Page 1
لو كان الحب حبا!
لو كان الحب جنوناً مؤقتاً فحسب ! بيد أنه الذات! إنه (أنا) عائشة وحياتها الأرضية القصيرة الموهوبة - بلا ثمن - لمن لا يريدها! هل بإمكان حادث صغير أن يجردها من حياتها التي كانت تعيشها حتى الآن ؟ ماذا يعني أن صالح بن أحمد لم يلحظ وجودها وجحدها تماما منذ قليل، عندما التقيا بعد سنين من الفراق والعذاب ؟
قد لا ترتبط الوقائع بالأفكار المجردة في رؤوسنا - وهذا يحدث كثيراً - ولكننا نعيش الاثنين معا (الأحداث وأفكارنا عنها) وعندما تنفصل أفكارنا عما نعيشه فإننا نحتفظ بأفكارنا غير القابلة للممارسة أو التطبيق في أقصى أعماقنا إنها تصبح عندئذ حياتنا الأخرى التي نعيشها بالخفاء، وباستقلالية عما نكونه أمام الناس، كما لو كان بإمكاننا أن نعيشها بالأصالة، ونعيش الحياة الظاهرية بالوكالة· نواصل الإشاحة بوجوهنا عن كل تلك الإشكاليات التي تفرزها حياتان منفصلتان، وكأنما لا تلزمنا نتائجهما المتناقضة، في شيء! وبقدر ما يبدو الأمر منطقيا يظهر كذلك خاليا من أي منطق·· ولكنه يستمر ويستمر!
وعلى خلاف الأشخاص الذين تكون حياتهم نسخة باهتة عن أفكارهم - لسبب أو آخر - فإن قناعاتها الجامدة تمثل مادة أصيلة من حياتها المتطابقة بصورة مزعجة وبغيضة مع أفكارها الجوفاء·
لا تكمن - في أحيان كثيرة - خطورة الوقائع وأهميتها في منشئها أو طبيعتها، بل تستمد أهميتها من خلال ارتباطها بوقائع أخرى غير ظاهرة على سطح الوعي أو الأحداث·
نظرا لطبيعة عائشة ومدى تأثير الاحداث التي تعاقبت على حياتها المتواضعة قامت عائشة اضطرارياً بتنضيدها عشوائياً وبراجماتياً في داخلها، بطريقة متراكمة واعتباطية نوعا ما·
ليس هناك ثمة أفكار أساسية في فلسفة عائشة، إنها فقط (قائمة) من الانفعالات الحبيسة والرغبات المكفوفة، ولذلك لا معنى للسعي لمناقشتها!
إن توضيح ذلك قمين بإزالة أي سوء فهم بحقيقة موقفها من نفسها، ومن عالمها الصغير أو تصوراتها بخصوص الحب الخالد، وغاية الحياة وفلسفة الوجود·
ذلك يعيدنا لصورة فكرة الزواج عند عائشة، فالصورة التي تمثلت لها - لسنوات عديدة - أنها أصبحت تتبع رجلاً يدعى زوجاً، وقد انتزعها من حياتها المفترضة إلى حياة مفروضة عليها! من الضروري أن نعرف بأن أمها أخبرتها بأن ذلك قدرها وقدر كل النساء؛ أن يكنّ تحت الرجال، وأن يصبرن، وأن الله سيعوضها خيرا عن صبرها! بدت العبارة غامضة ومبالغاً فيها، إلا أن أمها كانت صادقة، فقد أدركت عائشة عدة تعويضات، في الواقع حصلت على تعويضات أكثر مما حصلت عليه كل النسوة مجتمعات في حي المرقاب· فهل اقتنعت عائشة ؟ هل ارتضت كرامتها بالثمن المدفوع ؟
في تلك الفترة التي عاشتها في بيت حماتها لم تحاول عائشة أن تنسى صالحا، بل لم يكن لديها غير صالح لكي تتشبث بذكراه وتجعله حائلا بينها وبين الناس، بينها وبين واقعها الأجرد المتكلس· في تلك الأوقات العجاف الطويلة الممدودة كحبال من مسد، انبثقت كل ذكرياتها مع صالح لتملأ كل الثقوب والفراغات والحفر في تفاصيل حياتها الفارغة في البيت الكبير· استبدلت عائشة حياتها اليومية بحياة خفية لنشاط خلاق واعٍ تمارسه - بسرية وتعمد- لكي تحافظ على توازنها النفسي، ولكي تسمو على كل منغصات يومياتها العبثية، وتواجه العالم كل يوم بقناعها الثابت؛ وجه ودود وقانع ومؤمن· لم تشعر عائشة بأنها حالة استثنائية بل أدركت مبكراً بأنها جزء اعتباطي مكمل لسائر أجزاء المشهد الاجتماعي الصغير· لكل شخص منا قناعه الملحق بطقم أقنعة الجماعة من حوله· أما التفرد المسموح به في ذلك الجسد الجماعي المقنّع فإنه أن تلتزم بقناعك بشكل أبدي، ولا تعتزل طقوس جماعتك، ولا تتمايز عنها لكيلا تُفقدها تماسكها؛ إذ يجب على الفرد أن يحتذي خطى من سبقه ويحترم ناموسهم، ولو بشكل مصطنع (على أن يكون اصطناعا متقنا)، وهذه هي صيرورة الفرد المطلوبة والمسموح بها حقا· يجب ان نعترف (ما دمنا مضطرين إلى ذلك على كل حال) أن الفرد قد يضحي بالكثير من مخزونه الإنساني لكي يحتفظ في النهاية بصورة مثالية عن نفسه، وسط المجموع النسقي المتماثل· بالرغم من أن الجزء الأول من المقدمة يتناقض مع الجزء الآخر؛ فإن ذلك ما يحدث بالفعل باستمرار· لقد كبرت حساسية عائشة وتضخم وعيها بنفسها، بقدر ما أرادت الانخراط في لحمة المجموع وسداها· يكبر خيال عائشة وتتراكم طبقات اللاوعي حول وعيها، وتتكثف الصور وتخيم عتمة على جانب من الصورة، وتعيش عائشة في الجانب الآخر (المشرق أمام الناس)· تغرق عائشة نفسها بشكل كامل في فلسفة وهمية، وتصورات بائسة مكذوبة، تصونها من غدر وقائع يومياتها الفظة·
Page 2
لا تقوم عائشة بتحوير الأحداث وإعادة تفسيرها فحسب، بل بإمكانها أن تلغي تلك الرغبات التي تطاردها أو تجمدها وتزيحها كلية، وتجعل من وعيها لغواً لا طائل منه تقتات عليه، ولكن لا يقودها - بطبيعة الحال - إلى شيء آخر! لا تسعى عائشة إلى شيء آخر! لا تسعى إلى بناء معرفة جديدة عن عالمها: بل تقوم ببساطة بإعادة تشكيل قناعاتها بشكل نكوصي لتقبل بما لم تكن لتقبله أبدا·
هناك شيء لم تستطع عائشة التخلص من وطأته؛ إنه هاجس المراقبة والتجسس عليها، وعزز ذلك من مخاوفها من المجهول، واستفحل شعورها بانعدام الأمن حولها· لم يثر ذلك في نفسها ازدراءً لطبع جابر بن سالم بقدر ما أفقدها ثقتها في نفسها وكبلها تماما! لم ترد عائشة أن تمنح شكوك (بو سالم) فرصة الانتصار يوما، ولن تعطيه أي خيط للاشتباه أو اصطياد مستمسك ضدها! ستكون - إذن - المرأة المثالية الكاملة التي لا يستحقها (بو سالم) ولا يصل (مواصيلها·· أبدا)·
يجمل بكل امراة أن تخشى تجسس زوجها عليها· وأي امراة لا تخشى ذلك ؟ يخطىء الرجال في المجتمعات الأبوية عندما يطمئنون إلى حريمهم ويرخون الحبل على الغارب، بيد أنهم لا يفعلون ذلك! إنهم لا يركنون إلى الثقة العمياء في النساء لان الرجال أنفسهم يعيشون حياة مزدوجة، ويستخدمون الأقنعة المستعارة التي يحبذ المجتمع سيرتها ويوفر إمكاناتها وينتج دواعيها ويحرس اسرارها وطقوسها، وعندما يخالف الفرد تلك النواميس المرعية يخرج بذلك على شريعة الجماعة، ويكون معرضا للنبذ أو الطرد·
بعد حادثة بيروت، اضطرت عائشة إلى إجراء عملية جرد لأوهامها التي ازدهرت سنين، وأثارت حماستها وألهبت مشاعرها في حبها الخالص لذكرى صالح بن أحمد، وسوف تقوم الآن بتحويلها عكسيا - باسم الحب - إلى ضد الحب نفسه·
تجد نفسها أكثر ضموراً ومحدوديةً ولكن - ياللمفارقة- أكثر عقلانية فها هي تعترف بأن (حبها) غير خالد! لقد أضحى قصة منتهية عندما قدرت له تلك النهاية غير المتوقعة! إنه مخرج لإنهاء التعاسة الجزئية وتحويلها إلى تعاسة كلية أبدية· إنه التحرر من الوهم الذي يحيطنا ويجعلنا لا ندري ماذا نفعل بحريتنا، إلا أن نرميها عبثا في وجه أخطائنا المتكررة· أن تتحرر عائشة من عقدة صالح معناه أن تحملق في الفراغ من جديد، أن تتلفت حواليها فلا تجد إلا العماء، وتبتهج بالعبث لكنها سوف تتحرر - في المقابل - من أخطائها! يا لها من فكرة مروعة: أن تقايض الحرية مقابل السعادة! يجب ألا نطالب أبداً من التحرر من أوهامنا حتى تلك التي تُعد أشدها غرابة وسخافة·
متى تخطت عائشة صالحاً ؟ لم يعد يمثل صالح لعائشة الشيء نفسه منذ مدة طويلة قبل حادثة بيروت بكثير دون أن تجرؤ أو تكون مستعدة لمواجهة ذلك الاحتمال فقد كان صالح توأما لأفكارها منذ وعت التفكير والحلم·· والحب·
Page 3
ماذا عرفت عائشة من الحب ؟
وقعت عائشة تحت رحمة حب حماتها لسنوات عديدة· لبثت أسيرة في بيت أهل جابر موديلا معروضا في فاترينة· كان عليها أن تتزين كل يوم وتجلس في مقعد النسوان، دون ان تتفوه إلا بأقل ما يمكن من الكلام، ردا على من يخاطبها! تباهت بها حماتها واحتفت بها أيما احتفاء· أصبحت عائشة مضطرة إلى ملازمتها أوقاتاً معينة يوميا، وكانت تصحبها معها· شغفت بها حماتها تماما، وكانت امرأة متطرفة في انفعالاتها تبالغ في تدليلها، ولا تني تسال عنها ولا تكاد تستغني عنها، لكنها لن تتورع عن انتقادها بجفاء وغلظة أمام الناس لأتفه الأسباب· كل ذلك الحب وكل تلك العناية البالغة كانت مدفوعة الثمن· لم تملك عائشة أن تستهجن طبع الحماة ولا أن تبتعد عنها، ولا حتى أن تظهر لها أي مشاعر سوى الطاعة والانصياع؛ لأنها مالكة البيت ومن فيه، ولأن وضعها كان يخوّلها أن تكون على ما هي عليه، وعلى الآخرين أن يحبوها كما هي، فهي من يمنح ويقسم ويوزع الارزاق والعطايا، وهي من ترتب الأولويات وتنظم الحياة والحقوق؛ إنه نظام الحياة وهذا هو دور الحماة· عندما بكت عائشة أمام جابر سألها وألحف في السؤال ثم انتفض مستغربا: تبكين من أمي ؟ أمي تدور راحتك! أمي تخاصمني من أجلك اذا سهرت بره وتركتك! انت مخبولة ؟
اذن كان عليها أن تقبل بذلك النوع من الحب المهين! وعليها أن تمتن لمانحيه وإلا فإنها ستكون مسخا في وسط يتعايش أفراده ويتصالحون على نظام الحقوق والواجبات غير المكتوبة· وبغض النظر عن ضيق مساحة التنفس الشخصي فإن عائشة كانت أميرة في البيت الكبير منذ أن حلت فيه! حتى اخوات جابر صرن يسارعن إلى إهدائها وإقامة الولائم المتتابعة في بيوتهن تكريما لزوجة جابر ومدللة الحماة·
تشرد عائشة بعيدا! تترك كل ما يواجهها في تلك الساحة وتهوم بعيدا مثلوجة القلب واليدين الفارغتين!! مسندة الظهر إلى ذلك الجدار العالي تنتظر أن ينشق ويفتح لها كوة في جدار الصمت؛ لتستأنف حياتها الطبيعية، ولكن الجدران تقترب وتعلو وتزداد عائشة تقزماً وذوباناً !
كان زوجها شيئا من الأشياء التي وقعت واستمرت في حياتها، أما صالح فهو الحلم الذي بقي على مسافة ثابتة بين الإمكان والمستحيل، يعني بعبارة أخرى؛ الإمكانية التي يجب ألا تقع·
صالح موجود أمامها الآن وكأنها في سينما أمام شاشة عرض يكر شريطها الأملس غير المؤذي على حائط، وما دام لن يخرج صالح من الحائط ولن يقترب منها فهي إذا بمأمن من اختلاط الزمانين والمكانين· ومع ذلك فإنها تشاطر صالحاً الموقف الذي أوقف عنده الزمن منذ عشرين سنة خلت من عمرها، وعمر صالح، وعمر المرقاب· لم توجد قط في مكان يضمها مع صالح! وتراه الآن وجها لوجه وإن لم يتعرف إليها؛ فإنها كانت تستطيع الاقتراب منه، ولكنها لم تعرف ماذا ستقول له! ماذا بقي لهما بعد كل تلك السنوات؟
Page 4
عاد السائق أدراجه متوتراً، فكر في إخبار (بو سالم) بالأمر ولكنه تراجع لما يعلمه من حدة طبعه، وظل يترقب ظهور عائشة لكي يقلها بعيدا عن ذلك المكان الذي انقلب فجاة إلى مكان خطر· بدأ رجال الدرك يتوافدون ويسدون البوابة، وطارد بعضهم شبابا اندفعوا وتراكضوا باتجاهات متفرقة لتضليلهم· لقد كان بو سالم يحييه بنفحات طيبة عندما يجتهد في تقديم تقريره عن تحركات المدام، ومن قابلت، وأين نزلت، ومع من تناولت طعام الغداء، وكان الأمر يسير بصورة طيبة فالسيدة محتشمة وصويحباتها معدودات، ولا تكاد تغير مشاويرها المعتادة؛ الخياطة سوزي، ومحال الأزياء، وصديقتها فريدا التي كانت مرافقتها ودليلها، وكانت المدام مولعة بالسينما ومكتبة جبوري، وبالحلويات (وغير ذلك السلام وعليكم السلام)·
تعرف عائشة بيروت المصائف والمطاعم والمحال الباهظة، السهرات النسوية العشوائية، والولائم الباذخة، تعرف بيروت الدكاكين والتذكارات والذخائر والصالونات، تعرف رياض الصلح ومطاعم ومقاهي السوليدير، وساحات وسط بيروت التجاري، والروشة والحمراء؛ ولكنها لا تعرف شيئا عن بيروت الأخرى أو عن (بيروتات) الآخرين بل كانت تخشاها؛ تخشى اللصوص والمتطفلين وقارئات الطالع والفقراء والعيون الحاقدة والطامعين والمتملقين والسياسيين، وتكره الزحام لأنها تخشى الضياع·اليوم استسلمت لخداع بيروت، اختطفتها الغفلة، وأكثر ما يروعها الآن في ورطتها كيف ستبرر ما حصل لـ(بو سالم)! ماذا ستقول له ؟
كم مرة تمنت عائشة أن تختفي من العالم! وكانت عندئذ تقوم بتحويل الناس من حولها إلى (لامرئيين)! وتبقى هي موجودة ومتعالية وقاهرة للعالم المعادي، العالم المجهول·
بعد زواجها انتقلت فورا إلى بيت أهل زوجها، لم تعد تزور أهلها إلا لماما، وكانوا يزورونها نادرا! بدا لها أن هناك تواطؤا بين العائلتين للإبقاء على ذلك الوضع· لم تسل عن أخبار صالح حتى لو من طرف خفي، كان ذلك أشبه بالخيانة، وكانت خائفة جدا! لكنها ظلت تخون زوجها طوال الوقت؛ لأن صالحاً ما برح يعيش بينها وبين جابر وعلى الوسادة ذاتها· لولا صالح لما استطاعت أن تستمر في حياتها، ولا أن تعاشر زوجها، ولا أن تخرج من دائرة البرودة المصمتة إلى دائرة الزوجات الكامنات· لقد أسمت مولودها الأول أحمد، ذلك الأمر الوحيد الذي أقدمت عليه باصرار، بعد ولادة متعسرة عصيبة، عندما دخل عليها جابر ممتقع الوجه بعد أن ظن أنه سيفقدها، قالت له:
- سأسميه أحمد·
قال لها بعين دامعة:
- انت تأمرين يا أم أحمد·
بررت له فيما بعد أن أحمد هو اسم عمر الشريف في فيلم تأثرت به· في الحقيقة كان صالح بن أحمد يكنيها بأم أحمد؛ أم ابنه ولكن - للمفارقة- قد غلبت على زوجها كنية (بو سالم)، اسم ابنه التالي الذي سمي كذلك تيمنا باسم جده· كان جابر مولعا بعائشة لاسيما في أول زواجهما، ربما لأنه لم ير من النساء من هي أجمل منها··بعد! لم يكن قد غادر الدوحة إلا لبيروت طالبا، وعرف عددا من النساء، الأمر الذي جعله يتعلق بعائشة العفيفة أم أولاده وبنت بلاده! ربما كان سيمنحها المزيد من الحب لولا وجود أمه وشخصيتها الطاغية في البيت، فضلا عن برود عائشة وانسحابها مهما حاول استمالتها بالتدليل والهدايا! لقد منحها اسم الولد البكر من دون أن يستشير أحدا، كل ذلك لتعلم يقينا بأنه يحبها ولكنها كانت امرأة بلا مشاعر (أي امرأة لن تخونه!) وهذا هو العزاء الوحيد لرجل غيور وزير نساء ·
تعرف عائشة بيروت المصائف والمطاعم والمحال الباهظة، السهرات النسوية العشوائية، والولائم الباذخة، تعرف بيروت الدكاكين والتذكارات والذخائر والصالونات، تعرف رياض الصلح ومطاعم ومقاهي السوليدير، وساحات وسط بيروت التجاري، والروشة والحمراء؛ ولكنها لا تعرف شيئا عن بيروت الأخرى أو عن (بيروتات) الآخرين بل كانت تخشاها؛ تخشى اللصوص والمتطفلين وقارئات الطالع والفقراء والعيون الحاقدة والطامعين والمتملقين والسياسيين، وتكره الزحام لأنها تخشى الضياع·اليوم استسلمت لخداع بيروت، اختطفتها الغفلة، وأكثر ما يروعها الآن في ورطتها كيف ستبرر ما حصل لـ(بو سالم)! ماذا ستقول له ؟
كم مرة تمنت عائشة أن تختفي من العالم! وكانت عندئذ تقوم بتحويل الناس من حولها إلى (لامرئيين)! وتبقى هي موجودة ومتعالية وقاهرة للعالم المعادي، العالم المجهول·
بعد زواجها انتقلت فورا إلى بيت أهل زوجها، لم تعد تزور أهلها إلا لماما، وكانوا يزورونها نادرا! بدا لها أن هناك تواطؤا بين العائلتين للإبقاء على ذلك الوضع· لم تسل عن أخبار صالح حتى لو من طرف خفي، كان ذلك أشبه بالخيانة، وكانت خائفة جدا! لكنها ظلت تخون زوجها طوال الوقت؛ لأن صالحاً ما برح يعيش بينها وبين جابر وعلى الوسادة ذاتها· لولا صالح لما استطاعت أن تستمر في حياتها، ولا أن تعاشر زوجها، ولا أن تخرج من دائرة البرودة المصمتة إلى دائرة الزوجات الكامنات· لقد أسمت مولودها الأول أحمد، ذلك الأمر الوحيد الذي أقدمت عليه باصرار، بعد ولادة متعسرة عصيبة، عندما دخل عليها جابر ممتقع الوجه بعد أن ظن أنه سيفقدها، قالت له:
- سأسميه أحمد·
قال لها بعين دامعة:
- انت تأمرين يا أم أحمد·
بررت له فيما بعد أن أحمد هو اسم عمر الشريف في فيلم تأثرت به· في الحقيقة كان صالح بن أحمد يكنيها بأم أحمد؛ أم ابنه ولكن - للمفارقة- قد غلبت على زوجها كنية (بو سالم)، اسم ابنه التالي الذي سمي كذلك تيمنا باسم جده· كان جابر مولعا بعائشة لاسيما في أول زواجهما، ربما لأنه لم ير من النساء من هي أجمل منها··بعد! لم يكن قد غادر الدوحة إلا لبيروت طالبا، وعرف عددا من النساء، الأمر الذي جعله يتعلق بعائشة العفيفة أم أولاده وبنت بلاده! ربما كان سيمنحها المزيد من الحب لولا وجود أمه وشخصيتها الطاغية في البيت، فضلا عن برود عائشة وانسحابها مهما حاول استمالتها بالتدليل والهدايا! لقد منحها اسم الولد البكر من دون أن يستشير أحدا، كل ذلك لتعلم يقينا بأنه يحبها ولكنها كانت امرأة بلا مشاعر (أي امرأة لن تخونه!) وهذا هو العزاء الوحيد لرجل غيور وزير نساء ·
Page 5
كل ما يعلمه (بو سالم) هو أن عائشة خطبت قبله لاثنين؛ أحدهما ابن الجيران، والآخر ابن خالها، أما ابن الجيران فقد غادر البلاد لفترات طويلة، وأما ابن خالها فلم يُدع قط إلى بيته لوليمة أو مناسبة، بل تجاهله (بو سالم) تماما (كان بوسالم رجلا غيورا بلا شك)، ولكن لم تزعجه الدموع التي كانت تسحها عائشة سحا بلا حساب أمام مشاهد المآسي العاطفية في الأفلام العربية، أو في الروايات التي كان يبتاعها بنفسه أو يوصي عليها من بيروت والقاهرة، لأنه ظن بأن ذلك جدير بأن يحرك فيها بعض الأحاسيس أو قد تستثار بعض الشيء· كان جابر قد حاول اتباع أكثر من وسيلة لقنها إياه أصحابه ممن ابتلوا بزوجات غشيمات وطينتهن ثقيلة كطينة زوجته، ولكنه اضطر في النهاية إلى التقنع بحظه منها، فلا شيء يغير نفسية زوجته وسوداويتها·
لم يشك (بو سالم) في زوجته أم أحمد؛ فقد أخلصت له دائما ولم تدس قط موطن شبهة على حد علمه (وهي تحت بصره وسمعه دائما) لأنه لا يترك مجالا للفرص والحوادث أن تقع! كان يحزنه حتما ويجرح رجولته أن لديها من العواطف ما تبذله سخاءً ودموعاً أمام تلك الأفلام السخيفة، وتمنعه إياها في غرفة نومهما، وقد خطر بباله بلا شك أنها امرأة قادرة على الحب ولكن ليس معه هو بالذات·
حثت عائشة خطاها مسرعة حتى انها لم تنتبه لوقع خطوات مصاحبة مسرعة خلفها وصوت يدعوها: (يا مدام!) حتى حاذاها فالتفت يمينا لترى شابا يناولها نظارتها التي وقعت منها، وحينئذ لم تتمالك نفسها أن استدارت خلفها إلى حيث كان يقف صالح بن أحمد منذ دقيقة مضت، ولكنه لم يعد هناك! ليس ثمة حولها إلا الضجيج الطنان للشعارات التي تتبدد في الهواء ويرددها شباب غاضب، ولكنه ليس مؤمنا بها بشكل كاف! واصلت السير وعندما رفعت رأسها رأت الشوفير الذي بدا أسعد شخص في العالم، وأخذ يلوّح بقبعته المضحكة في الهواء (وقد وجد لها أخيرا استعمالاً مفيداً) وبقربه وقف ابنها أحمد الذي كان ينظر إلى أمه مبهوتاً وممتقعاً·
لم يعد أحمد وأمه إلى البيت بل عرجا إلى المطعم ليتغديا ويتحدثا كما اتفقا سابقا، شعرت عائشة بأنها مضطرة - كما هي عادتها دائما - أن تبرر له كيف دفعت دفعا - على حد تعبيرها- لكي تتصرف على ذلك النحو، وأنها لم تحسن تقدير الأمور، ثم استخدمت كلمات قللت من أهمية ما حدث ·
ومع ذلك قالت لتبين له بأنها خاضت تجربة غير سارة: بيروت لم تعد آمنة يا أحمد! أرادت أن تعبر له عن جانب عام من شعورها ولكن بإبهام وحيادية! قالت له: تمنيت أن أختفي من المكان! أرادت أن تظهر بلا إرادة وبلا قابلية للغواية، لكنها في الحقيقة كانت قادرة أن تجعل من العالم ومن الآخرين غير مرئيين· تمضي عائشة في الحياة من دون إرادتها· تنعقد الأمور من دون استئذانها، وتتوالى كل يومياتها الممسودة كحبل طويل مفتول، يلتف حول عنقها وذراعيها، ومع ذلك فإنها لو خيرت لما وسعها أن تختار حياة سواها!
بدأ الطنين في أذنيها منذئذ· وكان يعاودها ذلك الطنين كلما دخلت في سوداويتها المتفاقمة· كانت عائشة مغتاظة ومخذولة ولكن لم تتسن لها خلوة تذرف فيها دمعة أو دمعتين· تطلعت إلى أحمد الذي كان مشغولا بهمّه الصغير الذي لم يعد سراً! وبينما كانت أمه تتجرع غصص الحب المنسي، كان أحمد قد اختار أسوأ الاوقات ليحكي له عن حبه لفتاة (طيبة بنت ناس) التقاها ويريد أن يتزوج، ويعدها بأن ينتبه لدراسته ·
لم تزل عائشة تفكر: ماذا رأى صالح أمامه ؟ وكيف لم يلحظها وهي واقفة أمامه وقد كانت تنظر إليه بذهول مثير للشفقة! لم يلحظها وهي التي تعلقت نظراتها بمخلصها المزيف! نسيت ابنها ونسيت زوجها، ولم تعش تلك اللحظة إلا بوصفها عائشة بنت المرقاب، وهو صالح بن أحمد! ربما لو دعاها باسمها للجأت إلى الاحتماء به فهي لا تعرف في تلك اللحظة سواه · عاشت حياتها ولمدة عشرين سنة خلت مأساة الحب اليائس، واستطاعت جذوة تلك المأساة أن تبقيها حية وفوق كل أحداث حياتها· تعرف بالطبع بأن صالحا تزوج وأنجب ومضى بحياتها، ولكنها كانت متشبثة بتلك الصلة الروحية التي تربط بين الشتيتين حتى لو (أيقنا بأن لا تلاقيا)، ولكن بعد مواجهة اليوم وجحوده التام! شعرت عائشة بالإهانة لتلك الذكرى! الذكرى صورة داخل برواز! الصورة ثابتة وخالدة، فقد التقطت مرة وإلى الأبد، ولكن عائشة لم تعد تستطيع النظر إلى تلك الصورة بعد أن شرخ الزجاج وتشوهت الصورة من زواياها·
عانى أغلب الناس أوجاع الحب المرفوض وارتجاعاته في ممرات حياتهم، ولكنهم لا يكشفون أوراقهم ولا يواجهون ذلك الألم الأول! لايفعلون لأنهم يحتاجون إلى ضرام وقوده لكي يواصلوا حياتهم وإلا اكتشفوا بأنهم يحيون حياة زائفة·
اليوم استلب منها صالح بن أحمد جناحيها! كاد أن ينتزع منها قوتها على الصمود والاستمرار في حياتها! ولكن الموقف بالإمكان إنقاذه!! لقد خذلها أمام أشخاص لا يعرفونهما ولا يعلمون بأمرها، ولئن كان قد جرح شعورها أيما جرح فإن جراحها قادرة على الالتئام؛ إذ إنها جراح لا وجود لها إلا في ذهنها وضميرها! إن حبها الخالد يخصها وحدها· تستطيع أن تبقيه، وأن تستدعيه، وأن تخفيه، وأن تميته، وأن تحييه حتى صالح بن أحمد نفسه لا يملك أن يخنق حبها أو يلغيه أو يغير فيه! إن صالح بن أحمد ليس موجودا إلا بمقدار ما تحدده! ولا يعني لها أكثر مما تقرره وتحتاجه·
Page 6
لندن الضباب والأغراب
شعرت عائشة في لندن بالارتياح والتحرر من العديد من القيود السخيفة، وكان ابتعادها عن قطر أهم حدث وقع لها منذ ولدت؛ فقد ابتعدت عن كل أحداث حياتها؛ وهكذا فقدت كل الأحداث وزنها وتأثيرها و·· معناها وكأنما ولدت عائشة من جديد· ذات يوم سمعت من إحدى السيدات أن زوجها أخبرها عن اجتماع لمفكرين وكتاب قوميين عرب في لندن، ومن بينهم شخص من قطر، لم يكن ذلك الشخص سوى صالح بن أحمد، ولم يكن الملتقى إلا في فندق في وسط لندن متاخم لمطعم اعتادت عائشة أن تلتقي فيه رفيقاتها· بإمكانها أن تخبر (بوسالم) أنها ستلتقي هناك ببعضهن، وسوف ينزلها السائق أمام المطعم ذاته ثم تخرج بعد هنيهة وتسير مشيا إلى الفندق· كانت عائشة مترددة ومع ذلك تصرفت وكأنها ستحضر حتما ذلك الاجتماع غدا· استعدت لجميع أسئلة (بو سالم) المحتملة، واختارت ما سوف تلبسه (وكان ذلك على أكبر قدر من الأهمية بالتأكيد)، وتخيلت عشرات السيناريوهات لدخولها ولالتقائهما العفوي· ربما تمنت عائشة أن تصبح عضواً ناشطاً في جمعية أو لجنة من لجان تحرير المرأة العربية، كانت ستصبح حينئذ قرينة أو مكافئة لصالح وعالمه الذي ينتمي إليه· بيد أنها لم تخرج في ذلك اليوم من البيت، وقضت سحابته في أسوأ مزاج؛ مستثارة وحانقة، وافتعلت شجاراً مع (بوسالم) حالما وصل مساء لكيلا تنام معه في المكان نفسه·
عاشت في لندن أجمل ايام حياتها· كان زمناً مضطرباً حقا، ولكن تنوعه وتجاربه كانت نقلة نوعية لشخصية عائشة المرقابية التي انتقلت من الدوحة إلى لندن في طفرة كبيرة في حياتها أعادت إليها بعض الحيوية التي لن تتكرر· في أول وصولها إلى لندن انكفأت على نفسها فترة من الزمن، لكن سرعان ما اقتحمت زوجات الدبلوماسيين العرب صدفتها بالقوة ووجدت نفسها في وسط ليال احتفالية وولائم منتظمة، ودعوات لابد من تلبيتها، وصداقات ورفقة لابد منها! أحاطت بها العلاقات التكافلية الاجتماعية العربية الطابع إحاطة السوار بالمعصم؛ كانت علاقات تجري بإلزام وتقاليد لا فكاك منها·
اكتشفت عائشة أن السيدات العربيات يعشن في الغربة بازدواجية كالرجال تماما، وفي تلك الجلسات الحريمية كان الحديث غالبا ما ينحرف إلى الحديث إلى الرجال الأزواج والرجال عموما! من يقول إنه من السهل استجلاء صورة المرأة في الثقافة العربية؛ إنه من المتعذر استجلاء مفهوم الأنوثة عند المرأة، ما دامت المرأة ذاتها غير مستعدة وربما غير راغبة في التعبير حقا عن مكنونها وحقيقتها؛ فقد يقع ذلك غالبا في غير خانة مصلحتها المتوخاة!
عبثا بحثت عائشة عن نفسها في الروايات التي كان يكتبها آنذاك الرجال! (ولكن أي امرأة ستجد نفسها في روايات تكتبها المرأة بإكثار في الوقت الراهن ؟) من منا يبحث في مسألة الأنوثة إلا باعتبارها انعكاساً مقبولاً في النسق القيمي العام المتجذر للمجتمع المتواري وراء مثالية التاريخ والروح الجمعية، ولكنه - في المقابل - يلعب دوراً خفياً في ضمائر أفراده· وجدت عائشة نفسها على مفترق طرق؛ بين طريقين لم تكد تتبينهما، ولم تكن قد اختارت بعد أيهما، ولكنها رضخت طوعيا لشروط الطريق التي سيقت إليها، والتي كان الناس جميعا يتوجهون إليها، في سبيل هناءة شخصية وحياة هادئة· أخذت عائشة تنسج خيوط فلسفتها عن التاريخ والحب والقيم والعالم المفقود، في سبيل بلوغ التصالح مع اللاوعي الجمعي·
Page 7
لو كان الحب جنونا مؤقتا!
بيد أنه الذات! انه (الأنا) لدى عائشة وحياتها الأرضية القصيـرة التافهــة المحوطــة بأسوار جبرية محكمة من العزلة، كل ذلــك يجردهــا مــن السعي للتواصل مع الآخرين! يجب ألا ترتبط بصداقات حميمة، وألا تنجرف إلى تمتين علاقاتها بالغرباء، ويجب ألا تعالن الآخرين بأفكارها (وأن تخلص لها في الوقت نفســـه)·
لم يسع عائشة إلا أن تندمج اجتماعيا مع كل ذلك الخليط من زوجات الدبلوماسيين الخليجيين وبعض العرب، وأن تعيش وسطاً من خليط مريج غريب عنها، ويتحتم عليها أن تبدي حيوية أكبر مما تطيق أو تكون مفطورة عليها· اعتادت بمرور الوقت الخروج مع بعض السيدات إلى مناسبات عديدة، منها عروض الأزياء والاستقبالات وندوات، وحضور مؤتمرات وفعاليات للعمل الخيري! وجدت نفسها تمضي في برنامج يومي متنوع ومختلط، يحوي النزهات والولائم المنتظمة، والواجبات الاجتماعية، والتسوق واستقبال وجوه جديدة تعبر أو تقيم سيان! لأنها دائما وجوه متشابهة واجتماعية وبشوشة بصورة مصطنعة وأبدية· تتشابه النساء في كل مكان، فهن لا يختلفن على أهمية التجمل والاستعراض والتباهي والأحاديث الجانبية (الغيبة وتبادل الإخباريات)، ولا تكاد تتغير الأجندة الحريمية؛ يمنع الكلام في السياسة والنكد والخلافات الزوجية، وممنوع بتاتاً اصطحاب الأزواج والأطفال· استحوذت مربيتان على أولادها الصغار، ولم يعد من همّ لعائشة إلا الالتزام بالبرنامج الاجتماعي النسوي (الدبلوماسي)، حيث يحيا الفرد للجميع وبالأخص نزوات الرفيقات المقربات· تصادقت عائشة في البداية مع حنان! كانت حنان هي من لاحقتها بالاتصال وضرب المواعيد واللقاء على الغداء والتسوق معا· كانت حنان سيدة مصرية متزوجة من قطري يعمل في السفارة القطرية في لندن· تصاحبت المرأتان وترافقتا مراراً لعروض سينما وزيارة متاحف ومعارض فنية، وغامرت عائشة مرة بركوب القطار إلى موقع أثري بعيد، ولكنها لم تستطع أن تحصد متعته بسبب قلقها من أن تتأخر ويفتضح أمرها· كان بوسالم يمتعض من حنان! لم يخف تحفظه على لباسها وتجوالها الحر في لندن! كما كان يجد في كلامها ونظراتها وتصرفاتها وقاحة؛ فهي لم تبد الاحترام الكافي للتقاليد حتى بعد زواجها من قطري! ولم يطل الوقت بـ (بوسالم) حتى ضاق ذرعا بها وحذفها من قائمة علاقات عائشة! شطبها كما تشطب وجبة يزمع إعدادها في قائمة الطعام فقال لعائشة: اتركيها عنك يا ام احمد· لا تدخل بيتنا ولا ترافقيها ! بعدها حرصت عائشة على ألا يقع علم (بوسالم) على أسماء رفيقاتها الضروريات ولو عرضا!! تعرفت عائشة إلى ميثة، فتاة تصغرها بعقد كامل من السنين، وعزت إلى ذلك وحده حيويتها ومرحها الصاخب! فتاة بهية الطلعة يحلو للمرء أن يستمع لسوالفها وحكيها المبعثر، لاسيما إذا كان امرؤ مثل عائشة يفضل رفقة لا تفضح أمر صمته بل تملأ الفراغ بضجيجها· ميثة كانت تأخذ عائشة إلى أماكن مغايرة عن تلك التي اعتادت على ارتيادها وبتغطية مناسبة، فقد كانت ميثة تعاني من التهابات نسوية مزمنة، وتحججت عائشة بمرافقتها إلى مواعيدها الفعلية والمزعومة· لم تسلها عائشة ما سبب تلك الالتهابات السفلية؛ فقد اكتفت بما عبّرت عنه ميثة بمزاح مرير وإنجليزية ركيكة: (وي ار يوزد بيبول)(9)كانتا تغامران بالذهاب إلى حيث تقودهما أقدامهما، بحسب مزاج ميثة ومدى قدرة عائشة على كبح جماح رفيقتها· اشتركتا مرة في مظاهرة عمالية مناهضة لسياسة حكومية·
أمسكت عائشة بذراع ميثة وقالت لها: ولكن ما الأمر ؟
Page 8
ردت ميثة: تعالي بس نجرب! لن تمشي عمرك في مظاهرة غيرها·
وزارتا مرة مزرعة خارج لندن، ركضتا كطفلتين عبر تلال صفر كأنها أمواج من ذهب، لم تر عائشة مثلها قط إلا على شاشة السينما· جرتها ميثة للدخول إلى مكان صاخب فإذا هو ديسكو يعج بالراقصين، تطلعت الاثنتان حواليهما بذهول لبرهة ثم خرجتا بعد دقائق وهما تضحكان· زارتا كاتدرائية ضخمة في وسط لندن! تمشتا تحت المطر· لاحقتا نجما سينمائيا ثم تبين بأنه لم يكن سوى شبيهه! لهوتا في ألعاب الملاهي، وكانت ميثة تصرخ وتخبط رجليها في الهواء، أما عائشة فتكتم خوفها وتنظر بحسد إلى ميثة، ليتها تملك أن تكون على قدر من جنونها وعنادها·· واندفاعها·
والتقت المرأتان ذات يوم بروائي سعودي معروف جالس في مقهى يشرب قهوته ويدخن سيجارة· أصرت ميثة على أن تحييه ولم يسع عائشة أن تمنعها، لأنها بادرت الروائي سميح عبد الرضا بالتحية· كان رجلا نصفا على قدر كبير من الجاذبية، يعتني بأدق تفاصيل مظهره، وكان جالسا لوحده ولكنه بدا مستعداً ومنتظراً ان تحوطه نظرات الإعجاب · وقف ودعاهما إلى الجلوس بكل تهذيب وتلقائية، اعتذرت ميثة لحسن الحظ، وكانت عائشة واقفة خلفها تقريبا ممتقعة ومبهورة بعض الشيء؛ لأن الروائي السعودي لا يني ينحني لكي يخالسها النظر وهو يحدث رفيقتها· قالت له ميثة: يابختك تقول اللي في نفسك! رد عليها سميح: يا ليت ذلك كان صحيحاً! لا أستطيع أن أقول إلا بحساب ومن ورائي رقيب عتيد! بودي ألا أكتب! ولكن الكتابة لعنة ونحن يا سيدتي ملعونون·
سأل سميح عائشة:
- يبدو أن عندك رواية تكتبينها ؟
قالت عائشة بحرج كبير وقد بوغتت:
- لا، لست كاتبة· ثم استأذنت، وتركته يتحدث مع ميثة بمفردهما·
بعد عودتها إلى البيت استعادت عائشة حديثه عن رواياته وكيف استقاها من ذكرياته الأولى في مدينته (الطائف)، وفكرت في سؤاله لها بيد أنها لم تشك للحظة بأن سميح عبد الرضا كان يسأل كل امرأة تقريبا، ذلك السؤال الاستدراجي عندك رواية تكتبينها؟ كأنه يريد القول عندك قصة تريدين أن تحكيها لي؟ ربما ظنت عائشة لوهلة قصيرة أنه استطاع أن يحدس بما في داخلها! لأنها كانت في واقع الأمر تنتظر أن يستوقفها أحد ما، وأن ينظر إلى داخلها! لابد أن لديها رواية تروى، وليتها كانت قادرة على روايتها يوما ما! برغم جموح تلك الفكرة بالنسبة لمرأة منطوية ومتأملة، وهلعة من البوح، فإنها فكرة حامت حول رأسها كغيمة رافقتها بضعة أسابيع ثم انقشعت تماما حالما جاءها اتصال مفاجىء هزّ أعماقها· رن الهاتف وكان على الطرف الآخر ضابط من اسكوتلنديارد أبلغها باستدعاء عاجل، وحدد موعداً الغد دون أن يبدي أسباباً· أعطاها اسمه الذي نسيته حال إغلاقها الخط· لأول وهلة أحست أنها ستقضي اختناقا! لم تجد من تثق به لكي تخبره بالأمر! لا أحد! لا تستطيع اللجوء إلى زوجها برغم يقينها أنها لم ترتكب خطأ ولم تنتهك أي قانون! ظلت تفكر طوال الوقت بعواقب الأمر؛ لو علم إخوتها أو أهلها بأنها مطلوبة في اسكوتلنديارد ولأي سبب ؟ لا تعرف!
Page 9
لم يغمض لها جفن تلك الليلة· ولحسن حظها عاد (بو سالم) إلى البيت متأخراً وخرج باكراً·
دلفت المقر الرئيسي لاسكوتلنديارد وهي لا تصدق ما يحدث لها، وسارت نحو سيدة عجوز تجلس وراء مكتب صغير وهمست عائشة بإنجليزية ركيكة: استدعاء! اتصلوا بي أمس·
قبل أن تجيبها المرأة اقترب منها رجل من الخلف وسألها عن اسمها، ثم طلب منها بحزم أن تجلس قليلا وتنتظر·
لم يطل انتظارها ولكنها أحسته دهراً، ثم ظهر شخص ببزة رسمية مرتبة وطلب منها أن تتبعه، ودلفت إلى حجرة انتظار أخرى مليئة بالنساء، قابلتها وجوه وسحنات مختلفة، سمراوات وحنطاويات، بعضهن بملابس عصرية وبعضهن بأزياء مزركشة من بلاد آسيوية وافريقية، وجلست على مقربة منهن، لاحظت عندما أمعنت النظر أن هناك اطفالا يلهون بجوار أمهاتهن، وكان الحديث يتطاير متقطعا حول مخالفات إقامة وهجرة غير شرعية، وكذلك عن وصفات وأزياء وسلع رخيصة ومستعملة وصبغات شعر، وكلمات هامسة يتبعها قهقهات عالية·
دخلت امرأة بحلة مدنية ولكن رسمية، وطلبت منها أن تتبعها، وارتقتا درجا ومرقتا في ممر على جوانبه أبواب مغلقة، ثم توقفت المرأة وأشارت إليها أن تنتظر، ودلفت إلى الداخل ثم خرجت وفتحت لها الباب لتدخل وغادرت·
كان أمامها ضابط وراء المكتب، بدا شاباً صغيراً يقف إلى جانبه شخص يرتدي بذلة وينظر من النافذة من دون أن يلتفت اليها· وهناك شخص ثالث حيّاها وأخبرها بأنه المترجم·
- تفضلي يا سيدتي·
- لماذا أنا هنا ؟
قالتها عائشة بعصبية وقلة صبر·
- هل تعرفين السيد عبد الرضا؟
- من ؟
وقدم إليها المحقق صورة تجمعها هي وميثة مع سميح عبد الرضا في ذلك المقهى· شحبت عائشة وغامت عيناها، التفتت إلى المترجم:
- كيف ؟ ماذا ؟ ما الذي يحدث ؟
كان التقاط صورة تجمعها بسميح عبد الرضا، برجل غريب، التقته مصادفة، غير أنها تبادلت معه بضع كلمات، كان ذلك دليلاً مادياً على جريمة (لم يتحقق لها أهم الأركان؛ النية على ارتكابها) بيد أنه دليل ثابت على كل حال!
التفت الرجل الآخر ودعا المرأة الضابطة إلى الدخول وحضور التحقيق، كانت مبادرة لتلطيف الجو وتهدئة روع المستجوبة؛ فقد أرادوا أن يُشعروا عائشة بأنهم يراعون شعورها الشرقي·
Page 10
لم يطل الضابط الشاب معاناة عائشة لأن الرجل الآخر التفت إليها وقام بتهدئتها وتوضيح الموقف:
إننا نراقب السيد عبد الرضا ونريد أن نعرف أي معلومات عنه بحوزتك ·
نعلم بأنك تلقيت اتصالين منه بعد ذلك اللقاء في المقهى· تحدثت عائشة بينما كانت المترجم ينقل كلامها، أخبرتهم بكل ما تعرفه طواعية، وأكدت لهما بأنها لا تعرف عنه شيئا غير أنه روائي، ولم تقرأ له حتى أي رواية، وأن رفيقتها ميثة ورطتها في الأمر كله، وسردت لهما ما قاله عبد الرضا في ذلك اللقاء، بالرغم من أنها لم تكن تأبه كثيرا بما يقول، وقالت إنه اتصل بها فعلا ولمرة واحدة فقط ولا تعرف كيف حصل على رقم هاتفها، ربما من رفيقتها الطائشة وكان ذلك من دون علمها· ودار بينها وبينه حديث قصير جدا، وأشار في نهاية الاتصال أنه سيغادر إلى لبنان· ولم تتلق منه أي اتصال آخر! ربما اتصل وهي غير موجودة وهي لا ترحب بأي اتصال منه على كل حال·
وقال لها المحقق: ستأتين إلينا عندما يكون لديك معلومات جديدة؟
هزت رأسها بإيجاب، أرادت أن تكون متعاونة ولكنها لم تكن تفكر بشيء سوى بمغادرة ذلك المكان
- هل أخرج الآن ؟
- بالطبع·
خرجت عائشة من باب المكتب وهي تتوارى خلف نظارة سوداء، وأشاحت لكيلا يراها المارة تبكي، وابتعدت بسرعة عن مكتب اسكتولنديارد وهي تهز رأسها، وكأنما تنفض عنها تلك الواقعة·· وذكراها!
بعد ذلك بسنوات عديدة قرأت عائشة خبراً في موقع إلكتروني (كان قد حلّ حينئذ عصر الإنترنت والفضائيات) أن عبد الرضا كان أحد الضالعين في أحداث الطائف في عام 1994· لم تتساءل ماذا فعل وما مصيره وأين هو! عاودتها ذكرى ذلك اللقاء في لندن لوهلة! هزت رأسها فتبخرت·
في ذلك المساء ذاته نفرت عائشة إلى ملتقى سيدات الدبلوماسيين العرب في شقة أم حنان· كانت الأواني تصطفق في المطبخ، وتتكوم القدور والصواني المغلفة والمغطاة بما حوت، وعلت أصوات السيدات اللاتي ضاقت بهن غرفة المعيشة فالتجأن إلى الرواق ومدخل الشقة، ولم يطل الوقت حتى دخلت سمارة المصرية بحقيبة منتفخة فنثرت ما بها على طاولة زجاجية مستديرة وهي تقول: غلّة اليوم يا جدعان!
وللحظة ساد الهدوء على الوجوه التي وجمت أمام تلك السلع المثيرة: علب صغيرة ملونة، وأقلام كحل، وعلب بودرة، وأقلام روج ثم أطبقت الاصابع على الغنيمة يختبرن هذا ويفحصن ذاك، ويعلقن على هذه ويتندرن على تلك، في خضم من الضحكات والقفشات المتبادلة التي ملأت الشقة الواسعة، وفي حجرة الضيوف صفت على المائدة العريضة المأدبة المنتظرة، التي أسهمت فيها المدعوات بكل حلو ومالح ودسم وحريف ومقلي ومشوي، واندسـت عائشة بينهن في رغبة كاملة في الاندماج، وقد ثمّنت -لأول مرة - تلك الدعة الآمنة التي تعيشها نساء عربيات يحفظن أسرارهن في الصدور، ويتحلين بأزهى لباس وأغلى حلي، ويقبلن على طيبات الحياة (ولا يتورعن عن بعض خبائثها ما دامت سهلة المنال)! تلك حياتها التي ستختارها وتعيشها وتصونها·