Page 1
1 | الأب
إقتربت الأخت ماريا من الأب يوحنا وهمستْ في أذنه شيئًا. لم ينتبه أحد في الكنيسة، لأنّ الجميعَ كان مُغلقًا عينيه، شابكًا يديه على بطنه، مُلقيًا رأسَه على أعلى صدره، يُصلي في سرِّه مع الأب يوحنا. حين يصلي الأب يوحنا فإنه يتملك كلَّ من يسمعُه. يُسيطرُ على كلِّ الحواس الممكنة عند كلِّ من هُم من أتباعه، ومن هم من غير أتباعه. كان الأب يوحنا يقرأ بصوته الرخيمِ الخلابِ من الكتابِ المُقدسِ الثمينِ الذي اشتراه له الشيخ علي في عيد ميلاده الخامس والثلاثين، قبل سنتين:
"... إن الله نورٌ وليس فيه ظلمة البتة. إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق. ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهّرنا من كل خطية."
لم تستطع الأخت ماريا أن تتقنَ العربية تمامًا، على الرّغم من مِضيِّ عشرين عامًا على تواجدِها في القرية. شارفتِ اليومَ على الثانية والأربعين ولمّا تفقِد من مسحةِ جمالِها الطاغيةِ الكامنةِ من تحت نقابها الأبيضِ الطويلِ المُسترسلِ على جسدِها الملفوف برشاقةٍ، بثوبٍ أسودَ صوفيٍ خشنٍ طويلٍ؛ ولمّا تعرف رجلاً بعد. هكذا قالت للأب يوحنا في واحدٍ من أحاديثهما الشيّقةِ والعميقةِ في الليالي الطويلة المليئة بالوحدةِ والمطرِ وجسدِ المصلوبِ الواقفِ استلقاءً، فوق السرير الخشبيِّ الظلفِ، في القنطش (1) الموحش الذي يمضي فيه الأب يوحنا ليالي وحدته الباردة. لم تعرف رجلاً في حياتها إلا المصلوب على الخشبة، الذي "تحبُّه أكثرَ ممّا يحبُّها هو بنفسه".
لم يغفل الأب يوحنا عن الإشكاليةِ الكبيرةِ في مثلِ هذه الجملة، خاصةً أنها صدرت عن أختٍ مؤمنةٍ ومخلصةٍ، إلا أنه كان يستطيعُ أن يلمسَ في تلك اللحظة مدى تأثر الأخت ماريا وعِظَم أيمانها بما قالت، فأجابها بحنيةٍ، تاركًا الموعظة إلى أجلٍ قادمٍ:
"هو يحبّنا كما نحبّه نحن. كوني متأكدة يا ماريا".
هزّت الأخت ماريا رأسَها بخشوع ونظرت عبر الشّباك الزجاجي المُطلِّ على الليلةِ الماطرةِ السوداءِ وقالت في إستدراكٍ مُثير للشفقة:
"سامحني أيها الرب.."
لم يغفل الأب يوحنا عمّا في هذه الجملة من هلعٍ وحزنٍ، فهو الأدرى من الجميع بذلك، ولكنه صمتَ تاركًا للمطر الجليلي الغزير، الهدوءَ اللازمَ ليعزف "الراكويام" المُحزن اللائق بموت الخريف المعلن على الملأ...
Page 2
"أبوك تعبان جدًا"، قالت الأخت ماريا، في أذن الأب يوحنا.
تظاهر الأب يوحنا بأنه لم يسمعها. كان يتلو ما تيسر من رسالة يوحنا على مسامع أبناء رعيته المخلصين، وكانت شمسُ هذا الأحدِ الدافئ تنجحُ من مرةٍ إلى أخرى في إلقاء سربٍ من أشعتها البيضاء على رؤوس الجالسين الخاشعين، حين تنجحُ حزمة من ريحِ تشرينَ الأولَ الباردةِ في التغلب على الشبابيك الخشبية الكبيرة، التي كانت ترتفع بهدوءٍ من أرضية الكنيسة الى ما قبل السقف بقليل، وتزيحُ الستارةَ الزرقاءَ الداكنة بعضًا من الإزاحة. لم يودّ الأب يوحنا أن يعكّر صفوَ هذا المشهد الرائع، من الطمأنينة والخشوع والقدسية، بالتفكير في والده المُسنّ الذي يودّع سنتَه السبعين بالمرض والألم. حتى الجملة اليونانية التي انسكبت في أذنه اليمنى بدت له غريبةً فجأة، وكأنه لم يتعلم هذه اللغة الشرقية ويحفظها منذ الصغر، ليتنسى له التدرّج في سلم الكهنوت في الكنيسة الأرثوذكسية في الديار المقدسة. بدت له جملة الأخت ماريا بعيدةً وغريبةً وربما فظةً، قياسًا بما كان يشعر به في تلك اللحظة. فتجاهلها.
ترك الأب يوحنا الأخت ماريا تنزل من على المنصة المرتفعة بثلاث درجات عن مسطبة الكنيسة المتواضعة، ولم ينظر إليها وهي تنسحب إلى الخلف لتجلسَ إلى جانبِ الشّيخ علي، الذي كان يجلس في المقعد الأخير في الكنيسة إلى جانب الباب. بعد دقائق فقط رأى الأب يوحنا الشيخ علي جالسًا في مؤخرة الكنيسة، ينظر إليه بهدوء ويبتسم بحزن. بالنسبة للأب يوحنا ولرواد الكنيسة في القرية، لم يكن تواجد الشيخ علي في الكنيسة أيام الآحاد بالأمر المستهجن أو الغريب. كان الشيخ علي يواظب من مرة إلى أخرى على حضور قداس الأحد كله أو بعضه على الأقل، والاستماع إلى كرزةِ الأب يوحنا، التي كانت تجتذبه وتثير لديه العديد من الأفكار، التي كان يحفظها ويطوّرها في عقله إلى حين الملتقى اليومي في مكتبة القرية، مع الأب يوحنا، كل يوم في التاسعة مساءً، حين تخلد القرية للنوم. نظر الأب يوحنا إلى الشيخ علي. رأى أيضًا الأخت ماريا تجلس إلى جانبه وتنظر إليه بحزن هي أيضًا. لم تستطِع الأخت ماريا يومًا أن تخفي مشاعرها. عيناها تفضحانها دائمًا. لم يترك الحزن في عينيها ونظرة الشيخ علي مجالا للشك. حاول الأب يوحنا ألا يفكر بما فهمه في تلك اللحظة، فاستمرّ في كرزته التي أوشك على نهايتها:
"... ويكون أن يأتيكم من الخارج رسولٌ كذابٌ، يحمل البضاعة الزائفة، والكنوز الزائلة، فلا تصدقوه. ولا تعبثوا معه أو يعبث معكم. قولوا إن الله لكم، وأنتم لله، لا تبددوا أيمانكم على الزيف والبهتان، وصلّوا للمسيح الرب، إبن الله، لكي يطيل من جَلَدِكم، وأحبوا بعضكم بعضا، وأحبوا أعداءكم مهما حصل، كما أحبنا المصلوب من أجلنا..."
... حتى الأطفال الذين في الخلف أحسُّوا بتكسّر صوت الأب يوحنا وتهدّجه. لم يبقَ في الكنيسة أحدٌ إلا ورفع رأسَه وأخذ ينظر إلى الأب يوحنا، وهو يصارع دموعَه ويحاول ألا يغصَّ في البكاء. كان بين الفينة والأخرى ينظر إلى الشيخ علي في الخلف، ويزداد انفعاله بعد أن يرى دموع الشيخ وهي تنحدر على لحيته الكثيفة البيضاء، فيرفع عينيه إلى السقف وينظر إلى الرسوم الدينية التي رسمها أحد طلاب الفن من القرية الذي هاجر إلى الخارج. كان يحبُّ أكثرَ ما يحبّ في هذه الرسومات ذلك المقطع في الزاوية البعيدة عند المدخل، الذي يجمع مريم وطفلها وهي تنظر إلى ولدها بحبٍ وبعطفٍ. كانت كلماته الأخيرة تخرج من فمه بصعوبة، ولم يفهم الجمعُ المنذهلُ إلا آخرَ الكلماتِ التي قالها:
".. يا أبتاه في يديكَ أستودع روحي!"
_________________________
(1) القنطش هو بيت الكاهن الذي يكون ملاصقًا للكنيسة عادةً، ويكون من غرفة واحدة على الأغلب، معدة للنوم والعبادة.
Page 3
2 | الابن
لم يستطعِ المطرُ الشديدُ أن يمنع سكان القرية من الخروج عن بكرة أبيهم لتوديع أبي حنا، والد الأب يوحنا. دلف الجمع الغفير من وراء النعش المرفوع على الأكفّ بصمتٍ وخفورٍ. وحتى الأطفال والأولاد الذين ساروا في الخلف، وكانوا يقفزون من مرة إلى أخرى ليمسكوا بغصن من شجرة لوز أو خوخ، فيكسّرونه ويصنعون منه قضيبًا رفيعًا يستخدمونه سلاحًا في ألعابهم الحربجية فيما بعد؛ حتى هم قاموا بذلك بهدوءٍ ومن دون صيحاتِهم العاليةِ المُعتادةِ في مثل هذه الممارسة، خصوصًا حين ينجح أحدهم في كسر غصنٍ كبيرٍ قد يحسم المعركة بينهم فيما بعد، نهائيًا. قد تكون المفارقة هي التي جعلتهم يُمسكُون عن الصراخ، وربما الخوف الكمين الذي لم يبرح يستولي عليهم، من المُخدِّر أبي حنا، حتى وهو في النعش محمولا إلى مثواه الأخير. كان المُخدر (2) أبو حنا كابوسَهم المرعبَ، لأنّه كان يحمي حقولَ وكرومَ القرية من عبثِهم المُدمّر، فكان الكبار يحبونه لإخلاصِه في حمايةِ أملاكِهم، والصغارُ يكرهونه لنفس السبب.
"الدنيا تبكي عليه"، قالت الأخت ماريا لعائشة، زوجة الشيخ علي، التي كانت تسير إلى جانبها في القسم الخلفي من الجنازة، حيث النساء. هزت عائشة رأسها موافقة، ولم تلتفت إلى الأخت ماريا ولو للحظة. كانت تسير وكأنها وحدها، لا تنظر إلى أحدٍ ولا تعير أحدًا أيّ اهتمام- وخاصةً للأخت ماريا. مسحت عائشة الدمع المختلط بماء المطر عن وجهها. من يرى الاثنتين معًا لا يمكنه ألا يعتقد أنهما أختان، على الرغم من ثياب الراهبةِ السوداءِ التي ترتديها ماريا منذ الأزل، والثياب المحتشمة التي ترتديها عائشة منذ أن تاب زوجها الشيخ علي إلى الله و"طلب" منها من دون كلامٍ صريحٍ أن ترتدي الحجاب والثياب الطويلة المحتشمة.
كان الشباب في مقدمة الجنازة يحملون النعش ويتوالون فيما بينهم لئلا يتعبوا بسرعة. في كل الحالات، لم يكن المخدّر أبو حنا ثقيلا في حياته، وعلى الأخص بعد أن دهمَه المرض "العاطل" طيلة السنة الأخيرة. لم يترك المرض عضوًا فيه إلا وضربه: الكليتيْن، الرئتيْن، القلب، البنكرياس، العينيْن. لا أحدَ في القرية يعرف كيف يداوون هذا المرض، ولا أحد يعرف أيضًا أن أحدًا في العالم لا يعرف كيف يداوون هذا المرض. كان الدكتور جورج، طبيب القرية، يكتفي بمتابعة حالة أبي حنا وإيصائه بأكل المسلوق والابتعاد عن الحزن. غنيٌ عن القول إنّ أبي حنا نجح في تنفيذ الوصية الأولى فقط. وقد ردّدتْ مُسنّات القرية في الجهة الخلفية من الجنازة: "الحزن قتله". وإحداهنّ غالت في التعبير عن الحزن الداهم فقالت بصمت لئلا يسمعها أحد: "الله يلعنك يا إم حنا"!! لم يستطع أحد أن يتفادى سماع هذه الجملة، ولم يستطع أحدٌ أيضًا أن يعترض عليها!
Page 4
لم يرضَ الشيخ علي بأن يبدّله أحدٌ في حمل النعش. كان يحمل مقدمة النعش اليسرى على كتفه الأيمن ويمسح دموعه بيده اليسرى. أمامه، في المقدمة، كان الأب يوحنا يسير بهدوء رافع الرأس، ويردد من مرةٍ إلى أخرى:
"الموتُ حقٌ. الموتُ حقٌ."
الطريقُ من بيتِ أبي حنا المخدّر إلى مقبرة النصارى عند سفح "تلة المقابر"، التي تعتليها البلوطة العملاقة، طويلة وملتوية. لو كانت معبّدة وبها أرصفة لكانت تستحق كنية "جادة" بكل تأكيد: "جادة المقابر". ومما زاد من صعوبة الموقف هو المطر الشديد المثابر الذي رافق الجنازة. بعد بضعة مئات من الأمتار لم يعد عزاءُ أنّ "الدنيا تبكي عليه" يخفف من صعوبة الموقف. عند شجرة السنديان الضخمة تجمّع بعض المسنين والمسنات مُتّقين المطر. بعد لحظات رأوا الأب يوحنا يسرع إليهم من المقدمة ويطلب منهم أن يبقوا تحت السنديانة إلى حين انقطاع المطر:
"لا يهمّكم أبدًا. هو يعرف بالتأكيد أنكم معه في جنازته."
عندما وصل الموكب الغفير إلى المقبرة تراجع القوم ليصطفوا من حول "الفستقية" (3) المبنية داخل سياج حديدي يرتفع عن الأرض بتواضع، ومن حوله العشب الأخضر. "هنا يرقد أفراد عائلة سمعان"- كُتب على اللافتة الحديدية الصدئة. حمل الشبان النعش وأدخلوه بحذرٍ إلى داخل الفستقية المتواضعة، واتجه الأب يوحنا فورًا إلى مدخل المقبرة ليتهيّأ لأخذِ الخاطر. في طريقه إلى المدخل أمسك بذراع الشيخ علي الذي كان يقف إلى جانب الفستقية ويقرأ من قرآن حجمه صغير كان في جيبه.
"أريدك أن تقف معي"، قال الأب يوحنا بعينين دامعتين.
نظر الشيخ علي إلى عيني الأب يوحنا وبصعوبة منع نفسه من البكاء. ولكي لا يطيل الموقف سمح للأب يوحنا أن يسحبه من ذراعه برفق وأن يتجها إلى مدخل المقبرة متشابكيْ الذراعين ليقفا هناك مع باقي أفراد العائلة، وليتقبلا العزاءَ من سكان القرية والأقارب والمعارف الذين أتوا من الخارج. كل من قبّل الأب يوحنا على خديه لتعزيته قبّل أيضًا الشيخ علي.
قبل أن ينفضّ الجمعُ نهائيًا، توجه الشيخ علي إلى الفستقية التي حوت للتو نعش أبي حنا وقرأ من قرآنه بضعًا من السور القصيرة، ثم قرأ الفاتحة ومسح وجهه بيديه ثم صمت مُطأطئًا رأسه. وبعد دقائق رفع رأسه وقال بتأثر بالغ:
"الله يرحمك بأعمالك. عندما تصل إلى هناك قل لهم: باسم الله والروح القدس."
Page 5
غريبة هي العلاقة بين المطر وبين الجنازات. ذلك الرابط الخفي العصي على الفهم بين نثر بذور الحياة الجديدة بأمرٍ غامضٍ، وبين اقتطافِ الحياة القديمة، بأمر غامض أيضًا. الأشجار المبتلة المحيطة بالمقبرة، التي ترشح منها نقاط المطر، باضطراب وعشوائية، تفاجئ العديدين من الواقفين تحتها. وقف جمال، إبن الشيخ علي، الذي عاد قبل يومين من جامعة الأزهر في القاهرة، حيث درس الشريعة، وقف تحت شجرة السّرو المُطلة على الفستقيّة وراقب كيف يُدخلون النعش إلى الفستقية. فجأةً وقعت عليه نقطة ماء كبيرة من الشجرة التي ظللته فملأت تجويف عينه اليسرى بالماء. حين مدّ يده لمسح الماء عن وجهه، بادره أحد الرجال الواقفين تحته بـ: "كُلّنا لها". وجد جمال نفسه يتمتم: "الله يرحمه". بالكاد سمعها هو بنفسه. لم يكن جمال يعتقد أن الله سيرحم أبا حنا. فمن غير المعقول أن يرحم الله جلّ جلاله مُشركًا آمن طيلة عمره بأن الله، والعياذ بالله، أنجب ابنًا من آدميةٍ، ثم قام هذا الابن من بين الأموات. أكثر ما آلم جمال في تلك اللحظة أن والده، الشيخ علي، كان يبكي على هذا المشرك الكافر كالطفل الصغير.
خرج الجميع من المقبرة وتوجهوا إلى بيوتهم، قبل أن يتجددَ المطرُ ثانيةً. بقي جمال وحده تحتَ الشجرة. من بعيد كان الناس، من المسلمين والمسيحيين على السواء، يرون الشيخ جمال الصغير، بجلبابه وعمامته البيضاوين، يمسح دموعه وهو واقف تحت شجرة السرو ويطل على والده الشيخ علي وهو يبكي عند مدخل الفستقية. كانوا يرونه ويتمتمون فيما بينهم بكلماتٍ تشي بعُمق تأثرهم من الروابط العميقة التي تربط عائلة الشيخ بعائلة الخوري. لم يعرف أحدٌ أن الشيخَ الشابَ كان يديرُ برأسِه جملة "باسم الله والروح القدس" باكيًا، وهو غير مصدق أن أباه، الشيخ المؤمن، قد انحدر إلى مثل هذا الدرك من مُهادنة الكفار والمُشركين!
______________________________
(2) المخدر بالعامية الجليلية هو حارس كروم وحقول القرية الساهر على أمنها وحمايتها من الغزاة ومن المتطفلين على أنواعهم. وقد اشتهر غالبية المُخدّرين بقسوتهم وغلظة قلوبهم نتيجة حرصهم على حراسة أملاك أهل القرية من الطامعين بها.
(3) الفستقية هي غرفة كبيرة تُقام في مقابر المسيحيين، لاحتواء نعوش الميتين.
Page 6
3 | الكتب
بعد أسبوعٍ كان الأب يوحنا والشيخ علي يجلسان كعادتيهما في كل ليلة في مكتبة القرية. كانت هذه ظاهرة غير عادية أن يكون في القرى في تلك الأزمنة البعيدة مكتبة عمومية. بالكاد كان هناك "طبيب" في القرية، وربما بعضٌ من الذين يعرفون فكّ الحروف وقراءة الرسائل للمختار. لذلك، بدا وجود مكتبة في قرية لا يتجاوز عدد القراء فيها الخمسة أو العشرة في أحسن تقدير، أمرًا باعثًا على الاستهجان بعض الشيء. ولكن الحقيقة كانت غير ذلك تمامًا. فقد كانت إقامة المكتبة جهدًا خاصًا وكبيرًا بذله الأب يوحنا والشيخ علي خلال سنوات طويلة. خلال هذه السنوات بعث الاثنان بمئات الرسائل، كلٌ إلى معارفه والمسؤولين عنه، في البطركية وإلى مفتي الديار المقدسة، وإلى الكثير الكثير من المعارف الأغنياء وغير الاغنياء. كانت كل الرسائل تهيب بالمعارف بأن يتبرعوا بالنقد أو بالكتب القديمة لإقامة مكتبة للقرية لمحو الجهل وتبديد ظلامه، أملاً في إنشاء جيل جديد من القراء والمتعلمين يأخذ بيد الناس في الخروج إلى النور، من غياهب الديجور. بعثا وبعثا وبعثا إلى أن ملّ الناس من رسائلهما، فبدأت الكتب بالوصول.
كان شفيق، صاحب البقالة عند مدخل القرية، أولَ من رأى البغلين الكبيرين المحمّلين برزمات كبيرة من الكتب. بعد أن تيقّن مما تراه عيناه أقفل باب بقالته وهرع إلى الشوارع يصرخ وينادي:
"يا أبونا يوحنا، يا شيخ علي.. وصلت الكتب والبغال!.. وصلت الكتب والبغال!"
بعد أقل من عشر دقائق كان كل رجال القرية عند المدخل يشرئبّون بأعناقهم ليروا البغليْن المُحمّلين بالكتب، وكانت نساء القرية يملأن الشبابيك وبوابات البيوت، والأطفال يروحون ويجيئون أمام الرجال وفي ساحات البيوت ويغنون مُصفقين:
"أهلا بِلِبْغال.. أهلا بِلِبْغال".
وحدهما الشيخ علي والأب يوحنا كانا يقفان في صمت وحيرة وتريّب عند مدخل القرية، وكانت أعصابهما مشدودة جدًا. وحدهما كانا يفكران في هوية المرسل وطبيعة الكتب التي على البغلين ومدى صلاحيتها أصلا. بالنسبة لهما، كانت حمولة البغليْن مصيرية لمشروعهما: إذا كانت الكتب المحمولة ذات قيمة فإن المختار سيقبل بتخصيص التبّان الكبير الذي إلى جانب الصفوف الثلاثة عند البيادر، للمكتبة؛ وإذا لم تكن فإن المشروع سيتبخر. لم يرد إلى باليهما للحظة أن المختار وغالبية القرية لا يفقهون شيئًا في الكتب، ولذلك لم يستطيعا أن يتنبأا بانطلاق صوت المختار وهو قادم على حمارته صوب الجمع، حين صاح:
Page 7
"التبّان وصاحبه في خدمة شيخنا وأبونا"...
بعد هذا التصريح المباشر علت أصوات الرجال بصيحات الفرح والرضا ومن دون أن يخطط أحد لذلك اندلعت دبكة حماسية، وعلت الزغاريد من بيوت القرية، وتعانق الشيخ علي والأب يوحنا وهما يقفان في وسط حلقة الدبكة العفوية، وصوت أبي قاسم القوّال يهزج بحماس وطرب وارتجال:
"ظريف الطول ويا جايب لكتابْ..
عجّل بالبغله عم ييجو الأحبابْ.."
حتى إبراهيم "الاهبل"، مجنون القرية، ركض بلهفة وحماس، جارًا وراءه، بضجيج يصمّ الآذان، علب التنك الفارغة التي كانت يومًا علب عسل ودبس ومربى شهية، وأخذ يرقص مع علبه الضاجة وسط حلقة الدبكة. وللمرة الأولى في حياته لم يسخر منه أحدٌ ولم يطرده أحدٌ ولم ينهره أحدٌ. كان مجيء الكتب التي على البغال بالنسبة لإبراهيم حدثًا مصيريًا في حياته الرتيبة والشاقّة: منذ اللحظة التي لاحظ فيها أن لا أحد يضربه أو ينهره أو يسخر منه، بسبب الكتب، قرر بوعي كامل، وبإدراك عقلاني عميق، أنّ عليه البقاء بجوار هذه الكتب ما حيا. وهذا ما كان.
عاد الشيخ علي بكتاب كبير وجلس إلى الطاولة المُحمّلة بالأوراق والكتب وأقلام الرصاص المَبريّة بدقة. كان الأب يوحنا يقارن بين كتابيْن مفتوحيْن إلى جانب بعضهما البعض، ويشدّ خطًا بقلمه من تحت جملة في الكتاب الأول، ثم يشد خطًا آخر في الكتاب الثاني من تحت نفس الجملة.
"غريب. لا أثر للكلمة التي نبحث عنها. قد تكون حُرّفت في الترجمة والنقل."
"علينا أن نكون حذريْن قبل أن نخرج بهذا الاستنتاج. لا نريد أن نغضب أحدًا."
"هذا صحيح. ولكننا بحاجة إلى الطبعة الأولى المُحقّقة. هذه موجودة في لبنان فقط."
"لديك أصدقاء في لبنان، أليس كذلك؟"
"بالطبع. راعي الكنيسة في صيدا صديقي الحميم. سأكتب له رسالة حول الموضوع."
"جميل. وأنا سأطلب من جمال أن يراسل أصدقاءه وأساتذته في الأزهر. قد يساعدنا ذلك في شيء."
عاد الأب يوحنا بظهره إلى الوراءِ وشدَّ ظهرَه حتى كاد أن يقع إلى الخلف. إبتسم له الشيخ علي:
"أنت تتعب نفسك في الأيام الأخيرة."
Page 8
"كلا، أبدًا. لقد نذرتُ أن أقرأ لأبي الكتاب المقدس كلَّه وفاءً لروحه. سأنتهي من ذلك غدًا بعون الله."
"خيرًا تفعل."
"ألا تفعلون أنتم ذلك بختمة القرآن؟"
"بلى. ولكن تذكر أن الختمة عندنا هي خاتمة الأحزان. عليك أن تقلدنا في هذا أيضًا."
ابتسم الأب يوحنا وأغلق الكتابين بحذر وقام بهما إلى الرفوف المليئة بالكتب وأعادهما إلى مكانيهما. عبر الشباك الصغير المُطلِّ على الطريق الترابية الضيقة المحيطة بالمكتبة، من جهة السفح الملاصق، رأى الشيخ علي الأخت ماريا تنظر إليه بحذر. بادلها النظرة بحذرٍ أكبر ثم أشار لها بيده، فأشارت له واختفت في الظلام.
لم يلحظِ الاثنان إبراهيم "الأهبل"، حارس المكتبة، وهو يدخل بإبريق الشاي الحار، إلا عندما طغت رائحته على المكان. تنهد الاثنان وشَكَرا إبراهيم بحرارة. إبراهيم من جهته إبتسم لهما ونظر إلى السقف العتيق قلقًا وتمتم لنفسه:
"سيء.. سيء.. مطر.."
لم ينتبه الاثنان إلى ما قاله، فقد كانا مُنهمكين بتحريكِ السكر في كوبي الشّاي الحارين.
في الخارج، والأب يوحنا يغلق الباب بالمفتاح الكبير، كان المطر قد توقف والليل أسود مضيء بالنجوم والبدر مكتمل. نظر الاثنان بإعجاب إلى البدر المكتمل والنجوم المضيئة، وبعد أن شدّ الاثنان ياقتي معطفيهما حول رقبتيهما قالا معًا من دون تخطيط:
"ما شاء الله."
إبتسما لبعضهما البعض، وسارا معًا بهدوء.
"إلى أين؟"، سأل الأب يوحنا الشيخَ علي حين رآه يستمر في المشي معه على غير العادة.
"سأزور أبا محمد. قيل لي إنه مريض."
"سآتي معك."
"لا عليك. سنذهب غدًا معًا. أنت تعبان جدًا. إذهب للنوم."
"حسنًا، معك حق. سلّم لي عليه... ربما دخلت لشرب الشاي؟"
"لا، الوقت متأخر.. تصبح على خير."
"تصبح على خير."
Page 9
4 | الروح
كان أكثر ما يحبّه الشيخ علي هو تلك الساعة العذبة بين صلاة الفجر وبين الدفء الأول الصباحيّ المنبعث من الشمس الآخذة في التكامل. هذه الساعة بالنسبة له هي ساعة الخالق. لم يكن يجاهر أمام أحدٍ بما يفكر، وكان يؤنّب نفسه دائمًا على أفكاره هذه، متيقنًا من أنها تحمل من الكفر بعض الشيء. ولكنه لم يكن ليستطيع الامتناع عنها. كان يحلو له أن يعود من الجامع بعد صلاة الفجر وأن يجلس في الحديقة الصغيرة الخضراء أمام بيته الصغير، وأن ينظر إلى الشمس الطالعة. كانت عيناه أحيانًا تغرورقان في الدمع، ويرفّ قلبه من الدهشة لأنه يكون متأكدًا في تلك اللحظة من أنه رأى وجهَ الله في قرص الشمس البرتقالي الناصع. كان يستسلم لدموعه في بعض الأحيان ويبدأ بقراءة الآيات القرآنية التي يحبها أكثر من غيرها، بصوت منخفض:
{ وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
في ذلك الصباح الشتويِّ الدافئِ، جلس الشيخ علي، وهو ساهمٌ في قرص الشمس، ولكنه لم يكن يفكر في وجه الله الذي يحب أن يطل عليه من قرص الشمس. فمع الوقت أقنع نفسه بأن أفكاره هذه لا تنم عن كفرٍ، بل عن أيمان ومحبة عميقين للذات الإلهية، خاصة إذا كان يرى وجه من يحبّهم في القرص البرتقالي المذهل. منذ أن أقنع نفسه بذلك بدأ يقرأ أكثر عن الصوفيين وحبّهم وولعهم بالذات الإلهية. مع الوقت صار حضور الله في قرص الشمس اليانع أمرًا مفروغًا، لأن الله موجودٌ في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ شيءٍ. الله يحبّ كلَّ جميل، وكل جميل من صنع الله. إذن، فشمس الفجر التي أدمن عليها هي التجلي الأكبر لقدرة الله وعظمته.
"صباح الخير"، قال جمال وهو يسحب كرسيَ قشٍ صغيرًا ويجلس إلى جانب والده.
"صباح النور يا ولدي. كيف أصبحت؟"
"الحمد لله."
"الحمد لله."
Page 10
لم يرغب جمال في أن يفسد هذه الساعة على والده الشيخ، فهو يعرف معزته لها. وجمال في الواقع يحب هذه الساعة أيضًا كثيرًا. منذ أن شبّ وغزا الأيمانُ قلبه، درج على مرافقة الشيخ علي إلى الجامع لصلاة الفجر. وعندما كانا يعودان إلى البيت، كان الشيخ علي يجلس في موضعه الدائم ويختلي والشمسَ وحدهما. ولكنه لم ينظر ولو مرةً واحدةً إلى الخلفِ ليرى جمالَ جالسًا على سريره الملاصق لشبّاك غرفته المطل على شمس الفجر ووالده الشيخ. بالنسبة لجمال تحوّل هذا المشهد إلى ملاذِه من عالم الرذائل والسوء، وكان وهو يرى والده، كل صباح، يجلس محدقّا في الشمس الرائعة، يطرب ويجذل للمشهد؛ وقبل أن يسافر إلى القاهرة للدراسة في الأزهر بيوم واحد، تطلع إلى والدِه الشيخ وشمسِه وهو يعلم أنه لن يرى هذا المشهد إلا بعد سنين عديدة، فاغرورقت عيناه وأقسم بينه وبين نفسه، وهو يستعوذ ويحوقل ويطلب المغفرة، أقسم بأن الله لو أراد أن يظهر لإنسانٍ ما على هذه الأرض، لكان اختار هذه اللحظة زمانًا، وقرص هذه الشمس مكانًا، ووالده الشيخ ونيسًا.
"كنتُ أراك دائمًا، كل يوم، وأنت تجلس هنا تستقبل الشمس وحدَك"، قال جمال.
"أعرف. كنت أنا أراك أيضًا وأدعو لك بكل الخير."
بدتِ الدهشة واضحة على وجه جمال، ولكنه لم يرغب في أن يجعل تساؤله ظاهرًا، فصمت. إذن فهو كان يعرف بمراقبتي له كل فجر، فكّر جمال. نظر إلى والده الشيخ علي بتمعن، ولم يُزح نظره عندما التفت إليه الشيخ علي ونظر إليه. بعد برهة قال:
"سأعود إلى الأزهر. ليس لي ما أفعله هنا."
بدا أن الشيخ علي لم يتفاجأ البتة. نظر إلى قرص الشمس وبدا أنه يستمع لأحد ما.
"ولكننا بحاجة إليك. أنا قاربتُ على الشيخوخة ويجب أن تملأ الفراغ من بعدي."
"العمر الطويل يا حاج، لا تقل ذلك."
"الموت حق."
"والحياة حق أيضًا."
"أجل. ومن الأفضل أن يكون لحياتك معنى."
"هذا ما أبغيه فعلا. أريد أن أعرف أكثر وأن أدرك أكثر."