eKtab
EN ع
العرب وأوروبا - رؤية سياسية معاصرة
Read free sample

العرب وأوروبا - رؤية سياسية معاصرة

by د. جمال الشلبي

Page 1
تمهيد
 
* بحث نشر في مجلة العلوم الاجتماعية- الجامعة اللبنانية / بيروت، عدد4، تشرين الأول/أكتوبر 1997
 
الأصولية، والإرهاب، والتطرف، والبداوة، والتخلف، والعنف، والبتر ودولار، والحجاب، كل هذه المفاهيم والمصطلحات- برأي وسائل الإعلام الغربية - سمات وخصائص (الأنا) الشرق، وخاصة العرب والمسلمين على حد سواء· وبما أننا ذكرنا الشرق، فهذا يعني وجود (الآخر) الغرب، والغرب ليس كلاً واحداً، كما يقول إدوارد سعيد في كتابه الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية من وجهة نظر أمريكية، بالرغم من وجود عوامل وخصائص ثقافية، وسياسية وحضارية مشتركة(1)·
 
وعلى كل حال، الكثير من الدارسين يتفق على أن أهم خصائص هذا الغرب (الآخر) تتمثل في الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والتسامح، والتقدم التكنولوجي، والمدنية وكل هذه الخصائص، على ما يبدو، مخالفة تماما وبشكل كامل، مع خصائص الشرق·
 
ومما يلفت النظر، أن الحكم الفاصل والمقبول، الذي يستطيع أن يبث هذه الأفكار ويؤكد صدقها وحقيقتها، هو وسائل الإعلام - بأشكالها كافة - التي أصبحت أداة مهمة وفعالة من أدوات السلطة السياسية، وصراع الدول، والشعوب، والحضارات·
 
ولمعرفة فلسفة ظاهرة دور الإعلام الأوروبي، وخاصة الفرنسي، كأحد المكونات الأساسية المهمة و الفعالة من ذاك (الآخر) ودوره في صراع الحضارات بين (الأنا والآخر)، الغرب والشرق وخاصة المسيحية والإسلام، سنحاول أن نجيب عن بعض الأسئلة، التي قد تساعدنا على فهم هذا (الآخر) ومعرفة المنطق الداخلي La Logique Interne" لفكره وسلوكه، حسب تعبير المفكر الفرنسي ريمون أرون(2)· للوصول، في النهاية، إلى حوار حقيقي وبنّاء من منطلق الندية، كما يقول المفكر الفلسطيني أحمد صدقي الدجاني في كتابه العلاقات العربية الأوروبية بعد عقد من الحوار (3)·
 
إذن، بناءً على ما تقدم، سنحاول الإجابة عن سؤالين أساسيين ومهمين لفهم هذه الظاهرة:
 
السؤال الأول : هل للجذور التاريخية بين الإسلام وأوروبا أثر في سلوك وسائل الإعلام الفرنسية حالياً؟
 
السؤال الثاني:كيف تتناول وسائل الإعلام الفرنسية صورة الإسلام والعرب؟
Page 2
1- هل للجذورالتاريخية بين الإسلام وأوروبا أثر في سلوك وسائل الإعلام الفرنسية حالياً ؟
 
الواقع أن السؤال الذي يفرض نفسه دائماً وباستمرار، في نقاشات المثقفين ، والسياسيين العرب والمسلمين، وحتى العامة هو: ما هي العوامل والأسباب الكامنة وراء صنع الإعلام الأوروبي، و خاصة الفرنسي، لهذه الصورة السيئة القاتمة عن الإسلام والعرب؟
 
على الرغم من أن المفكر المغربي محمد عابد الجابري طرح هذا السؤال وأجاب عنه، بالقول بأنها عوامل وأسباب تتصل بآلية (Mecanisme) سيكولوجية من الرغبات الدفينة التي ترغب بالآخر وتحتاج إليه (النفط والموقع الاستراتيجي) من جهة، وتريد التخلصمنه (المهاجرين) من جهة أخرى(4)·
 
إلا أننا نعتقد - من جهتنا - بأن جذور الصورة النمطية المشوهة عن الإسلام والعرب في العقل الأوروبي والفرنسي، قد بدأت وتطورت مع نشوء الإسلام في القرن السابع الميلادي· فخلال هذه القرون تكونت صورة سلبية قاتمة، ظلت مسيطرة على الفكر والعقل الغربي حتى يومنا هذا، مع اختلاف هذه الصورة المشوهة وأشكالها من مرحلة إلى أخرى(5)، وذلك تبعاً لطبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب - قوة كانت أو ضعفاً - دون أن يمنعنا ذلك من القول، بأن الصورة العامة لدى الغرب عن الإسلام أنه دين غازٍ ومعادٍ(6)·
 
ويمكن إجمال تاريخ العلاقة الجدلية بين (الإسلام والمسيحية)، أو (الشرق والغرب)، بأربع مراحل متداخلة و متتالي على النحو التالي:
Page 3
المرحلة الأولى: مرحلة ظهور الإسلام
 
وقد بدأت هذه المرحلة مع بداية الدعوة الإسلامية، والفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام، وهي الفترة الزمنية التي تمتد من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر، حيث كان الغرب يعيش في حالة انحطاط فكري، ومادي، ملموس وملاحظ - على الأقل - بالمقارنة مع الدين والحضارة الجديدة الفتية المتمثلة بالإسلام·
 
فمنذ القرن الثاني عشر، وهو تاريخ ترجمة القرآن من قبل رجال الدين المسيحيين إلى اللغة اللاتينية، كانت صورة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) - في أذهان الغربيين - على أنه نبي كاذبFaux Prophete ، كافر Apostat، داعر Lubrique، وزانFornicateur، أما مفهوم الإسلام في المخيلة الغربية، وبخاصة الفرنسية، فقد كان مرتبطاً بروح الغزو، والعنف، والتعصب(7)·
 
وفي هذه المرحلة، تكرست النظرة المسيحية (الغرب) للإسلام وحضارته (الشرق) بنقطتين أساسيتين:
 
الأولى: أن الإسلام دين شهواني ومادي في فكره، مستندة في ذلك إلى قضية تعدد الزوجات·
 
الثانيةً: القوة والعنف والعدوان (8)·
 
ما يجب ملاحظته، هنا، أنه في حين كان المسيحيون العرب في نجران معتدلين تجاه الإسلام، فإن الغرب قد احتفظ عن الإسلام بصورة قاتمة، لأن ثمة ارتباطاً في ذهنية الغربي ومشاعره بين الهجمات البربرية على أوروبا والغزوات العربية· وما تزال هذه الأفكار حية في أذهان بعض المفكرين الغربيين إلى يومنا هذا، وبالتالي، لم يستطع الغرب طيلة العصور الوسطى، أن يفرز صورة متماسكة واضحة، وصحيحة عن الإسلام·
 
ولقد صور الأدب الشعبي في الغرب - في القرون الوسطى - المسلمين صوراً ما تزال ماثلة في اللاشعور الجمعي (l'inconscience collective) للغربيين من أبرزها الصور التالية:
 
اعتبار الإسلام ديناً وثنياً·
 
اعتبار النبي (ص) ساحراً وداعياً إلى اللذات الحسية·
 
اعتبار القرآن خرافات مستعارة من الإنجيل بعد تشويهها·
 
اعتبار الإسلام جزءاً فاسداً من المسيحية·
 
اعتبار الإسلام قائماً على البطش والقوة حقيقة تاريخية·
 
اعتبار أن صورة الجنة في القرآن صورة مادية وجسدية·
 
اعتبار التشريع الإسلامي ترسيخاً لهذه الصورة (تعدد الزوجات)(9)·
 
باختصار، لقد كان محمد (صلى الله عليه وسلم) - بالنسبة للغرب - ساحرا دمر الكنيسة في إفريقيا والشرق بسحره وخداعه، وعزز نجاحه هذا، بالسماح بالانحلال الجنسي(10)·
 
ويعود السبب في تكوين هذه الصورة المشوهة عن الإسلام حسب رأي المفكر التونسي هشام جعيط، في كتابه أوروبا والإسلام إلى التحدي الذي كان يطرحه الإسلام هناك، وعدم المرور بتجربة التعدد الديني في المجتمع المسيحي، بينما تكون الإسلام على أساس التعايش مع الديانات السماوية الأخرى منذ البداية(11)·
 
وقد لخص المستشرق الفرنسي المعاصر ماكسيم رودنسون في كتابه روعة الإسلام بداية العلاقة والاتصال بين الغرب والإسلام، بالقول لقد كان المسلمون خطراً قبل أن يصبحوا مشكلة(12)·
Page 4
المرحلة الثانية: مرحلة الحروب الصليبية
 
وتبدأ هذه المرحلة من منتصف القرن الحادي عشر الميلادي (6901 _ 0721)، وتمتاز باشتداد الصراع والنزاع بين مختلف القوى الإسلامية· فكان العالم الإسلامي آنذاك، يمر بمرحلة خطيرة من التفكك والتجزئة، فالخلافة العباسية كانت رازحة تحت سلطانالسلاجقة الذي كان - بدوره - على نزاع مع الفاطميين، وهنا ظهرت أوروبا كمهددة للشرق (13)· مستخدمة السيف من جهة، والشعارات والدعايات الدينية من جهة أخرى، لتؤكد - من جديد - استمرار الصراع (الإسلامي المسيحي)، أو بشكل أصح (الشرق والغرب)· ولذا فقد تم تصوير الإسلام على أنه دين وثني، وأن محمداً رسوله ساحر، وشخص فاسد وزعيم شعب فاسد(14)، إضافة إلى الادعاء بأن العرب والمسلمين، يقومون بمنع الحجاج المسيحيين من زيارة بيت المقدس، وبالتالي، كان هناك - وما زال - أدب وثقافة يحاولان أن يبررا الحملات الصليبية الغربية تجاه الشرق، فالحروب الصليبية لم تكن كما وصفها الكاتب اللبناني، أمين معلوف في كتابه الصليبيون من وجهة نظر عربية حربا دامية، عنيفة، وبربرية(15)، بل كانت - وما زالت تراها الثقافة الغربية حالياً - حروباً سمحت بالاتصال بشعوب لها ثقافات مختلفة، وأنها عرفت بحضارة الشرق(16)· وهذا التفسير، يرضي الذوق الأدبي والثقافي المسيحي (الغربي) في الماضي والحاضر·
Page 5
المرحلة الثالثة: مرحلة الغزو الاستشراقي والتبشيري
 
وهي الفترة الممتدة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر· ويمكن اعتبار هذه الفترة تمهيداً للغزو الاستعماري الجديد - وخصوصاً في بريطانيا وفرنسا وهولندا - الذي استمر حتى استقلال الدول العربية والإسلامية في الأربعينات والخمسينات من هذا القرن·
 
فقد ارتبط الاستشراق l'Orientalism بالنصرانية أو التبشير بها، من خلال الحملات التي كان يقوم بها الرهبان، من أجل نشر أفكار هذا الدين· بحيث أن الأديرة أصبحت بمثابة وزارات دعاية منظمة، تمد السلطة السياسية ما يلزمها من الرسائل السياسية المناوئةللإسلام(17)·
 
وارتبطت هذه النشاطات الدينية والإنسانية أيضاً - بشكل أو بآخر - بأهداف استعمارية سواء من الناحية الثقافية، أو السياسية أو الاقتصادية، وفي هذه المرحلة كانت الصورة العامة عن الإسلام أنه دين جامد وغير قابل للتطور·
 
وإذا كان هناك بعض المفكرين كألبرت حوراني في كتابه الإسلام في الفكر الأوروبي، يحاول تبرير الاستشراق وإظهار حسن نيته الفكرية والحضارية ، بالقول مثلاً إن الاستشراق جاء نتيجة النظرة الناجمة عن المعرفة المتزايدة، لما يؤمن به المسلمون، وما فعلوه في التاريخ، وناجمة أيضاً عن الأفكار المتغيرة في أوروبا ودور الدين والتاريخ (18)· إلا أنه يبدو لنا، بان الاستشراق مختلف عن التاريخ، حيث أن هذا الأخير يحاول أن يفهم فقط، ولا يضع موضوع الشك أسس المجتمع الذي يدرسه، في حين يعطي الاستشراق نفسه حق الحكم، بل وحتى الاتهام والرفض(19)·
 
فمثلاً، عبر المستشرق الفرنسي فولنييه عن آرائه حول القرآن، في نص يستحق منا، أن نسرده لتوضيح الفكر الاستشراقي الفرنسي، وتأثيره على تكوين العقل الغربي ووسائل الإعلام الحالية، فيقول: إن ابعد ما يكون عن روح الإسلام هو إصلاح مفاسد الحكم، ويؤسفنا القول على العكس من ذلك، بأنه لسبب الرئيسي لها، ولحصول الاقتناع، يكفي ان نتفحص الكتاب الذي استوعب هذه الروح·
 
من يقرأ القرآن- يضيف فولنييه - سيضطر إلى الاعتراف، بأنه لا يقدم أي مفهوم عن واجبات الناس في المجتمع، ولا عن تكوين الهيئة السياسية، ولا عن مبادئ فن الحكم، وبكلمة واحدة لا شيء مما يشكل نظاماً تشريعياً·
 
إن القوانين الوحيدة التي توجد فيه - يتابع فولنييه - يمكن ردها إلى أربعة أو خمسة أوامر، خاصة بتعدد الزوجات، والطلاق، والرق والإرث ··· وأنه من خلال هذه الفوضى للهذيان المستمر، فإن الفكر العام السائد، والمعنى المكثف يتمثلان في التعصب الحاد والعنيد··· ولم يكن هدف محمد الهداية، بل السيطرة، ولم يكن يبحث عن أتباع بل عن رعايا(20)·
 
أما المستشرق الفرنسي الأخر شاتوبريان، فلم يكن أقل تهجماً وعنفاً من فولنييه، إذ يبقى الإسلام لديه في كتابه الطريق من باريس إلى القدس، البربرية المنتظمة التي كرسها وشجعها الدين (21)·
 
وفي مرحلة الغزو الاستعماري، تبلورت في أوروبا النزعة العنصرية ضد العرب· ولم يقنع الغرب كما يقول المفكر المصري السيد يسين في كتابه الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، بالترويج لصورة مزيفة عن العرب تتسم بالإجمال، بل إنه حرص - عن طريق فلاسفته وعلمائه الاجتماعيين - على رسم صورة تفصيلية تركز على قصور العرب وتخلفهم· وفي هذه الصورة سنجد عدداً من الأحكام، من بينها ما قرره جورج ديهاميل - عضو الأكاديمية الفرنسية - في كتابه حضارة فرنسا من أن الذهنية الشرقية عاجزة تمام العجز عن التفكير التركيبي وعن تجاوز الذات (22)·
 
وحتى المفكر والمستشرق الفرنسي أرنست رينان، الذي أبدى إعجابه في بعض أمور الدين والحضارة العربية والإسلامية، حاول من خلال مقالاته وكتبه، التقليل من شأن العرب ودورهم في حمل رسالة الحضارة، برد علومهم إلى الفرس واليونانيين، إلى أن يقول إن مستقبل البشرية تحتضنه أيدي الشعوب الأوروبية(23)·
 
الأمر الملاحظ، أن الكنيسة في مرحلة القرون الوسطى Le moyen âgeوالعلم المدرسي Scolastique، وفي مرحلتي الاستشراق والاستعمار، يجهلان الإسلام غالباً، هذا إذا كانا يعرفان المسلم أصلاً، وأن الشعور بالتفوق وامتلاك الحقيقة تتلازم مع وعيبتفوق سياسي وحضاري لدى الأوروبيين(24)·
 
وبغض النظر عن حسن أو سوء نية المستشرقين أوالاستشراق،فأن الشيء المؤكد، أنه كان هناك تعاون واتصال وثيق بينهم وبين الدولة والنظام السياسي الذي ينتمون إليه· ولهذا السبب وجدنا في فرنسا عدداً من المستشرقين، الذين عملوا مستشارين لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا· فعلى سبيل المثال، كان المستشرق دي ساسي، اعتباراً من عام 1805، يشغل منصب المستشرق المقيم في وزارة الخارجية الفرنسية· كما كان ماسينيون إلى عهد قريب مستشاراً للإدارة الاستعمارية الفرنسية فيالشؤون الإسلامية(25)·
 
والحق يقال، أنه قد يكون هناك شيء من الصدق أو الحقيقة فيما ذكره المستشرقون عن العرب والمسلمين، إلا أننا نأخذ عليهم بأنهم اختاروا أكثر مراحل الاستسلام والضعف في تاريخ العرب والمسلمين على أنها (النموذج) للدين الإسلامي والعرب، الأمر الذي ساهم في استمرار التشويه وتعميقه تاريخياً وعملياً·
Page 6
المرحلة الرابعة: المرحلة المعاصرة
 
وهي المرحلة الممتدة من استقلال الدول العربية والإسلامية، منذ الأربعينات والخمسينات من هذا القرن وحتى هذا التاريخ· حيث انتشرت في أوروبا مراكز البحث، والجامعات المتخصصة والمكتبات المهتمة بقضايا العرب والمسلمين والشرق عموماً، كنوع من الامتداد الطبيعي والمنطقي لظاهرة الاستشراق، أو كما سماها أستاذ العلوم السياسية اللبناني غسان سلامة، في تعليقه على ظهور كتب كثيرة ومتنوعة بشكل واضح ومثير للانتباه، حول العرب والإسلام في فرنسا بمرحلة الاستشراق الجديدة(26)·
 
وفي هذه المرحلة، نجد، أن الصورة النمطية السيئة والقاتمة للإسلام والعرب في العصور الوسطى، وما تلاها من مرحلتي استشراق واستعمار، لا تختلف كثيراً عن الصورة النمطية المرسلة عن طريق وسائل الإعلام الغربية الحديثة التي يصوغها السياسيون والإعلاميون، ومن يسمون اليوم بخبراء الإسلام والدراسات الشرقية وشؤون الشرق الأوسط، في المجتمعات الغربية(27)·
 
ومما يلفت النظر في هذه المرحلة، أن نتائج الباحثين الغربيين المعاصرين، تؤكد آراء وأفكار ما قاله وما توصل إليه المفكرون في القرون الوسطى وفي مرحلة الاستشراق· فالجانبان يعتقدان ويصران على فكرة، أن الإسلام وانتشاره يمثلان خطراً حقيقياً، باعتبار أن الإسلام دين غير حضاري، ولا يساعد على التطور والتقدم، بل إنه قد يؤدي إلى تدمير الحضارة الغربية والقضاء عليها·
 
ويبدو، أن هذه الأفكار والطروحات (القديمة الجديدة، والمتجددة باستمرار) عادت إلى أرض الواقع السياسي - في هذه الأيام - من خلال كتابات البعض من أمثال صمويل هنتننغتون وكتابه صراع الحضارات (28)، مشيراً إلى أن العدو الجديد، بعد اختفاء الخطر الشيوعي، يتمثل في الإسلام، وكذلك كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير (29)، للكاتب الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما، الذي يرى في النظام الرأسمالي (الخلاص الأبدي للبشر على الأرض)، وأن الإسلام على الرغم من ضعفه وتفككه، قد يهدد هذا الدين الجديد المنتصر (الرأسمالية)·علماً بأن العالم الإسلامي لا يشكل كتلة واحدة سياسياً أو اقتصادياً، ولا يمثل مجتمعا واحداً متجانساً، أو حتى فكراً سياسيا واحدا، وان كانت واحدة في جوهرها الفكري والعقائدي(30)·
 
وأيا يكن من حال، فإن مرحلة القرن العشرين هي التي سنركز عليها، حيث سنلقي الضوء على مجمل جوانبها الإعلامية والسياسية والفكرية الفرنسية· ونبدأ بالإشارة إلى ديباجة ميثاق منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، عن أسباب الحروب، والفوضى في العلاقات الدولية ·
 
حيث تؤكد هذه الديباجة، أهمية دور الإعلام في الوصول إلى السلام والأمن، وأن جهل الدول لأنظمة حياة بعضها بعضاً، هو الذي يخلق الشك وعدم الثقة بين شعوبها، ذلك الشك الذي يقود إلى الصراعات والحروب، وأن وظيفة الإعلام أن يساعد في تغلب العالم على جذور المشاكل، واقرار العدالة بين الشعوب، ووقف العدوان، وأشكال الاستعمار الجديدة كافة· وأن دور الإعلم في تعامله الدولي يجب أن ينصب على التفاهم الدولي، وتنشيط العناصر التي تساعد على تلاقي الثقافات والحضارات، ونشر المعرفة، والتذكير بأهمية حياة الإنسان(31)·
 
ولا شك أن هذه الديباجة تظهر دور الإعلام وأهميته في الاتصال الدولي، لتكريس مفهوم السلام والتعايش والتعاون بين الشعوب والحضارات، إلا أن السؤال المهم والضروري هنا هو: هل هذه الآراء والأفكار، والمقترحات، والمبادئ الأخلاقية،هو ما تقوم وتعمل به الدول الغربية (الأنا) صاحبة النفوذ والقوة الاقتصادية والسياسية تجاه (الآخر) الضعيف المفكك، أسير نزاعاته الداخلية والخارجية، والمتمثل في الشرق، العرب والمسلمين بشكل خاص، ودول الجنوب بشكل عام؟
 
هذا ما سنحاول الإجابة عنه، في الجزء الثاني من هذه الدراسة، بالتركيز على دور الإعلام وتأثيره لدولة أوروبية من الدول العظمى في العالم، هي فرنسا، من خلال تحليل وجهات نظر إعلامها المختلفة حول العرب والمسلمين الذين يشكلون - حسب الإحصاءات الفرنسية الرسمية - ثلاثة ملايين نسمة، ويعد الإسلام بذلك ثاني أكبر طائفة دينية في فرنسا بعد المسيحية الكاثوليكية(32)·
Page 7
2- كيف تتناول وسائل الإعلام الفرنسية صورة الإسلام والعرب؟
 
بناءً على ما قلناه في الجزء الأول من دراستنا، نعتقد بأن وسائل الإعلام الفرنسية، ليست السبب الرئيسي والوحيد في إعطاء صورة مشوهة وسلبية عن الإسلام والعرب، وإنما سلوك هذه الوسائل الإعلامية وتأثيرها، جاءا كنتيجة حتمية ومنطقية، لوجود موروث حضاري وثقافي سلبي، متراكم في الذاكرة والتاريخ والعقل الغربي عموماً والفرنسي خصوصاً·
 
ونستطيع أن نربط العلاقة الجدلية بين الصور القروسطية Môyenageuse للعرب والإسلام، والصور المعطاة حالياً في وسائل الإعلام الفرنسية، والمقارنة بينهما، من خلال إلقاء الضوء على بعض هذه الوسائل، التي يعتبرها البعض أنها تتمثل: في الصحافة، الراديو والتلفزيون، والسينما، وأيضا الكتب المدرسية·
 
إذن، من أجل فهم هذه العلاقة الجدلية للصورة القديمة المتجددة، ، والمتكررة باستمرار، سنقوم بعرض مواقف الرأي العام الفرنسي تجاه بعض القضايا الإسلامية والعربية وتحليلها، ومن ثم، ننتقل إلى مناقشة موقف الصحافة المطبوعة والمرئية من هذه القضية، إلى أن نصل إلى المقررات المدرسية، حيث نختم تحليلنا، بالإشارة إلى قضية تأثير وسائل الإعلام على مشكلة الهوية والاندماج للعرب والمسلمين في المجتمع الفرنسي، وهي القضية التي مازالت تتفاعل وتأخذ مساحة واسعة ومهمة من النقاش والجدل في فرنسا·
Page 8
أ· الرأي العام الفرنسي والقضايا العربية
 
إن موقف فرنسا من العرب والإسلام لا يختلف عن بقية الدول الغربية التي ترى العرب على أنهم شعب بدائي، متخلف، بدوي· ولذلك لم تتردد فرنسا في الاعتراف بإسرائيل عام 1948، ومساعدتها في بناء ترسانتها العسكرية، وحتى الذرية منذ الخمسينات من هذا القرن·
 
وقد حاولت فرنسا تكريس مفهوم صراع الحضارات من خلال الاستعمار أولاً، ومن خلال الحملات العسكرية المتكررة ثانياً، كعدوانها المشترك على مصر عام 1956، كمحاولة يائسة منها للرد على دعم جمال عبد الناصر للثوار الجزائريين، إضافة إلى بحثها الدائم المستمر عن دور ومكان في الشرق الأوسط·
 
وعلى الرغم من وجود قيادي قومي قوي مثل شارل ديغول عام (1958-1969) الذي حاول أثناء الحرب الباردة أن يخط طريقاً ثالثاً مستقلاً يختلف عن القوتين العظمييـــــن آنـــــذاك، إلا أن الإعلام الفرنســـي كان أقوى منه واتهمه باللاسامية Anti-Semitisme، لوصفه شعب إسرائيل - في مؤتمره الصحفي المنعقد في 72 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1967 بأنه من النخبة، واثق من نفسه وميال إلى السيطرة Sur de soi et Dominateur"
 
(33)، ولمحاولته، ايضا، أخذ موقف محايد نسبياً من الصراع العربي الإسرائيلي عام 1967 (34)·
 
ويمكن فهم دور الإعلام الفرنسي وتأثيره على الرأي العام الفرنسي، بمناقشة بعض مواقف الرأي العام الفرنسي، ورأيه في بعض القضايا السياسية العربية الدولية، خاصة القضايا المتعلقة بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية·
 
فمثلاً في حرب 1969، استطاعت وسائل الإعلام الفرنسية أن تخلق رأياً عاماً - أو فلنقل على الأقل - أن تُكوّن أو تُشكل رأياً عاماً فرنسياً مؤيداً للمواقف والسياسات الإسرائيلية· وهذا ما لمسناه ولاحظناه أثناء حرب حزيران/ يونيو عام 1967، أو حسب تعبيرالصحفي المصري محمد حسنين هيكل نكسة 76(35)·
 
الواقع يقول، إن الخط الثابت في تعامل الرأي العام الفرنسي مع العرب وإسرائيل، هو مساندته التاريخية والتقليدية للدولة اليهودية· وهذه الحقيقة تتأكد باستمرار، كلما شعر، بأن إسرائيل تواجه خطر الزوال بسبب السلوك العدواني لجيرانها العرب
 
فخلال حرب حزيران / يونيو عام 7691، وفي استطلاع حول سؤال: في حالة وقوع نزاع بين إسرائيل والبلدان العربية مع من تتعاطف؟ كان الجواب كالتالي: إسرائيل 85%، البلدان العربية 2%· وحتى بعد أن دمرت إسرائيل الجيوش العربية واحتلت أراضيها،فإن مشاعر الرأي العام الفرنسي لم تتغير كثيراً كما تدل على ذلك نتائج الاستطلاع التالي: المساندون لإسرائيل 65%، أما البلدان العربية 2%· وحول سؤال من المسئول عن الحرب كان الجواب كالتالي: إسرائيل 6%، البلدان العربية 45% (36)·
 
وقد استمر هذا الدعم المادي والمعنوي لإسرائيل، من خلال الرأي العام الفرنسي في حرب أكتوبر 1973، حيث عبر 55% من الفرنسيين عن عدم ارتياحهم، وعدم مشاطرتهم لموقف حكومة بلادهم - المتوازن والحيادي إلى حد ما - إزاء الشرق الأوسط، في مقابل30% فقط أعلنوا عن مساندتهم لهذه السياسة(37)·
 
وفي عام 1982، وعلى الرغم من غزو إسرائيل للبنان، وتورطها في مذابح صبرا وشاتيلا ضد الفلسطينيين، فإن استطلاعاً للرأي العام، أثبت أن 73 %بالمائة من المستجوبين عبروا عن استمرار تعاطفهم العميق مع إسرائيل، في حين لم يتجاوب مع مطامح الشعبالفلسطيني سوى 12% (38)·
 
أما في حرب الخليج الثانية عام 1991، فقد كانت غالبية الفرنسيين ضد الحرب، وقد عبرت صحيفة ليبراسون Liberation" عن ذلك في عنوان صارخ، لا دم من أجل النفط الأمريكي ولا تضحيات أوروبية من أجل مصالح أمريكية، وقد أظهرت مراكز دراساتاستطلاعات الرأي العام ن 29% من الفرنسيين يعارضون الحرب(39)· ولكن قبل اسبوع من بداية المعارك، خرج الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران ليقول وبصراحة وبالحرف الواحد :
 
بعد الحرب، سيكون هناك اقتسام جديد للمصالح ثم ذكر الرأي العام الفرنسي برفض العراق للدور الفرنسي والأوروبي في حل الأزمة، وأكد أن الكويت عضو في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية؛ قبل أن يعرج على الحرب العالمية الثانية، ويشرح كيف نشبت بسبب تقصير أوروبا في وضع حد لهتلر بعد دخوله إلى تشيكوسلوفاكيا· عند هذا الحد أعلن الرئيس الفرنسي أن حرباً عالمية ثالثة قد تنشب، إذا ما سكت العالم عن استيلاء العراق على الكويت، ويصبح صدام أكبر مالك للنفط واحتياطاته(40)·
Page 9
انطلاقاً من هذه الحجج:تقاسم المصالح الذي سيلي الحرب، وضرورة منع دكتاتور من العالم الثالث، وهو فوق ذلك عربي ومسلم، من امتلاك إمكانات قد تساعده على التدخل في تغيير نمط حياة الغرب، بدأت حملة على العراق - وعلى العرب عموماً - تغذت من دلالات ومعارف ثاوية في موروث شعوري تاريخي الطابع، تكون في أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً قبل الحروب الصليبية وفيها، وتطور مع الخروج الأوروبي من العالم العربي·
 
ان هذه الدلالات والمعارف الثاوية، تعبر عنه جملة أحكام مسبقة ومشاعر معادية حيال العربي / المسلم، فهي ترى فيه كياناً مجبولاً بنار حقد عنصري ديني أعمى على الآخر، وعلى من ليس عربياً ومسلماً، تاريخه هو تاريخ تحينه فرص الغدر بغيره، لذا تنتفي منه الأعمال المفيدة للبشر ويزخر بالشر (41)·
 
ومع تصاعد وتيرة الحملة السياسية والإعلامية ضد العراق والعرب، بدا للعيان أن الرأي العام - المعارض للحرب بنسبة 29% في البداية - مستعد لسفك الدم الفرنسي من أجل النفط الأمريكي!·
 
إن التحول والتغير المفاجئ للرأي العام الفرنسي يثبت ويؤكد ما قلناه سابقاً، وهو أن وسائل الإعلام بكافة أنواعها، كـانت - ومازالت وحسب الظروف والتطورات السياسية - تخاطب الضمير النائم في الذاكرة التاريخية La mémoire historique" للفرنسي· وهي ذاكرة مليئة بالصور القاتمة، المرعبة، والسلبية· وهكذا، كان لا بد - أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 - من ربط التاريخ بالحاضر، والشرق بالغرب، والإسلام بالمسيحية، فقيلت ورددت أفكار قديمة، مغلفة بعناوين إعلامية جديدة حديثة ذات مغزى سياسي،مثل: جزار بغداد، خليفة بغداد الجديد، و بختنصر (42)·
 
وهنا، يبرز سؤال مهم جداً حول علاقة الرأي العام والديموقراطية، وهو: ما الذي جعل انقلاب الرأي العام ممكنناً في دولة ديموقراطية مثل فرنسا، يقال فيها إن السياسة تتعين بالإرادة العامة للمواطنين، كما حددها جان جاك روسو؟
 
وكيف يمكن لحفنة من الساسة أن تنجح خلال فترة وجيزة جداً - أقل من ثلاثة أشهر - في قلب عقول غالبية شعب متحضر ومشاعره، وفي تحويله من مؤيد متحمس للسلام إلى متحمس للحرب؟ وما معنى ديموقراطية الشعب للشعب وبالشعب، إذا كان يمكن لقلة صياغة وعي مجتمع حسب الظروف والمصالح السياسية(43)·
 
لقد أثارت المعالجة الإعلامية - المطبوعة منها أو المرئية - لحرب الخليج الثانية، العديد من التساؤلات والطروحات، حول دور الصحفي ومهمته، وهل هومجرد شاهد فقط، un temoin" كما يقول البعض أم أنه فاعل سياسي، un acteur" أو مشارك في العملالديبلوماسي (44)·
 
وكتأكيد على الدور الفعال والمهم الذي قام به الإعلام، قبل وأثناء وبعد الحرب، أطلق البعض على حرب الخليج الثانية، حرب بالصورة Guerre en image"، وبعضهم فضل استخدام مصطلح حرب صور(45) Guerre d' images .
 
وبغض النظر عن النتائج السياسية أو العسكرية التي أسفرت عنها هذه الحرب، وبغض النظر عن طبيعة المعركة الإعلامية وشكلها وصورها وألوانها، فأن الشيء المؤكد والملموس، هو أن الصورة المعطاة مسبقاً وتأثيرها على الرأي العام الفرنسي كان كبيراً وواضحاً - ليس لهذه الحرب فقط - وإنما لصورة العرب ودورهم وتأثيرهم على الساحة الدولية بأسرها مستقبلاً·
 
الواقع أن هذه النتائج والحقائق التي توصل اليها الرأي العام الفرنسي، حول صورة العرب ودورهم على الساحة الدولية، جاءت تؤكد استطلاع الرأي الذي قام به مركز المعلومات والعلاقات العامة في الجيش الفرنسي في سنة 6891 SIRPA) )، والذي أظهر بأن نصفطلاب المرحلة الثانوية الذين يبلغون بين 61-81 عاماً، يعتبرون أن من أهم الأسباب التي قد تؤدي إلى حـــــرب عالميــــة مفاجئـــــــة هي الأصوليــــة، l'integrism 62%، الإرهاب le tertrorisme 22%
 
(46) · وعلى ما يبدو، أن هذه المصطلحات والمفاهيم كانت تشير بشكل أو بآخر إما للعرب أو للمسلمين·
Page 10
ولكي تكتمل الصورة، وتتضح أبعادها، ولكي نكون قريبين من الدقة والموضوعية، يجب الإشارة والتأكيد هنا على أن الموقف الفرنسي، أو بتعبير أصح موقف الرأي العام الفرنسي حول القضايا العربية لم يأتِ من فراغ، وإنما كان هناك - ولا يزال - عدد من العوامل الموضوعية التي ساعدت على خلق وتكوين وتشكيل هذا الموقف وهي:
 
1- العلاقة التاريخية الطويلة بين اليهود والفرنسيين، بداية من الثورة الفرنسية عام 1789، مروراً بعقدة الذنب الناتجة عن قضية الفرد دريفيسAlfred Dreyfus" ( ضابط يهودي فرنسي اتهم بالتعاون والتجسس للألمان، وقد سجن عام 1894، إلا أن القضية أعيدت للمناقشة، تحت ضغط الرأي العام، وتمت تبرئته في 1906)، وصولاً إلى مظاهر اللاسامية ومجازر الغاز النازية في ظل حكم أدولف هتلر (1933-1945)·
 
2- المصير المشترك الذي ربط الفرنسيين والإسرائيليين في خندق واحد عام 1956 في العدوان الثلاثي على مصر·
 
3- سيطرة بنية ثقافية صهيونية، ويسارية (وليست يمينية كما يؤكد ذلك بوقنطار حسان في كتابة السياسة الخارجية الفرنسية إزاء الوطن العربي منذ عام 1967)(47) على دور النشر، ووسائل الإعلام، وهي في مجملها متضامنة مع إسرائيل، ولا تتردد في الدعاية لها، والدفاع عنها· ولا شك، أن القضية الفلسطينية كانت - وما تزال - مرتبطة بالفكر والروح الأوروبية بالمشكلة أو المسألة اليهودية La question Juive "، وقد عبر عن هذه الحقيقة، المفكر والفيلسوف الوجودي جان بول ساتر بالقول:
 
لقد وجدنا أنفسنا ممزقين، بين علاقات صداقة ووفاء متناقضة، لذلك نشهد اليوم، مجابهة بين العالم العري وإسرائيل، وكأنها مجابهة تمزقنا نحن، ولذا نعيش هذا التعارض بينهما، وكأنه مأساتنا الخاصة (48)·
 
4- وهذا ما يهمنا في دراستنا بشكل مباشر ، فعلى نقيض القوالب الإيجابية السابقة الجاهزة التي صنعها الرأي العام لإسرائيل، فإن صورة العرب في فرنسا مشوهة، ومغلفة بالحقد والكراهية والتعالي، فالذاكرة الفرنسية في استرجاعها للعرب لا تنسلخ عن القيم الاستعمارية الغابرة: التقدم / الانحطاط - التحضر / التخلف - الرقي / الهمجية· والفرنسي العادي لا ينظر إلى الإنسان العربي خارج نموذجين:
 
النموذج الأول: مهاجر ينتمي إلى عالم متخلف، رحل إلى فرنسا، حاملاً معه تراثه وقيمه البالية، وغير قادر على الاندماج في المجتمع الفرنسي المتحضر، وأصبح في خضم الأزمة الاقتصادية، بمثابة المتهم الذي سرق عمل الفرنسيين، وعمق من المشاكل الاجتماعية التي تعيشها البلاد من بطالة وجريمة·
 
أما النموذج الثاني: فيتمثل في الشيخ القادم من الصحراء، والذي يملك آباراً نفطية ومثقلاً بالدولارات، ينفق بدون حساب من أجل إشباع رغباته، ولا يتردد في رفع أسعار النفط لخنق الاقتصاد الغربي(49)·