Page 1
فرحة لم تكتمل
لا تتذكر شيئاً البتة بما حدث لك· كل ما تستطيع استحضاره الآن هو أنك كنت تقود سيارتك بأسرع ما تستطيع ثم ارتطمت بشيء خرساني صلب ، ولم تحس بشيء بعد ذلك· حتى الألم لم يعد له وجود الآن· وقت تعيشه خارج الزمن·
حالة من الاسترخاء العجيب تسيطر عليك· تفريغ سريع وخارق لكل ما يثقل القلب من متاعب· انقشاع وزوال مذهل لكل ما كان يحجب العقل من جدران وسواتر· خفة عجيبة وانطلاق هادئ نحو الفضاء الواسع بلا قيود·
تنطلق إلى أعالي المكان بسعادة كبيرة· تغض الطرف عما يحدث أسفل المكان· تنظر شزراً نحو الأسفل· صور ضبابية شتى تدور في مخيلتك حول أناس يهرعون إلى جسم ممدد على الأرض دون أن تدرك السر الكبير وراء اندفاعهم نحوه· تنظر إلى الجسم الممدد وتستغرب دقة التشابه بينه وبينك· تسفّه صنيعهم هذا بإيمائة من رأسك ؛ إذ لا سبب واضح يدفعهم إلى مثل هذا الأمر· تتسائل عن سرهم العجيب وتنتظر قليلاً في عليائك لتتابع ما يحدث·
تنظر إلى مجموعة من الرجال البيض يحملون شخصاً يشبهك إلى حد كبير· تتساءل عن وجهتهم وتصر على متابعتهم فتبقى كذلك تراقبهم كما لو كنت فوق طائرة مروحية يحسبونها جامدة وهي تمر مر السحاب فوق رؤوسهم·
تنادي عليهم بأعلى صوتك وأنت تحوم فوق رؤوسهم· لا أحد يسمعك· تضحك من جهلهم بمكانك· تتساءل عن سبب اهتمامهم بهذا الجسد المسجى على السرير· تصرخ في وجوههم ولا أحد يكترث بالأمر· تتضايق قليلاً لكن السعادة الحقيقية التي تحس بها الآن تهوّن عليك كل شيء ، بل إنها تكاد تمسح من ذاكرتك كل ما عرفته ومالم تعرفه·
يدخلون إلى غرفة كبيرة· تدخل معهم وتبقى معلقاً في سقف الغرفة تراقب ما يحدث بابتسامة ساخرة لا تجد لها تفسيراً· لا يضيرك هذا ما دمت تنعم بهذه النعمة الكبيرة التي خلصتك من سلاسل القيد التي أدمت قلبك· تستغرب جهلهم بتواجدك أعلى الغرفة· تنادي أحدهم لتختبر معرفتهم بتواجدك دون جدوى· ترفع صوتك ولا من مجيب· تتضايق قليلاً· لا أحد يدرك أن هناك شخصاً يتحدث·
تجمهر مجموعة من الأشخاص و كوّنوا دائرة حول الجسد الممدد على السرير· كلّ في شغلٍ غافلون· تحاول أن تغادر الغرفة لتنطلق إلى عالمك الفسيح الواسع لكن قوة مجهولة تجبرك على الانتظار· تحاول أن تفهم ما يجري حولك· تنزل قليلاً نحو الأسفل وتحاول أن تربت على كتف أحد هؤلاء المنهمكين دون أن يلتفت إليك· تحاول أن تستفزه بالتحديق في وجهه ولا يكاد ينتبه· تتضايق قليلاً· تركله برجلك على مؤخرته بعنف دون أن يأبه بك· ترتفع إلى أعلى محاولاً الهرب خارج الغرفة من جديد ولا من سبيل· تقف معلقاً ما بين السماء والأرض· تختلط عليك الأمور· مرة تنزل نحو الأسفل ومرة ترتفع إلى الأعلى· حالة من عدم التوازن· تحاول أن تحرك رأسك بقوة لتنفض عنه الغبار الذي علق به· تنزل بسرعة كبيرة نحو الأرض إلى الدرجة التي جعلتك تستلقي فوق الجسد الممدد على السرير· ترتفع مرة أخرى إلى السقف فيصطدم رأسك بالحاجز الإسمنتي دون أن يشعر بك أحد·
تتضايق من تجاهل هؤلاء لك وإعراضهم عنك· يتخاطبون مع بعضهم البعض كما لو كانوا يدبرون شيئاً لهذا الجسد المسجى أمامهم· تتساءل عن سر التناقص التدريجي لحالة الانطلاق الحر التي عشتها للتو· ما هذه المنغصات التي تود أن تحرمك هذا النعيم ؟
ثقل عجيب يتعب كاهلك· تنزل تدريجياً نحو الأسفل· ما بال هؤلاء الأشخاص لا يفقهون حديثاً· أنت ! هل تسمع ؟ تحاول أن تخاطبهم ولا من سبيل· تستقر على الجسد الممدد وتنطبق عليه تماماً دون أن يلحظ أحد ذلك· تعود تلك الكوابيس المزعجة· يملأ الهم قلبك· أحدهم يربط رجليك ببعض القيود· تسمع لغطهم وهم يغادرون المكان· ألم هنا وألم هناك· تفتح عينيك وترى مالا ترغب أن تراه·
Page 2
عندما تتحول الأحلام إلى واقع
دخل رجل يحمل حقيبة ومعه امرأة فندقاً يقع في قلب الرياض· اتجه إلى الاستقبال حيث وضع حقيبته وخلفه المرأة وقال لموظف الاستقبال :
-السلام عليكم·
-عليكم السلام·
-هل لديكم غرف ؟
-نعم ماذا تريد ؟
-أريد غرفة مزدوجة لوسمحت !
-حسناً كم يوماً ستمكث معنا ؟
-ليس طويلاً· نريد الغرفة لبضع ساعات فقط ، لأننا سنذهب إلى المطار حيث سنسافر هذا المساء·
-لكنني مضطر لاحتساب أجرة يوم كامل مهما كان مكوثكما قصيراً· هذا هو القانون·
-لايهم· نحن متعبون ونريد فقط أن ننام·
-هلا أعطيتني إثباتك الشخصي ؟
-نعم تفضل !
-عفواً !نحن بحاجة إلى بطاقة العائلة وليس إلى هذه البطاقة!·
-نعم ، نعم· تفضل !
أخذ موظف الاستقبال يكتب البيانات بينما نظر الرجل إلى المرأة خلفه دون أن يكلما بعضهما البعض·
مشى عامل الفندق أمامهما حاملاً الحقيبة حيث أرشدهما إلى غرفتهما في الدور الثاني·
بعد أن أغلق عامل الفندق باب حجرتهما خلفه ، جلست المرأة على سرير الغرفة المزدوج· نظرت إلى السرير حيث انتشرت على الفراش بعض البقع الداكنة والتي امتدت أيضاً إلى الأريكة وبعض زوايا الغرفة· نزع عقاله وشماغه ووضعهما على الحامل واتجه صوب النافذة وفتح ستائرها· ألقى نظره على الشارع الذي بدا خالياً من المارة· كان الجو في الرياض مكفهراً حيث تلبدت السماء بغيوم سوداء من دون أن تنزل أية قطرة ماء·
Page 3
- هانحن أصبحنا وحيدين·
- نعم· صحيح، ! ردت المرأة·
- ما بك ؟
- لا شيء·
- كيف وأنت تبدين هكذا ؟
-قلت لك لا شيء·
-كل شيء على ما يرام· لن يكون هناك أي خطأ· ثقي بي·
- الأشياء تبدو جميلة متى ما كانت حلماً فقط· ولكنها تنقلب كابوساً عندما تتحول إلى واقع ·
-ماذا تعنين ؟·
- أعني أنه كان يجب أن أكتفي بالأحلام فقط ·
- أية أحلام ؟! اتركيها جانباً ودعينا نستمتع بواقعنا
اقترب منها الرجل وجلس بجانبها على السرير واضعاً يده على كتفيها· ابتعدت المرأة عنه فقامت وجلست على أريكة في زاوية الغرفة ثم قالت:·
أرجوك دعنا نذهب الآن·
- ماذا ؟
- أريد أن أذهب·
- لماذا ؟
- أشعر بالغثيان·
- بعد كل هذا تريدين أن نذهب ؟
- نعم·
- وهل أغضبتك بشيء ما ؟
- لا· ولكني متضايقة ، لا أعرف لماذا ؟
- لا داعي أن نتكلم الآن· فقط عليك الاسترخاء قليلاً وسأطلب شيئاً نشربه·
أخذ سماعة الهاتف ، واتصل بخدمة الغرف طالباً قدحين من الشاي· بقيا صامتين لفترة·
عندما سمعت طرقاً على الباب اختفت في حمام الغرفة بينما قام بفتح الباب وأخذ الشاي من النادل·
Page 4
- بإمكانك أن تخرجي الآن لقد ذهب ·
وضع كأس الشاي أمامها ثم قال : بم تشعرين الآن ؟
- لا أدري·
- ما تشعرين به شيء طبيعي لابد أن تتجاوزيه· يجب أن نكمل طريقنا حتى النهاية من دون أن ندع شيء يعكر صفونا·
- تقصد يعكر صفوك أنت·
- ما يضايقك يضايقني·
- هل هذا صحيح ؟
- وهل لديك شك في ذلك ؟
- لا أدري·
- المهم يجب أن تتيقني تماماً أنني لن أعمل شيئاً قد يسبب مضايقتك والآن هيا ابتسمي وتجاهلي الدنيا قليلاً·
- لا أستطيع· فما أن تتلبسني مثل هذه الحالة يصبح من الصعوبة الفكاك منها·
- ماذا تقصدين ؟
- أقصد أنه يجب أن نذهب الآن·
- لقد كان كل شيء على ما يرام· ما الذي غيرك الآن ؟
- لقد تأخرنا ويجب أن نكون هناك في وقت مبكر·
- صدقيني ، كل شيء يسير كما خططنا له· ما زال الوقت مبكراً· لماذا كل هذا الخوف ؟
- أنا لست خائفة ولكني لا أريد القيام بعمل أي شيء·
- نحن لا نقوم بعمل أي شيء ولكننا نعمل ما يمليه علينا واقعنا·
- أي واقع ؟
- واقع أن نكون أنفسنا دون مراء أو تزييف·
أطرقت المرأة قليلاً من دون أن تنطق بأية كلمة·
أردف الرجل : لنؤجل الحديث في هذا الأمر لوقت لاحق ، فأمامنا أشياء كثيرة سنقوم بها
أسدل الرجل الستارة وأطفأ النور وبدت الغرفة هادئة إلا من صوت قطرات المطر التي بدأت تنهمر بغزارة·
Page 5
العيش خارج الزمن
لقد ضاقت عليك الأرض بما رحبت وضاقت عليك نفسك ولم يعد هناك ما يمكن أن تقبل العيش فيه حتى لو ذهبت إلى أقصى بقاع الدنيا· كيف يمكن أن تتسامح مع نفسك ومازالت تلك الأحرف اللعينة تتراقص في رأسك بشكل مزعج يصعب عليك تحمّله· لقد أدركت الآن أنه لا سبيل إلى الخلاص من هذه المصيبة الكبيرة مهما بذلت جهدك وطاقتك· لقد فات الأوان و خرج الموضوع من يدك ولا من سبيل لإنقاذ نفسك من هذه النهاية البشعة· كما أنه لا توجد أية أعمال سابقة تشفع لك أو قد تخفف عليك هذا الأمر·
تأخذ الورقة وتمعن النظر في الواقف أمامك· لا ترى شيئاً· دوار مفزع· تتمالك نفسك وتستعيد وعيك· تنظر إلى الورقة· تصاب بدوار آخر· يرجع إليك وعيك· تنظر إلى الورقة مرة أخرى· تنتابك حالة من الضيق الشديد كما لم ينتبك أي ضيق من قبل·
لا تتحمل البقاء في هذا المكان البغيض أكثر من ذلك· ترميك خطواتك في عرض الشارع· تتذكر أمّك· تغرورق عيناك بالدموع· تنفجر بكاءً لا يكاد يسمعه أحد· ينتبه إليك أحدهم· يقترب منك لكنك لا تريد أن تقترب أنت من نفسك· يدرك أنك في عالم بعيد لا يمكن الوصول اليه فيجفل منك· تزداد خطواتك هرباً من نفسك فيزداد بكاؤك مرارة·
لا تدري أين تذهب· بل إنه لا يمكن أن يوجد هناك أي مكان على وجه هذه البسيطة يمكن أن تذهب إليه· تقفل راجعاً من حيث أتيت· تنظر إلى اللوحات المضيئة في الشارع وكأنها تبتلعك· لا تدري ما تفعل· تقف حائراً وتترك فرصة لدموعك تنساب بحرارة شديدة· تعبر الشارع· تسمع أصوات إطارات تبكي على الرصيف· يصرخ أحدهم في وجهك· لا تفهم ما يقصد· تنقلك خطواتك إلى حيث لا تعلم·
تجمع نفسك علّك تعي ما يحدث لك· تستصعب الأمر· تجلس على أريكة في الشارع لا يمكن أن تجلس عليها قبل ربع ساعة· تضع يديك على رأسك· تحدق في الأرض طويلا· تحنّ إلى الأرض· ضبابية عينيك تحجب عنك رؤيتها· تغمض عينيك وتبقى هكذا لفترة· وقت تعيشه خارج الزمن·
أما من سبيل لنزع هذه الروح من هذا الجسد ؟ لا تتحمل الجلوس أكثر من ذلك· تقف مرة أخرى· تعاود السير في نفس الاتجاه الذي جئت منه· يتخلى عقلك عن مسؤوليته و يترك الأمرلقدميك تنقلك إلى حيث لا يعلم أحد· تتذكر أمك مرة أخرى· يعاودك البكاء· تتذكر أمكنة كنت تنام وتستيقظ على مرأى منها· يزداد بكاؤك·
تفتح الورقة من جديد· أحرف أربعة لعينة· تبكي· تنظر إلى ركن آخر من الورقة Positive· تذبحك الكلمة· يتوقف بكاؤك· تمشي وتختفي في الزحام·
Page 6
كمين
انفتح الباب· تدخل ويدخل معك آخرون· تأخذ مكانك· تتردد أولاً أين ستقف· لا تدري لماذا تختار ذلك المكان· لا أحد يدري لماذا هذا المكان بالذات· تتمنى أن تكون وحدك هنا· تنظر إلى من حولك· كل في فلك يسبحون· تنظر إلى نفسك من خلال أولئك الذين حولك· هم بدورهم ينظرون إلى أنفسهم من خلالك· أو هكذا خيّل اليك· تعاود النظر إلى نفسك من جديد· تكتشف أنك في المكان الخطأ· تحاول الخروج لكن دون جدوى· الدخول إلى هذا المكان تم باختيارك لكن الخروج منه أمر لا يعود إليك البتّة· كان عليك أن تفكر بالخروج قبل الدخول· عليك أن تنتظر لترى النهاية· نهاية ماذا ؟ أنت لا تدري ولا حتى أولئك الذين من حولك· إذا كنت لا تعرف وجهتك فلماذا دخلت هنا من البداية ؟ رأيت الباب مفتوحاً والناس يدخلون فأسرعت بالدخول ؟ انظر إلى من حولك· كلهم يرغبون في الخروج ولكن هيهات· ذلك أمر لا حول لهم فيه ولا قوة· لا بد أن يكملوا الطريق إلى نهايته· تنظر إلى أعلى· تتضايق و تتأفف· يخيل إليك أن هذا المكان ملكك وحدك أنت· هؤلاء هم مجرد دخلاء احتلوا أمكنتك· لو كنت هنا وحدك لكان المكان كله لك· تتحكم بكل شيء و تتصرف كما تريد· تعود من خيالاتك إلى واقعك الذي يخبرك أنك مجرد كائن رمي به في عرض البر ولا من مخرج· تنتظر النهاية ولا شيء يلوح في الأفق· يعاودك التأفف ولكن هذا هو كل ما تستطيع فعله· يطول انتظارك وتود أن تنفجر لكنك لا تجرؤ على فعل شيء· يصبح صدرك حرجاً ضيقاً كأنما تصّعّد في السماء· تنظر إلى أسفل علك تجمع ما تكسر منك· تحرّك قدمك يمنة ويسرة· تكتشف أن كل من حولك يحرك أقدامه بنفس الطريقة·تتفاجأ برؤية أشلائهم متناثرة على الأرض·
يرعبك المنظر فتتجه بعينيك إلى الأمام· تصطدم بالجدار المغلق فتعود أدراجك· تبحث عن نفسك بين كل هذه الوجوه فلا تجدها· تلهث في البحث عنها في جيبك أو خلف الجدار· لا يبدو أنها في متناول يدك· تيأس و تتركها تضيع في غياهب المكان· تنظر إلى أحدهم وقد انشغل بضبط هندامه· بهرجة من الخارج وخواء من الداخل· يبدو أنه لن يتمكن من استعادة نفسه إلى الأبد· يستعجل الباب أولاً· كأنما هو الوحيد في هذا العالم· ينعكس ذلك على شعورك و انفعالاتك· تتهرب منه إلى آخر· لا شيء يجذبك في هذا المكان· تنتظر بفارغ الصبر انفراج الأزمة ولا من سبيل· تتململ في مكانك· تحرك رأسك هنا و هناك· تضع يدك في جيبك· تتحرك من مكانك قليلاً· صبرك ينفد· تنظر إلى الجدار· ينفتح الباب· يندفع الجميع إلى الخارج حيث المصعد الكبير·