eKtab
EN ع
الأدب والوظيفة في الوطن العربي
Read free sample

الأدب والوظيفة في الوطن العربي

by د. خالد يوسف

Page 1

الـمــقــدمــة

لقد غدت الدّولة في حدود الـمنظور الحديث والـمعاصر، حقيقة راهنة، أنــّها (قطب الحياة الاجتماعيّة، فهي ماثلة في كلّ مجال من مجالاتها، وأصبح الـمواطن يواجه مختلف أجهزتها وإداراتها أكثر بكثير مما كان عليه سلفه القريب أو البعيد، فهو يشتكي أحياناً من تدّخلها ولا يلبث أن يطالبها بالتدّخل لصالحه. ولئن كان مفهوم الـمواطن مرتبطاً بمفهومي الدّولة والحرّية فقد تضاءل استعمال الـمفهوم الثاني وتناقض محتواه العاطفي وأصبح هذا يعلق على الحرّيات الجماعيّة أهميّة أكبر مما يعلقه على الحريّات الفردية)(1).
ولقد وقف الفكر العربي تجاه الوافد الغربي، في هذه الفترة، بين الرّفض والنفور من ناحية، والاستيعاب والتمثـــّل من ناحية أخرى، بين القيد والتحرّر، بين الانغلاق القائم على الحذر والخوف والترقّب والخشية والتمسّك بالقديم والاحتماء بالتقليد، وبين الانفتاح القائم على الثـــّقة بالنفس والقدرة على التجديد.
والأدب - في حقيقته - حاجة ماسّة، وفاعليّة إنسانية راقية، خلّص الكائنات البشرية من حدودها، ولا يزال. فهو في درجته السّامية أكثر من متعة أو مسرّة، وأكثر من اهتمام ذهني. (وكلّ أدب هادف إلى شيء ما بصورة خفيّة أو ظاهرة، لأنّ الاستهداف هو شرط التواصل مع الآخرين وبانعدامه تنعدم الصّلة الكامنة في الـمعرفة والـمسؤوليّة. وبذلك يلعب الأدب في حياتنا دوره بطريقتين: فتارة يخلق أشكالاً من الإحساس والتفكير يفرضها علينا، وتارة يحرّرنا من بعض الأهواء وبعض القوى التي تعمل في لا وعينا)(2).
والوظيفة منفعة، غايتها خدمة الآخر، سواء أكانت في القطاع العام، أم في القطاع الخاص. والوظيفة من كلّ شيء، في اللّغة: ما يقدّر له في كلّ يوم من رزق أو طعام أو علف أو شراب، وجمعها الوظائف والوُظُف. ووظَف الشيء على نفسه ووّظفه توظيفاً: ألزمها إيّاه(3)... بشكل مبسّط، تدور معاني الـمادّة حول الإلزام والأجر الـمحدّد.
وتميل الوظيفة / في القطاعين؛ العام والخاص / إلى الاستقرار والثـــّبات، والخضوع للقوانين والأنظمة الـمرعية الإجراء... في حين أنّ الأدب أقدر على التحرّك نحو الـمستقبل والتحرّر من الضرورات التي تشدّ مراسيه. وأقدر على التحرّر من سجن الواقع، والنـــّظر إليه من موقف يتجاوزه، ويعلوه...
(والأديب هو الإنسان الذي يقع عليه عبء الوظيفة أو الرّسالة التي يمثـــّلها، ويقف قبالته الذين لا يملكون الرّغبة أو الـمكنة لـمزاولة هذه الفاعليّة)(4).
وإن ينتج الأديب في ظروف عصره، مستخدماً التقنيّات الفنيّة والأدوات الـمتوفرة في ذلك العصر ، إلاّ أنــّه في الوقت نفسه لا يبقى محصوراً على نحو ضيق في هذه الأطر، بل يتخطّاها، أو يحاول تخطيها. في حين أنّ الـموظّف يلاقي الحدود والحواجز التي تحدّ من نشاطه وفاعليّته.
وبين مفهوم الأدب ومفهوم الوظيفة، توجد - بالبداهة - قفزة نوعيّة. ولا تعني هذه القفزة - بالضرورة - قطيعة لا عقلانيّة بين حقيقتين. وإنمّا عندما يزداد الخلاف بينهما، يكون ذلك دلالة على ازدياد التـّناقضات داخل الـمجتمع. ودور الأديب - في مثل هذه الحال - دور نقدي إلى حدٍّ كبير، والضرورة / لا سيّما السلطة الـمحافظة بكل مؤسّساتها الجامدة / تقتضي مصلحتها تسخير كلّ الأنظمة والقوانين لخدمة القضيّة التي تخدمها هي نفسها، فترفع راية ما يسمّى (قانون التقليد والرّفض)، وتجدّ في تبرير ممارساتها التي تدعم سلطانها ونفوذها وسيطرتها.
إذن، الأدب والوظيفة؛ قد يكوّنان ثنائيّة وفاقيّة تشاركيّة نفعيّة تودي بصاحبها إلى مراتب العلى والـمناصب السّامية، إن أحسن استخدام أدواته في مخاطبة الـمتلّقي، خدمة للنـــّظم. أو ثنائيّة تناقضيّة نفعيّة ترمي بصاحبها في الـمهالك حيث الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة الجامدة، أو ترقيه درجات السمّو إن تجاوز الحدود والحواجز...
ولعلّ من مشاكل الأديب الـموّظف - في الوطن العربي - مشكلة التـّوفيق بين موقفين، فثمّة قوتان تتجاذبانه، له في كل منهما مصير.
فما مصير بعض الأدباء العرب الـموّظفين الذين سبحوا بعكس تيّار السلطة، أو جدّوا في إعاقة جريانه، خلال النصف الأوّل من القرن العشرين؟
Page 2
هذا ما سأعرض له في ثنايا البحث الذي نهجت فيه الـمنهج الوصفي التقريري، أكثر من أي منهج آخر، كالـمنهج الاجتماعي السياسي، أو التحليلي، وإن لجأت إلى مثل ذلك. وقد جعلته في بابين وخاتمة.
الباب الأول «الأدب، والأدباء الـموظفون»:
عنوان الفصل الأول منه (الأدب). وهو بمثابة مدخل تكلّمت فيه على الأدب؛ ماهيته وأغراضه، وعلى علائقه بالحريّة، والسلطة، والإبداع. وعرضت في الفصل الثاني (أدباء موظفون) لـمجموعة - لـم أتعمد اختيارها - من الأدباء الـموّظفين العرب، وما لاقوه أو انتهوا إليه. فكانوا اثنين وثلاثين.
أما الباب الثاني «عبد الحليم الحجّار الشخصية النموذج من لبنان»، فقد جعلته كذلك في فصلين. مهّدت في الفصل الأوّل - بلمحة سريعة - للظروف الخارجية / التاريخية، والسياسية، والإدارية.../ التي عاشتها الشخصية النموذج في محيطها الـمناطقي والوطني والقومي... لأتفرغ في الفصل الثاني للكلام على عبد الحليم الحجّار، شخصيته / مقومات تكوينها/، وحياته / الأدبية، والوظيفية، والاجتماعية والسياسية.../، ومدى انعكاس مواقفه على نتاجه وعلى حياته الخاصة.
وقد انتهيت إلى خاتمة للبحث، من الطبيعي أن استودعها جملة استنتاجات، غير راضٍ لها أن تكون مجرّد خلاصة لـما تقدم، إذ جعلت لكل فصل - في مقدمته أو خاتمته - محصّلة عامة.
أمّا لـماذا اخترت الشخصية النموذج من لبنان؟ فاختياري كان مبنياً على رؤية، أبسطها على الشكل التالي:
إن مدارس الديمقراطية عريقة في لبنان في التاريخ القديم وفي التاريخ الوسيط. وكانت بيروت مدرسة الحقوق محجّة روما. إنمّا إذا كانت الديمقراطية - من حيث الـمفهوم - هي حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه، أو ما يعادله، فهي - من حيث الـممارسة - لـم تـّطبَّق عملياً على الأراضي اللبنانية، لا في التاريخ القديم، ولا في تاريخه الوسيط، ولا في تاريخه الحديث والـمعاصر. (نصوص دستورية تكرّس، على الورق، مبدأ الفصل بين السلطات... أمّا في الواقع فلا من يحاسب ولا من يحاسبون... ومن العوامل التي تحول دون جدّية الـمساءلة والـمحاسبة، الاعتبارات الطائفية والـمذهبية والعشائرية والسياسية...)(5).
كما تحكّمت في نظام حكمه، وتنصيب حكّامه - وما زالت - قوى داخلية تسيّرها قوى خارجية بشكل مباشر أو غير مباشر. ولا نغالي إذا قلنا: أنّ القوى الخارجية - في أحيان كثيرة - قد استأثرت بالسلطات كلّها، وتفرّدت باتخاذ القرار، مستفيدة من التعددية / الثقافية والفكرية والدينية والاجتماعية والعقائدية.../ التي ميّزت لبنان من دول الـمحيط.
والتعددية السياسية في تاريخ لبنان، وفي خضم الصراعات الوطنية والإقليمية والدولية، هي - حيناً - نعمة قادرة باتحاد اللبنانيين على الـمواجهة. وأحياناً نقمة قاصرة عن تلبية أماني الشعب اللبناني وطموحاته في ظل تضارب مصالح الطبقة الحاكمة. وفي كلتا الحالتين، لـم يحسن الحاكم والـمحكوم، توظيف التعدّدية لصالح الوطن بكيانه العام والشامل. والرهان على القوى الخارجية جرّ - دائماً - إلى مواجهات لـم يكن من جرّائها سوى تدمير الوطن وشعبه.
وسجل الدول العظمى حافل - قديماً وحديثاً - بالتدخل السياسي والعسكري في شتـّى أرجاء الدنيا(6). لكن لا يعني هذا بالضرورة، أنّ الدولة العظمى التي تتصرف بقوة عسكرية هائلة، قادرة على إملاء إرادتها عسفاً على دولة صغرى ضعيفة ما لـم يدعمها قرار الشرعية، وإرادة الشعب الـموحّدة في تلك الدولة.
وإن تكن الديمقراطية في لبنان - إلى حدٍّ بعيد - شكلاً من دون مضمون، فهو رغم العوائق؛ الطائفية والـمذهبية والسياسية، أو بفضلها، يكاد يكون القدوة الـمرتجاة في العالـم العربي، نظراً لوفرة الحرّيات النسبيّة فيه. وقدره أن يسلك طريق الآلام ليكون تلك القدوة التي يبدو أنّ العالـم العربي بحاجة ماسة إليها.
الـمــؤلــف
Page 3

الباب الأول : الأدب والأدباء الـموّظفون

الأدب: ماهيّته وأغراضه

1- ماهيّته:

الأدب لغة(7) هو حسن التناول والظرف، وأصله الدّعاء، ملكة تعصم من قامت به عمّا يشينه. هو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً. بتعبير آخر، الأدب في اللّغة هو حسن الأخلاق وفعل الـمكارم، هو الذي يتأدب به الأديب من الناس. سمّي أدباً لأنه يَأْدِبُ الناس إلى الـمحامد وينهاهم عن الـمقابح. ومن معانيه أدب النفس، وأدب الحديث، وأدب الدرس، وأدب الطريق...
فالأدب - إذن - يشكّل ضرباً من الـممارسة الهادفة. وما تعبير الرسول محمد (صلعم) في حديثه الشريف: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» إلاّ تدليل على ذلك. وقوله: «إنمّا بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» تبيان للدلالة الاجتماعية - الأخلاقية للأدب وعلاقته العضوية بالحياة. وقد جاءت تفسيرات علماء اللغة العربية لكلمة (أدب) لتؤكد هذا الـمعنى. قال الـمقّري: «أدّبه أدباً: علمه رياضة النفس ومحاسن الأخلاق». وقال أبو زيد الأنصاري: «الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل».
لكن مع تطوّر الحياة واتساع مناحيها الفكرية، اتسع مفهوم لفظة (أدب) واكتسب دلالات لغوّية تشير إلى ازدواجية الـمعنى. فبالإضافة إلى معنى الفعل الأخلاقي حمل معنى العلم الذي يتناول استعمالات اللّغة. فباتخاذ الـمؤدّبين - في العصر الأموي - اتـّسع مفهوم الكلمة، وبات يحمل في مضمونه معنى تثقيفياً إلى جانب الـمعنى الأخلاقي. إذ درج الـمؤدّبون على تعليم تلاميذهم القراءة والكتابة، وسير السلف وأقاصيصهم، والإنساب والأخبار... إلى جانب تعهّدهم بالتربية الصالحة، والأخلاق الحميدة، والسلوك القويم. ومن هنا استعمل الزّجّاج (أدَّب) بمعنى علّم. وأكّد الجواليقي ذلك في معرض حديثه عن إضفاء الدلالة العلمية - اللغوية لفعل الأدب الأخلاقي بقوله: «الأدب في اللغة: حسن الأخلاق وفعل الـمكارم/ وإطلاقه على العلوم العربية مولّد حدث في الإسلام».
ومع ازدياد العلوم والـمعارف - في العصر العبّاسي - شمل مفهوم الأدب كلّ ما من شأنه التهذيب والتثقيف، حتى اكتسبت اللفظة معنى الـمعرفة الشاملة، فأدخلوا في نطاقها: الطب والصيدلة، والكيمياء، والرياضيات، والسحر، والكهانة، والفقه، والشريعة، والـمنطق، والفلسفة والـموسيقى والفن،... وبذلك تحوّل معنى (أدب) من منظومة متعدّدة الأنواع لاستخدام اللغة في الشعر والنثر والنحو والبلاغة... ليصبح عند العرب بمثابة فنّ استخدام اللّغة للتعبير عن الـمضمون العلمي - الاجتماعي بالإضافة إلى البعد الفني البلاغي للغة. الأمر الذي يضيف فن استخدام اللغة أى البعد الوظيفي لعلاقة الأدب بالوجود، إذا ما اعتبرنا أنّ (أدب أيّ أمة هو الـمأثور من بليغ شعرها ونثرها).
وقد جاء ابن خلدون ليقول في مقدمته: «الأدب علم لا موضوع له... الـمقصود منه عند أهل اللّسان ثمرته وهي الإجادة في فنـــّي الـمنظوم والـمنثور على أساليب العرب ومناحيهم... مع ذكر بعضٍ من أيام العرب... وكذلك ذكر الـمهّم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة... ثمّ أنهم إذا أرادوا حدّ هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف...»(8).
وإن يكن ابن خلدون في مقدمته قد أدرج الأدب في باب العلوم، وقال: «علم الأدب»، إلاّ أنه لـم يجرده من طبيعته الفنية - كما بدا لنا ممّا تقدم - عندما أراد أن يحدّه. ولسنا هنا بوارد مناقشة هذه الـمسألة، إنمّا ما يهمّنا هو مفهوم الأدب من خلال تعريف ابن خلدون به. فالذي نفهمه منه أنّ الأدب هو ما أثر عن العرب من فنـــّي الـمنظوم والـمنثور، وقد ارتكز على قواعد وأصول - أي على علوم - راعاها العربي الأصيل منذ جاهليته، وهي علوم اللّغة والتاريخ.
وبهذا الـمفهوم، لـم يعد الأدب دائرة معارف شاملة. فقد خرج علم الشريعة والفقه من حدّه/ وإن يكن اعتماده على علوم اللّغة كالأدب. وكذلك خرجت علوم كونيّة كثيرة، إذ أنــّها علوم دخيلة لا مدخل لها في كلام العرب إلاّ ما ذهب إليه الـمتأخــّرون.
وما نراه: الأدب متعة ومنفعة على السوّاء. هكذا رآه أرسطو وكثيرون غيره من بعده. هو نقد للحياة وظائفه شاملة / ذاتية واجتماعية وسياسية ودينية.../ يشمل حياة الأديب وتجربته، وحياة الآخرين وتجاربهم، (بل يتناول ما بعد الحياة من تطلّع إلى الكون والـمصير وقوانين الطبيعة ونواميسها)(9). ومن هذا الـمنطلق، الأدب ضرورة حتميّة في الحياة الإنشائية، وظيفته خدمة الـمجتمع الإنساني. ومن هنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما هي أغراض الأدب ووظائفه؟.
Page 4

2- أغراض الأدب

لقد اختلف - قديماً وحديثاً - في وظيفة الأدب وغرضه. أهو تعبير أم توصيل؟ أهو وسيلة أم غاية؟ أميدانه الأنا أم النـــّحن؟ إلى آخر ما هنالك من أسئلة.
فالفّن عند (تولستوي Tolstoi) بما في ذلك الأدب، هو التعبير عن حاجة الشعب. وهو عند محمد غنيمي هلال (التعبير الحر عن وعي الأمة في آمالها الكبيرة ومثلها من وراء التصوير الصادق لواقعها فيما يشف من إمكانات أو يوحي بها...)(10). والفن عند توفيق الحكيم - وطبعاً الأدب أحد أبوابه - هو أداة من أدوات خلق الذاتيّة(11). غير أنّ (آبركرومبي Abercrombie) ينكر ذلك، ويعتبر الأدب صلة، فليس جديراً عنده أن يدعى أدباً كل أدب يعبّر عن نفس منتجه ولا يؤدّي للمتذوق شيئاً، كما أن الأدب ليس وسيلة أو أداة لتأدية شيء للقارئ. بللا بدّ للأدب من أن يكون صلة، وحيث لا تكون صلة لا يكون أدب. (والغرض الذي يرمي إليه فنّ الأدب، هو التعبير والتصوير والتوصيل وليس الغرض من تأليف الأدب وإنشائه أن يكون جميلاً، وإنمّا نقضي له بالجمال إذا نجح في غرضه الذي يرمي إليه)(12).
ومع شيوع الثورات، واكتناز العصر الحديث بانقلابات سياسيّة، واقتصادية، واجتماعية، ونتيجة للتغيّرات الجذرية في الـمجتمعات الحديثة، برز إلى الوجود (الأدب الثـــّوري) أو (أدب الثـــّورة). فمنهم من نسبه إلى كلّ ما كتب للطبقة العاملة، ومنهم من نسبه إلى الثـــّورة بحدّ ذاتها. غير أنّ (ماركوز Marcuse) قد رفض هذين الـمفهومين للأدب الثوري، وعرّفه بقوله: «الـمعنى الـمقبول الذي يمكن به إطلاق نعت الثوري على الأدب، هو الـمعنى الذي يحيل الأدب إلى ذاته، من حيث هو مضمون صار شكلاً». وأردف قائلاً: «أنّ الفن من حيث هو فنيعبّر عن حقيقة عن تجربة، عن حاجة آسرة، وكلّها عوامل أساسية في الثورة، وإن لـم يكن مضمارها الـممارسة الجذرية»(13).
الواقع، أنّ الخلاف حول اللغة والأدب، وكونهما أداة توصيل أو أداة تعبير، ليس خلافاً لغويّاً أدبياً، بمقدار ما هو خلاف فلسفي اجتماعي طبقي. لذلك ففهم وظيفة الأدب حسب هذه النظرية أو تلك، إنمّا هو موقف اجتماعي طبقي صميم، ينطلق من موقف ذي نظريتين: النظرية الـمادية، والنظرية الـمثالية. فالنظرية الأولى وأفكارها هي فكر الطبقة العاملة وقوى الاشتراكية. والنظرية الثانية هي فكر الطبقات الإقطاعية والرأسمالية، والانحياز إلى إحدى هاتين النظريتين هو انحياز إلى موقع اجتماعي محدّد.
فالجمالية الـماركسية - على سبيل الـمثال - ترى أنّ كل فنّ مشروط بصورة ما بعلاقات الإنتاج وبالوضع الطبقي. وأنّ تغيّر علاقات الإنتاج يغيّر الفنـــّ. وأنّ الفن الأصيل الحقيقي والتقدمي هو فن الطبقة الصاعدة الذي يعبّر عن وعيها. ومهمة الجمالية الـماركسية الأولى أن تحلّل هذه الصورة، وعلى الأديب - إذن - أن يبيّن ويعبّر عن مصالح الطبقة الصاعدة. وكل فن غير هذا هو فن منحط.
ويرى ماركوز أنه «لا يكفي العمل الفني، كيما يكون أصيلاً، أن يمثـــّل حقاً مصالح البروليتاريا أو البرجوازية أو رؤيتهما للعالـم... فكونية الفن أو شموليته لا يمكن أن تُبنى على عالـم طبقة خاصة وعلى تصوّرها للكون، لأنّ الفن يوجّه منظوره نحو كوني عيني، نحو الإنسانية غير المحتواة في أيّة طبقة خاصة... فالترح والفرح، واليأس والعيد... بما بينهما من تشابك وتلاحم، غير قابلة للتـّذويب في مشكلات صراع الطبقات. والتاريخ يغرس جذوره أيضاً في الطبيعة. ومن غير المسوّغ للنظرية الماركسية... أن تتجاهل الأيض Métabolisme - بينالكائن البشري والطبيعة وأن تندّد بالاعتراف بهذا الأسّ الطبيعي للمجتمع على أنه تصوّر أيديولوجي نكوصي»(14).
خلاصة القول: إن تكن وظيفة الأدب تحقيق هذا الغرض أو ذاك، فإن الوجود ومظاهره، في واقعه أو ما يجب أن يكون عليه، هو مجال الأدب في بعض مناحيه، وإن لـم يكن الأدب ملزماً بالتعليل والتحليل والخلوص إلى نتائج عبر العقل والمنطق العام. والإفراط في طلب الحق العلمي المنطقي يطفئ حماسة طلب الحق الفني. فالمنطق والأدب كلٌ منهما سيد في عالمه.
ومن بداهة القول: ليست وظيفة الأدب أن يتناول الحق مباشرة، إنمّا وظيفته أن يتناوله من الجانب الحسي وينفحه بالجمال، ويمزجه بحياة الإنسان وعواطفه وأهوائه ومراغبه. والأديب الكبير هو الذي يعبّر عن أعمق الحقائق، ويلمس خفايا القلوب، ويطوف بنا في مشارق النفس ومغاربها، ليرشدنا إلى آفاق فكرية قيّمة... وليس انفعال الفنان وإحساسه العميق بالأشياء بمنعزلين عن الإدراك، إنمّا إحساسه يستند إلى قدرة على المقارنة والربط والاستقراء والتجريد والتعميم... وهي جميعاً ملكات عقلية.
Page 5

الأدب والـحــريـــة

الأدب والحريّة توأمان متلازمان، والعلاقة بينهما أزلية، تكاد تمتد امتداد العلاقة بين الأدب وتاريخ البشرية، ذلك أنها إحدى ضرورات الحيوية والترقّي. ولقد كان الأدب - وما زال - (في جوهره تجسيداً لهذه الحاجة الأخيرة من خلال سعيه الدائب لخلق عالم موازٍ لعالم الواقع، قد يستمدّ عناصره الأولى منه، ولكنه يعيد تشكيلها من جديد بقدر من الحرية يتحقّق من خلاله قدر أكبر من انسجام العناصر)(15).
والحرية ضرورة للفرد والجماعة معاً. فالأدب نتاج فرد متميّز، اكتسب شرعيته من قدرته على غمس قلمه في مداد الجماعة المتعطشة إلى مورد عاجل، دون أن ينكسر القلم تحت ضغط الحاجة. وأديب الحرية على هذا النحو تتفاوت درجة اقترابه من الجماعة بمقدرته على توسيع مدى أطروحته.
والجدير بالذكر، أنّ (الحرية - مفهوماً مطلقاً - لا وجود لها إلاّ في الذهن، أمّا في الواقع فلا توجد إلاّ حريات نسبية. لأن نقيضها / الضرورة / مصاحب لها دائماً، من أحطّ حالات الجسم إلى أسمى سبحات الروح... ولكن مشكلة الحرية تتمثل لنا في أشدّ صورها مأساوية حين نشير إلى علاقة سلبية بين الكاتب والسلطة. ومراكز السلطة في المجتمع كثيرة، تهيمن عليها السلطة الكبرى؛ سلطة الدولة... بل أنّ مبدأ الضرورة / المناقض لـمبدأ الحرية / لا يتمثـــّل قي شيء كما يتمثـــّل في أعمال الدولة... ولا تزال الدولة تضع مختلف القيود على الحريات، بحيث تبقى ممارسة الحرية خاضعة أبداً لـما تقرّره الضرورة. لا تشغل أكثر من الحيِّز الذي تسمح به مولاتها الضرورة)(16).
أما الأديب المفكر الفنان... فمكانه بإزاء السلطة / الدولة / كمكان الحرية بإزاء الضرورة. فهو لا يقبل من قيود الضرورة - وإن في صراع أليم مع ذاته - إلاّ كلّ أصيل في بنية الفكر أو بنية الفن، وما يفرضه على نفسه من وسائط التعبير والتوصيل. وقد يشعر بشيء من الراحة إذا استشعر، ولو لحظة، بمعنى الحرية. ويوحي إلى المتلّقي، ولو لـمحاً، بسر هذا المعنى وسحره.
والسلطة / الدولة / ، لا سيّما في الأنظمة العربية، كانت - وما زالت - تنظر إلى الكاتب غير الموظف بعين الريبة. أما الكاتب الموظف، فقيده بيدها.
فما مدى العلاقة بين الكتابة والسلطة؟
Page 6

الكتـابـة والسلطــة

كل سلطة تريد للكتابة أن تكون مهنية رسمية، لا تتغيّر من زمان إلى زمان، ولا تتبدل من مكان إلى مكان، ممسوحة الشخصية الفردية فيها... تزيد الهمّ، وتثقل على القلب، غرضها الإحكام والسيطرة والمنع والقهر والأمر والزجر... لغتها القانون والمواد والبنود، ونظم الشركات والمؤسسات، و (الأعراف الاجتماعية والآداب الشكلية التي تحدّ من الفعل من أجل تنظيمه، وتحكم القيد من أجل السيطرة على الفعل)(17).
و (الكتابة من حيث علاقتها بالسلطة نوعان: كتابة بالقلم، وكتابة بالدم، كتابة بالأسود وكتابة بالأحمر، كتابة على الورق وكتابة في التاريخ. الكتابة الأولى تعطي لصاحبها الوظيفة والمنصب والجاه والمال والسلطان. والكتابة الثانية تؤدي بصاحبها إلى السجن والتعذيب والاستشهاد)(18).
فالكتابة الوظيفة كتابة باليد دون اعتقاد واقتناع. هي كتابة الدعاة وأجهزة الإعلام والإعلان، والتكسّب وقصائد المديح لأولي الأمر... تبغي تبرير النـــّظم. هي كلمة في الهواء منتشرة في الأسواق في كل عصر. هي شهادة زور وبهتان...
أمّا الكتابة الرسالة، فهي تعبير اعتقاد. هي كتابة المصلحين والثوار والمتحررين... تبغي - مهما تغيّرت العصور، وتبدّلت الأحوال - نموذجاً على شهادة العصر. هي فعل في التاريخ، نادرة صعبة المنال. هي شهادة صدق على العصر، واستشهاد فيه...
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، واجه الكاتب العربي - وما يزال - جملة من القضايا المحورية، منها قضايا: الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الوحدة والتنمية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً...، ثم كانت فلسطين، ولا تزال، هي القضية المركزية.
وشغلت الإنسان العربي عن قضاياه - في مراحل مختلفة - مشكلات الفقر والجهل والتفاوت الفادح في الدخل والنمو داخل القطر العربي الواحد... وكلها من تجليّات التخلّف الحضاري الذي تراكم عبر قرون من الاحتلال والاستعمار الذي تمخّض عن نكبة فلسطين التي بذرت في المجتمعات العربية أسباب الثورة والاضطراب والرفض، فخلفت الانقلابات العسكرية المتعاقبة في كثير من أقطار الوطن العربي، وقد ترافقت مع اكتشافات هائلة في مصادر الطاقة...
هذا الواقع المعقّد الذي تمخـّض عن انقلابات عسكرية في غير قطر عربي، تعرّضت أنظمته إلى الاهتزاز، فعمدت إلى أساليب القمع والتضييق على الحريات، وتبديد الموارد والإمكانات على تطوير وسائل الدفاع عن الذات، في الوقت الذي كانت فيه الأمة العربية هدفاً متجدداً للاستعمار ولو بوجه جديد.
وفي بلاد العرب (حيث الملك أو الأمير أو الرئيس هو الحاكم المطلق لا وجود فعلياً لآليات المحاسبة في النظام، فلا وازع تالياً ولا رادع سوى الضمير. والمواطن العربي لم يألف مشهد حاكم يعترف أمام شعبه بوخز الضمير حيال خطأ ارتكبه أو خطيئة...)(19).
كان القمع - وما يزال - في بنية المجتمع العربي قاسماً مشتركاً بين تيّارات الفكر الاجتماعي والسياسي على وجه العموم. ودخل ممثـــّلو التيارات السياسية، كافةً، السجون والمعتقلات، وقضت على كثيرٍ منهم المعتقدات، أو شرّدتهم في المتاهات حيارى غرباء يستجدون العون استجداء العملاء! وكانت نون الجماعة - وما زالت إلى حدٍ كبير - تعود إلى السلطة المتفردة بالحكم. فباسم العدل، وبدعوى الاستقرار، وحماية المجتمع من الأشرار، يستمر وقع السياط من قِبل السلطة للرعية.
والقمع الذي حصل في عالمنا العربي، ويحصل، يتــّم من خلال تقييم كل ثقافة في مجتمعاتنا بمدى قربها أو بعدها عن هذه الثقافة السائدة التي نجحت الطبقة الحاكمة في حبكها، وجعلها متفقاً عليها من قبل الجميع!
فكيف يُبدع الأديب؟
Page 7

الإبـــداع الأدبـــــي

الإبداع ضرورة اجتماعية، لا غنى لأيّ مجتمع عنها، وخاصة في القرن الحادي والعشرين، عصر التكنولوجيا والعالم القرية. ولا يكتمل الإبداع الأدبي إلاّ أن تكون له رسالة اجتماعية. (فتاريخ الإبداع في الآداب والفنون لا يقل في حقيقة الأمر واقعية ولا يقل فاعلية في تشكيل حاضر الشعوب ومستقبلها. ولا يقل اقتضاء للبدء من موقع المخالفة)(20).
والإبداع فعل كذلك، ينتقل من الإمكانية إلى الوجود. (وإذا كان الإبداع فعلاً للتحرّر يعبّر عن نفسه من خلال الصراع التركيبي بين المبدع وذاته، ومجتمعه، وأداته، فهذا هو جوهر الحرية)(21). و (الحرية ليست ظاهرة، أو واقعة، أو حالة، بل هي فعل)(22). ولا يمكن للحرية أن تدرك إلاّ في صميم الفعل الذي تمارس به وجودها. (والإبداع هو فعل التحرّر ذاته، الذي يتجسّد في علاقة بين الإنسان والوسائط التي يفعل من خلالها)(23). من هنا تبدو الحرية الشرط الأوّلي للإبداع.
فالإنسان الغربي الذي ظفر بالتحرّر من سلطان الدولة وسلطة الكنيسة، منذ قرون، لم يتم له هذا الظفر إلاّ حين استشعر أنّ النظم السياسية والاقتصادية والدينية... تحدّ من أفعاله، فقام يسعى إلى التحرّر من سلطتي الدولة والكنيسة اللتين تدخلتا في كل مظهر من مظاهر الحياة وأشكالها المختلفة، وامتدّ نفوذهما إلى العلم والفن.
ذلك لا يعني أنّ الحرية الإنسانية هي حرية مطلقة، فللحرية حدود هي بعينها شروطها. وهذه الحدود تمثـــّل درجات مختلفة من الضرورة. (وهامش الحرية المتاح للكاتب في أي مجتمع من المجتمعات، على اختلاف فيما بينها، محدود جداً، لا يتجاوز هامش الرقص في السلاسل. إذ ثمة قيود لا يستهان بها من اللغة والفن والتراث، والمتلقي، والمجتمع، وغيرها. ما يكفي ليبدد هذه الحرية، ويذروها أدراج الرياح)(24). والأديب - أولاً وقبل كل شيء - كائن اجتماعي ينشئ للآخر بلغته، وله وظيفته الاجتماعية المحدّدة التي يؤديها من خلال المؤسسات الاجتماعية ذات الصلة، وذو وضع اجتماعي معيّن، يتلقى درجة ما من الاعتراف والجزاء الاجتماعيين.
ويبدو أن كلّ ما تقدم من قيود وضوابط تحدّ من حرية الكاتب (اللغة، والفن، والتراث، والمتلقي، والمجتمع...) لم تكف، فكانت الرقابة الفكرية والدينية والسياسية... إلى آخر ما هنالك من شبكات القيود والأنظمة والبنى التي تتحكّم بعملية الإنتاج الأدبي، وبالتالي تحدّ من حرية الأديب. والمبدع وحده هو الذي يستطيع أن يتحرّر، ويكسر، ويخترق.
وبداية الإبداع التمرد على المجتمع، ونبش متاهات اللاّوعي، فهو لا يتحقّق إلاّ إذا أقيم على عصيان السائد. فالحرية ونقيضها القهر محركان للإبداع. فإن كانت الأولى تؤمِّن للأديب المبدع مساحات واسعة من الخيارات المتعدّدة والمجالات المتنوعة، فأنّ الثاني يثريه تفنـــّناً في التحايل على عين الرقيب وسيف السلطة.
Page 8

الفصل الثاني : أدباء موظفون

تـمـهــيـد

منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ومطالع القرن العشرين، لا سيّما سنوات الحرب العالمية الأولى (مقدماتها ونتائجها) عملت في العالم العربي رياح غربية هوجاء عاتية، وما فيه دولة أو شبه دولة... وطنية أو قومية، أو حتى قبلية! إنمّا تجمعات شخصانية لها مصالحها الخاصة وتطلعاتها التي تستجديها من أصحاب القرار. وأصحاب القرار (ورثة تركيا) كُثر، ومصالحهم - في أحيان كثيرة - كانت اقتصادية، ربّما استدعت ميلاد عصبة الأمم، القناع الإنساني الأممي لاستعباد الشعوب المغلوب على أمرها.
وكان بلاء العالم العربي في جملة من القضايا: في تبعيته للإمبراطورية العثمانية، وفي موقعه الجغرافي الاستراتيجي، وفي موارده الطبيعية - لا سيّما النفط - وفي ثرائه وفقره في آن، وفي ضعفه وتشتته... فالأمة التي سادت قد بادت معالمها، وباتت محطّ أنظار الطامعين، فكانت نكبة فلسطين وما سبقها وتبعها من مآسٍ وويلات، وكانت حركات التحرر العربية... فبأقنعة متلونة، برزت مخالب الغرب وأنيابه التي ما فتئ يصعقها منذ سنين وعقود في بعثاته التبشيرية والتعليمية، تنهش لحوماً ميتة، وتنقب في أراضٍ بكر، وقد حملت معها رياحاً من الأخوّة والعدالة والمساواة... والتحرر, فاصطنعت الأنظمة، وتشكّلت الدول التي ما كان لعربي فيها رأي ولا يد!.
حيال هذا الواقع المضطرب المعاش، وقف الفكر العربي تجاه الوافد الغربي وقفة تناقضية يتجاذبه قطبان متنافران؛ الرفض والنفور من ناحية، والاستيعاب والتمثـــّل من ناحية أخرى. وركب الأديب الموظف - على وجه العموم - موجة الثنائية التناقضية، وخاض غمار مشكلات مرّكبة معقّدة؛ خاصة قطرية، وعامة شاملة يعيشها العرب في مختلف أقطارهم. ومن المنطق أن تكون الثنائية إمّا وفاقية تشاركية نفعية، وإمّا تناقضية قطبية نفعية كذلك. من هنا نشأت عند الأديب الموظف - في الوطن العربي - مشكلة التوفيق بين قوتين تتجاذبانه. فهل نجح الأديب الموظف العربي في التوفيق أم فشل؟ وكيف عاش تجربته؟... في استعراض حياة عيّنة عشوائية من كوكبة أدباء موظفين قد نستهدي إلى الجواب.

وليّ الدين يكن (1873- 1921)
ولد وليّ الدين يكن - التركي الأصل - في الآستانة، وجاء به والده إلى القاهرة وهو دون سن السادسة. التحق بوظائف النيابة، وأصدر جريدة (الاستقامة)، وجعلها منبراً لمحاربة الظلم. أوقفت السلطات جريدته، وسجنته، ونفته إلى سيواس. عاد من المنفى عام 1908 عندما أُعلنالدستور العثماني، والتحق بخدمة خديوي مصر(25).
له كتاب في النثر بعنوان «المعلوم والمجهول»، وديوان شعري صغير، تنوّعت أغراضه ما بين السياسة والاجتماع والمدح والرثاء والشكوى... منه قصيدة يعارض فيها أحمد شوقي التي قالها في وداع السلطان عبد الحميد عندما خـــُلع (سنة 1909)، جاء فيها قوله:
Page 9

عبد الحليم حلمي المصري (1887- 1922)

التحق عبد الحليم حلمي المصري بالمدرسة العسكرية، وتوظّف بالسودان، وفي ديوان الأوقاف، واستقال. فقد أدّت إحدى قصائده إلى محاكمته وسجنه. ثمّ دخل بعد الانقلاب الدستوري في خدمة الملك (أحمد فؤاد) حيث كانت له عنده حظوة حتى دُعي شاعره(26).
له: «ديوان المصري» في ثلاثة أجزاء صغيرة، و«الرحلة السلطانية» في جزأين.

مصطفى لطفي المنفلوطي (1872- 1924)

عادت كتابات مصطفى لطفي المنفلوطي في جريدة (المؤيِّد)، ابتداء من عام 1907، إليه بشهرة واسعة، دفعت بسعد زغلول وزير المعارف الذي أراد أن تكون لمنشورات وزارته وتقاريرها لغة راقية، إلى تعيين المنفلوطي محرّراً عربياً لها. ومن بعدُ نقله معه وولاّه فيالمنصب نفسه عندما تولّى حقيبة وزارة العدل. كما عُيِّن في سكرتارية البرلمان المصري عند إنشائه. اتصل بالشيخ (محمد عبده) اتصالاً وثيقاً وسجن بسببه ستة أشهر، لقصيدة قالها تعريضاً بالخديوي (عباس حلمي) الذي كان على خلاف مع (محمد عبده)(27).
إلاّ أن المنفلوطي الذي أراد أن يعيش حراً طليقاً، يناضل من يشاء، ويجادل من يشاء، وينتقد من يشاء، وأن يقول كلمتي الخير والشر للأخيار والأشرار في وجوههم، لا متملّقاً أولئك وخاشياً هؤلاء...(28). كان له (دنلوب) مستشار وزارة المعارف الإنكليزي بالمرصاد.
فعلى أثر خطبة (روزفلت)(29) التي ألقاها في الخرطوم، والتي حذر فيها انكلترا من ترك مصر، لأنــّها إن فعلت فإن دولة أخرى ستخلفها، انبرى له المنفلوطي، وردّ عليه بمقالات متوالية، فثارت ثائرة (دنلوب)، وأراد النكاية به. فقام سعد باشا زغلول في وجهه، قائلاً: أنّ الحكومة في حاجة إلى مثل السيد منفلوطي، وليس هو في حاجة إليها، والوظائف قبور للأدباء، وخير للحكومة أن يكون مثله داخلها(30).
له: كتاب «النظرات» جمع فيه ما نشره في (المؤيد)، وكتاب «العبرات» وهو مجموع من الأقاصيص الموضوعة والمنقولة، و«مختارات المنفلوطي» من أشعار المتقدّمين ومقالاتهم. وعرّب له بعض أصدقائه عن الفرنسية: «تحت ظلال الزيزفون» و«الفضيلة» و«الشاعر»، فصاغها بأسلوبه صياغة حرّة لم يتقيّد فيها بالأصل. ومن نظراته، مفتشاً عن الفضيلة، قوله:
فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجّار فرأيت التاجر لصاً في أثواب البائع...
فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء فرأيت أنّ أعدل القضاة من يحرص الحرص كلّه على أن لا يهفو... هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي...
فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغنـــّى إمّا شحيحاً أو متلافاً...
فتشت عنها في مجالس السياسة، فرأيت أنّ المعاهدة والإتفاق والقاعدة والشرط: ألفاظ مترادفة معناها الكذب...
ومن نظراته في الحرية قوله:
أنّ الإنسان الذي يمد يديه لطلب الحرية ليس بمتسوّل ولا مستجدٍ، وإنمّا هو يطلب حقاً من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منـــّة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده.
Page 10

أحمد شوقي (1868- 1932)

أحمد شوقي شاعر الأمراء، وأمير الشعراء الذي نشأ نشأة أرستقراطيّة، وعاش عيشة رغيدة في القصر الخديوي، يثني عليه (توفيق) وينثر الذهب بين يديه. ويلازم الخديوي (عبّاس) وينال حظوة عالية لديه، بعيداً عن أرق الناس وهمومهم... حطّ به الدهر يوم عزل الإنكليز (إسماعيل)(31).
وبعزل الخديوي (إسماعيل)، كان أوّل خروج لشوقي من القصر منفيّاً إلى أسبانيا. وفي برشلونة تنفّس شذا الحرية، ليعود إلى مصر - إثر الثورة المصرية سنة 1919 - متحرّراً متفلّتاً من قيود البلاط، غير مرتهن لنظامه، وطرق عيشه، طليق اللّسان يهتم بقضايا الناس(32).

حافظ إبراهيم (1872- 1932)

قضى شاعر النيل، حافظ إبراهيم، عن عمر يناهز الستين، ذاق فيه مرّ اليتم، والفقر، وكان فيه ملولاً متلافاً متبرماً يكثر من الشكوى، يمنـــّي النـــّفس بمنصب حكومي يضمن له فيه الرزق. فكان له بداية في الحياة العسكرية(33)، ثم في دار الكتب ما أراد. و (كانت هذه الفترة في حياته - وما أطولها - فترة نضوب في شعره، وجمود في قريحته إلاّ نادراً، فكان منصبه نعمة عليه، ونقمة على فنـــّه، ومنفعة له، ومضرّة على الناس)(34).
ألّف حافظ إبراهيم مع بعض الضباط المصريين جمعية وطنية سرية، اكتشفها الإنكليز فحاكموا أعضاءها، وهو منهم، فأحيل إلى الاستيداع، ثم أعيد إلى الخدمة في البوليس ثم أحيل إلى المعاش، قبل أن يتولى رئاسة القسم الأدبي في دار الكتب المصرية. من مؤلفاته: (ديوان حافظ) في مجلدين، و(البؤساء) و(ليالي سطيح)...
قال في رئيس فرقته، وقد كان يرفع التقارير السيئة عنه، كثيراً من الأراجيز في ذمّه، جاء في واحدة منها:
تراه إذ ينفخ في المزمار ...تحسبه في رتبة السردار
يجتنب العاقل والنبيها... ويعشق الجاهل والسفيها
وقال، يوم كان ينطق، مقرعاً الأمة:
أمة قد فتّ في ساعدها ... بغضها الأهل وحبّ الغربا
تعشق الألقاب في غير العلا...وتفدي بالنفوس الرتبا
وهي والأحداث تستهدفها...تعشق اللّهو وتهوى الطربا..
وقال والحماسة والبطولة والثقة... ديدنه:
النسر يطمع أن يصيد بأرضنا ...سنريه كيف يصيده زغلولُ..