مرة 1948، وحتى الأمس القريب وحين بلغ التهافت بالمسؤولين عن القضية حد المطالبة بإعلان ما تبقى من فلسطين مشروع «دولة» لمن تبقى من أهلها فوق ما تبقى من أرضهم لهم فيها؟!
وهل كان الدكتور نبيل العربي يتخيل، وهو الأخبر بالمنظمات الدولية، وأحد المميزين من المفاوضين بالقانون لاستنقاذ الحق التاريخي لمصر في حدودها مع فلسطين التي لم تعد فلسطين، أن يذهب إلى «مجلس حقوق الإنسان» ـ مثلاً ـ لكي يطالب لشعب سوريا بشيء من حرية العمل والزواج والهجرة؟
لا يمكن أن يوجه إلى هذا الخبير المميز في القانون الدولي، وفي المؤسسات الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة، الاتهام بأنه لا يعرف صلاحيات مجلس الأمن.
كذلك فلا يمكن لأحد أن يتهم الأمين العام بأنه لا يعرف مواقع القوى الحاكمة في هذا المجلس، فضلاً عن «عواطف» هذه القوى تجاه العرب عموماًً، وبالذات منهم من ما زال يرفض عقد صلح منفرد مع العدو الإسرائيلي، بمعزل عن قراءة النيات لتبرير هذا الرفض.
وإذا ما كانت لحمد بن جاسم ودولته العظمى، ولأطراف عربية أخرى، حسابات خصومة أو منافسة أو عداوة مستجدة مع سوريا، فالمؤكد أن الأمين العام لجامعة الدول العربية ليس مثقلاً بمثل هذه الخصومة أو العداوة، بل المؤكد أان الأمين العام قد بذل جهداً طيباً في محاولة إيجاد مدخل إلى الحل، وكانت ملامحه قد بدأت تؤشر إلى احتمال أن يتطور في الاتجاه الصح، حين وقع الهجوم الخليجي المضاد وتم سحب المراقبين الخليجيين، ثم اندفعت السعودية بشخص وزير خارجيتها إلى لقاء وفد المعارضة، في القاهرة، وإن أخّرت الاعتراف لأنه «يكون بين دول».
بالمقابل، فإن النظام السوري قد توغل في استخدام العنف ضد مواطنيه بأكثر مما يجوز، ولا ينفع في تبرير ذلك كل ما قيل ويقال الآن عن عصابات مسلحة تزودها جهات خارجية بالسلاح والمال والمعلومات والصور الميدانية، وتوفر لها تسهيلات حيوية عند حدود سوريا مع الأردن ولبنان وبعض العراق، إضافة إلى الرعاية التركية الرسمية لمؤتمرات المعارضة ولبعض المنشقين من الضباط والجنود السوريين، وبذرائع طائفية.
ثم إن النظام السوري قد أكثر من الوعود بالإصلاح ثم صار يرجئ مواعيد التنفيذ أو يقدم مقترحات جزئية، أو يعيد ربط كل بند بشرط لا تملك جامعة الدول العربية على الإيفاء به إلا عبر رعايتها موضوع الحوار، وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحه التي يفترض أن يقدمها النظام. وبالتأكيد فإن مسؤولية النظام عما آلت إليه الأحوال في سوريا خطيرة جداً، ويمكن للأمين العام لجامعة الدول العربية أن يتهمه بأنه لم يسهل له شروط نجاح مهمته.
كل ذلك يمكن أن يكون مفهوماً، ويمكن أن يزيد من تقدير الجهد الذي بذله الأمين العام، شخصياً، في مناخ غير ودي تجاه النظام السوري، بعضه لأسباب سياسية مفهومة ولها مقدمات علنية (معظم دول الخليج، لا سيما بعدما جهرت السعودية بموقف الاعتراض على استمرار النظام).. لكن ثمة دولاً أخرى بدلت موقفها بغير سابق إنذار، ولأسباب لا تتصل من قريب أو بعيد بمشاهد القتل اليومي أو تدمير المؤسسات. فإذا أضفنا إلى هؤلاء تلك الدول الفقيرة إلى حد الإملاق والتي ترى في «أصواتها» مصدراً للثروة، فتبيعها بالثمن لمن يدفع.
لكن تلك الملاحظات جميعاً تتهاوى أمام منظر الأمين العام في مجلس الأمن، وهو يدلي بمرافعة يفترض أنه يعرف جيداً أن المستفيدين الأساسيين منها لن يكونوا ضحايا بطش النظام في سوريا، بل الذين انقلبوا ـ ذات ليل - من موقع حلفائه وأصدقائه الحميمين بناة القصور في حماه إلى خصوم الدار، تصيب عداوتهم سوريا بشعبها ودولتها، قبل أن تصيب النظام وأهله.
لقد أطلق السيد الأمين العام رصاصة الرحمة على جامعة الدول العربية.
وقف أمام مجلس الأمن الدولي ليعلن نهاية هذه المؤسسة العريقة التي تعكس حال دولها، كل بقدرتها على التأثير، والأغنى أعظم تأثيراً حتى لو كان شعبها الأصغر.
والحقيقة أن الجامعة العربية قد فقدت بل أفقدت هذا الدور منذ أن أعجزها خروج دولها عليها منذ عهد بعيد. ربما يمكن التأريخ لها بلحظة خروج النظام المصري على ميثاقها وعلى دورها الجامع، عندما اختار أن يذهب إلى الصلح المنفرد مع العدو الإسرائيلي، مفتتحاً تاريخاً جديداً من الانفراد بالقرار، سرعان ما التحق به أعضاء آخرون.
ثم تكرر الخروج من الجامعة عليها، فكان غزو صدام حسين الكويت، في صيف 1990، ثم الانشقاق العربي عبر حرب الخليج الثانية، التي مهدت بالنتيجة للاحتلال الاميركي للعراق 2003.
وكانت تلك بالذات لحظة خروج دول مجلس التعاون الخليجي من الجامعة، التي لم تعد هذه الدول تلتزم بمرجعيتها... بل هي صارت تستخدمها لتمرير سياساتها المحكومة بمصالحها وخصوماتها وعداواتها التي لم تكن دائماً بريئة، ولم تستهدف إعادة صياغة الغد العربي بما يتناسب مع طموحات أهل هذه الأرض.
صار مجلس التعاون الخليجي يتعامل مع الجامعة كدائرة تصديق على قراراته، أما سياساته فقد استقل بها تماماً، مفضلاً الارتباط بمراكز مصالحه، وهي الولايات المتحدة الاميركية أساساً، ومن بعدها أوروبا... ولا مانع من تخفيف العداء مع إسرائيل طالما تم تظهير عدو مهيب جديد هو إيران الإسلامية.
وإلى ما قبل سنة واحدة كان النظام السوري، ما دام الحديث عن سوريا، يكاد يكون «الصديق الحميم»، يتناوب القادة الخليجيون على زيارة دمشق، وأحياناً يقصدون حلب، وبعضهم اللاذقية... وثمة من اشترى بيوتاً أو قبل بيوتاً هدية...
وصحيح أن المسؤولية عن حالة الفوضى الدموية السائدة في سوريا الآن، والتي تتهددها في وحدتها الوطنية، والتي ضربت إمكان تقدمها إلى حيث تستحق ، إنما يتحملها النظام، أولاً وأساساً.
لكن الذهاب إلى مجلس الأمن قد أضر بالأمة العربية جميعاً، وأساء إلى صورة جامعتها، من غير أن يقدم أي نفع لقضية سوريا الدولة والشعب.
ومن أسف أن الخطوة الناقصة التي أقدم عليها الدكتور نبيل العربي قد أساءت إلى دور الجامعة العربية وصورتها، من دون أن تقدم نفعاً لسوريا، الدولة والشعب... والمعارضة ضمناً.
8/2/2012
في رثاء جامعة الدول العربية مجلس التعاون
الخليجي يتجاوزها..
والاتحاد المغاربي يُستولد مجدداً
أعلنت جامعة الدول العربية، خبر وفاتها من فوق أعلى منبر دولي في العالم: مجلس الأمن، بشهادة أعضائه جميعاً، الخمسة دائمي العضوية من «الكبار» أصحاب حق الفيتو، والعشرة المتبدلين بتبدل المواقف والأدوار... وفي حين وقف الأمين العام لهذه الجامعة العريقة يتقبل التعازي، فقد بادر رئيس الدورة - بالإعارة أو بالإيجار- يعلن اسم الوريث الشرعي: مجلس التعاون الخليجي القادر بذهبه الأسود أو بغازه الأبيض على تعويض غياب المؤسسة التي كانت، ذات يوم، معقد آمال العرب في الحد الأدنى من التضامن والتكاتف من اجل الحق في مستقبل أفضل لشعوب هذه الأمة التي فرض على أقطارها التقسيم ثم اقتطعت منها فلسطين للإسرائيليين ليقيموا عليها دولة يهود العالم.
والحق أن إعلان وفاة الجامعة العربية لم يكن مفاجئاً تماماً للمجتمع الدولي... فقبل بضعة شهور ذهب الأمين العام السابق لها يعلن دخولها في غيبوبة تمنعها من أن تقرر، ويطلب من مجلس الأمن أن يتولى، باسمها، تفويض الحلف الأطلسي بتحرير ليبيا من حاكمها المتجبر، حتى لو أدى الأمر إلى تمزيق هذه البلاد مترامية الأطراف، الغنية بنفطها والفقيرة بتجربتها السياسية مما قد يأخذها إلى حرب أهلية تمزق وحدتها وتجدد الاشتباكات التي لمّا تنطفئ نيرانها تماماً بين قبائلها وأعراقها، تحت الشعار الإسلامي وفوق الأرض الغنية بنفطها الخفيف وغازها الثقيل.
في وقت لاحق، ستعلن عودة «الاتحاد المغربي» إلى الحياة بجرعات من نسمات الربيع العربي الذي اسقط الهوية الجامعة عن الدول التي كانت تنضوي تحت لواء الجامعة العربية، بأمل أن تقودها الشراكة في وحدة المصير، فضلاً عن وحدة المصالح، إلى نوع من التكامل الاقتصادي - الاجتماعي - الثقافي، تشبهاً بالاتحاد الأوروبي أو بالتجمعات التي قادت اليها المصالح دولاً كانت مختلفة جداً فتقاربت بدافع الضرورة، ومن فوق الخلافات السياسية.
هكذا تعزل - بداية - مصر، الدولة - الأم، وصاحبة الحق الشرعي بالقيادة، وتترك لفقرها وما ينتج من اضطرابات اجتماعية واقتصادية تؤثر على الدور فتضعفه، خصوصاً أنه قد يضطرها إلى تنازلات موجعة، يجبرها على طلب العون ممن شروطه ثقيلة، بحيث يصعب على الكرامة أن تقبلها.
هل من الضروري التذكير بأن انفصال جنوب السودان عن شماله إنما كان يشكل ضربة قوية لموقع مصر ودورها، وفضلاً عن شطبه السودان كدولة مؤثرة، وكشعب لم يقصر يوماً في نصرة القضايا العربية، قبل أن يتولى حكمه عسكر الإسلام السياسي فيضيّع وحدته ودوره، وما زالت مخاطر انفصالية إضافية تتهدده، وتهدد معه الأمن القومي لمصر بانعكاسها على شريان حياتها: النيل!
طبعاً اختفت أو غيبت تماماً حقيقة وحدة وادي النيل، وصار النيل بذاته سلاحاً قد يستخدم لتطويع مصر أو لجرها إلى حروب مع شركاء المصير في قارتها السمراء.
أما في المشرق فقد أقامت دول مجلس التعاون الخليجي سوراً مصفحاً من حولها، بذريعة حماية ذهبيها الأسود والأبيض، من طمع أشقائها، أو من جبروت الجار الكبير، الإيراني، في حين فتحت أرضها وأجواءها، ومياهها للقواعد والأساطيل العسكرية الاميركية أساساً والغربية عموماً.
ولقد ظل هذا المجلس مجرد إطار للتــلاقي بالاضــطرار بين دول لم تكن - بمعظمها - موجودة عند قيام جامعة الدول العربيـة، بل كانت، في ما عدا السعودية وسلطنة عمان، مجموعة مشيخات صحراوية يحكمها - مجتمعة - ضابط بريطاني.
..وكان أن تفجرت إيران بالثورة التي رفعت الراية الإسلامية شعاراً وجعلت فلسطين قبلتها، فقصد الملوك والأمراء والمشايخ صدام حسين مستنجدين بقوة العراق لوقف المد الإيراني الثوري، فكانت «حرب الخليج» التي أنهكت العراق وإيران معاً، وكان هذا بالضبط هو المطلوب، وإن استدعى رد فعل أحمق لاحقاً من طرف صدام حسين إذ أقدم على غزو الكويت، وهو ما مكن الاميركيين من شن «حرب تحرير الكويت» بمشاركة عربية فعالة، أدت إلى شق جامعة الدول العربية وتلاشي دورها بوصفها الضحية الأولى لتلك الحرب التي مهدت للغزو الاميركي واحتلال العراق وإعدام صدام حسين.
ولقد يسرت تلك الحروب المتواصلة أمر إعادة تحريك الفتنة بين السنة والشيعة للتغطية على النتائج السياسية المتمثلة بعودة القواعد الاستعمارية إلى تلك المنطقة.
تدريجياً، صار مجلس التعاون الخليجي، الذي بقي لسنوات طويلة مجرد إطار شكلي لتقارب بلا أفق بين أطرافه، مؤسسة خطيرة، لها تحالفاتها مع أقوى قوة في العالم، وتملك امكانات هائلة تيسر لها شراء أساطيل من الطائرات الحربية والمدنية التي لن تحتاجها، ولكنها تحمي استمرار تدفق النفط إلى دول الغرب، وتدفق عائداته إلى الخزانة الاميركية حيث تتوه عن طريق الخروج عائدة إلى أصحابها في الجزيرة والخليج.
وعندما تفجر غضب الشعوب العربية في وجه أنظمة القمع التي حكمته دهوراً صار مجلس التعاون الخليجي، بقدرة قادر، حاضنة «الربيع العربي»، والمروج للثورات وقائد الحملة السياسية، ومن ثم العسكرية، ضد بعض تلك الأنظمة التي لم تستوعب - بالسرعة اللازمة - الدور الجديد المكلف به الأمراء والمشايخ الذين منحوا دوراً في الشؤون العربية في عواصم القرار الكوني، خصوصاً إنهم مستعدون لأن يلعبوا دور القناع أو دور الممهد وبالطبع دور الممول، أو حتى دور المزود بالسلاح، كما دلت التجربة في ليبيا علناً، وكما تدل الوقائع الميدانية في سوريا، وإن بطريقة مموهة، لاختلاف الظروف.
لقد سقطت جامعة الدول العربية بالضربة القاضية... فالدول المؤسسة مشغولة بأوضاعها الداخلية: مصر تبحث عن طريقها إلى الدولة القوية والمنيعة بعد الثورة الشعبية الرائعة التي صودرت قبل أن تبلغ غايتها، والعراق متروك لمخاطر الحرب الأهلية والتمزق بين «مكوناته» الطائفية والعرقية والإثنية، وسوريا متروكة لمصيرها في ظل انشقاق خطير بين السلطة والمجتمع ينذر بالأسوأ.. حتى أن رئيسها بشار الأسد اخذ يتحدث، مؤخراً وبعد طول مكابرة، عن خطر التقسيم الذي يتهدد هذه الدولة التي كان لها دور متميز ومؤثر في خدمة القضايا العربية جميعاً، وفي الطليعة منها قضية فلسطين.
وتبقى اليمن التي رفض أهل الثروة من أركان مجلس التعاون الخليجي ضمها بملايين الفقراء إلى هذا التكتل المذهب.. وواضح أن هذه الدولة التي أعادتها إلى الحياة الثورة، ثم أجبرت الإرادة الشعبية قياداتها في شمال البلاد كما في جنوبها على التقدم نحو الوحدة، تبدو الآن مهددة في وجودها وليس في وحدة كيانها السياسي فحسب.
ولقد دأب مجلس التعاون الخليجي على رفض انضمام هذه الدولة الفقيرة إلى نادي أغنيائه متذرعاً بحجج واهية، لكن الحقيقة أنه لا يريد إشراك ملايين الفقراء من أبنائها الذين أسهموا إسهاماً عظيماً في بناء حواضره وفي إنعاش اقتصاده وفي نعيم رخائه.
بالمقابل فإن مجلس التعاون الخليجي قد دفع ببعض من قواته المسلحة إلى دخول البحرين لمواجهة الانتفاضة الشعبية السلمية فيها التي لا تطالب إلا بحق المواطنة لأهلها وهم - للمناسبة - من السباقين إلى طلب العلم بل والى التفوق فيه، وكانوا دائماً الطليعة المثقفة والواعية من بين أبناء تلك المنطقة، ولم يعرفوا الطائفية إلا حين قرر النظام - ومن خلفه مجلس التعاون - استخدام هذا السلاح القذر لاتهام شباب الحركة الوطنية في البحرين بأنهم «عملاء» للإيرانيين، أو بأنهم «مذهبيون» يسعون إلى الفتنة بين السنة والشيعة.
أين تصير قضية فلسطين وماذا سيصيبها بعد الإعلان عن وفاة جامعة الدول العربية وانطفاء دورها؟
بين سخريات القدر أن المهمات الأخيرة التي سخر للقيام بها مجلس الجامعة بقيادة الشيخ القطري حمد بن جاسم آل خليفة، إنما تمت بعدما تنازلت فلسطين عن رئاسة الدورة لهذا الشيخ متعدد المواهب، الذي يتحلى بروح رياضية عالية، تمكنه من إنشاء علاقات حميمة مع بعض القادة الإسرائيليين، وهو كان من تولى الاتصالات الرسمية الأولى مع إسرائيل، برعاية مباشرة من واشنطن، والتي انتهت إلى إقامة مكتب تمثيل تجاري لدولة العدو في الإمارة التي تعوم فوق بحر من الغاز في الخليج العربي... وبديهي أن مثل هذا المكتب ما كان ليقوم ويبقى، لولا مجاورته لقاعدة العيديد، وهي اكبر قاعدة عسكرية اميركية خارج الأراضي الاميركية.
يبدو السؤال عن فلسطين وكأنه من خارج السياق... فقد غدت هذه القضية العربية المقدسة من مسؤولية هيئات دولية أبرزها «الرباعية»، خصوصاً بعدما انشغل أهلها عنها، سواء «سلطتها» التي لم تعرف بعد كيف تتوحد، أو الدول العربية التي كانت تظهر الاهتمام إما لأسباب داخلية وإما لاستدراج عروض خارجية، ثم انصرفت عنها لتغرق في محلياتها، لا سيما بعد تفجر الميادين بالغضب والضياع بين موجبات الثورة والخوف من الفوضى بعد سقوط الأنظمة ولا بديل.
ومن موجبات الأمانة الاعتراف بأن التعرض للقضية الفلسطينية في هذه اللحظة أمر يفوق طاقة الأنظمة على احتماله.
وهكذا تبدو القضية متروكة للمقادير... فقيادات الداخل في الأسر، وقيادات الخارج مسترهنة ومستضعفة بخلافاتها التي لا تنتهي.
الخلاصة أن جامعة الدول العربية قد اغتالها أهلها، ولكنها لا تجد من يقيم لها حفل التأبين اللائق، لأن أحداً لا يريد أن يتحمل المسؤولية عن اغتيالها.
وليست مصادفة أن يغدو مجلس التعاون الخليجي المرجعية العربية المعتمدة دولياً... وأن تنتبه دول المغرب العربي، من ليبيا وحتى موريتانيا، إلى ضرورة النأي بنفسها عن أولئك «العرب» الذين يخلطون بين الدولة والثورة فيخسرون مرتين.
22/2/2012