Page 1
مقدمة
إن حفراً باتجاه الماضي سيصطدم حتماً بتلك المرحلة التي مرّ بها العقل العربي في نهضته وكان فيها منارة العالم الغربي وموجّهَه. فالغرب الحديث حسب تييري هنتش (1) استمد مرجعيته الثقافية الرئيسة من بلاد الهلال الخصيب. وثمة وراء ذلك أسباب وجيهة حسب رأيه ألا وهي أن الكلدانيين في بلاد الرافدين الذين ترجع حضارتهم إلى أربعة آلاف سنة، حسبوا مسار النجوم والدورات القمرية والشمسية، وقسّموا السنة إلى 360 يوماً واخترعوا طريقة في الترقيم تتبع مبدأ "العد الوضعي". لقد حقّق المصريون مآثر في العمارة، بعضها ما زال سره خافياً. ودشنت بابل بشرعة حمورابي القوانين والتشريع "قبل روما والصين"، كما لاحظ رينيه غروسيه أن "الأسبقية المعترف بها هي لحضارات الشرق المتوسط والشرق الأدنى".
إلّا أن هذا الرافد الحضاري "أي الشرق" لم يعد لديه ما يقوله وحسب، بل أيضاً لم يعد عنده ما يقدمه منذ أمدٍ بعيد نظراً إلى تأخره، ولأن الأسوأ من ذلك كله أن جزءاً كاملاً من ماضيه يرقد خارج أو على هامش التاريخ العلمي.
ويصر بعض متخصصي تاريخ الشرق الأدنى على الاعتبار أن الشرق قد انغلق على نفسه في نهاية القرن الخامس عشر، فكان يبدو كل شيء فيه متجمداً مرة واحدة وإلى الأبد من الاقتصاد إلى البنى الاجتماعية والأنظمة السياسية.
إلّا أن هذا الانغلاق على النفس والانعزال عن الآخر وحركة الجمود التي تحدث عنها هنتش لم تعد قادرة على الصمود في وجه التغيرات التي طرأت على العالم، وهذه القلاع الحصينة التي بناها الشرق على حدود مجتمعاته كسد منيع بوجه أي رياح تغييرية، قد تهب على هذه المجتمعات وتعبث بركودها الداخلي بدأت اليوم، إن لم يكن بالانهيار فبالاختراق والتصدع من قبل العالمية أو ما يعرف اليوم بالعولمة، التي تمكنت من التسلل والتغلغل إلى كل بقعة من بقاع الأرض. فنحن ننتقل دون أن ندرك من عالم سيطرت عليه العزلة الثقافية، إلى عالم آخر يسوده التبادل الثقافي؛ ومن جماعات تقليدية إلى عالم منفتح على العلاقات المتبادلة والتواصل.
يشهد عصرنا نهاية الحضارات المعزولة كما يشهد الدخول إلى جماعة بشرية موحدة.. إننا نشهد احتكاكات كثيفة ومتعددة الأبعاد (اقتصادية، سياسية، دبلوماسية، ثقافية، أيديولوجية ودينية) بين شعوب البشرية بأسرها.
لا مجال للفصل بين الداخل والخارج في هذا العالم المتّجه نحو التوحّد. ففي هذا المجتمع الكوكبي نرى أنَّ (2) ما يعني العرب الآن بات يعني سائر الناس، وما يهتم به الأمريكيون والغربيون يقع في صلب اهتمام العرب. هذا يعني أننا لم نعد قادرين على تحييد وعزل أنفسنا عمّا يجري من حولنا. لقد بتنا داخل هذه اللعبة ولكن ماذا عن مؤهلاتنا كلاعبين وماذا عن دورنا؛ ما هو المطلوب منا القيام به بعدما تصدعت جدران الحصانة التي كنا نحمي بها مجتمعاتنا من الغزوات الخارجية بمختلف أشكالها؟
علينا بداية الخروج من حالة العجز والهامشية والتبعية، كما علينا تفكيك العوائق الفكرية وتسليط الضوء على الآفات الخلقية التي تفتك بمجتمعاتنا وتجرها إلى الوراء وذلك من أجل أن ننخرط في صناعة الحياة وصياغة المصائر بعقلية الحوار والمداولة أو الشراكة والتضامن. هذا هو التحدي بالنسبة إلينا، فيما يتغير نظام العالم ومجرى الأشياء.
إننا مدعوون إلى تغيير طريقة التعامل مع الأشياء، وذلك بالكفّ عن لغة الاتهام والاستعداء وكسر منطق الانعزال والانكفاء والتعاطي مع الأفكار والهوايات بلغة المبادرة والاجتراح أو بمنطق الخلق والتحول، بحيث نثبت جدارتنا بالانتماء إلى زمننا والاندراج في حاضرنا.
تكثر الدعوات اليوم إلى الانخراط في العولمة من خلال برامج وخطط محددة ومنهجيات تمكننا من أن تكون مشاركتنا في العولمة من خلال "دور" حيث إن عملية الانخراط أو المشاركة بالقوة تشكل خطراً يتهدد مجتمعاتنا؛ وهذا الخطر يتمثل (3) "بالانحدار نحو الانقراض، ولا يعني الانقراض هنا، بالضرورة، انقراضاً مادياً أو جسدياً بل قد يكون ذوباناً في المجتمعات الجديدة والمسيطرة والمتفوفة".
ثمة اتصالات ثقافية مساواتية وحرة (تأثيرات واستعارات) حصلت عبر التاريخ ما قبل الحديث (4) "إلّا أن هذه الاتصالات ظلّت متقطعة، عابرة، منشغلة، قابلة للانعكاس ومتعددة المركز. تتميز العالمية الناشئة باختفاء آخر المناطق المحايدة أو العذراء، أرض لا أحد التاريخية أو الثقافية وبسيرورة صارت وحيدة عالمية وغير قابلة للانعكاس، وذلك بفضل وطأة العلم الدافعة وبفعل قوة التقنية والصناعة... إن التحول العملاق الآخذ في الانطلاق قد جعل العادات القديمة عرضة للشك خاصة تلك المتأصلة في الإنسان منذ القديم والحاضرة في كل المجتمعات: الإثنية المركزية، احتقار الآخر، الجهل واللامبالاة الكاملان تجاه عاداتهم وقناعاتهم وعالم حياتهم. إن الانفتاح بالقوة على العالم وإزالة الحواجز بين أجزاء الكرة الأرضية يعني اكتشاف الآخر حكماً وتعلّم التسامح وإيجاد "كوزموبوليتية" فعلية حيث الناس أخوة في عالم يصبحون فيه بكل الأحوال شركاء في المواطنية وأقرباء".
إننا نشهد اليوم منعطفاً تاريخياً كبيراً يتمثل بالعولمة، فهي أخذت (5) "تقلّب جميع التراثات الثقافية والدينية والفلسفية والسياسية والقانونية، التي عرفتها البشرية حتى الآن مما يدفعنا لأن نتجاوز فلسفياً وأخلاقياً وقانونياً ومؤسساتياً كل الأنظمة العقائدية واللاهوتية الموروثة عن الماضي. حتى الحداثة على الرغم من أهميتها لن تنجو من عملية القلب والتغيير هذه. إنها مدعوة أيضاً لمراجعة نفسها لكي تتأقلم مع عصر العولمة هذا، ولهذا السبب أخذ باحثون ومفكرون يتحدثون عن ما بعد الحداثة - منذ العام 1980 تقريباً... لقد أخذت ظاهرة العولمة تجبر الأوروبيين أنفسهم على إدراك محدودية عقل التنوير وبعض الآثار السلبية الناتجة عنه".
إنَّ العولمة لم تكن الدافع لنقد الحداثة ولإدراك محدودية عقل التنوير، بل إن حركة العقل الحر والعقلانية التي عرفها الغرب منذ عصر الأنوار هي التي قادت الأمور بهذا الاتجاه.. فنقد الحداثة بدأ فعلياً مع نيتشه الذي كان أول من دق إسفيناً في نعش الحداثة ودلَّل على محدودية عقل التنوير وأسّس لمفهوم ما بعد الحداثة. كما أن بعض المفكرين يعتبرون أنه وبعد الحربين العالميتين بدأ التطلع إلى الحداثة على أنها فقدت قابلية الثورة في داخلها لمصلحة أيديولوجية رجعية وتقليدية، وأن المنطق الذي يقبع خلف عقلانية التنوير هو منطق هيمنة واضطهاد وتوق إلى السيطرة على البشر. ولم يكن ممكناً أمام هذا المنطق إلّا أن يوصل في النهاية إلى "كابوس قهر الذات" حسب دوركهايمر وأدورنو.
إن حفراً باتجاه الماضي سيصطدم حتماً بتلك المرحلة التي مرّ بها العقل العربي في نهضته وكان فيها منارة العالم الغربي وموجّهَه. فالغرب الحديث حسب تييري هنتش (1) استمد مرجعيته الثقافية الرئيسة من بلاد الهلال الخصيب. وثمة وراء ذلك أسباب وجيهة حسب رأيه ألا وهي أن الكلدانيين في بلاد الرافدين الذين ترجع حضارتهم إلى أربعة آلاف سنة، حسبوا مسار النجوم والدورات القمرية والشمسية، وقسّموا السنة إلى 360 يوماً واخترعوا طريقة في الترقيم تتبع مبدأ "العد الوضعي". لقد حقّق المصريون مآثر في العمارة، بعضها ما زال سره خافياً. ودشنت بابل بشرعة حمورابي القوانين والتشريع "قبل روما والصين"، كما لاحظ رينيه غروسيه أن "الأسبقية المعترف بها هي لحضارات الشرق المتوسط والشرق الأدنى".
إلّا أن هذا الرافد الحضاري "أي الشرق" لم يعد لديه ما يقوله وحسب، بل أيضاً لم يعد عنده ما يقدمه منذ أمدٍ بعيد نظراً إلى تأخره، ولأن الأسوأ من ذلك كله أن جزءاً كاملاً من ماضيه يرقد خارج أو على هامش التاريخ العلمي.
ويصر بعض متخصصي تاريخ الشرق الأدنى على الاعتبار أن الشرق قد انغلق على نفسه في نهاية القرن الخامس عشر، فكان يبدو كل شيء فيه متجمداً مرة واحدة وإلى الأبد من الاقتصاد إلى البنى الاجتماعية والأنظمة السياسية.
إلّا أن هذا الانغلاق على النفس والانعزال عن الآخر وحركة الجمود التي تحدث عنها هنتش لم تعد قادرة على الصمود في وجه التغيرات التي طرأت على العالم، وهذه القلاع الحصينة التي بناها الشرق على حدود مجتمعاته كسد منيع بوجه أي رياح تغييرية، قد تهب على هذه المجتمعات وتعبث بركودها الداخلي بدأت اليوم، إن لم يكن بالانهيار فبالاختراق والتصدع من قبل العالمية أو ما يعرف اليوم بالعولمة، التي تمكنت من التسلل والتغلغل إلى كل بقعة من بقاع الأرض. فنحن ننتقل دون أن ندرك من عالم سيطرت عليه العزلة الثقافية، إلى عالم آخر يسوده التبادل الثقافي؛ ومن جماعات تقليدية إلى عالم منفتح على العلاقات المتبادلة والتواصل.
يشهد عصرنا نهاية الحضارات المعزولة كما يشهد الدخول إلى جماعة بشرية موحدة.. إننا نشهد احتكاكات كثيفة ومتعددة الأبعاد (اقتصادية، سياسية، دبلوماسية، ثقافية، أيديولوجية ودينية) بين شعوب البشرية بأسرها.
لا مجال للفصل بين الداخل والخارج في هذا العالم المتّجه نحو التوحّد. ففي هذا المجتمع الكوكبي نرى أنَّ (2) ما يعني العرب الآن بات يعني سائر الناس، وما يهتم به الأمريكيون والغربيون يقع في صلب اهتمام العرب. هذا يعني أننا لم نعد قادرين على تحييد وعزل أنفسنا عمّا يجري من حولنا. لقد بتنا داخل هذه اللعبة ولكن ماذا عن مؤهلاتنا كلاعبين وماذا عن دورنا؛ ما هو المطلوب منا القيام به بعدما تصدعت جدران الحصانة التي كنا نحمي بها مجتمعاتنا من الغزوات الخارجية بمختلف أشكالها؟
علينا بداية الخروج من حالة العجز والهامشية والتبعية، كما علينا تفكيك العوائق الفكرية وتسليط الضوء على الآفات الخلقية التي تفتك بمجتمعاتنا وتجرها إلى الوراء وذلك من أجل أن ننخرط في صناعة الحياة وصياغة المصائر بعقلية الحوار والمداولة أو الشراكة والتضامن. هذا هو التحدي بالنسبة إلينا، فيما يتغير نظام العالم ومجرى الأشياء.
إننا مدعوون إلى تغيير طريقة التعامل مع الأشياء، وذلك بالكفّ عن لغة الاتهام والاستعداء وكسر منطق الانعزال والانكفاء والتعاطي مع الأفكار والهوايات بلغة المبادرة والاجتراح أو بمنطق الخلق والتحول، بحيث نثبت جدارتنا بالانتماء إلى زمننا والاندراج في حاضرنا.
تكثر الدعوات اليوم إلى الانخراط في العولمة من خلال برامج وخطط محددة ومنهجيات تمكننا من أن تكون مشاركتنا في العولمة من خلال "دور" حيث إن عملية الانخراط أو المشاركة بالقوة تشكل خطراً يتهدد مجتمعاتنا؛ وهذا الخطر يتمثل (3) "بالانحدار نحو الانقراض، ولا يعني الانقراض هنا، بالضرورة، انقراضاً مادياً أو جسدياً بل قد يكون ذوباناً في المجتمعات الجديدة والمسيطرة والمتفوفة".
ثمة اتصالات ثقافية مساواتية وحرة (تأثيرات واستعارات) حصلت عبر التاريخ ما قبل الحديث (4) "إلّا أن هذه الاتصالات ظلّت متقطعة، عابرة، منشغلة، قابلة للانعكاس ومتعددة المركز. تتميز العالمية الناشئة باختفاء آخر المناطق المحايدة أو العذراء، أرض لا أحد التاريخية أو الثقافية وبسيرورة صارت وحيدة عالمية وغير قابلة للانعكاس، وذلك بفضل وطأة العلم الدافعة وبفعل قوة التقنية والصناعة... إن التحول العملاق الآخذ في الانطلاق قد جعل العادات القديمة عرضة للشك خاصة تلك المتأصلة في الإنسان منذ القديم والحاضرة في كل المجتمعات: الإثنية المركزية، احتقار الآخر، الجهل واللامبالاة الكاملان تجاه عاداتهم وقناعاتهم وعالم حياتهم. إن الانفتاح بالقوة على العالم وإزالة الحواجز بين أجزاء الكرة الأرضية يعني اكتشاف الآخر حكماً وتعلّم التسامح وإيجاد "كوزموبوليتية" فعلية حيث الناس أخوة في عالم يصبحون فيه بكل الأحوال شركاء في المواطنية وأقرباء".
إننا نشهد اليوم منعطفاً تاريخياً كبيراً يتمثل بالعولمة، فهي أخذت (5) "تقلّب جميع التراثات الثقافية والدينية والفلسفية والسياسية والقانونية، التي عرفتها البشرية حتى الآن مما يدفعنا لأن نتجاوز فلسفياً وأخلاقياً وقانونياً ومؤسساتياً كل الأنظمة العقائدية واللاهوتية الموروثة عن الماضي. حتى الحداثة على الرغم من أهميتها لن تنجو من عملية القلب والتغيير هذه. إنها مدعوة أيضاً لمراجعة نفسها لكي تتأقلم مع عصر العولمة هذا، ولهذا السبب أخذ باحثون ومفكرون يتحدثون عن ما بعد الحداثة - منذ العام 1980 تقريباً... لقد أخذت ظاهرة العولمة تجبر الأوروبيين أنفسهم على إدراك محدودية عقل التنوير وبعض الآثار السلبية الناتجة عنه".
إنَّ العولمة لم تكن الدافع لنقد الحداثة ولإدراك محدودية عقل التنوير، بل إن حركة العقل الحر والعقلانية التي عرفها الغرب منذ عصر الأنوار هي التي قادت الأمور بهذا الاتجاه.. فنقد الحداثة بدأ فعلياً مع نيتشه الذي كان أول من دق إسفيناً في نعش الحداثة ودلَّل على محدودية عقل التنوير وأسّس لمفهوم ما بعد الحداثة. كما أن بعض المفكرين يعتبرون أنه وبعد الحربين العالميتين بدأ التطلع إلى الحداثة على أنها فقدت قابلية الثورة في داخلها لمصلحة أيديولوجية رجعية وتقليدية، وأن المنطق الذي يقبع خلف عقلانية التنوير هو منطق هيمنة واضطهاد وتوق إلى السيطرة على البشر. ولم يكن ممكناً أمام هذا المنطق إلّا أن يوصل في النهاية إلى "كابوس قهر الذات" حسب دوركهايمر وأدورنو.
Page 2
لقد بدأت في تلك المرحلة حركة نقدية تؤشر على الطلاق كلياً مع مشروع التنوير، هذا الطلاق الذي سيشكل لب الفكر الفلسفي ما بعد الحديث. لقد شهدنا ولادة ثقافة مضادة ومعادية للحداثة في حقبة الستينيات دأبت في (6) "النقد المستمر للحياة اليومية من مواقعها في الجامعات ومعاهد الفن ومراكز الثقافة في المدن الكبرى، فخرجت إلى الشوارع لتصبح موجة واسعة من التمرد على شكل شغب عالمي عام 1968 في شيكاغو وباريس ومكسيكو ومدريد وطوكيو وبرلين. لقد بدا كما لو أن الدعاوى العالمية للحداثة قد نجحت وقد اختلطت بالرأسمالية الليبرالية في تقديم الأساس المادي والسياسي لحركة مقاومة كوزموبوليتية انتقالية وكونية للأحادية التي باتت تطبع الثقافة الحداثية الرفيعة. وعلى الرغم من فشل حركة 1968 باعترافها هي على الأقل فإنها بدت مؤشراً ثقافياً وسياسياً على التحوّل الجاري نحو ما بعد الحداثة، وعليه فقد شهدنا بين عامي 1968 و1972، ومن رحم حركات الاحتجاج على الحداثة في الستينيات ولادة حركة ما بعد الحداثة بكامل تفتحها".
أما اليوم، فإن العالم يعيش مناخاً مختلفاً، حيث بدأت مراكز المعرفة في كل بقعة من بقاع الأرض ترتبط بعضها ببعض في شبكة عالمية واحدة ستكون فاتحة لعصر مدهش من الازدهار والإبداع، إذا لم تعرقلها السياسة والإرهاب (7). لقد تم استحداث ساحة عالمية متصلة بالانترنت تسمح لأشكال متعددة من التعاون وتشارك المعرفة والعمل الفوري من دون اعتبار للجغرافيا أو المساحة أو حتى اللغة في المستقبل القريب. لا يستطيع الجميع الوصول إلى هذه المنصة أو ساحة اللعب حتى الآن، لكنها مفتوحة أمام أناس أكثر، وبطرق أكثر من ذي قبل في تاريخ العالم. من هنا فإن العالم الآن تصح عليه صفة المسطح مع نشوء ساحة اللعب العالمية ذات الأشكال المتعددة من التعاون. ومع هذا الواقع سيكون الفائزون أولئك الذين يكتسبون العادات والعمليات والمهارات بسرعة كبيرة جداً. إن العالم الجديد لا يمكن لأحد أن ينخرط فيه كلاعب إلّا إذا خطا في ساحة اللعب هذه خطوات متحررة من أي إرث، لم يعد تأخر المجتمع عائقاً أمام تقدمه حيث إن، حتى المتأخرين بوسعهم أن يقفزوا مباشرة إلى التكنولوجيات الجديدة دون حاجة إلى القلق بشأن كل التكاليف المنخفضة للأنظمة القديمة، بمعنى أنهم يمكن أن يتقدموا بسرعة كبيرة جداً لتبني آخر التكنولوجيات الحديثة، وهناك أمثلة على ذلك لبلدان عديدة كالصين والهند وكوريا، بلدان استطاعت أن تخطو خطىً متقدمة في هذا المجال. وما ساعدها على ذلك خطوات جريئة وشجاعة في الانغماس برأسها قبل قدميها في التجارة العالمية وثورة المعلومات عبر تحويل نفسها إلى مركز خدمة للعالم. إن العامل المساعد لتقدم هذه البلدان سعيها للتحدي وللمجازفة ولتجنب الخوف؛ فالهدف يقودها وليس القدر، وتطلعها إلى الخارج وليس إلى الداخل، وتحركها للأعلى، كما أنها غير عالقة في محطات الحياة.
على كل مجتمع اليوم مهمة تتمثل في مواجهة التحدي الذي يشكله العالم المسطح. وعلى الدول النامية البدء بالتفكير بشأن تحدي التسطح، والخطوات الأولى لانخراطها في ساحة اللعب العالمية الجديدة تبدأ بمحاولة صادقة من القادة والشعوب في النظرة إلى نفسها وإلى المكانة التي يحتلها مجتمعها في علاقته مع البلدان الأخرى، وفي علاقته كذلك مع عوامل التسطيح. عليهم أن يسألوا أنفسهم "ما مدى تقدم بلدي أو تخلفه في العالم المتسطح، وإلى أي مدى يتكيف مع كل منصات التعاون والتنافس الجديدة ويستفيد منها. ولهذه الغاية يحتاج العالم اليوم إلى نادٍ يمكن صياغته على غرار نادي مدمني الكحول، ويمكن تسميته نادي البلدان النامية. وكما عليك في اجتماع نادي المدمنين الأول الذي تحضره أن تقف وتقول اسمي كذا وأنا مدمن الكحول، كذلك على البلدان في نادي البلدان النامية أن تقف وتقول اسمي كذا وأنا بلد غير متقدم، أو أنا بلد مقصّر ولا أنسجم مع قدراتي، يحتاج كل بلد إلى القدرة على تفحص ذاته، إذ لا يتطور أي بلد من دون الخضوع لصورة بالأشعة تحدد أين يقف وما هي حدوده".
بمعنى آخر، إننا بحاجة إلى عملية نقد شفافة كخطوة أولى باتجاه التغيير. والسؤال هل هناك قابلية لمجتمعاتنا في الخضوع لصورة أشعة تمكننا من تحديد مواطن الخلل والضعف التي تقف عائقاً بوجه انخراطنا في عمليات التغيير التي يشهدها العالم؟
هل نملك جرأة التحديد بصدق مكانتنا ودورنا في دورة هذا العالم الجديد؟ وما الذي يعيقنا حتى الآن؟
هل ما زالت مجتمعاتنا تخضع لتوصيف تييري هنتش بالانغلاق على نفسها، وماذا عن تأثير هذا الانغلاق وإفرازاته في إنساننا وبنانا المجتمعية؟
وإذا كانت العالمية المتمثلة بالعولمة لم تترك مكاناً إلّا وطرقت بابه في العالم فالسؤال هل تمكنت هذه الحركة التغييرية من الولوج إلى مجتمعاتنا أم أن هذه الأخيرة تتصف بجمود يصعب اختراقه؟ وإن كان هناك من اختراق فعلى أي مستوى طال هذه المجتمعات وماذا عن ردة فعلها تجاهه؟
إن تجاوب مجتمعاتنا مع الموجات التغييرية في العالم منذ عصر الأنوار وحملة نابليون على مصر لم تزل موضوع جدل، ولم يزل مفكرو المجتمعات العربية منذ ذلك الحين يحاولون الإجابة عن سؤال لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب في محاولة منهم للنقد الذاتي ولإيجاد مخارج للتأخر الذي تعيشه مجتمعاتنا، إلّا أن كل تلك المحاولات لم تكن قادرة على تشكيل أي حركة فعلية تقود عملية تغيير حقيقية داخل المجتمعات العربية، وبقيت تلك المحاولات أسيرة أغلفة الكتب.
أما عن الأسباب التي حالت دون ذلك، فإننا سنحاول في هذه الدراسة الإجابة عن تلك الأسئلة من خلال عرض واقع المجتمعات العربية منذ تلقيها صدمة الحداثة في الغرب، علماً أن بعض المفكرين يرون أن تأخر العرب وجمود مجتمعاتهم يمتد إلى تاريخ أبعد من تاريخ ولادة الحداثة في الغرب، يعود إلى تلك الفترة التي شهدت سقوط بغداد تحت ضربات المغول الآسيويين، وإلى سقوط غرناطة تحت ضربات الأسبان المسيحيين؛ فهذه المحطات حسب رأيهم أفقدت العرب زمام الأمور بشكل نهائي في الكون الإسلامي وباتوا شعباً أو أمة يتيمة مهددة بالنكوص نحو مجتمع القبائل الأول.
في هذه الدراسة محاولة لرسم صورة واقع المجتمعات العربية من خلال نتاج نخبها، وكذلك الوقوف عند الحلول المجترحة من قبلهم للخروج من المأزق الذي نعانيه، وقابلية هذه الحلول لأن توضع موضع التنفيذ، وهل تفي هذه الحلول بحل المشكلات؟ وإن حملت هذه الإمكانية فما الذي يقف عائقاً دون عملية التغيير؟
أما اليوم، فإن العالم يعيش مناخاً مختلفاً، حيث بدأت مراكز المعرفة في كل بقعة من بقاع الأرض ترتبط بعضها ببعض في شبكة عالمية واحدة ستكون فاتحة لعصر مدهش من الازدهار والإبداع، إذا لم تعرقلها السياسة والإرهاب (7). لقد تم استحداث ساحة عالمية متصلة بالانترنت تسمح لأشكال متعددة من التعاون وتشارك المعرفة والعمل الفوري من دون اعتبار للجغرافيا أو المساحة أو حتى اللغة في المستقبل القريب. لا يستطيع الجميع الوصول إلى هذه المنصة أو ساحة اللعب حتى الآن، لكنها مفتوحة أمام أناس أكثر، وبطرق أكثر من ذي قبل في تاريخ العالم. من هنا فإن العالم الآن تصح عليه صفة المسطح مع نشوء ساحة اللعب العالمية ذات الأشكال المتعددة من التعاون. ومع هذا الواقع سيكون الفائزون أولئك الذين يكتسبون العادات والعمليات والمهارات بسرعة كبيرة جداً. إن العالم الجديد لا يمكن لأحد أن ينخرط فيه كلاعب إلّا إذا خطا في ساحة اللعب هذه خطوات متحررة من أي إرث، لم يعد تأخر المجتمع عائقاً أمام تقدمه حيث إن، حتى المتأخرين بوسعهم أن يقفزوا مباشرة إلى التكنولوجيات الجديدة دون حاجة إلى القلق بشأن كل التكاليف المنخفضة للأنظمة القديمة، بمعنى أنهم يمكن أن يتقدموا بسرعة كبيرة جداً لتبني آخر التكنولوجيات الحديثة، وهناك أمثلة على ذلك لبلدان عديدة كالصين والهند وكوريا، بلدان استطاعت أن تخطو خطىً متقدمة في هذا المجال. وما ساعدها على ذلك خطوات جريئة وشجاعة في الانغماس برأسها قبل قدميها في التجارة العالمية وثورة المعلومات عبر تحويل نفسها إلى مركز خدمة للعالم. إن العامل المساعد لتقدم هذه البلدان سعيها للتحدي وللمجازفة ولتجنب الخوف؛ فالهدف يقودها وليس القدر، وتطلعها إلى الخارج وليس إلى الداخل، وتحركها للأعلى، كما أنها غير عالقة في محطات الحياة.
على كل مجتمع اليوم مهمة تتمثل في مواجهة التحدي الذي يشكله العالم المسطح. وعلى الدول النامية البدء بالتفكير بشأن تحدي التسطح، والخطوات الأولى لانخراطها في ساحة اللعب العالمية الجديدة تبدأ بمحاولة صادقة من القادة والشعوب في النظرة إلى نفسها وإلى المكانة التي يحتلها مجتمعها في علاقته مع البلدان الأخرى، وفي علاقته كذلك مع عوامل التسطيح. عليهم أن يسألوا أنفسهم "ما مدى تقدم بلدي أو تخلفه في العالم المتسطح، وإلى أي مدى يتكيف مع كل منصات التعاون والتنافس الجديدة ويستفيد منها. ولهذه الغاية يحتاج العالم اليوم إلى نادٍ يمكن صياغته على غرار نادي مدمني الكحول، ويمكن تسميته نادي البلدان النامية. وكما عليك في اجتماع نادي المدمنين الأول الذي تحضره أن تقف وتقول اسمي كذا وأنا مدمن الكحول، كذلك على البلدان في نادي البلدان النامية أن تقف وتقول اسمي كذا وأنا بلد غير متقدم، أو أنا بلد مقصّر ولا أنسجم مع قدراتي، يحتاج كل بلد إلى القدرة على تفحص ذاته، إذ لا يتطور أي بلد من دون الخضوع لصورة بالأشعة تحدد أين يقف وما هي حدوده".
بمعنى آخر، إننا بحاجة إلى عملية نقد شفافة كخطوة أولى باتجاه التغيير. والسؤال هل هناك قابلية لمجتمعاتنا في الخضوع لصورة أشعة تمكننا من تحديد مواطن الخلل والضعف التي تقف عائقاً بوجه انخراطنا في عمليات التغيير التي يشهدها العالم؟
هل نملك جرأة التحديد بصدق مكانتنا ودورنا في دورة هذا العالم الجديد؟ وما الذي يعيقنا حتى الآن؟
هل ما زالت مجتمعاتنا تخضع لتوصيف تييري هنتش بالانغلاق على نفسها، وماذا عن تأثير هذا الانغلاق وإفرازاته في إنساننا وبنانا المجتمعية؟
وإذا كانت العالمية المتمثلة بالعولمة لم تترك مكاناً إلّا وطرقت بابه في العالم فالسؤال هل تمكنت هذه الحركة التغييرية من الولوج إلى مجتمعاتنا أم أن هذه الأخيرة تتصف بجمود يصعب اختراقه؟ وإن كان هناك من اختراق فعلى أي مستوى طال هذه المجتمعات وماذا عن ردة فعلها تجاهه؟
إن تجاوب مجتمعاتنا مع الموجات التغييرية في العالم منذ عصر الأنوار وحملة نابليون على مصر لم تزل موضوع جدل، ولم يزل مفكرو المجتمعات العربية منذ ذلك الحين يحاولون الإجابة عن سؤال لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب في محاولة منهم للنقد الذاتي ولإيجاد مخارج للتأخر الذي تعيشه مجتمعاتنا، إلّا أن كل تلك المحاولات لم تكن قادرة على تشكيل أي حركة فعلية تقود عملية تغيير حقيقية داخل المجتمعات العربية، وبقيت تلك المحاولات أسيرة أغلفة الكتب.
أما عن الأسباب التي حالت دون ذلك، فإننا سنحاول في هذه الدراسة الإجابة عن تلك الأسئلة من خلال عرض واقع المجتمعات العربية منذ تلقيها صدمة الحداثة في الغرب، علماً أن بعض المفكرين يرون أن تأخر العرب وجمود مجتمعاتهم يمتد إلى تاريخ أبعد من تاريخ ولادة الحداثة في الغرب، يعود إلى تلك الفترة التي شهدت سقوط بغداد تحت ضربات المغول الآسيويين، وإلى سقوط غرناطة تحت ضربات الأسبان المسيحيين؛ فهذه المحطات حسب رأيهم أفقدت العرب زمام الأمور بشكل نهائي في الكون الإسلامي وباتوا شعباً أو أمة يتيمة مهددة بالنكوص نحو مجتمع القبائل الأول.
في هذه الدراسة محاولة لرسم صورة واقع المجتمعات العربية من خلال نتاج نخبها، وكذلك الوقوف عند الحلول المجترحة من قبلهم للخروج من المأزق الذي نعانيه، وقابلية هذه الحلول لأن توضع موضع التنفيذ، وهل تفي هذه الحلول بحل المشكلات؟ وإن حملت هذه الإمكانية فما الذي يقف عائقاً دون عملية التغيير؟
Page 3
الجزء الاول
العرب أمام التحولات الكبرى في الغربمن الحداثة إلى العولمة
إن عصر الأنوار الذي شكل نقطة تحول كبرى في النظام المعرفي الغربي وشكل قاعدة التفكير الحداثي كان للعرب إزاءه موقفان، الأول يتطلع بانبهار وإعجاب إلى هذا المنجز التاريخي، والثاني يحمل عليه بشدة. وعلى الرغم من أن معظم المفكرين العرب يرون أن المجتمعات العربية لم تلعب أي دور في تشكيل الحداثة، بل أكثر من ذلك لقد تعاطت معها على أنها غزو وعدوان فكري عليها، إلّا أن ذلك لا يعني أن الحداثة لم ترخ بظلالها على مجتمعاتنا ولم تحرك ساكناً عند مثقفي الأمة؛ على العكس من ذلك لقد أدّت، وخصوصاً منذ حملة نابليون على مصر ومراحل الصراع العثماني الأوروبي؛ إلى حركة عرفت بحركة النهضة العربية حيث شهدت تلك الفترة انفتاحاً على أغلب التيارات الفلسفية والفكرية الغربية، فتمت ترجمة عدد كبير من المؤلفات كما أن الفكر في تلك المرحلة شهد تحولاً نوعياً هاماً مع الكواكبي الذي أدخل البعد العقلاني وأضاف إلى الهم السياسي الإصلاحي أسسه النظرية مركزاً على مفهوم التقدم والأخذ بأسباب العلم والصناعة (8)، كما أن أطروحة التقدم قد هيمنت على مفكري تلك الحقبة، إلّا أن تصور هذا المفهوم سيقع كقطيعة مع الذات وتماهٍ مع الآخرين، وبالاعتماد الكلي للقيم الثقافية للحضارة الغربية وأنماطها المؤسسية، كما أنه، وبمقابل هذا التيار، كان هناك تيار السلفية الإصلاحية التي رفضت هذا الخطاب الحداثوي وحاربت الدعوة إلى الانفصال عن الدين وتعويض العقلانية العلمية به. إلّا أنها مع ذلك تبنت النظرة التنويرية وإن من منطلق تأويلي للنصوص الدينية كتجربة الأفغاني التي حملت بشدة على الاتجاهات التحديثية ورأت فيها أصل الحروب.
لكنّ هذه الحملة الأفغانية ضد الحداثة والتغريب لم تمنع الأفغاني من أن يستعيد، على مستوى تأويل التراث، كل قيم الحداثة والتنوير من تأكيد العقلانية وتمجيد العلم ومحاربة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والديمقراطية، وهو الموقف الذي سيتجذر على يد تلميذه محمد عبده وكذلك رشيد رضا.
والواقع أن هذا الحراك الفكري لم يكن حراكاً على مستوى المشاركة في الحداثة بقدر ما كان رد فعل على الحداثة باتجاهين، الأول متبن لها والثاني مناهض لها وإن كان استقى منها ما بهره فيها. ومما جعل التأثر بالحداثة يقتصر على ردود الفعل عند النخب الفكرية العربية هو (9) الواقع الذي يقع المثقف العربي تحت وطأته، حيث إن هذا المثقف له عقده وأبعاده وإرثه الطويل الثقيل؛ صحيح أنه يعيش ويشعر في مجتمع متخلف، ولكنه لا يستطيع أن ينسى أنه ابن حضارة قادت الدنيا ثمانمئة سنة وكانت قمة حضارات العصور الوسطى، كما كانت الحضارة الهلينستية منتهى حضارات العصور القديمة. هذا الوضع يجعل المرارة تنبث في لب العطاء عنده ويجعل التوجيه الفكري يعقل الجناح شاء أم أبى بظلال الماضي والتراث والتاريخانية.
والغريب أن هذا الوضع نفسه يجعل الأمل أيضاً في عودة الأمس سهلاً قريب الإمكان، وإن كانت كل المعطيات قد تغيّرت. "من هنا نبع منذ أوائل عصر النهضة العربية في القرن الماضي ثالوث الصفات التي اتسم بها التوجيه الفكري لدى المثقف العربي. أعمدة النهضة الأوائل لم يكن تفكيرهم يجاوز هذه الدوائر الثلاث، الفجيعة بالواقع وعجزه أمام الآخر (الأوروبي) وتألق التراث الماضي ورقصه للعيون في أجواء وردية معظمها وهمي، وأمل اعتبروه بديهياً بأن ذلك الماضي لا بد عائد... الأولون كالجبرتي والطهطاوي ومكرم ساهموا في نشر هذه الأفكار كما ساهم الآخرون كرشيد رضا واليازجي وصروف وشميل والكواكبي وقاسم أمين والبساتنة (سليم وبطرس).... وإن أكد بعضهم على تقليد الغرب كلطفي السيد أو إحياء التراث الديني كالأفغاني وخير الدين التونسي ومحمد عبده... كلهم في التحليل الأخير كانوا يدورون ضمن هذا الإطار المتصل بالذات العربية وبالأنا التي بدأت بالتأزم. السمة الوحيدة الرابعة لهذا العطاء الفكري كانت سمة تتصل بالآخر وتتضخم من دون انقطاع مع زيادة الاحتكاك بالغرب ومعاناة مآسيه، هي استيراد المعرفة والعلم من الحضارة الغربية. محمد علي استورد الطب والنظم العسكرية وفتح الطريق. ثم توالى ازدياد الاعتقاد بضرورة المعارف الأخرى، وقد نجم عن هذا التدفق المتزايد لأوضاع الغرب على البلدان العربية أن أصبح التوجيه الفكري للمثقفين لا يرى مندوحة عن ضرورته من جهة وإن بدأ يظهر من هذا التوجيه نوع من الرعب والقلق من جهة، أخرى خشية أن لا نلم بكل ما في الغرب أو في أن يفوت العرب القطار. ولعل أهم ما كسبوه في هذه الفترة هو الإحساس بحركة الزمن والوعي بضرورة التفكير في المستقبل والإعداد له... كان الزمن مكروراً إلى الأبد والمستقبل مرتبطاً بالآخرة ويوم الحساب. دخول الغرب على الخط وتقدمه كان انقلاباً في الأفكار والأقلام. المثقفون على قلتهم لم يكونوا يستطيعون إغفال الإشارة إلى منجزات الغرب ويقترحون في نوع من التوفيقية الموائمة بين التراث والآمال من جهة وبين التقدم الغربي من جهة أخرى. حتى رجال الدين كانوا يبشرون بذلك وصارت الطبقات القارئة تقرأ في أواخر القرن الماضي ما لم تقرأه في أوله البتة من عطاء الفكر الجديد.
صار التمثل بالغرب بديهة فكرية وصارت كتابة المثقفين العرب عنه ومعرفته مشاهدة أو لغة أو كتباً ميزة ثقافية. بل إن بعضهم وثب إلى النهايات فترجم تطور الأنواع ونظرية النشوء والارتقاء كشبلي شميل، أو طالب بتحرير المرأة كقاسم أمين أو بتطوير الفكر العربي كمحمد عبده، أو تغيير نظم الحكم كعبد الرحمن الكواكبي، أو تحدث عن جمع الأمة الإسلامية كجمال الدين الإفغاني، أو تبنى ورافع عن الفكر الغربي أمثال موسى سلامة ولطفي السيد، أو ترجم الإلياذة والأوديسة بكاملهما شعراً كسليم البستاني، أو حاول وضع موسوعة بالعربية كبطرس البستاني. ظهر التغريب في التوجيه الفكري علامة تقدم وريادة.. لقد تطعم العطاء الفكري للمثقف العربي نهائياً بالطعم الغربي، وصار من أركان الفكر عنده.. إلّا أن موجات الفكر هذه والعطاء الثقافي في معظم أقطار العرب عجزا عن حمل المجتمع والثقافة نحو نتائج إيجابية مرضية للناس. لقد خرجت البلدان العربية من ربع القرن السابق تترنح لتدخل ربع القرن التالي (القرن العشرين) فتبلغ فيه روحها التراقي. دهم الفكر والثقافة ما بين 1970 و1995 الزمن الرديء... وإذا كان الأمر في القرن الماضي مجابهة الغرب وخلق ذات جديدة فقد انتهى القرن الحالي إلى زلزلة الهوية القومية وإلى حالة من التبعية للغرب ليس بينها وبين العبودية إلّا الاسم، فنحن نعيش عهد النخاسة الدولية اليوم بكل مآسيها".
العرب أمام التحولات الكبرى في الغربمن الحداثة إلى العولمة
إن عصر الأنوار الذي شكل نقطة تحول كبرى في النظام المعرفي الغربي وشكل قاعدة التفكير الحداثي كان للعرب إزاءه موقفان، الأول يتطلع بانبهار وإعجاب إلى هذا المنجز التاريخي، والثاني يحمل عليه بشدة. وعلى الرغم من أن معظم المفكرين العرب يرون أن المجتمعات العربية لم تلعب أي دور في تشكيل الحداثة، بل أكثر من ذلك لقد تعاطت معها على أنها غزو وعدوان فكري عليها، إلّا أن ذلك لا يعني أن الحداثة لم ترخ بظلالها على مجتمعاتنا ولم تحرك ساكناً عند مثقفي الأمة؛ على العكس من ذلك لقد أدّت، وخصوصاً منذ حملة نابليون على مصر ومراحل الصراع العثماني الأوروبي؛ إلى حركة عرفت بحركة النهضة العربية حيث شهدت تلك الفترة انفتاحاً على أغلب التيارات الفلسفية والفكرية الغربية، فتمت ترجمة عدد كبير من المؤلفات كما أن الفكر في تلك المرحلة شهد تحولاً نوعياً هاماً مع الكواكبي الذي أدخل البعد العقلاني وأضاف إلى الهم السياسي الإصلاحي أسسه النظرية مركزاً على مفهوم التقدم والأخذ بأسباب العلم والصناعة (8)، كما أن أطروحة التقدم قد هيمنت على مفكري تلك الحقبة، إلّا أن تصور هذا المفهوم سيقع كقطيعة مع الذات وتماهٍ مع الآخرين، وبالاعتماد الكلي للقيم الثقافية للحضارة الغربية وأنماطها المؤسسية، كما أنه، وبمقابل هذا التيار، كان هناك تيار السلفية الإصلاحية التي رفضت هذا الخطاب الحداثوي وحاربت الدعوة إلى الانفصال عن الدين وتعويض العقلانية العلمية به. إلّا أنها مع ذلك تبنت النظرة التنويرية وإن من منطلق تأويلي للنصوص الدينية كتجربة الأفغاني التي حملت بشدة على الاتجاهات التحديثية ورأت فيها أصل الحروب.
لكنّ هذه الحملة الأفغانية ضد الحداثة والتغريب لم تمنع الأفغاني من أن يستعيد، على مستوى تأويل التراث، كل قيم الحداثة والتنوير من تأكيد العقلانية وتمجيد العلم ومحاربة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والديمقراطية، وهو الموقف الذي سيتجذر على يد تلميذه محمد عبده وكذلك رشيد رضا.
والواقع أن هذا الحراك الفكري لم يكن حراكاً على مستوى المشاركة في الحداثة بقدر ما كان رد فعل على الحداثة باتجاهين، الأول متبن لها والثاني مناهض لها وإن كان استقى منها ما بهره فيها. ومما جعل التأثر بالحداثة يقتصر على ردود الفعل عند النخب الفكرية العربية هو (9) الواقع الذي يقع المثقف العربي تحت وطأته، حيث إن هذا المثقف له عقده وأبعاده وإرثه الطويل الثقيل؛ صحيح أنه يعيش ويشعر في مجتمع متخلف، ولكنه لا يستطيع أن ينسى أنه ابن حضارة قادت الدنيا ثمانمئة سنة وكانت قمة حضارات العصور الوسطى، كما كانت الحضارة الهلينستية منتهى حضارات العصور القديمة. هذا الوضع يجعل المرارة تنبث في لب العطاء عنده ويجعل التوجيه الفكري يعقل الجناح شاء أم أبى بظلال الماضي والتراث والتاريخانية.
والغريب أن هذا الوضع نفسه يجعل الأمل أيضاً في عودة الأمس سهلاً قريب الإمكان، وإن كانت كل المعطيات قد تغيّرت. "من هنا نبع منذ أوائل عصر النهضة العربية في القرن الماضي ثالوث الصفات التي اتسم بها التوجيه الفكري لدى المثقف العربي. أعمدة النهضة الأوائل لم يكن تفكيرهم يجاوز هذه الدوائر الثلاث، الفجيعة بالواقع وعجزه أمام الآخر (الأوروبي) وتألق التراث الماضي ورقصه للعيون في أجواء وردية معظمها وهمي، وأمل اعتبروه بديهياً بأن ذلك الماضي لا بد عائد... الأولون كالجبرتي والطهطاوي ومكرم ساهموا في نشر هذه الأفكار كما ساهم الآخرون كرشيد رضا واليازجي وصروف وشميل والكواكبي وقاسم أمين والبساتنة (سليم وبطرس).... وإن أكد بعضهم على تقليد الغرب كلطفي السيد أو إحياء التراث الديني كالأفغاني وخير الدين التونسي ومحمد عبده... كلهم في التحليل الأخير كانوا يدورون ضمن هذا الإطار المتصل بالذات العربية وبالأنا التي بدأت بالتأزم. السمة الوحيدة الرابعة لهذا العطاء الفكري كانت سمة تتصل بالآخر وتتضخم من دون انقطاع مع زيادة الاحتكاك بالغرب ومعاناة مآسيه، هي استيراد المعرفة والعلم من الحضارة الغربية. محمد علي استورد الطب والنظم العسكرية وفتح الطريق. ثم توالى ازدياد الاعتقاد بضرورة المعارف الأخرى، وقد نجم عن هذا التدفق المتزايد لأوضاع الغرب على البلدان العربية أن أصبح التوجيه الفكري للمثقفين لا يرى مندوحة عن ضرورته من جهة وإن بدأ يظهر من هذا التوجيه نوع من الرعب والقلق من جهة، أخرى خشية أن لا نلم بكل ما في الغرب أو في أن يفوت العرب القطار. ولعل أهم ما كسبوه في هذه الفترة هو الإحساس بحركة الزمن والوعي بضرورة التفكير في المستقبل والإعداد له... كان الزمن مكروراً إلى الأبد والمستقبل مرتبطاً بالآخرة ويوم الحساب. دخول الغرب على الخط وتقدمه كان انقلاباً في الأفكار والأقلام. المثقفون على قلتهم لم يكونوا يستطيعون إغفال الإشارة إلى منجزات الغرب ويقترحون في نوع من التوفيقية الموائمة بين التراث والآمال من جهة وبين التقدم الغربي من جهة أخرى. حتى رجال الدين كانوا يبشرون بذلك وصارت الطبقات القارئة تقرأ في أواخر القرن الماضي ما لم تقرأه في أوله البتة من عطاء الفكر الجديد.
صار التمثل بالغرب بديهة فكرية وصارت كتابة المثقفين العرب عنه ومعرفته مشاهدة أو لغة أو كتباً ميزة ثقافية. بل إن بعضهم وثب إلى النهايات فترجم تطور الأنواع ونظرية النشوء والارتقاء كشبلي شميل، أو طالب بتحرير المرأة كقاسم أمين أو بتطوير الفكر العربي كمحمد عبده، أو تغيير نظم الحكم كعبد الرحمن الكواكبي، أو تحدث عن جمع الأمة الإسلامية كجمال الدين الإفغاني، أو تبنى ورافع عن الفكر الغربي أمثال موسى سلامة ولطفي السيد، أو ترجم الإلياذة والأوديسة بكاملهما شعراً كسليم البستاني، أو حاول وضع موسوعة بالعربية كبطرس البستاني. ظهر التغريب في التوجيه الفكري علامة تقدم وريادة.. لقد تطعم العطاء الفكري للمثقف العربي نهائياً بالطعم الغربي، وصار من أركان الفكر عنده.. إلّا أن موجات الفكر هذه والعطاء الثقافي في معظم أقطار العرب عجزا عن حمل المجتمع والثقافة نحو نتائج إيجابية مرضية للناس. لقد خرجت البلدان العربية من ربع القرن السابق تترنح لتدخل ربع القرن التالي (القرن العشرين) فتبلغ فيه روحها التراقي. دهم الفكر والثقافة ما بين 1970 و1995 الزمن الرديء... وإذا كان الأمر في القرن الماضي مجابهة الغرب وخلق ذات جديدة فقد انتهى القرن الحالي إلى زلزلة الهوية القومية وإلى حالة من التبعية للغرب ليس بينها وبين العبودية إلّا الاسم، فنحن نعيش عهد النخاسة الدولية اليوم بكل مآسيها".
Page 4
لماذا وصل العرب إلى هذا الوضع المتردي وهذه الحال من التراجع في الوقت الذي يخطو التقدم بخطى متسارعة في المجتمعات الغربية، يعود السؤال القديم الجديد إلى الواجهة لماذا تراجعت بلدان الإسلام الواقعة على الضفة الجنوبية والشرقية من حوض البحر المتوسط وانتعشت بلدان أوروبا المسيحية من البحر ذاته. يعتبر محمد أركون أن (10) "النهضة حصلت أولاً في إيطاليا قبل أن تنتقل إلى فرنسا وانكلترا أو بلدان أوروبا الأخرى. ثم راحت الحداثة المادية والفكرية تتشكل مرحلة بعد مرحلة والعالم العربي أو الإسلامي يغط في نوم عميق حتى القرن التاسع عشر. هذا يعني أنه لم يلعب أي دور في تشكيل الحداثة. فلماذا غاب عن هذه المغامرة التاريخية الكبرى للحداثة؟ ثم لماذا تظهر فيه حتى أواخر هذا القرن العشرين قوى ارتدادية هائلة ترفض الغرب وحداثته بكل قوة وعنف؟...". ويضيف "بأن الفكر الممارس في المجتمعات الإسلامية يجد نفسه مرة أخرى وهو يتخبط في الفوضى المعنوية الشاملة الناتجة عن العنف المزدوج والمتضافر الذي يسببه الجهاد الأصولي والعولمة الغربية في آن واحد أن الفكر في المجتمعات التي يهيمن عليها الدين الإسلامي يجد نفسه معرقلاً جداً من قبل اللامفكر فيه والمتراكم منذ القرن السادس عشر، بمعنى أن الفكر توقف في تلك المجتمعات عن التطور منذ عدة قرون وطوال تشكل الحداثة في الغرب. وبالتالي تنقصه أشياء كثيرة لكي يستطيع المشاركة في المناقشة المفتوحة حالياً على مستوى العالم بأسره. ينبغي أن يشارك في هذه المناقشة العلمية والفلسفية الكبرى بطريقة أخرى غير طريقة الأصوليين: أي بغير طريقة ردود الفعل العنيفة التي تشكل المساهمة الوحيدة للفقراء والمنبوذين. لقد آن الأوان لكي يشارك الفكر العربي والإسلامي في هذه المناقشة الكونية بطريقة مسؤولة وجادة، وآن الأوان لكي يدخل المسلمون التاريخ بطريقة أخرى فاعلة وليس كمستهلكين سلبيين فقط (أي يستهلكون منتجات الحداثة ولا ينتجونها)... نحن عالة على العالم في الوضع الحالي. بل إننا عالة عليه ليس في العلوم الفيزيائية والتكنولوجية فقط وإنما في العلوم الإنسانية والفلسفية.
على العرب التحرك بمسؤولية لأنه للمرة الأولى أصبح التراث الإسلامي العريق واقعاً تحت تأثير قوى العولمة أو الحداثة الكاسحة بشكل نهائي لا رجعة عنها، بمعنى أن الأمور لن تكون بعد اليوم كما كانت عليه من قبل، وسوف تضطر النواة الصلبة لهذا التراث الإسلامي إلى التغير والتحلحل والتبدل لأول مرة في التاريخ. ولن تستطيع بعد اليوم أن تتحاشى قوى العلمنة والحداثة التي تحيط بها من كل جانب".
وفي السياق نفسه يعرض سيار الجميل (11) ردود الفعل العربية والإسلامية إزاء العولمة في النواحي الحياتية كافة ويعدد ما أفرزته من انعكاسات على منطقتنا بالذات على النحو الآتي:
1- اضمحلال الأمن الاقتصادي بفعل التنمية المفقودة وعوامل الاندثار والحروب الخاسرة وضعف الإنتاج، وتفكك العلاقات الاقتصادية وفشل العرب في تأسيس أية سوق إقليمية مشتركة. فضلاً عن الاستثمارات المالية في الغرب والإنفاقات الطائشة على الجيوش والتسلح، والإعلاميات الكاذبة، والحركات السياسية والانقلابات وعلى الاستهلاكيات والكماليات...
2- تفكك النمو الأيكولوجي: وقد نجم هذا التفكك بفعل ضعف النمو الاقتصادي، إذا كان لا بد من أن يخطو العرب والعالم الإسلامي معاً خطوات واسعة في النمو الصناعي وزيادة الإنتاج والطاقة والعمل على مكننة الزراعة وعلى الاستثمارات فيها ومن خلال استخدامات طبقت في الغرب بكل ما لديها من تجارب... ولكن أضراراً بالغة بيئية وطبيعية وبشرية لا يمكن تقديرها قد أصابت مختلف البنى الاقتصادية والاجتماعية بفعل عدم تملكها للآليات اللازمة أو مهارتها كأيد عاملة لازمة، ومع كل هذا وذاك سيترافق هذا التفكك مع التخلف وسيادة الأمية واستشراء جهالة (المثقفين) وتوقف الوعي وانحسار التقدم بالرجوع إلى الوراء وتفاقم المخاطر الماضوية.
3- انعدام اللغة التحديثية المشتركة بين عالمين اثنين، أولهما مركزي بيده مقاليد الحياة العصرية... وثانيهما هامشي... يرزح تحت وطأة التخلف السياسي والاجتماعي والضعف الاقتصادي...
4- لقد اثبتت الأحداث التي ترجمت حركة التحولات في السنوات الأخيرة أن المنظمات السياسية والاقتصادية لبلدان الجنوب... لم تكن سوى أندية سياسية استعراضية هشة، أو ملتقيات لخطابات وشعارات، أو قاعات يتبادل فيها الأعضاء الأحاديث الودية، وإصدار البيانات والإعلانات لا غير!
5- لقد أثبتت صور الأحداث السياسية والتكتلات الدولية والإقليمية في القرن العشرين التفكير السياسي المتعاكس لرجالات العالم الإسلامي وقادته في النصف الأول من القرن وتبايناته في النصف الثاني منه... إن ما كان يدركه ويفكر فيه رجالات النظام السياسي القديم في فترة ما بين الحربين العالميتين قد اختلف كثيراً عن الذي طغى سياسياً وأيديولوجياً في ما كان يفكر فيه رجالات النظام السياسي الجديد منذ الخمسينيات. وعلينا أن نقارن ما كان يدركه رجالات مثل غاندي في الهند.. والملك فيصل الأول ونوري السعيد في العراق وغيرهم.. مقارنة برجالات رياديين في العالم الإسلامي تبدلت مفاهيمهم وأساليبهم وصيغهم في التعامل مع الغرب ومنهم جمال عبد الناصر، سوكارنو، فيدل كاسترو وغيرهم.
6- لعل ما يحتاج إليه العرب والعالم الإسلامي قاطبة لمواكبة التحولات الكبرى، أنه لا يمكنهم أبداً الانعزال عن العالم والانكماش على الذات.. يكمن في مجابهة التحديات الجديدة التي سيفرضها النظام الدولي القادم من خلال التنمية السياسية والتنمية الفكرية.. وتطبيق التعددية وممارسة الديمقراطية من خلال الإيمان بالثوابت المدنية وتدعيم حقوق الإنسان في كل العالم والعمل على حل المشكلات والمعضلات المعقدة.. ومحاولة إيجاد سبل جديدة للتفاهم مع العالم دون الانقلاب ودون فقدان الثوابت.
يبدو من خلال ما تقدم أن مجتمعاتنا تعيش مأزقاً حقيقياً فهي تسبح في فضاء ظلامي بالمعنيين اللذين يحملهما هذا المصطلح: ظلام من ظلمة وظلام من ظلم وتظلم في ظل أنظمة استبدادية وقمعية.
وليس بخافٍ على أحد ما ترتبه هذه الوضعية من واقع مأساوي على المجتمع وبناه وإنسانه، وكيف تقف عائقاً بوجه أي عملية نهوض أو أي مشروع تحرري. فهي من خلال تظلمها تلقي بالظلام في فضاءات مجتمعاتها، ويعود لها محاصرة كل النتاج الإصلاحي الذي خطه مفكروها على قلتهم بين دفات الكتب، لا بل أكثر من ذلك وأخطر من ذلك كله ما كرسته من بنى مجتمعية جل ما تنتجه عقول قاصرة جامدة رافضة للتغيير وتتطلع إليه بصفته مؤامرة عليها وغزواً لها. وقد نجحت طوال المراحل السابقة في عملية إغلاق نوافذ الانفتاح على مجتمعاتها. إلّا أن التغيير الذي يشهده العالم من حولها يتخذ الآن شكلاً مختلفاً وإيقاعاً مختلفاً؛ إنه كالفيروسات التي تطور نفسها مقاومة الترياقات التي وضعت لها بحيث أصبح هذا التغيير يتسم بصفة السرعة المباغتة والقدرة على التسلل حيثما كان، بحيث لم يعد بإمكان أي مجتمع من المجتمعات أن يحيد بنفسه عنه، واستراتيجيات الحماية لم تعد تتمتع بالفاعلية ذاتها، وكما أنَّ لعل هذا ما يفسر التخبط الذي تعيش فيه هذه المجتمعات حالياً، وهو الذي يفسر إطلاق الدعوات من الاتجاهات كافة ومن جموع المفكرين على اختلاف أطيافهم، بضرورة التنبه لما يحصل في العالم من تغيير وأهمية مواكبته والمشاركة فيه قبل أن يفعل كما تفعل السيول، أي قبل أن يجرف كل ما يطاله.
وقبل الدخول في تقديم التصورات والخطط الكفيلة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتدارك الوضع قبل فوات الأوان، لا بد من التوقف عند واقع هذه المجتمعات وواقع الفرد فيها وعن نظرته إليها، نظراً لأهمية ذلك في تقديم جواب عن سؤال لماذا نحن على ما نحن عليه. كما إن تصوير الواقع يمكن أن يبيّن لنا ما إذا كان هناك من إمكانية لإحداث عملية نهوض أو تغيير فيه ومن أين وكيف يباشر بها؟
على العرب التحرك بمسؤولية لأنه للمرة الأولى أصبح التراث الإسلامي العريق واقعاً تحت تأثير قوى العولمة أو الحداثة الكاسحة بشكل نهائي لا رجعة عنها، بمعنى أن الأمور لن تكون بعد اليوم كما كانت عليه من قبل، وسوف تضطر النواة الصلبة لهذا التراث الإسلامي إلى التغير والتحلحل والتبدل لأول مرة في التاريخ. ولن تستطيع بعد اليوم أن تتحاشى قوى العلمنة والحداثة التي تحيط بها من كل جانب".
وفي السياق نفسه يعرض سيار الجميل (11) ردود الفعل العربية والإسلامية إزاء العولمة في النواحي الحياتية كافة ويعدد ما أفرزته من انعكاسات على منطقتنا بالذات على النحو الآتي:
1- اضمحلال الأمن الاقتصادي بفعل التنمية المفقودة وعوامل الاندثار والحروب الخاسرة وضعف الإنتاج، وتفكك العلاقات الاقتصادية وفشل العرب في تأسيس أية سوق إقليمية مشتركة. فضلاً عن الاستثمارات المالية في الغرب والإنفاقات الطائشة على الجيوش والتسلح، والإعلاميات الكاذبة، والحركات السياسية والانقلابات وعلى الاستهلاكيات والكماليات...
2- تفكك النمو الأيكولوجي: وقد نجم هذا التفكك بفعل ضعف النمو الاقتصادي، إذا كان لا بد من أن يخطو العرب والعالم الإسلامي معاً خطوات واسعة في النمو الصناعي وزيادة الإنتاج والطاقة والعمل على مكننة الزراعة وعلى الاستثمارات فيها ومن خلال استخدامات طبقت في الغرب بكل ما لديها من تجارب... ولكن أضراراً بالغة بيئية وطبيعية وبشرية لا يمكن تقديرها قد أصابت مختلف البنى الاقتصادية والاجتماعية بفعل عدم تملكها للآليات اللازمة أو مهارتها كأيد عاملة لازمة، ومع كل هذا وذاك سيترافق هذا التفكك مع التخلف وسيادة الأمية واستشراء جهالة (المثقفين) وتوقف الوعي وانحسار التقدم بالرجوع إلى الوراء وتفاقم المخاطر الماضوية.
3- انعدام اللغة التحديثية المشتركة بين عالمين اثنين، أولهما مركزي بيده مقاليد الحياة العصرية... وثانيهما هامشي... يرزح تحت وطأة التخلف السياسي والاجتماعي والضعف الاقتصادي...
4- لقد اثبتت الأحداث التي ترجمت حركة التحولات في السنوات الأخيرة أن المنظمات السياسية والاقتصادية لبلدان الجنوب... لم تكن سوى أندية سياسية استعراضية هشة، أو ملتقيات لخطابات وشعارات، أو قاعات يتبادل فيها الأعضاء الأحاديث الودية، وإصدار البيانات والإعلانات لا غير!
5- لقد أثبتت صور الأحداث السياسية والتكتلات الدولية والإقليمية في القرن العشرين التفكير السياسي المتعاكس لرجالات العالم الإسلامي وقادته في النصف الأول من القرن وتبايناته في النصف الثاني منه... إن ما كان يدركه ويفكر فيه رجالات النظام السياسي القديم في فترة ما بين الحربين العالميتين قد اختلف كثيراً عن الذي طغى سياسياً وأيديولوجياً في ما كان يفكر فيه رجالات النظام السياسي الجديد منذ الخمسينيات. وعلينا أن نقارن ما كان يدركه رجالات مثل غاندي في الهند.. والملك فيصل الأول ونوري السعيد في العراق وغيرهم.. مقارنة برجالات رياديين في العالم الإسلامي تبدلت مفاهيمهم وأساليبهم وصيغهم في التعامل مع الغرب ومنهم جمال عبد الناصر، سوكارنو، فيدل كاسترو وغيرهم.
6- لعل ما يحتاج إليه العرب والعالم الإسلامي قاطبة لمواكبة التحولات الكبرى، أنه لا يمكنهم أبداً الانعزال عن العالم والانكماش على الذات.. يكمن في مجابهة التحديات الجديدة التي سيفرضها النظام الدولي القادم من خلال التنمية السياسية والتنمية الفكرية.. وتطبيق التعددية وممارسة الديمقراطية من خلال الإيمان بالثوابت المدنية وتدعيم حقوق الإنسان في كل العالم والعمل على حل المشكلات والمعضلات المعقدة.. ومحاولة إيجاد سبل جديدة للتفاهم مع العالم دون الانقلاب ودون فقدان الثوابت.
يبدو من خلال ما تقدم أن مجتمعاتنا تعيش مأزقاً حقيقياً فهي تسبح في فضاء ظلامي بالمعنيين اللذين يحملهما هذا المصطلح: ظلام من ظلمة وظلام من ظلم وتظلم في ظل أنظمة استبدادية وقمعية.
وليس بخافٍ على أحد ما ترتبه هذه الوضعية من واقع مأساوي على المجتمع وبناه وإنسانه، وكيف تقف عائقاً بوجه أي عملية نهوض أو أي مشروع تحرري. فهي من خلال تظلمها تلقي بالظلام في فضاءات مجتمعاتها، ويعود لها محاصرة كل النتاج الإصلاحي الذي خطه مفكروها على قلتهم بين دفات الكتب، لا بل أكثر من ذلك وأخطر من ذلك كله ما كرسته من بنى مجتمعية جل ما تنتجه عقول قاصرة جامدة رافضة للتغيير وتتطلع إليه بصفته مؤامرة عليها وغزواً لها. وقد نجحت طوال المراحل السابقة في عملية إغلاق نوافذ الانفتاح على مجتمعاتها. إلّا أن التغيير الذي يشهده العالم من حولها يتخذ الآن شكلاً مختلفاً وإيقاعاً مختلفاً؛ إنه كالفيروسات التي تطور نفسها مقاومة الترياقات التي وضعت لها بحيث أصبح هذا التغيير يتسم بصفة السرعة المباغتة والقدرة على التسلل حيثما كان، بحيث لم يعد بإمكان أي مجتمع من المجتمعات أن يحيد بنفسه عنه، واستراتيجيات الحماية لم تعد تتمتع بالفاعلية ذاتها، وكما أنَّ لعل هذا ما يفسر التخبط الذي تعيش فيه هذه المجتمعات حالياً، وهو الذي يفسر إطلاق الدعوات من الاتجاهات كافة ومن جموع المفكرين على اختلاف أطيافهم، بضرورة التنبه لما يحصل في العالم من تغيير وأهمية مواكبته والمشاركة فيه قبل أن يفعل كما تفعل السيول، أي قبل أن يجرف كل ما يطاله.
وقبل الدخول في تقديم التصورات والخطط الكفيلة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتدارك الوضع قبل فوات الأوان، لا بد من التوقف عند واقع هذه المجتمعات وواقع الفرد فيها وعن نظرته إليها، نظراً لأهمية ذلك في تقديم جواب عن سؤال لماذا نحن على ما نحن عليه. كما إن تصوير الواقع يمكن أن يبيّن لنا ما إذا كان هناك من إمكانية لإحداث عملية نهوض أو تغيير فيه ومن أين وكيف يباشر بها؟