eKtab
EN ع
الإدارة الالكترونية
Read free sample

الإدارة الالكترونية

by د. عمر أحمد أبو هاشم الشريف

Page 1

المقدمة

عندما ينتظم عقد مجموعة من الأفراد من أجل تحقيق هدف معين، يصبح من الضروري عندئذ أن تكون هناك إدارة تعمل على تهيئة الظروف، وتنظيم الجهود، من أجل الوصول إلي الأهداف المطلوبة.

ووظيفة الإدارة وظيفة ضرورية لتحقيق الأهداف، وهي لا تخص شخصاً واحداً في التنظيم، بل تمتد لتشمل جميع المستويات الإدارية، وأنها إذا ما نجحت في إيجاد التنسيق بين الوظائف، وتهيئة الأجواء المناسبة للعمل، ضمنت بالتالي تحقيق الأهداف ، فالإدارة إذن معيار للنجاح أو الفشل.

والإدارة لا تعمل من أجل تحقيق الأهداف في أجواء وهمية، بل تعمل في ظروف داخل التنظيم، وكذلك ظروف خارجية في البيئة المحيطة، وهي في سعيها لتحقيق الأهداف المطلوبة تستقطب مصادر العمل من موارد مادية وبشرية، وقدرتها على تحقيق الأهداف يخضع لمعيارين هما:

الأول: كفاءة الإدارة وقدرتها على التكيف مع الظروف الداخلية والخارجية.

الثاني : القدرة على تطبيق المبادئ والأساليب الإدارية في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية.

ويمكن القول أن جودة الإدارة وكفاءتها خاصية هامة من الخصائص التي تميز المجتمعات المتقدمة على النامية، وذلك لقدرتها على استغلال وتوجيه الإمكانات والموارد المادية والبشرية لتحقيق الأهداف المنشودة، ولذلك زادت أهمية الإدارة في المجتمعات الحديثة، وازدادت هذه الأهمية بزيادة النشاط البشري واتساعه وتوجيهه نحو التخصص والتنوع والتفرع

كما أحدثت التطورات التكنولوجية_ وما زالت تحدث _ تغيرات كثيرة في تشكيل الإدارة وأنماطها، وأصبح على القائمين بالأعمال الإدارية أن يواجهوا تحديات التنظيمات البشرية والعلاقات الإنسانية وتعقيداتها، كما أصبح أهم ما يميز الإدارة هو استخدامها وتطبيقها لأدوات وأساليب ونتائج الكثير من البحوث والدراسات في ميادين المعرفة 

والجدير بالذكر أن الإدارة بصفة عامة بمعناها العلمي ظهرت في مطلع القرن العشرين، وبالتحديد في عام (1911م) في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ذلك بظهور كتاب " مبادئ الإدارة العلمية " الذي ألفه العالم (فريدريك تيلور) (Frederick Taylor) _الذي لقب بأبي الإدارةالعلمية _ وأصبح تيلور بهذا رائدا للمدرسة العلمية في الإدارة Scientific School of Management

وبآراء تيلور أصبحت الإدارة العلمية حركة عالمية خاصة بعد أن عقد أول مؤتمر دولي للإدارة العلمية في (براغ) عام 1924م ، وبعد أن لعب علم الإدارة دوراً حاسماً في الحرب العالمية الثانية، حيث أكد على انه –أي علم الإدارة _ السبيل لضمان استغلال الإمكانات المتاحة الماديةوالبشرية استغلالاً يكفل الحصول على النصر بأقل جهد وكلفة

ومن المؤسسات الصناعية والتجارية والعسكرية انتقل علم الإدارة إلي مجال التربية والتعليم، فظهر نتيجة لذلك نظريات تتصل بالإدارة التربوية؛ ولذا يعتبر ميدان الإدارة التربوية والتعليمية من الميادين الأحدث في مجال الإدارة، وإن كانت الممارسات الفعلية لها قديمة قدم الحضارة البشرية ذاتها، واعتمد علم الإدارة التربوية في تطوره على مفاهيم الإدارة في الصناعة والتجارة والمجال العسكري وإدارة الأعمال في النصف الأول من القرن العشرين.

المؤلف

Page 2

1- الجذور التاريخية لعلم الإدارة (فترة ما قبل التاريخالعلمي للإدارة)

ترجع الكثير من المفاهيم والأسس المرتبطة بموضوع الإدارة إلي جذور تاريخية في الإدارات القديمة، فقد عرفت هذه الإدارات_ التي سادت الحياة القديمة_ الكثير من المبادئ الإدارية؛ فالإدارة المصرية القديمة والتي تعود في تاريخها إلي القرن الثالث عشر قبل الميلاد أدركت أهمية الإدارة والتنظيم في ظل الدولة البيروقراطية التي عرفها لمصريون القدماء، كما أدركوا أهمية القيادة الإدارية، فعملت الدولة على إعداد موظفيها، واهتمت بتنمية قدراتهم لتمكنهم من القيام بدورهم الإداري، كما طبقت نظاماً للحوافز المادية والمعنوية لتشجيع العمل الإداري.

ويدل تاريخ الصين القديمة _ في ظل الحضارة الصينية _ على أن الإدارة كانت على أعلى مستوى من التنظيم، ونظراً لكثرة المهام الملقاة على عاتق الموظفين، فقد عرفت الصين القديمة امتحان من يشغلون المناصب الإدارية القيادية، وكان ذلك يتم مرة كل ثلاث سنوات، ويحدد في ضوء هذا الامتحان، إما البقاء في المناصب الإدارية والقيادية، أو العزل منها، ونصح فلاسفة الصين القديمة الإداريين والقادة بإتباع الأساليب الإدارية والقيادية القائمة على الحكمة والقدوة الحسنة، والإدراك الواعي للبيئة الاجتماعية، وحذروهم من استخدام العقاب كوسيلة لطاعة المرؤوسين.

وقد أسهمت بلاد اليونان بدور بارز في الفكر الإداري بصفة عامة والقيادة بصفة خاصة _ وساعد على ذلك قيام المجتمع اليوناني القديم على التقسيمات الإدارية (المدينة الدولة) _ ولذا ظهر فيها طابع إداري يقوم على ديمقراطية الإدارة في المدن ذات الطابع الديمقراطي مثل أثينا والتي ظهر فيها فلاسفة اليونان القدماء، وطابع إداري آخر يقوم على ديكتاتورية الإدارة في المدن ذات الطابع العسكري مثل اسبرطة.

وفي الدولة الرومانية القديمة ظهر نظام إداري ضخم يقوم على إدارة الإمبراطورية الرومانية القديمة، وكان من إنجازات هذا الجهاز الإداري إنشاء أضخم شبكة طرق في ذلك الوقت لربط روما بالعديد من الولايات التابعة لها، إلا أنهم اشتهروا بالفصل بين الوظائف الإدارية المدنية والعسكرية، كما عرفوا الرقابة الإدارية، وكذلك الإدارة المحلية ذات التسلسل الوظيفي، ورغم كل هذا اشتهر الرومان القدماء بتركيز السلطة، واحتكار المناصب القيادية للطبقة الأرستقراطية، وهذه الطبقة لم تكن تملك من المؤهلات سوى الثروة والأصل النبيل، وظل هذا طوال فترة الجمهورية فيما بين (500 ق.م – ق14م)، أما في عهد الإمبراطورية الرومانية وحتى سقوطها في الغرب، فقد شهدت الدولة الرومانية القديمة مبتكرات إدارية وقيادية، لعل من أهمها اختيار الرؤساء والإداريين والقادة على أساس القدرات الذهنية والعلمية.

ويمكن القول أن الغرب المسيحي _ في العصور الوسطي وفي العصر الإقطاعي _ لم يقدم تنظيماً إدارياً حكومياً، حيث كانت السلطة والقيادة في هذا العصر _ اللامركزي _ في يد الإقطاعيين الذين أطلقت أيديهم في إدارة كافة الشئون، وفي جميع النواحي، حتى شملت _ أيضا _ الفصل في القضايا بواسطة محكمة يشكلها الإقطاعي برئاسته، ولذا لم تقدم هذه الفترة للتراث الإنساني أفكاراً هامة في مجال الإدارة .

وقد هدف التنظيم الإداري في الإسلام إلي تحقيق هدف شرعي عرف في الفقه الإسلامي بالمصالح المرسلة؛ وهي بمعنى تحقيق كل مصلحة تتمشى مع مقاصد التشريع الإسلامي في جلب المنافع، ودفع المضار، حتى ولو لم يكن هناك حكم شرعي، أو دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.

كما أكد الإسلام على العديد من مبادئ السلوك الإداري من أهمها: المشورة، الحزم المسئولية، ارتباط السلطة بالمسئولية، الوسطية، بالإضافة إلي التأكيد على العلاقات الإنسانية، كما اشترطت الشريعة الإسلامية في الإداريين والقادة: القوة، الأمانة، التقوى، العدل، القدوة، الحسنة، الشورى، الرفق والرحمة بالرعية، التعاون، الصدق، الحكم، التواضع، الشكر، حفظ اللسان، الجود والكرم.

وفي ظل ما سمي بعصر التجارة _ من منتصف القرن السادس عشر وحتى الربع الأخير من القرن الثامن عشر _ شهدت أوروبا في تلك الفترة حركة تطوير للاقتصاد القومي للدول باعتباره وسيلة لتقوية وتعزيز وحدة الدولة، وقد حدث هذا على اثر تفسخ النظم الإقطاعية، وعمدت حركة تطوير الاقتصاد القومي إلي تشجيع التجارة، وتحرير الصناعة، وتطوير الزراعة، وتطلب كل ذلك تنظيماً متكاملاً للاقتصاد القومي، واهتماماً متزايداً بتنظيم الإدارات الحكومية، ورفع مستوى إداراتها، وأطلق على الأسلوب الإداري الذي انتهجته الحكومات الأوربية بأسلوب الإدارة الأبوية، نظراً لقيام الملوك والحكام الأوربيين بتطوير اقتصاد دولهم وحكوماتهم لتعزيز وحدتها، وإعداد ها للحروب والاستعمار.

Page 3

2- التاريخ العلمي للإدارة منذ مطلع القرن العشرين

أ_ المرحلة الأولى ( حقبة المدرسة العلمية في الإدارة)(1900_ 1930م):

يمكن إرجاع نشأة وتطور الإدارة في هذه المرحلة إلي آراء فريدريك تيلور (Frederick-Taylor)، كما تضم آراء وأفكار هنري فايول (Henery-Fayol)، وماكس فيبر (Max-Fueber)، وسميت هذه المرحلة بحركة الإدارة التنظيمية التعليمية، أو ما يسمى بمدرسة الإدارة العلمية. Scientific School Management .

ويمكن القول أن مدرسة الإدارة العلمية Scientific School Management وفلسفتها في أوائل القرن العشرين اهتمت بتغيير الفكر الإداري، ومحاولة الاستخدام الأمثل لعناصر الإنتاج والتي كان من أهمها العامل وما يبذله من جهد. وركزت هذه المرحلة على كفاءة الإنتاج باستخدام عناصر إنتاج محددة، وركزت _ _ أيضا __ علي تحديد أهم معايير العمل والمحافظة عليها، وتخطيط العمل وتنفيذه.

وقام تيلور (Frederick-Taylor) بدراسات ميدانية في المصانع الأمريكية على العمال وأدائهم، ومعدلات الزمن المطلوبة لأداء العمل، والدوافع الاقتصادية لاستثارتهم نحو العمل والإجادة فيه.

وتبلورت لدى تيلور Taylor أفكاره عن المدرسة العلمية في الإدارة فجمعها في كتابة الشهير مبادئ الإدارة العلمية The Principles of Scientific Management، الذي أوضح فيه أن جهد العاملين في إي مؤسسة محدود بقدراتهم الجسمية، وأن الدافع الاقتصادي هو الدافع الأول في الإنتاج، كما أوضح أن العاملين بحاجة دائمة إلي الإشراف والرقابة المباشرة حتى لا يتقاعسوا عن العمل.

وحدد تيلور Taylor المبادئ الإدارية الآتية :

- تحديد طرق وواجبات العمل بطريقة علمية.

- تبسيط الأعمال وتجزئتها.

- تحديد شروط لأداء العمل يلتزم بها كل عامل.

- توفير فرص التدريب اللازمة للعاملين خاصة في المؤسسات التي تتطلب أعمالاً معقدة.

- المكافأة المالية لمن ينجح في إنجاز العمل، والعقاب بالخصم عن الفشل في أداء عمله.

وتتضمن المدرسة العلمية في الإدارة _ بالإضافة _ إلي آراء فريدريك تيلور (Frederick-Taylor) _ آراء كل من هنري فايول (Henry- Fayol) وماكس ويبر (Max- Weber):

وقد قدم المهندس الفرنسي هنري فايول (Henry- Fayol) الذي اهتم بالعمل الإداري أفكاراً إدارية لا تقل أهمية عن ما قدمه فريدريك تيلور (Frederick-Taylor)،إلي جانب أنه تميز عن فريدريك تيلور (Frederick-Taylor) بالنظرة الشاملة للعملية الإدارية، حيث ركز تيلور على أداء العمل وكفاءة العامل،في حين اتسعت نظرة فايول لتشمل العملية الإدارية كلها في محاولة إلي الوصول إلي نظرية عامة في الإدارة.

وتقوم أفكار هنري فايول (Henery-Fayol) على تصنيف وظائف التنظيم الإداري إلي ست مجموعات أساسية هي : الوظائف الفنية، الوظائف المالية، الوظائف التجارية، وظائف المحاسبة، وظائف الصيانة، وأخيراً الوظائف الإدارية، وتمثل هذه الوظائف المهام الأساسية للمديرين، وحدد فايول (Henery-Fayol) وظائف الإدارة Administration Functions في خمسة عناصر هي:التخطيط، التنظيم، التنسيق، التوجيه، الرقابة.

كما قدم ماكس ويبر (Max-Weber) عالم الاجتماع الألماني نظاماً إدارياً يقوم على بيروقراطية الإدارة ، والتي كانت من وجهة نظرة تتفق مع التوجيهات السائدة الناتجة عن التوسع في الإنتاج الصناعي وتضخم المؤسسات الاقتصادية والصناعية والاجتماعية.

وعادة ما توصف البيروقراطية في الإدارة بأنها تنظيم للوظائف الرسمية بقواعد معينة، وقيام هذا التنظيم على مبدأ هام هو التسلسل الإداري، وتحديد الاختصاصات، واختيار الموظفين، وخضوع الجميع لنظام صارم من الأنظمة والقواعد التي تحكم الأنشطة المختلفة للعمل، وتكون هذه القواعد ثابتة ومكتوبة، ويخضع الجميع للإشراف المحكم في أثناء القيام بالمهام والوظائف.

ويحمد لفلاسفة هذه المدرسة أنهم أول من فكر علمياً في تفسير سلوك العامل في المنظمات الإدارية، وفي كيفية حفزه ليعطي مزيداً من البذل والعطاء، غير أن منطلقهم لم يتناول البحث في تحسين أحوال العامل الاجتماعية، وإنما كان منطلقهم هو مناقشة مشاكل الإنتاجية وتحديد كيف يمكن رفع إنتاجية العامل Productivity لكي تزدهر الأيدلوجية الرأسمالية التي تعتمد على زيادة الإنتاج، مع قلة الكلفة كمعيار أساسي لنجاح تلك الأيدلوجية.

وتركت هذه المرحلة آثاراً لا تزال النظم المختلفة بما فيها النظم التعليمية تحاول معالجتها حتى الآن، ومنها على سبيل المثال تمحور النظرة إلي فعالية الأداء حول الإنتاج وكم المخرج، وعلاقته بالكلفة، بالإضافة إلي التمسك بنمط الإدارة المركزية كنمط فعال، واعتبار الاتصال في اتجاه واحد هو الأكثر فعالية، وأن العمال يعتبرون ملتزمين في المؤسسات بتكييف نشاطهم وفق الأطر المرسومة، ولقد عاشت معظم النظم ومنها النظم التربوية، هذه الحقبة وما يزال بعضها يعيشها حتى الآن، ويظهر هذا في تبني مركزية الإدارة ، والاعتماد على إسهامات الإدارة العليا دون الاستعانة برأي المنفذين في الإدارات التنفيذية.

ووجهت العديد من الانتقادات إلي الحقبة العلمية في الإدارة لتجاهلها للعوامل الإنسانية للعاملين، وتأثير هذه العوامل على الإنتاج، بالإضافة إلي مساواتها بين العامل والآلة، والاعتماد على أن الحافز الاقتصادي هو الدافع الوحيد لزيادة الإنتاج، سواء كان هذا الحافز يتعلق بالأجر، أو بتنظيم النواحي المادية في بيئة العمل، اعتقاداً بأن ذلك يكفي لحفز العاملين على المزيد من البذل وإنجاز العمل.

Page 4

ب_المرحلة الثانية (الحقبة الإنسانية في الإدارة )(1930_1950م) :

اتجه الفكر الإداري في هذه المرحلة(الحقبة الإنسانية في الإدارة ) _ قبل وخلال الحرب العالمية الثانية _ إلي إيجاد الوسائل المحققة لإدارة المؤسسات والشركات والمصانع الكبيرة، كما اتجه الفكر الإداري - أيضا - إلي محاولة الفصل بين ملكية المؤسسات وإداراتها، وظهر خلال هذه المرحلة التوسع المطرد في البيروقراطية، ودراسة الإدارة للأجهزة الحكومية ودورها في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتحقيق الرضا والرفاهية للمجتمعات.

وتعتبر الدراسة التي تمت بإشراف التون مايو(Elton- Mayo) أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد والمعروفة باسم دراسة هوثورن والتي تمت في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية هي البداية الحقيقية لمدرسة العلاقات الإنسانية في الإدارة خلال القرن العشرين.

ولقد أظهرت دراسة مايوMayo) (Elton إن هناك ترابطا بين السلوك والعواطف، وأن للجماعة أثرا على سلوك الفرد، وأن لمعايير الجماعة أثراً كبيراً في وضع أسس مخرجات المستخدم الفرد، كما أظهرت أن متغير الأجر يعتبر متغيرا ثانوياً بالنسبة لمخرجات الفرد إذا ما تمت مقارنة هذا المتغير بأثر معايير الجماعة، وعواطفها وإحساسها بالأمن، ولذا ظهرت في المجال الإداري مجموعة من المفاهيم والمصطلحات مثل الروح المعنوية، وديناميات الجماعية، والعلاقات الشخصية، والإشراف الديمقراطي، وجملة القول، فإن العلاقات الإنسانية في الإدارة قد أدت إلي :

_ إثبات أن السلوك الإنساني موضوع متشابك ومعقد، وهذا التعقيد يزداد عند عمل الفرد في مجموعات صغيرة تحت ظروف تنظيمية مختلفة.

_ زيادة فهم الباحثين للسلوك الإنساني، وأكدت أهمية الظروف الاجتماعية والنفسية في زيادة إنتاج العاملين.

_ توضيح أثر الجو الإشرافي Supervisory Climate على سلوك مجموعات العمل، فقد وجد أن هذا الجو الإشرافي يؤثر على البعض بطريقة سلبية وعلى الآخر بطريقة ايجابية لتحقيق الأهداف.

_ ظهور التصميم غير الرسمي في الوحدات الإدارية أو الإنتاجية وقد يكون لذلك التنظيم أثر بالغ على التنظيم الرسمي.

_ إثبات أن القواعد الإدارية نسبيه التطبيق، فما ينطبق على مجموعة قد لا ينطق على مجموعة أخرى.

ويحمد لفلاسفة هذه المرحلة - أيضا - أنهم دعوا إلي اعتراف الإدارة بالجماعات والأفراد داخل المؤسسات، ودعوا - أيضا - إلي ضرورة الاهتمام بأهداف وتطلعات الأفراد والجماعات التي قد تختلف عن أهداف المؤسسات، وقد تتعارض معها، و- أيضا - دعوتهم إلي تحسين أساليب القيادة لدى المشرفين، ومراقبتهم للعاملين وتعاطفهم معهم، ومناقشة مشكلاتهم الاجتماعية والأسرية، وأن يشعروهم بالاهتمام كشركاء في العمل لا كإجراء .

كما قدم ماكجروجر McGregor نظرية ( × ) ونظرية (Y) المتعلقة بالطبيعة الإنسانية، وهي ما يطلق عليها النظرة التشاؤمية ( × ) والنظرة التفاؤلية (Y) وهي التي اعتقد ماكجروجر McGregorأنها الأجدى والأفضل، وأنها هي التي تصور حركة العلاقات الإنسانية .

وترى النظرية التشاؤمية ( × ) أن الإنسان كسول بطبعه، يكره العمل، ولا يريد أن يتحمل المسئولية ويسعى دائما لمن يتولى قيادته، وان العقاب دافع للعمل بالخوف، وأن العاملين بحاجة إلي الرقابة الشديدة، وأن الأجور من المزايا الشديدة والحافز للعمل، وأخيرا ترى هذه النظرية التشاؤمية أن التنظيم الرسمي يقدم فرصا محدودة لإشباع حاجات العاملين.

وفي مقابل هذه النظرة التشاؤمية ترى نظرية (Y) التفاؤلية حب الإنسان للعمل وسعيه لتحمل المسئولية، وأن يسعى ويطلب الحرية في العمل والتحرر من القيود، ويفضل أن يكون تابعا لا متبوعا، ولديه الرغبة في زيادة أجره، وأن هذه الزيادة دافع ايجابي لزيادة الإنتاج، وكذلك ترى النظرية عدم جدوى الرقابة، وأن يكتفي بتحديد الأهداف لاختيار أفضل الطرق لتحقيقها، وأسهمت هذه النظرية بشكل كبير في توجيه أساليب الإدارة نحو العلاقات الإنسانية.

وتركت هذه المرحلة آثارا هامة في التوجه نحو الاهتمام بالمتغير الإنساني، وأهمية أخذه بعين الاعتبار كمتغير مهم في العملية الإدارية، وهذا بدلاً من اعتبار الإنسان أداه منفذه لما هو محدد ومرسوم، وبالتالي ظهرت الدراسات التي طالبت بالأخذ بعين الاعتبار العوامل النفسية والاجتماعية، والروح المعنوية، كمتغير يؤثر بشكل كبير على نوعية المخرجات، بالإضافة إلي التأكيد على التشاركية وروح الفريق في العمل.

ووجد رجال الإدارة في هذه الحقبة من تاريخ الفكر الإداري بعض القصور الذي تمحور حول النقاط الآتية:

_ المغالاة في الاهتمام بالعاملين على حساب العمل وبشكل يؤدي إلي الانتقاص من هدف الإدارة الأساسي وهو إنجاز العمل.

_ المغالاة في تبسيط الأمور وتحميل العلاقات الإنسانية في المؤسسات أكبر مما ينبغي لتحفيز العاملين.

_ الاعتقاد بأن هذه الحقبة لا تجمع منهجا متكاملا في تحسين الإدارة والسير بها نحو الكمال المنشود وذلك بتركيزها على بعد واحد وهو العلاقات الإنسانية.

Page 5

ج_المرحلة الثالثة:(الحقبة السلوكية النظمية في الإدارة) (1950_11980م):

انطلقت هذه الحقبة في تاريخ الفكر الإداري من النقد الموجه للمرحلة العلمية في الإدارة بإهمالها وتجاهلها للعلاقات الاجتماعية، ومن النقد الموجه - أيضا - للمرحلة الإنسانية في الفكر الإداري، وتجاهلها للناحية الرسمية في العمل، كما تأثرت هذه الحقبة بنظرية النظم العامة General System Theory والتي اعتبرت أن أية مؤسسة مهما كانت صغيرة أو كبيرة ترتبط بمجموعة من العلاقات المتشابكة والمتداخلة التي تتفاعل مع بعضها، وأن لها هدفاً أو مجموعة من الأهداف التي تسعى لتحقيقها، وقد تكون هذه الأهداف متعارضة، وبداخل كل مؤسسة مجموعة من النشاطات التي يمارسها الأفراد للوصول إلي الأهداف المنشودة.

ولكل مؤسسة أو تنظيم مدخلات Inputs، وعمليات Processes وينتج عنها مخرجات Outputs عادة ما تكون من نوع المدخلات. نفسها .

كما ترى هذه النظرية أن لكل نظام مجموعة من الأنظمة الفرعية Subsystems وأن التعارض بين هذه الأنظمة الفرعية يبدد الجهد، ويعطل الوصول للأهداف العامة، كما تعتبر الإنسان في المؤسسات نظاما له حاجاته ورغباته ودوافعه، وأي تغيير في الأنظمة الرئيسة، يؤدي إلي تغيير في الأنظمة الفرعية، وضمن التنظيم الكلي بوجه عام.

وتمتاز هذه الحقبة بتأكيدها على اعتبار النظام System أدق وحدة يمكن أن تكون إطاراً علمياً للدراسة الموضوعية، فالمجتمع هو وحدة، أو نظام عام General System، والنظام الإداري The Administrative System نظام فرعيSubsystem مفتوح يتعامل مع الوحدات أو الأنظمة الفرعية الأخرى، يأخذ منها ويعطيها، ويتكون من أنظمة فرعية أخرى هي النظام الفني Technical Subsystem ونظام المعلومات Information Subsystem والقوي البشرية The Human Subsystem والنظام الاقتصادي المالي

Economic &Financial Subsystem

إن مركز الفكر في هذه الحقبة استمد أفكاره ونظرياته من مساهمات علم الاجتماع وعلم النفس، التي ترى أن تحقيق أهداف الإدارة من قبل الأفراد لا بد أن يقابله تحقيق رغبات هؤلاء الأفراد من قبل الإدارة ، وعلى رأس هذه الرغبات الاحتياجات الاجتماعية والاحتياجات السلوكية.

وتعتبر شيستر برنارد C. Barnard)) وهربرت سيمون( H. Simon) من الباحثين الذين أعطوا دفعة قوية لنمو الفكر الإداري في هذه المرحلة، فقد طور برنارد ما سمي " نظرية التعاون "، التي تقوم على أن إشباع حاجات الأفراد الطبيعية والحيوية والاجتماعية يحتم التعاون مع الآخرين.

كما قدم سيمون ( H. Simon) كتابة السلوك الإداري Administrative Behavior مستخدما مفهوم التوازن المنظمي باعتباره الدافع الأساسي للعمل، والتوازن المنظمي نظام تبادلي بين متغيرات المنظمة أو المؤسسة وأداء العمال، وإنه إذا ما شعر العاملون في المؤسسات أنهم يأخذون من مؤسساتهم أقل من عطائهم، فإن أداء العمل واستمراره يتعرض للتوقف.

كما يمكن القول أن كتابات ماكس ويبر Max Weber، ويعقوب جيتزلز Getzels، وجوبا Guba، وليكرت Likert، نظرت للإدارة على أنها "نظام اجتماعي فرعي Social Subsystem داخل النظام الاجتماعي الأكبر وهو المجتمع، ويتكون هذا التنظيم الفرعي من مجموعة يتعاونون لتحقيق أهدافهم الشخصية والجماعية بواسطة سلوك منظم يكفل في الوقت نفسه تحقيق أهداف التنظيم، ومشكلة الإدارة تكمن في كيفية جعل هذه المجموعة من الأفراد يتعاونون في نشاط مشترك لتحقيق الأهداف، وفي الوقت نفسه تحقيق رضاهم، وحل هذه المشكلة منوط بإدارة المؤسسة وقيادتها.

وأخيراً يمكن القول - أيضا - أن المساهمات التي قدمتها هذه الحقبة من تاريخ تطور الفكر الإداري عديدة ومن أهمها المسئولية الاجتماعية للإدارة، كما أنها اعترفت بتضارب الأهداف، وتعدد الخلفيات الثقافية والحضارية والبيئية، وقد أعطى هذا حافزاً للإدارة للنظر إلي المؤسسات والمنظمات نظرة أوسع مكنتها من تقدير الظروف الخارجية التي تعمل في إطارها، كذلك أضافت هذه المدرسة للفكر الإداري مضامين أخرى عن الحدود التي يمكن أن تقف عندها السلطات الإدارية، وكذلك دور التنظيمات غير الرسمية في التأثير على السياسات والقرارات، ومن ثم تحقيق الأهداف المنشودة.

د_المرحلة الرابعة (حقبة تحديث الفكر الإداري) 1980م حتى الآن :

تمثل هذه المرحلة الحلقة الأخيرة من تطور الفكر الإداري، والتي يمكن القول أنها بدأت منذ أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين، وإن كانت جذورها الحقيقية تمتد قبل هذه الفترة بسنوات وعقود، وفي هذه المرحلة أسهم العلماء بشكل واسع في تحديث الفكر الإداري باستخدام العلوم المختلفة كالرياضيات، والهندسة، والاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، مما أدى إلي ظهور نظريات وأساليب واستراتيجيات إدارية منها الإدارة بالأهداف، إدارة الجودة، الهندسة الإدارية، وغيرها من الأساليب الإدارية الحديثة، والتي سوف تناول كل واحدة منها بالتفصيل في جزء لاحق من هذا الكتاب.

Page 6

المراجع

1. William Glueek ( 1977) Management, Hin Sdale, The Dryelen Press, pp.7.

2. مدني عبد القادر(1985م): الإدارة ، ط3، دراسة تحليلية للوظائف والقرارات الإدارية، جدة، مكتبة تهامة، ص40.

3. زهاء الدين عبيدات (2001م): القيادة والإدارة التربوية في الإسلام، بيروت، دار البيارق، ص250.

4. إبراهيم عصمت مطاوع وأمينة أحمد حسن(1980م): الأصول الإدارية للتربية، القاهرة دار المعارف، ص9.

5. محمد بن عبد الله آل ناجي(1426هـ): الإدارة التعليمية والمدرسية، نظريات وممارسات في المملكة العربية السعودية، حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، الرياض، ص ص 77-97.

6. نواف كنعان(1980م): القيادة الإدارية، ط1 ، الرياض، دار العلوم، ص45.

7. المرجع سابق: ص92.

8. طلق عوض الله السواط وآخرون: ط2، الإدارة العامة (المفاهيم – الوظائف – الأنشطة)، جدة، دار حافظ للنشر، 2000م، ص52

9. نواف كنعان :القيادة الإدارية، مرجع سابق، ص52.

10. أحمد إبراهيم أبو سن(1417هـ): الإدارة في الإسلام، ط6، الرياض، دار الخريجي للنشر والتوزيع، ص ص 183-184.

11. هاني عبد الرحمن الطويل(1999م): الإدارة التربوية والسلوك التنظيمي، الأردن، عمان ، دار وائل للطباعة والنشر والتوزيع، ص12.

12. محمد بن عبد الله آل ناجي: الإدارة التعليمية والمدرسية، مرجع سابق، ص44.

13. إبراهيم عبد الله المنيف : تطور الفكر الإداري، مرجع سابق، ص93.

14. يعقوب نشوان (1985م): الإدارة والإشراف التربوي، الأردن، دار الفرقان، 1985م، ص 21 _ 22.

15. أحمد إبراهيم أبو سن: مرجع سابق ، ص186 .

16. طلق عوض الله السواط وآخرون: مرجع سابق ، 39 0

17. المرجع سابق ، ص ص 25-27.

18. هاني عبد الرحمن الطويل(1983م) : الإدارة التعليمية مفاهيم وآفاق، الأردن، دار وائل، ص 13-14 .

19. يعقوب نشوان: الإدارة والإشراف التربوي ، مرجع سابق ، ص22.

20. المرجع سابق، ص 22-24.

21. أحمد إبراهيم أبوسن: الإدارة في الإسلام، مرجع سابق، ص 192.

22. مدني عبد القادر: مرجع سابق ، ص 61.

23. نواف كنعان: القيادة الإدارية، مرجع سابق، ص 71-74.

24. مدني عبد القادر: مرجع سابق، ص 64.

25. المرجع السابق، ص 64.

Page 7

تمهيد

ترجع الكثير من المفاهيم المرتبطة بموضوع الإدارة – كما سبق – إلي جذور تاريخية في الحضارات القديمة في مصر واليونان والصين والدولة الرومانية القديمة، هذا بالإضافة إلي ما عرف من مفاهيم وعمليات إدارية في الغرب المسيحي في العصور الوسطي، وفي منهج الإسلام، ولكن التقدم الحقيقي في موضوع الإدارة ارتبط بنشأة ونمو علم الإدارة

The Science of Administration

في العصور الحديثة، وتحول الإدارة من عمل عشوائي إلي موضوع هام للدراسات العلمية، وجزء من المعرفة يتخصص فيه الباحثون ويعتمدون عليه في تقدم المجتمعات.

Page 8

أولا - ماهية الإدارة العامة ومجالاتها

المستقرئ لتطور الفكر الإداري يجد أن هناك فرضيتين أساسيتين ارتبطاًَ بالإدارة : أولاهما أن الإدارة نشاط هادف مارسه الإنسان منذ قديم الزمان، وثانيتهما أن الإدارة ارتبطت بالجماعة، وأن نجاح أي نشاط جماعي (اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي ) يتوقف إلي حد كبير على درجة كفاءة الإدارة ، وكلما كانت الإدارة على درجة عالية من الكفاءة، كانت درجة نجاح النشاط كبيرة.

ولهذا يجمع رجال الفكر الإداري على أن الإدارة عملية بسيطة أو مركبة توجد في الحياة اليومية، وتتسع لتشمل جميع مناشط الحياة، كما أنها ليست وليدة العصور الحديثة، بل تمتد جذورها إلي تطور الحياة الإنسانية منذ أقدم العصور، وهي -أيضا - عملية ليست اختيارية، بل هي عملية حتمية إذا أردنا أن ننجز العمل بصورة جيدة.

كما يجمع رجال الفكر الإداري على أن الإدارة حظيت باهتمامات كبيرة بين مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية، وساعد على هذا توافر مجموعة من العوامل، لعل من أهمها:

_ ظهور المؤسسات الصناعية والتجارية الكبيرة وازدياد حاجتها إلي نشاطات إدارية مختلفة وإلي التخطيط للعمل الإداري، وتوزيع المسئوليات، والتنسيق والرقابة، بصورة أكبر من المؤسسات التي يعمل بها أعداد قليلة من العمال.

_ النجاحات التي تحققت في المجال العسكري في الحروب المختلفة والتي لعب علم الإدارة دوراً كبيراً في تحقيقها.

_ نشأة النقابات المختلفة واهتمامها بالأعمال الإدارية بصفة عامة، والعلاقات الإنسانية وظروف العمال في العمل بصفة خاصة.

_ لجوء الدول الرأسمالية إلي ملكية الكثير من المرافق، ودراستها للأصول الإدارية، وإعداد الإداريين لتولي مسئولية تيسير هذه المرافق.

_ التقدم الذي شهدته العلوم الإنسانية والاجتماعية وانعكاس هذا التقدم على مجال علم الإدارة وتطبيقاته.

وقبل التعرض لرصد ماهية الإدارة، ينبغي التعرض لبعض المصطلحات التي تتصل بشكل أو بآخر بموضوع الدراسات الإنسانية والاجتماعية بصفة عامة، وموضوع دراستنا الحالية بصفة خاصة، ولعل من أهم هذه المصطلحات: المفهوم، المعنى، التعريف، الماهية، وذلك لكثرة استخدامها في مؤلفات الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وبخاصة في المؤلفات التربوية، ويمكن إبراز كل منها على النحو التالي:

_ المفهوم : ويقصد به حاصل ما يدركه المتلقي، أو ما يستحضر من صورة ذهنية في ذهن المتلقي عند استقبال مثير ما.

_ المعنى: ويقصد به الصورة الذهنية التي يوضع الاسم بإزائها ليقترن بها ويعبر عنها.

_ التعريف : ويقصد به ذكر شيء تستلزم معرفته شيء آخر.

_ الماهية : ويقصد بها الشيء الذي لا وجود له إلا في عقل المعتبر ما دام معتبراً، أوهي ما يجاب به عن السؤال ما هو أو ما هي؟ أو التي يجاب بها عن السؤال كم؟.

ولذا يجب الإشارة أنه من الأفضل في العلوم الاجتماعية والإنسانية استخدام الماهية والمفهوم لارتباط مصطلح التعريف بالعلوم الطبيعية، وذلك حتى نتلافى ما نراه دائماً في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية بصفة عامة، والتربية بصفة خاصة، من استخدام البعض لكلمة التعريف، واستخدام البعض الآخر لكلمة المفهوم، لتحديد المصطلحات الاجتماعية والإنسانية بصفة عامة، والتربوية بصفة خاصة ( تعريف الإدارة ، مفهوم الإدارة ) ولعل ذلك يرجع إلي تباين الخلفيات العلمية للمؤلفين،واختلاف وجهة نظرهم عند دراسة ظاهرة ما، أو عند تحديد طبيعتها أو عملها أو وظيفتها أو مهامها أو المجالات التي ترتبط بها.

وفي مجال الإدارة فإنه علي الرغم من هذا البعد الزماني _ كما سبق أن أوضحنا، وعلي الرغم هذا الاتساع والشمول للعملية الإدارية_ إلا أنه لا يوجد مفهوم محدد للإدارة يجمع عليه رجال الفكر الإداري.

ويعود تعدد المفاهيم التي يستعمل فيها مصطلح الإدارة إلي عدم وجود نظرية شاملة وعامة أو متفق عليها للإدارة لعدة أسباب منها.:

_ أنها علم اجتماعي يتعامل مع العنصر البشري الذي يصعب التنبؤ بسلوكه.

_ أنها علم تطبيقي أكثر منه علم نظري.

_ أنها علم يعتمد في مفاهيمه على الكثير من العلوم الأخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الرياضية.

_ أنها علم يعتمد على الظروف المحيطة والموقف السائد.

Page 9

ويمكن القول _ أيضا _انه في مجال الإدارة العامة بذلت العديد من المحاولات من المهتمين والمنظرين لتحديد مفهوم أو ماهية الإدارة العامة، وانطلقت جميع هذه المحاولات من الأصل اللاتيني لكلمة إدارة وهي (Service) بمعنى الخدمة، على أساس أن من يعمل بالإدارة يقوم على خدمة الآخرين، أو أنه يصل عن طريق الإدارة إلي أداء الخدمة، ولعل أهم هذه المحاولات ما يلي:

ذكر وايت (White) وهو أول من كتب مؤلفاً علمياً في هذا الموضوع "مقدمة في دراسة الإدارة العامة " عام 1926م، أن الإدارة العامة تعني " جميع العمليات التي من شأنها تنفيذ السياسة وتحقيق الأهداف.

ومن المفاهيم الشائعة عن الإدارة أنها فن إنجاز العمل "، وبهذا تعني استخدام الإمكانات المتاحة من أجل تحقيق إنجاز معين يخدم أهدافاً معينة، وهو مفهوم مختصر ودقيق، يركز على العمل ذاته من حيث تنظيم العمليات والأنشطة الأساسية، وتوفير الطرق والوسائل المناسبة للتنفيذ.

كما يرى البعض مفهوماً آخر للإدارة من خلال الوظائف والفعاليات والأنشطة التي تقوم بها من تخطيط وتنظيم وتوجيه وتمويل وتنفيذ ورقابة ومتابعة، ويمكن النظر إليها _ أيضا _من خلال العمليات الإجرائية لتحديد الأهداف وتحديد الوظائف التي تحقق هذه الأهداف، واختيار الأفراد في ضوء إطار عام من العلاقات التنظيمية التي تحكمها وتوجهها وتنسق بينها.

هذا، قد حدد سيمون H. Simon) ) ماهية الإدارة بأنها نشاط جماعي يقتضي عمليتين أساسيتين هما: القرار والفعل، وأي نشاط إداري يهتم بالفعل – إي تنفيذ العمل – ويهمل الاهتمام المساوي لعملية اتخاذ القرار هو إدارة غير سليمة، ولذا يجب التأكيد في العمل الإداري على جانب إصدار القرار السليم، وجانب العمل أي التنفيذ، ومن هنا راي سيمون H. Simon) ) أن الإدارة عملية إصدار القرار الصحيح، ووضعه موضع التنفيذ .

وأورد الغلايينى أربعة مفاهيم للإدارة : " الإدارة هي تنظيم الطاقة البشرية والمالية لتحقيق الهدف "، " تنظيم الأعمال الحكومية التي يوكل إليها تنفيذ السياسة العامة "، " تنظيم الأعمال الحكومية "، " تنسيق المجهود المختلفة لتنفيذ السياسة العامة .

ويرى البعض أن الإدارة هي تنظيم وتوجيه وتنسيق ورقابة مجموعة من الأفراد داخل المنظمة لإتمام عمل معين بقصد تحقيق هدف محدد .

ومن المفاهيم الواردة _ أيضا_للإدارة أنها المسئولة عن تحقيق النتائج التي من أجلها وجدت المنظمة، سواء أكانت شركة أم مؤسسة أم وزارة، أم مدرسة.

وكذلك تنظيم الأعمال بواسطة آخرين عن طريق تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة مجهوداتهم ، و_ أيضا _مجموع العمليات التي يتم بمقتضاها تعبئة القوى الإنسانية والمادية، وتوجيهها توجيهاً كافياً لتحقيق أهداف الجهاز الذي توجد فيه وأخيراً يرى نشوان " أن الإدارة عملية تهدف إلي تحقيق غايات ومرامي وأهداف المؤسسة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة

ويلاحظ مما سبق تنوع وتعدد مفاهيم الإدارة، ووجود جوانب اتفاق وأخرى اختلاف بينها، وربما يرجع ذلك إلي انتماء أصحابها إلي مدارس مختلفة لكل واحدة منها فلسفتها، وربما يرجع ذلك - أيضا - إلي تعدد الجوانب التي تشملها عملية الإدارة ( الإنسان، والمكان، والعمل) .والشكل التالي يوضح تعدد مفاهيم الإدارة نتيجة تعدد وجهة نظر أصحابها وانتمائهم إلي مدارس فكرية معينة :

Page 10

كما يمكن القول أن مفهوم الإدارة - بمنطلق العصر- أوسع من أن يتضمنه مفهوم واحد، فالإدارة لم تعد تقتصر على مراحل اتخاذ القرارات، أو رقابة أعمال القوى الإنسانية، أو القيادة الحازمة،أو غير ذلك من أعمال، بل إن الإدارة مفهوم يشير _ باتفاق الباحثين _إلي ضرورة أن تكون هناك أهداف تسعي إليها الإدارة، وأن تتضمن عدة جوانب منها: اتخاذ القرارات، التنظيم، حسن التوجيه، القيادة الحازمة القادرة على التعامل مع المرؤوسين بأسلوب يخلق فيهم روح التجاوب واحترام القادة، والشعور بالرضا، والحرص على تحقيق الأهداف، هذا إلي جانب القيام بتنفيذ عمليات الإدارة، والتي تعرف باسم عناصر الإدارة، وهي التخطيط، والتنظيم، والتنسيق، والتوجيه، والمتابعة،والتقويم، على اعتبار أنها من العمليات التي يتطلبها أي مشروع لتحقيق أهدافه

وأيا كان مفهوم الإدارة، فهي مجموعة عمليات موجهة تسعى إلي تحقيق أهداف محددة، إنها – أي الإدارة – أداة تحقيق الأهداف المراد الوصول إليها، وهي الأسلوب الذي به تتحقق - أيضا - ومهما اختلفت المفاهيم فإن مجال عملها يمتد ليشمل جميع مناشط الحياة العلمية والإنتاجية، والخدمية والعام والخاص

ومن هنا يمكن القول أن هناك مجالين رئيسين للإدارة هما:

- مجال الإدارة العامة: وهو المجال الذي يتصل بالخدمات العامة التي تقدم إلي جميع أفراد المجتمع عن طريق الأجهزة والمنظمات التابعة للدولة، والتي من شأنها استمرار الحياة اليومية للمجتمع، وتنفيذ سياسة الدولة، وهي ما يعرف بتحقيق الصالح العام في المجتمع.

- مجال الإدارة الخاصة ( إدارة الأعمال): وهو المجال الذي يرتبط بما يسمي الأعمال الخاصة، وخصوصيتها ناتجة عن ارتباطها بهدف يختلف عن هدف الإدارة العامة، وهو_ أيضا _مجال عمل اقتصادي يهدف أساساً إلي الربح، وعادة ما يمتلكها ويديرها أفراد، أو ما يعرف بالقطاع الخاص .

وتصنف الإدارة العامة إلي عدة مجالات لكل منها مشكلاته الخاصة التي تتفق مع طبيعة، كما أن لكل منها أساليبه الخاصة لمعالجة هذه المشكلات، وإيجاد الحلول لها، ومن هذه المجالات : الإدارة الصناعية، الإدارة الزراعية، إدارة الأعمال، الإدارة التربوية والتعليمية وغير ذلك .والشكل التالي يوضح مجالات الإدارة