eKtab
EN ع
الإباضية نشأتها وعقائدها
Read free sample

الإباضية نشأتها وعقائدها

by د. محمد حسن مهدي

Page 1
المقدمة
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، سيدنا محمد إمام المتقين ورحمة الله للعالمين، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا أعلام الهدى وأئمة الحق، يهتدى بهديهم، ويقتدى بهم، كما قال ﷺ : «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».
 
وبعد:
 
فلقد كان الناس لما بعث الله تعالى نبيه محمداً ﷺ في ضلال مبين وفي ظلمات دامسة، وكانوا شيعاً وأحزاباً، مختلفين في آرائهم، ومتضاربين في عقائدهم، وكان مبعثه ﷺ بالهدى ودين الحق، ليبين للناس طريق الهداية والمعرفة الحقة والعبادة الصحيحة، بعد أن التبس عليهم الحق، فتاهوا بين وثنية جائرة منتشرة في شبه الجزيرة العربية وغيرها من البلدان، ومجوسية فاجرة في بلاد فارس وما جاورها، ونصرانية محرفة تشرك بالله تعالى، تقول بالتثليث والصلب والفداء، ويهودية مدمرة تقول: عزير ابن الله، بعثه الله رسولاً لإنقاذ البشرية مما تردت فيه من مهاوي الشرك والضلال.
 
وعقيدة الإسلام عقيدة سهلة لا تعقيد فيها ولا غموض، وهي التي توافق الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وتتقبلها العقول النيرة التي لم تتأثر بعوامل التقليد أو العصبية، وإنما هي عقيدة حرة تدفع المرء للبحث والنظر في الكون، ليدرك أن لهذا الكون خالقاً حكيماً قديراً مدبراً، يفعل ما يشاء ويختار، وأنه ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
 
وقد فهم صحابة رسول الله ﷺ ما جاءهم به الإسلام، من عقيدة في يسر وهوادة، فاطمأنوا إليها، ثم اطمأنوا بها، فلا مكان إذن لفلسفة المتفلسفين، ولا كلام المتكلمين، ولم يختلفوا مع رسولهم ﷺ، ولا مع أنفسهم في شيء مما جاء به الإسلام من عقائد، ولكن ما كان عصر الخلفاء الراشدين ينتهي حتى بدأ الخلاف يدب في البيئة الإسلامية، حيث وُجدت الفِرَق وتشعبت وكثُرت وكثُر معها النزاع والشقاق والتفرق والاختلاف، كل فرقة تجادل الأخرى، وتتأول كتاب الله بما يؤيد رأيها، ويضعون الأحاديث المكذوبة التي تؤيد مدعاهم.
 
فقد دخل في الإسلام قوم خلصت قلوبهم من أدران التقليد والعصبية، وصفت نفوسهم لما يدعوهم إليه رسول الإيمان ﷺ، فعضوا على ذلك بالنواجذ، واستمسكوا منه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وكرهوا الشرك وما كان يعبد آباؤهم ورأوا رسول الله ﷺ وصحبوه، فأحبوه فوق ما يحبون آباءهم وأبناءهم، وآثروه على أنفسهم وأموالهم.
 
وبجانب هؤلاء الذين صفت نفوسهم لنبيهم ﷺ ، نجد هناك أصنافاً آخرين من الناس، أولهم صنف من العرب، دخل في الإسلام تقليداً لقومهم، حين جاء نصر الله والفتح، وهؤلاء لم تسعد أعينهم برؤية صاحب الرسالة ﷺ ولا انشرحت صدورهم بسماع تعاليمه منه، ولا صفت قلوبهم من آثار جاهليتهم، فأصبح عندهم انتصار الدعوة الإسلامية وعدمها سواء.
 
وثانيهم: صنف من عامة أهل الأديان الأخرى، دخلوا في هذا الدين أيام الفتوح التي أخضعت الدولتين الكبيرتين، اليونانية والفارسية، فراراً من حكم الإسلام على من يبقى على دينه منهم، وهؤلاء لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، ولم تقتلع جذور الحقد والضغينة من قلوبهم، بل هم يميلون إلى دينهم القديم، ويتمنون أن يعودوا إليه.
 
وثالثهم: صنف من دهاة أهل الأديان الأخرى، وعلى الأخص اليهودية والمجوسية، تظاهروا بالدخول في الدين الجديد، وهم يضمرون في أنفسهم الكيد والحقد، ويتحينون الفرصة للانقضاض على هذا الدين الذي بسط سلطانه على رقعة الأرض المعروفة يومذاك. فأخذوا يلبسون للناس ملابس الصلاح والتقوى تارة، ويتظاهرون بالحرص على تعاليم الدين ومحبة النبي ﷺ وآل بيته تارة أخرى، يضاف إلى هذا، أنهم أخذوا ينفثون سمومهم، فيؤولون في تعاليم الشريعة، ويدخلون فيها ما ليس منها، وقد أثاروا الجمهور من الناس، وبعثوا في نفوسهم الحماس لما يدعونهم إليه، وهذا فيما نرى هو السبب في الفرقة التي حدثت في الإسلام، وهو غض طري لم يكتمل عليه قرن واحد.
 
وقد أخبر النبي ﷺ عن هذا التفرق في الحديث الذي رواه أبو هريرة  حيث قال: قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»(1). والحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص، عنه ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة». قالوا: يا رسول الله، وما الملة التي تتغلب؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»(2). وفي رواية: «ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»(3).
Page 2
فإن هذه الفرقة الناجية، تتنازعها وتدعيها كل الفِرَق، بل تحاول بوسيلة أو بأخرى أن تفرض رأيها على غيرها، وذلك كله على الرغم من أن نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، وآثار السلف الصالح تدعو إلى اتباع الطريق المستقيم، ونبذ الطرق الملتوية، فعن ابن مسعود  قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً. وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:153]»(4).
 
وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ [آل عمران:103]، وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿31﴾مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿32﴾﴾ [الروم:31-32]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:59].
 
وقوله ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»(5).
 
نقول: على الرغم من هذا وغيره، قد حدث الخلاف بين المسلمين، ووقع ما أخبر به النبي ﷺ وما حدّث به خلفاؤه الراشدون من افتراق الأمة، فوجدت الفِرَق في تاريخ الإسلام، وكثُرت وتفرعت، وكثُر معها النزاع والجدل والشقاق، وكثرت الآراء والأفكار، وكانت الدواعي على ذلك متنوعة، تتردد بين الظروف السياسية والعصبية القبلية، والمآرب الشخصية، واشتد الخلاف بعد التلاقح الفكري بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، فكانت هناك الدوافع العلمية الثقافية، والسلوكية الخلقية، ونشأت في ظلها فِرَق ومدارس، كان على رأسها فرقة «الخوارج» فهي أول وأقدم الفِرَق الإسلامية ظهوراً على مسرح الحياة، والخوارج وإن كانت تتفق في الخروج على الإمام الجائر، إلا أنها تتشعب من داخلها إلى فِرَق، ومن هذه الفِرَق، والتي عاشت حتى الآن، فرقة «الأباضية»، والتي يُجمع المؤرخون على أنها إحدى فِرَق الخوارج، ولكن الأباضية يعتبرون أنفسهم ليسوا بخوارج، وإنما هم فرقة مستقلة، مما كان دافعاً لي في الكتابة، في هذه الفرقة نشأتها وعقائدها، ليظهر لنا مدى التوافق والاختلاف بينها وبين الخوارج.
 
هذا، وقد سميت هذا الكتاب «الأباضية نشأتها وعقائدها» وقد جاء في جزأين:
 
أما الجزء الأول: فيشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول.
 
أما المقدمة: فقد تناولت فيها أهمية الموضوع، والباعث على الكتابة فيه، ومنهج البحث.
 
وأما التمهيد: فقد تحدثت فيه عن الأسباب التي أدت إلى اختلاف المسلمين ونشأة الفِرَق.
 
وأما الفصل الأول: فقد تكلمت فيه عن النشأة التاريخية لفرقة الخوارج.
 
وأما الفصل الثاني: فقد تناولت فيه النشأة التاريخية لفرقة الأباضية.
 
وأما الفصل الثالث: فقد عقدته للحديث عن فِرَق الأباضية المنشقة وعقائدها.
 
وأما الجزء الثاني: فقد تناولت فيه العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية.
 
وقد اشتمل على ثمانية فصول وخاتمة:
 
أما الفصل الأول: فقد تحدثت فيه عن قضية وجود الله تعالى.
 
وأما الفصل الثاني: فقد تكلمت فيه عن الصفات الإلهية.
 
وأما الفصل الثالث: فقد عقدته للحديث عن رؤية الباري تعالى.
 
وأما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه عن أفعال العباد.
 
وأما الفصل الخامس: فقد عقدته للحديث عن النبوات.
 
وأما الفصل السادس: فقد تكلمت فيه عن السمعيات.
 
وأما الفصل السابع: فقد تناولت فيه مبحث الإيمان والإسلام وما يتصل به من أمور.
 
وأما الفصل الثامن: فقد تحدثت فيه عن قضية الإمامة.
 
وأما الخاتمة: فقد تناولت فيها أهم الحقائق والنتائج التي توصلت إليها من خلال تتبعي ودراستي لهذا الموضوع.
 
وبعد:
 
فهذا ما هداني الله تعالى إليه في بحثي هذا، فإن كنت قد وُفِّقت فذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه، وإن تكن الأخرى فعذري أنني بشر أخطئ وأصيب، والكمال لله وحده، وحسبي أنني ما ابتغيت إلا وجه الحق والصواب.
 
وأخيراً ندعو الله تعالى أن ينفع ببحثنا هذا طلاب العلم والإيمان، وأن يرزقنا الإخلاص فيما نكتب ونعمل، إنه نِعْمَ المجيب.
 
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
 
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
 
المؤلف
 
د. محمد بن الحسن المهدي
Page 3
تمهيد
 
الأسباب التي ساعدت على اختلاف المسلمين ونشأة الفِرَق
 
إن الله تعالى طلب من هذه الأمة أن تتوحد كلمتها، وأن لا تكون شِيَعاً وأحزاباً، يضرب بعضهم أعناق بعض، وقد صدق الله إذ قال في محكم التنزيل: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:52].
 
فكل عامل على لمّ شملها، ساعٍ إلى تأليف قلوب أبنائها، فهو مؤمن حقاً، مجاهد في سبيل أنبل غاية عُني بها الإسلام، وهي تأليف القلوب، وتوحيد الأهداف، وأما أولئك الذين يثيرون  العداوات ويبعثون العصبيات، ويصطنعون العداوة والبغضاء، فهؤلاء هم الذين يسعون في الأرض بالفساد، وواجب المسلمين المخلصين أن يقفوا لهم بالمرصاد، وأن يبصروا الأمة بهم، ويكشفوا لهم أهدافهم وسوء غاياتهم.
 
ولقد فهم المسلمون الأوّلون روح هذا الدين الحنيف، واختلفوا في فهم نص من كتاب الله تعالى، أو سنّة رسول الله ﷺ ، ولكنهم - مع هذا الاختلاف - كانوا متحدين في المبادئ والغايات، ثم خلف من بعدهم خلف جعلوا دينهم لأهوائهم، فتفرقت الأمة إلى شيع وأحزاب ومذاهب وعصبيات.
 
والخلاف بين الناس بدأ منذ نشأة الإنسان، ومنذ نزول الوحي من السماء، واختيار الله تعالى للأنبياء، وإن كان هذا الخلاف لم يشتهر، فلِبُعد الزمان، ولعدم وجود الخبر المتواتر الذي يُعتمد عليه، اللهم إلا ما قصّه القرآن الكريم على رسول الله ﷺ ، ومن ذلك: قصة أول خلاف ظهر على الأرض بين ابني آدم  (قابيل وهابيل) وما كان من قتل أحدهما للآخر. ثم الخلاف الذي كان يظهر بين أقوام الأنبياء السابقين، كالخلاف الذي وقع بين نوح وابنه، إلى غير ذلك مما قصّه القرآن الكريم من خلاف (فرعون) و(موسى) . وخلاف بني إسرائيل مع موسى على رؤية الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:153]، وما كان من خروجه لمناجاة ربه، ثم عودته فإذا القوم قد عبدوا العجل من دون الله تعالى.
 
وأما منشأ الخلاف في عهد رسولنا محمد ﷺ فقد بدأ في حياته، ولكن كان القرآن ينزل برأب الصدع وفصل القول، فيقضي على الفتنة في مهدها، وكان رسول الله ﷺ يسرع بلمِّ الشَّمْل، وإزالة أسباب الخلاف، ولذا لم يكن للخلاف في عهده كبير أثر في تفرق الأمة بعد ذلك.
 
وقبل أن نخوض في بيان أسباب الخلاف يجب أن نقرر أمرين كما يقول الشيخ (أبو زهرة)(6) حتى نكون على بيّنة من هذه الأسباب:
 
أولهما: أن هذا الاختلاف بين المسلمين لم يتناول لب الدين، فلم يكن الاختلاف في وحدانية الله تعالى، ولا في أن القرآن نزل من عند الله تعالى، وأنه معجزة النبي ﷺ الكبرى، ولا في أنه يروى بطريق متواتر نقلته الأجيال الإسلامية كلها جيلاً بعد جيل، كذلك لم يتعرض الخلاف إلى ركن من أركان الإسلام، أو إلى أي أمر علم من الدين بالضرورة، وإنما كان الاختلاف في أمور لا تمس الأركان، ولا الأحوال العامة.
Page 4
الأمر الثاني: أن ما وقع من اختلاف بين المسلمين يعتبر شراً بالنسبة للاختلافات التي حدثت حول بعض العقائد الدينية والسياسية، ولقد روى الإمام البخاري في صحيحه، عن زينب بنت جحش أنها قالت: استيقظ النبي ﷺ محمراً وجهه يقول: «لا إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب» (7)، وكأن النبي ﷺ يشير بهذا المعنى الذي ينطوي عليه هذا الحديث، إلى ما سيلحق بالمسلمين من خلاف بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
 
إن أول بذور الخلاف الذي نشأ بين جماعة المسلمين، يرجع إلى منافقي هذه الأمة في زمن النبوة والرسالة، حيث لم يرضَ هؤلاء بحكم النبي ﷺ ، فيما كان يأمر به وينهى. فقد سألوا عما مُنعوا من الخوض فيه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه، ومن ذلك، ما كان من حديث (ذي الخويصرة التميمي) عندما قال لرسول الله ﷺ : اعدل يا محمد فإنك لم تعدل - وكان الرسول ﷺ يوزع الغنائم بين المسلمين في إحدى الغزوات - فقال ﷺ : «إن لم أعدل فمن يعدل؟» فعاود اللعين يقول: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
 
وذلك يعتبر خروجاً صريحاً على النبي ﷺ ، فإذا كان من اعترض على الإمام الحق يعتبر خارجياً، فإنه من باب أولى يعتبر من اعترض على النبي ﷺ أحق بأن يكون خارجياً، ولذلك قال صلوات الله وسلامه عليه: «سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»(8).
 
ويتجلى ذلك واضحاً، في غزوة أُحد حينما اعتذر المنافقون لرسول الله ﷺ ، وقالوا كما حكاه القرآن الكريم: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﴾، وقولهم: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران:154]، وقولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:156].
 
فالمتأمل لتلك الآيات يتضح له أن هؤلاء المنافقين بالغوا في عذرهم، وقد حدث هذا في زمنه ﷺ ولكن المنافقين هم المنافقون في كل زمان ومكان، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:142]، فيظهرون الإسلام للناس ويبطنون الكفر عليهم، وكان يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع(9).
 
ولكن ذلك كله لم يكن ذا أثر بيِّن وواضح في افتراق الأمة بعد هذا إلى فِرَق شتى، يكفِّر بعضهم بعضاً، يضاف إليها بعض الاختلافات بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وإن كانت تعد اختلافات اجتهادية، فأصحاب الرسول ﷺ على عقيدة واحدة وطريق واحد، ولم يكن أحدهم ليختلف عن الآخر إلا في فهم أوتيه في كتابه الله أو سنّة رسوله ﷺ يعترضه على أخيه، فإن لم يكن عنده ما يدفعه من سنّة أو فهم في كتاب أو سنّة، رجع إلى قول أخيه وتقبله أحسن القَبول، إلا قوماً كانوا يبطنون النفاق، ويظهرون الوفاق.
 
وإذا أنت نظرت فيما اختلفوا فيه، وجدتهم قد اختلفوا في أمور اجتهادية لا يوجب الخلاف في أحدها إيماناً ولا كفراً، بل لا يوجب الخلاف فيها كلها إيماناً ولا كفراً، ووجدت أنه قد كان غرض كل واحد من المختلفين في كل مسألة منها إقامة مراسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم، بل أنت تجدهم قد اختلفوا في بعض هذه المسائل والرسول ﷺ بين أظهرهم لم يفارق هذه الدنيا.
Page 5
ثم جاء من بعد عصرهم - رضوان الله تعالى عليهم - قوم استغلوا أحياناً اختلاف الصحابة في بعض المسائل واتخذوا من هذا الخلاف سبيلاً يسلكونه إلى تفريق كلمة هذه الأمة، وراحوا يلتمسون لبعض وجهات النظر أدلة لم يقتنع بها الذين خالفوا هذا الاتجاه في العصر السابق، بل لعل الذين كانوا يرون هذا الاتجاه قد عدلوا عنه ولم يبقَوا متمسكين به، إما اقتناعاً بما استدل به من خالفهم، وإما إبقاء على وحدة الأمة واستمساكها بالإيلاف الذي امتنّ الله تعالى به عليهم، إذا لم يكن في أحد الرأيين ما يخالف نصاً من كتاب أو سنّة صريحة، وهم بذلك يضربون أبرع المثل لفناء الفرد في الجماعة الصالحة(10).
 
فالصحابة - رضوان الله عليهم - لم يحدث منهم أن أحداً سأل رسول الله ﷺ عن شيء لم يتكلم فيه، وما حدث أن اختلف واحد منهم في مجلس رسول الله ﷺ في فهم آية من كتاب الله تعالى، وفي هذا المعنى يقول المقريزي في خططه: «من أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يَرِد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة  على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، أو على لسان نبيه محمد ﷺ بل كلهم فهموا معنى ذلك، فأثبتوا بلا تشبيه، ونزهوا بلا تعطيل»(11).
 
وهذا النص - وغيره من النصوص التي تُظهر عدم اختلاف الصحابة - وإن أكد على خلو هذا العصر من الخلاف، فإنما يعني الخلاف في أصول العقيدة، ولكن لا يمنع من الاختلاف الناشئ عن الاجتهاد، واختلاف وجهات النظر، التي كانت تحسم في وقتها، ويعود الجميع إلى الوفاق، فهذه الخلافات كانت تهدف إلى توطيد الشريعة، وإقامة مراسم الدين، وقد جرت ضمن منهج الإسلام في إباحة الاجتهاد، واستعمال العقل، حيث رفع الإسلام من شأن العقل، وحث المسلمين على استعمال عقولهم، ومدح أولي الألباب، وذم الذين يهملون عقولهم. ولم تذكر كتب المقالات خلافاً عقدياً وقع بين الصحابة بعضهم البعض، وإن كانت قد وقعت بعض الخلافات الاجتهادية، فقد كان الغرض منها إقامة حكم الله بين الناس.
 
ونستطيع أن نقسِّم لك - بعد الذي أسلفناه - الاختلاف الحاصل في المسائل الاجتهادية بين الصحابة  إلى قسمين: 
 
القسم الأول: الاختلاف في مسائل لم تَصِر فيما بعد من شعار جماعة من أهل الفِرَق. 
 
والقسم الثاني: الاختلاف في مسائل اجتهادية أيضاً، اتخذها قوم من بعدهم تُكَأَةً إما للطعن في بعض الصحابة، وإما جعلوها أساساً لنحلتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعاراً لهم(12).
 
والآن إليك هذا الاختلاف من النوعين:
 
الخلاف الأول: أثناء مرضه ﷺ : 
 
روى الإمام البخاري بإسناده عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما اشتد بالنبي ﷺ مرضه الذي مات فيه، قال : «ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي» فاختلف من حوله: هل يجيئون بقرطاس ليملي عليهم الرسول ﷺ ، أم يكتفون بما علموه من كتاب الله وسنّة رسوله؟ فقال عمر بن الخطاب  : «إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله»، وكثر اللغط في ذلك، حتى قال النبي ﷺ : «قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع» قال ابن عباس - راوي الحديث - : الرزية كل الرزية، ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ﷺ (13).
Page 6
الخلاف الثاني: 
 
كان النبي ﷺ - قبيل مرضه الذي عقبه انتقالُه للرفيق الأعلى - قد جهز جيشاً وجعل على رأسه (أسامة بن زيد)، ولما أخذه المرض توقف الجيش عن المسير، وقال النبي في آخر حياته «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه» ومع هذا اختلفوا: أيتمون بعث (أسامة) إيذاناً للعرب ولغيرهم بأن وجع النبي ﷺ ووفاته لمن تثن عزائم الصحابة عن إتمام ما شرع فيه، أم يبقون (أسامة) ومن معه يترقبون ما يكون من العرب، فقد كان بعضهم يخشى انتقاض العرب، اختلفوا في ذلك، قبيل وفاة النبي وبعد وفاته ﷺ ، ولكن أبا بكر  أصر على اتباع الأمر، ثقةً منه بأن البركة في اتباع أمره ﷺ وأن في بعثه إرهاباً لمن تحدثه نفسه من العرب بالانقضاض(14).
 
وقد علق الشهرستاني على هذين الخلافين بقوله: وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين، وليس ذلك، وإنما كان الغرض كله إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين ثائرة الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور(15).
Page 7
الخلاف الثالث في موت النبي ﷺ :
 
لما أذيع نبأ وفاته ﷺ هالَ الخبر بعض أصحابه، حتى غيّب عقولهم، وأذهلهم عن هذا المصير المحتوم، الذي ينتظر البشرية قاطبةً، بما في ذلك الرسل والأنبياء، فزعم قوم أنه لم يمت، وإنما رفعه إليه كما رفع عيسى ابن مريم  ، وقال قوم: إنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران  وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي وأرجل رجال زعموا أنه قد مات. وقال الفاروق عمر بن الخطاب  وهو من هو في هذا الصدد: «من قال إن رسول الله ﷺ قد مات ضربته بالسيف».
 
حدث هذا عندما كان أبو بكر الصديق  بعيداً عن المدينة، في زيارة أهله، فلما حضر الصديق، دخل على رسول الله ﷺ ، وهو مسجىً فكشف عن وجهه وقبّله، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حياً وميتاً، أما الموتة التي قد    كتبها الله عليك فقد ذقتها، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:30]. وقف أبو بكر، يعلن أن النبي ﷺ قد لحق بربه، وأن شأنه في هذا الأمر شأن غيره من الناس، وتلا على الذين هالتهم المصيبة قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:144]. ويسمع (عمر)  المضطرب القُوى الضعيف عن احتمال الفاجعة هذه الآية الكريمة، فيثوب إليه الرشد ويعلم أن وعد الله حق، فيخضع لقضاء الله ويؤمن بأن الله تعالى اختار لرسوله ما عنده، بعد أن أكمل به الدين الذي رضيه لهم، ويقول عمر: «والله لكأني لم أسمع هذه الآية من قبل»(16). وحينئذ هدأت النفوس واطمأنت القلوب، واعترف جميع الصحابة بما ظهر من الحق، من أن رسول الله ﷺ قد فارق الحياة، وأنها سنّة الله في خلقه، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:62]، وبذلك زال الخلاف.
Page 8
الخلاف الرابع: في موضع دفنه ﷺ : 
 
اختلف الصحابة في موضع دفنه ﷺ فأراد أهل مكة من المهاجرين ردّه إلى مكة، لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة، لأنها دار هجرته، ومدار نصرته، وأرادت جماعة، نقله إلى بيت المقدس،لأنها موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء، وفيه قبر جده إبراهيم الخليل  .
 
وهنا يقف أبو بكر الصديق  في هذه المسألة موقف الحكيم الرزين، فيروي لهم أنه سمع النبي ﷺ يقرر: (أن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون)(17). فتجتمع كلمتهم على أن يدفن في حجرة السيدة (عائشة) التي مات فيها بالمدينة المنورة، وهي في داره ﷺ الملاصقة لمسجده، والشارعة أبوابها فيه(18).
Page 9
الخلاف الخامس: في الإمامة بعده ﷺ : 
 
وأعظم خلاف بين الأمة كما يقول الشهرستاني، خلاف الإمامة، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان(19). ذلك أن النبي ﷺ لم يقرر نظاماً معيناً لمن يكون إماماً أو خليفة من بعده، فمنذ اللحظة الأولى من انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، اختلف المسلمون فيمن يخلفه(20). وكانت هذه أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها وجهات نظرهم، شعر المسلمون منذ اللحظة الأولى لوفاة النبي ﷺ بضرورة التفكير في من يلي أمرهم، وأسرع الأنصار - قبل دفن النبي ﷺ - إلى سقيفة بني ساعدة، للتشاور في الأمر والبتّ فيه، وأدركهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح  من المهاجرين.
 
وفي السقيفة انقسم المجتمعون إلى فريقين، فريق يرى - وهم الأنصار - أن يكون الخليفة منهم، لأنهم هم الذين نصروا رسول الله ﷺ عندما هاجر إليهم من مكة إلى المدينة، وآمنوا به وعززوا دينه، ومنعوه وصحبه ممن أرادوا به سوءاً، وكانوا معه على عدوه، حتى خضعت له الجزيرة العربية، فهم أولى الناس أن يخلفوه، وعلى هذا الأساس قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، واتفقوا على سعد بن عبادة الأنصاري.
 
وفريق آخر وهم المهاجرون: يرون أن تكون الخلافة فيهم، لأنهم قوم النبي ﷺ وعشيرته، وهم أول من آمن به، وصبر معه على الأذى، وهم من قريش، والعرب لا تدين إلا لهم، ولا تعتز بعزة غير عزتهم، فهم أولى الناس بالخلافة من غيرهم، والواجب على الأنصار أن يجتمعوا على ذلك، لأن الله تعالى يقول: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:8].
 
ولقد قال أبو بكر تعليقاً على هذه الآية: فسمانا الله الصادقين وأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:119]، فقد آمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم. وعندئذ قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك، قال عمر: أنت أفضل مني، قال أبو بكر: أنت أقوى مني. قال عمر: إن قوتي لك مع فضلك، لا ينبغي لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله ﷺ، ثاني اثنين، وأمرك رسول الله ﷺ حين اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق بهذا الأمر(21).
Page 10
قال عمر  : فمددت يدي إلى أبي بكر فبايعته، وانهال الجميع من الصحابة يبتدرونه بالبيعة، ثم كان الغد فجلس أبو بكر على المنبر، وتكلم عمر بين يديه، يقول للناس: إن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأولى الناس بأمركم فبايعوه، فبايعه الناس، وسكنت الفتنة، إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فلا يُبايع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا. وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لما رواه أبو بكر عن النبي ﷺ حيث قال: «الأئمة من قريش»(22).
 
وقد تمت هذه البيعة في سقيفة بني ساعدة، وعندما ذهب أبو بكر إلى المسجد أقبل الناس عليه فأخذوا يبايعونه عن رغبة منهم، غير جماعة من بني هاشم، وأبي سفيان من بني أمية، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب  الذي كان مشغولاً بتجهيز رسول الله ﷺ ودفنه، ثم إن هذه البيعة، وإن كانت قد تمت للصديق، إلا أن ذلك لمن يمنع من تكوين رأي ثالث يرى أن تكون الخلافة في بيت النبي ﷺ ، وأقرب الناس إليه عمه العباس بن عبدالمطلب، وعلي بن أبي طالب، لكن العباس لم يكن من السابقين إلى الإسلام، فقد حضر غزوة بدر مع المشركين، فأولى الناس من قرابة النبي ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب، فهو أول الناس إسلاماً، وزوج السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ وفضله وجهاده وعلمه لا يُنكر، وحجة هذا الفريق أن أقرب الناس إلى النبي ﷺ أولى أن يخلفوه، وإذا كان المهاجرون احتجوا على الأنصار، بأنهم قوم النبي ﷺ وعشيرته، فأهل النبي ﷺ وأقربهم إليه أولى(23)، ولقد تطور هذا الرأي، وأصبح يعتنقه الشيعة فيما بعد.
 
والذي يستفاد من اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة للتشاور فيمن يلي أمر المسلمين بعد رسول الله ﷺ أنه على أساسه قام «نظام الخلافة» الذي بقي منذ ذلك الوقت في شكل أو آخر إلى القرن العشرين. كما أن أهم النظريات التي عرضت في اجتماع السقيفة، نظرية الدفاع عن دعوى الأنصار في استحقاقهم للخلافة، على أساس أنهم هم الذين دافعوا عن الإسلام وحموه بأنفسهم وأموالهم، ولنا أن نقول: إن هذه هي أول نظرية ظهرت في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام.
 
ونظرية ثانية انبرت لمقاومتها هي «الدفاع عن حق المهاجرين، وإثبات أولويتهم في استحقاق الخلافة على غيرهم، على اعتبار سبقهم في الإسلام، وهم أولياء الرسول ﷺ وعشيرته، وقد جاء في ثنايا هذا الدفاع لأول مرة فكرة التنويه بفضل قريش: «الأئمة من قريش»، وستكون أساساً لنظرية أحقية القرشيين بالخلافة، أو انحصار هذا الحق فيهم.
 
وهناك نظرية أخرى هي التي دعا إليها الحباب بن المنذر بن الجموح وهي إمكان اقتسام السيادة، أو تعدد الإمرة، أي بأن يكون هناك خليفتان، وذلك حين قال: «منا أمير ومنكم أمير».
 
كما أن المجتمعين، على اختلاف وجهات نظرهم، قد أقروا مبدأً خطيراً هو: أن اختيار رئيس الجماعة أو الدولة، إنما هو بالبيعة، - أي بالانتخاب - ونبذوا جميعاً بسلوكهم الفعلي مبدأ الوراثة، واستقر الرأي على انتخاب أبي بكر   ليس متابعة للتقاليد المألوفة عند العرب منذ القدم، من النظر إلى السن والنفوذ، ولكن لما كان يتمتع به بين الصحابة من مكانة دينية عالية يقر بها الجميع، ثم إلى صفاته العقلية والخلقية النادرة، التي جعلت من شخصيته المثل الكامل للمسلم. ولو جرت الأمور وفق تقاليد العرب، لآثروا ابن عبادة زعيم الخزرج، أو أبا سفيان رأس شيوخ بني أمية، أو العباس عميد الهاشميين، وقد كان فيهم من هو أسن من أبي بكر، ولمَا عدل المنتخبون عن هذه الأسر القوية إلى فرع تيم البعيد الذي كان أقل نفوذاً»(24).