eKtab
EN ع
الأديان في العالم
Read free sample

الأديان في العالم

by د. سعدون الساموك

Page 1

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد.

فهذا كتاب منهجي في مادة الأديان حاولنا فيه أن نجمع فيه كل من المطلوب في الدراسات الأولية والدراسات العليا في جميع كليات الوطن العربي التي تدرس هذه المادة، مستعرضين الديانات كما هي عند أصحابها ثم نكتب الرد القرآني أو الإسلامي على الموضوع، إذ أن جميع الأديان السماوية (غير الإسلام) قد حرفت ولم يبق فيها شيء يمكن أن نعتبر الإسلام امتدادا طبيعيا لها.. إلاّ إننا نحس من خلال دراستنا لتلك الأديان أن مصدر الأديان كما يعتبره الجميع "واحد" وهو الله تعالى وأن اختلفت نظرة الأديان إلى هذا المصدر كما سنرى ذلك من خلال دراستنا لهذه الأديان .

أما الأديان الوضعية فبعضها ربما كان بقايا دين سماوي لان الله تعالى يقول "وما من أمة إلا خلا فيها نذير"، وأما أفكار موضوعه جعلت من تلك الأفكار ديناً يعتقد فيها أتباعها ويجعلون لمعبوداتهم طرقاً معينة للوصول إليها.

كان أكثر التركيز على ديانتي اليهود والنصارى لأن الكليات الدينية بدراساتها الأولية أو العليا تركز تركيزاً كبيراً على ذلك، وقد تناولنا فيها كل الأمور التي تهم الطالب، وهي غير موجهة للطالب بالضرورة وإنما موجهة إلى كل الشرائح، حيث المعلومات عامة تهم الجميع.

الكتاب فيه دراسة في تاريخ وعقائد ومناسبات دينية وعبادات الديانتين اليهودية والمسيحية، فالدين مؤسسة اجتماعية لا تستغني عنها أية جماعة بشرية مهما كانت.. فهي التي تدل الإنسان على معاني حياته وفي طريقه لمعرفة هذه الحقيقة كان يقف حائراً تارة متحمسا أخرى فيضل الطريق مرة وينجح أخرى ليبلغ بعدها الرقي الفكري حين نزل الإسلام، لذلك حكمنا الإسلام في كثير من النقاط التي ذكرناها عن تلكما الديانتين فأعطينا حكمه ورأيه في تلك النقاط.

قسمنا الكتاب إلى فصول كثيرة وكل فصل ضم ما تحتويه الديانتين من تاريخ ومفاهيم وممارسات. وقد التزمنا الحياد التام في غرض كل ديانة منها والقصد في ذلك هو عرض الحقيقة على قراء الكتاب، راجين أن يفيد منها الجميع فإن كنا قد وفقنا في ذلك فمن الله، وأن كانت الأخرى فالمعذرة والأمل في تحسين الأمر في المستقبل ، فالله هو القصد، منه العون وهو الرجاء.

المؤلفان

Page 2

تمهيد

يبحث علم الأديان عن منشأ الأديان وتطورها، وفي الأسس التي ترتكز إليها الأديان المختلفة وفي أوجه الاتفاق أو الاختلاف فيما بينها. وبعبارة أخرى : أنه يناقش تاريخ الأديان ويوضح فلسفتها ويوازن بينها.

فتاريخ الأديان : يبحث عن نشأة المعتقدات الدينية وتطورها ومرتكزاتها لدى الشعوب البدائية المتخلفة والشعوب المتمدنة فالغرض إذن من دراسة تاريخ الأديان هو معرفتها.

وأما فلسفة الأديان: فإنها تبحث في العلاقات بين الأسس التي تستند إليها الأديان المختلفة وفي الغايات التي تهدف إليها. ويدخل ضمن مباحثها علم ما وراء الطبيعة، وعلم الكلام أو ""اللاهوت" وعلم التصوف (1)

وأما مقارنة الأديان أو "تاريخ الأديان المقارن" فإنه يدرس خصائص ومميزات كل دين، ويوازن بينها وبين خصائص ومميزات الأديان الأخرى.

Page 3

تعريف الدين

ليس بين المؤسسات البشرية مؤسسة تضاهي الدين في سيطرته على نفسية الفرد وزجره وكبح جماح شهواته، سواء أكان الفرد بدائياً أو متمدناً.

فالدين بني كيانه منذ نشأته على الحلال والحرام.

فالحرام ما لا يجوز مسه أو التقرب منه أو كله. وحمل الفرد على الاعتقاد بأن من يخالف هذا التحريم يأثم ويستحق العقاب.

والحلال ضد الحرام وقد أوضحه الدين، بين موارده، ونظم أموره.

وبتعبير أدق وأشمل إن للدين – أي دين- أوامر ونواهي يحظر بعضها أفعالاً معينة ويأمر بعضها الآخر بالقيام بأعمال أخرى . ومن ينعم النظر في هذه الأوامر وتلكم – النواهي يجد أنها في جملتها أنما جاءت لخير البشر وتحقيق مصالحهم، ودفع المفاسد عنهم ولاسيما السماوي منها([2]).

وتعريف الدين من هذا المنطلق يشمل أي دين دون الذهاب إلى أحدها دون الآخر وبغض النظر عن كون الدين المعرف صحيحاً أنم باطلاً : لأننا حين نتكلم عن الدين فإننا نعطي له مفهوماً واحداً هو (تلك المعتقدات والشعائر التي تمارسها الأقوام بدائية كانت
أم متحضرة) وسنستعرض هنا مجموعة آراء وتعريفات للدين وضعها علماء في شتى مجالات العلوم.

قواعد تعريف الدين

1- شعور الناس بوجود قوة أو قوى متعددة أعظم منهم شأناً وغير مسخرة لهم.

2- اعتقاد الناس بأن لهم صلة بهذه القوى أو القوة.

3- سعي الناس إلى إيجاد واسط لتوثيق هذه الصلة([3]).

Page 4

الدين في المصطلح الإسلامي

وقد عرف في الاصطلاح الإسلامي بأكثر من تعريف إلا أنه يلاحظ أنها تكاد تكون متحدة في معناها وإن اختلفت في ألفاظها منها:-

1- الدين: وضع الهي سائغ لذوي العقول باختبارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل([4]).

2- الدين : وضع الهي يرشد إلى الحق بالاعتقادات وإلى الخير بالسلوك.

3- الدين : وضع الهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول([5]).

Page 5

الدين عندَ علماءِ اللغةِ

العين([6]): "والدِّينُ: الجزاءُ،..، كقولك دَان الله العبادَ يدينهم يوم القيامة أي يجزيهم،.. والدِّينُ: الطاعةُ".

المقاييس([7]): الدالُ والياءُ والنونُ أصلّ واحدٌ إليه يرجع فروعه كُلَها، وهو جنس من الانقياد والذلِ؛ فالدِّينُ : الطاعة،...[ثم قال: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" (الفاتحة:٤)، أي: يوم الحكم، وقال قومٌ : يوم الحسابِ والجزاءِ، وأيُّ ذلك كان فهو أمر يُنْقَادُ له".

مفردات ألفاظ القرآن([8]): "والدين يقال للطاعة والجزاءِ، وأستُعِيرَ للشريعة، والدِّين كالملة، لكنه يُقَالُ اعتباراً بالطاعة والانقياد للشريعة".

جاء في لسان العرب: والدِّينُ الجزاءُ والمكافأة، ودِنُتُه بفعله ديناً : جزيته،....، ويوم الدينِ : يوم الجزاء،وفي المثل: كما تَدينُ تُدَانُ، أي : كما تُجازي تُجازى، أي تُجازى بفعلك ، ويحسب ما عملتَ، وقيل: كما تفعل يُفعل بك،..، والدِّين الجزاء..، والدِّين الحسابُ،...، والدِّين الطاعةُ،...، والدِّين العادةُ...، والدِّين الحالُ،...، والدٍّينُ: الورعُ، والدِّيُ: القهرُ والدِّينُ : المعصيةُ،...".

فلفظُ "الدينِ يُطلقُ في لغة العربِ على جميع ما ذكرَ من معانٍ، وهي مع تعددها يمكن جمعها إجمالاً في معنيين:

الأول- العملُ: وفيه يدخل: )الانقياد، والذل، والطاعة، والورع، والعادة، والحال، والمعصية).

الثاني- الجزاء على العملِ: وفيه يدخل: (الحساب، والمكافأة) ، ومن لوازمه: (السلطان، والقهر).

فيتضح بهذا وجه الجمع بين تلكم المعاني التي أوردها أئمة اللغة في كتبهم، والله المستعان.

فائــدة: جاء في المعاجم العربية أن "الملة بمعنى الدين"، وقال الجرجاني في التفريق بينهما:" الدين والملة متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار؛ فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى ديناً، ومن حيث أنها تجمع تسمى ملةً([9]).

Page 6

الحقيقة الشرعية لمفهوم الدين

الحقيقة أن "الدينَ" يشملُ في نصوص الشرع جميعَ الإسلامِ : اعتقادا، وعبادةً ومعاملةً، وأخلاقاً، ودليلُ ذلكَ حديث جبريلَ المشهورُ حيثُ فصلَّ النبيُّ r فيه مراتب الدين:(الإسلام، والإيمان، والإحسان)، وبين حقيقة كل منها، ثم قال: ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)([10]).

قال ابن تيمية: "فجعل الدين " هو: الإسلام والإيمان والإحسان، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم، ثم مؤمن، ثم محسن، كما قال تعالى : "فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ("فاطر: ٣٢ ).

فـ"كلمة "الدين" في عرف القرآن الكريم تشمل ما يدخل في باب العقيدة ، وما يدخل في باب العمل: العمل الذي يؤديه المرء تقرباً إلى الله، كالصلاة والزكاة، والعمل الذي يقوم به مع غيره تحقيقاً للمصالح الدنيوية المختلفة كالبيوع، والرهون، والشركات، وغيرها من التصرفات، وأعمال السلوك الخلقي مع النفس، ومع الناس ....

قال الله تعالى : "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ" (آل عمران: 19 )، وقال سبحانه : "شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً" (الشورى: 13)؛ فالدين عند الله هو"الإسلام " بكل ما اشتمل عليه من أحكام.

والدين الذي أوحاه الله إلى محمد r ، ووصى به النبيين من قبل: شرع من عند الله، وقال الله تعالى: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ" (الجاثية: ١٨)، والشريعة الطريقة الواضحة التي يجب التزامها، والسير عليها بالقلب أو بالجوارح([11])

عند علماء النفس والاجتماع

"علماء الاجتماع ينظرون إلى "الدين" على أنه: مجموعة مجردة من القيم والمثل أو الخبرات التي تتطور ضمن المنظومة الثقافية للجماعة البشرية"([12]).

وجاء في "قاموس الإنثروبولوجيا" أنّ الدين نظام اجتماعي يقوم على علاقة الإنسان بكائن، أو كائنات، أو قوى فوق طبيعية، أو إله، أو آلهة يؤمن بها، ويعبدها..."([13]).

وقال دوركايم (Durkheim) في تعريف "الدين أنه": مؤسسة اجتماعية قوامها التفريق بين المقدس والدنيوي، لها جانبان: أحدهما روحاني مؤلف من العقائد والمشاعر الوجدانية ، والآخر مادي مؤلف من الطقوس والعادات"([14]).

Page 7

عند علماء مقارنة الأديان

أما من حيث الدراسة المقارنة للأديان فإنه "لا يوجد "للدين" تعريف واضح وثابت؛ فهناك العديد من التعاريف للدين، وتتصارع جميعها على محاولة أشمل وأدق تعريف، لكن مثل هذا الموضوع يخضع لإيمان الشخص الذي يضع التعريف؛ وبالتالي يصعب وضع تعريف يرضي جميع الناس"([15]).

وإليك بعض التعريفات "للدين"([16]):

1- الدين هو اعتقاد البشر بقوة أعظم منه تقوده ولا تنقاد له.

2- الدين هو الإيمان بمخلوقات روحية، أو الاعتقاد في الموجودات الروحية.

3- الدين هو الاعتقاد بوجود كائن لا يدركه العقل موجود في كل مكان.

4- الدين هو اتخاذ مواقف عاطفية حيال المعبود.

5- الدين هو عباد ة القوى العليا للحاجة لها.

6- الدين هو الشعور بالاعتماد المطلق.

7- الدين هو الشعور المطلق بتبعيتنا

ويلاحظ من خلال التعريفات السابقة أن أبرز مميزات "الدين" بالدراسة المقارنة:

1- الاعتقاد والتصديق بالموجودات غير المحسوسة

2- تعظيم هذه الموجودات وتبجيلها.

3- طاعتها، وعبادتها، والتقرب إليها بمختلف الأساليب.

4- الاستعانة بها على الحوائج، والاستغاثة بها عند المصائب.

Page 8

الديانة الهندوسية

Hinduism

يعتقد الهندوس أن براهما روح العالم خلق (مانو) أول البشر فأخرج منه زوجة له فصار أول زوج وزوجة على وجه الأرض وجاء منهما نسل البشرية، وبإرادة براهما كذلك جاءت جميع الكائنات، فصار براهما هو الخلق نفسه لأنه أخرجه من نفسه، وجاء من مانو أبي البشر أربع طبقات، فمن رأسه جاء أفضل الناس وأعظمهم قدسية وهم الكهنة البراهمة (Brahma) ومن ذراعه جاء من يليهم في الأفضلية وهم الملوك والمحاربون (الكاشتريا Kastria) ومن فخذيه جاء أرباب المهن ممن يهيئون أسباب المعيشة للطبقتين اللتين سبقتها بالأفضلية وتسمى هذه الطبقة الفيشية (Viaya) ومن قدمي مانو جاءت الطبقة السفلى من الناس وهم الطبقة المنبوذة أو العبيد أو الخدم الذين يسمون بالشودرا([17]) (Sudra)).

هذا ما تقوله أساطير الهندوس.. أما ما جاء في الحوادث التاريخية فإن الآريين حين سيطروا على شمالي وشرقي الهند في الألف الثانية قبل الميلاد فإنهم استعبدوا الأهالي وخلقوا هذه الطبقات وذلك بجعل أهالي البلاد عبيداً ومنبوذين يقومون بخدمة الأسياد الذين تتكون من الطبقات الثلاث التي تنتمي إلى الجنس الأرى([18])، وأصبحت لكل طائفة من الطوائف التي تألف منها الشعب الهندي القديم واجباتها، فالبراهمة هم الكهنة الذين يدرسون أسفار "الفيدا" الكتاب المقدس لدى الهندوس ويقومون بكافة التعاليم التي تنص عليها تلك الأسفار. وطبقة الكاشتريا تقوم بحماية الشعب وتلاوة – الكتاب المقدس، وطبقة الفيشية تقوم بزراعة الأراضي وتربية المواشي وعمليات البيع والشراء ودراسة الكتب المقدسة، أما طبقة الشودرا فما عليها إلا خدمة الطبقات الثلاث – كما أوضحنا – وعليهم الامتثال المطلق لأوامر البراهمة.

ولما كانت طبقة البراهمة هي الطبقة الممتازة بين الطبقات الأخرى فقد كانت لها مدارس خاصة تربي أبناءها تربية دينية حتى يصبحوا كهنة. وكان تعليمهم ينصب على اجتيازهم أدوارا أربعة، هي دور التلمذة، وفي هذا الدور يحتضن الأستاذ طلبته كأبنائه. ثم دور الدعاء حيث يتدرب البرهمي على المناجاة والأدعية وخلال هذا الدور يتزوج البرهمي ببرهمية، ثم ينتقل إلى دور الخلوة والتفكير ليعود بعدها إلى حياته الطبيعية "عالم الوجود" ([19]). وهذه الأدوار اختيارية حيث يتمكن البرهمي من الانقطاع في أي دور يشاء.

وقد كثرت الآلهة عند الهندوس بشكل ملحوظ فصبح لكل شيء روح ولكل روح قدسية معينة عندهم. وكانت كل الآلهة قد أخذت وظيفة معينة تختلف باختلاف شخصياتها إلا أن الآلهة العليا أخذت لنفسها ثلاثة أقانيم فدعي الأول (براهما) ووظيفته الخلق والإيجاد ودعي الثاني (فشنو) حيث يتولى المحافظة على الخلق والوجود. و(سيف) المخرب الجبار([20]).

فهذه الصفات الثلاث تكون الإله الواحد الأعلى. فهم وان عددوا الآلهة فإن إيمانهم يعترف بنوع من الوحدانية... وإنه ليس للآلهة الأخرى كيان منفصل إذ أن حياتها تستمد من روح واحدة هي روح (براهما) أو الإله الأعظم وقد اتسع نطاق هذه الفكرة بحيث أخذت الديانة الهندوسية تؤمن بوحدة الوجود أو الحلول عندما قالوا بأن روح الإنسان هي نفس روح (براهما) موجودة في الإنسان كما هي موجودة في المخلوقات الأخرى([21]). وكذلك تؤمن الهندوسية بتناسخ الأرواح فقد تنتقل الروح من الإنسان إلى الحيوان وبالعكس ولذلك فقد قدسوا الحيوانات.

وللآلهة أساطير أشبه ما تكون بخرافات مقدسة دونت في كتابهم المقدس
(الفيدا Vida) وهذا الكتاب ينقسم إلى أقسام أربعة هي الرجيفدا (Rig-Veda) وهي مجموعة من الشعر الكهنوتي أو أناشيد العوائل المقدسة والسامافيدا(Sama-Veda) وتحوي أناشيد موجهة إلى الآلهة (أجني) آله النار و(أندرا) آله المطر والقسم الثالث ويسمى الباجورفيدا (Yajur-Veda) وهو مجموعة من التراتيل التي ينشدها الكهنة عند إحراق جثث الموتى.. والقسم الأخير وهو الأثارفيدا (AtharVeda) وهي أناشيد تتلى عند الزواج أو تلمس البركات أو أدعية ضد الشيطان ومكروهات الأمور([22]).

ومن معتقدات الهندوسية أيضاً إيمانهم بالكارما (Karma) ومعناها قانون الجزاء والعدالة. وتعني أن جميع أعمال الإنسان الاختيارية التي تؤثر على الآخرين شراً كانت أم خيراً يجازى عليها بالثواب أو العقاب.... وهذا الجزاء يكون في الحياة. فإن لم يقع هذا في الحياة الاعتيادية فقد تقع في الحياة الأخرى بعد أن تنتقل الروح إلى جسد آخر([23]).

وهدف الإنسان الهندوسي أن يصل إلى مرحلة الانطلاق أو الخلاص (Nirana) والتي تعنى انعتاق روحه من الجسد واتحادها بالإله براهما ويكون ذلك بالعمل الجيد الصالح الذي يساعد المرء على الانتقال بعد الموت إلى طبقة أعلى من طبقته حتى
يصل إلى أعلى الطبقات، ويستمر بعمله الصالح لتنطلق روحه بعد ذاك إلى الاتحاد مع براهما([24]).

وللنقاد بعض مآخذ على الهندوسية منها أنها ديانة تهتم بالخرافات وتهبط في مستواها نظراً لأنها تتأثر بالسحر ولا تهتم بتحسين اقتصاد معتنقيها لأن العمل عند بعض طبقاتها كالبراهمة والكاشتريا لا يليق بهم، وبدلاً من العمل فإن الهندوسي يدرب نفسه على تحمل المشاق في الصوم الطويل أو القيام بالأعمال المضنية للجسم أو قيامه بالاستعطاء أو أنه يقوم بغرز مسامير في جسده. وقد يتعرى ما بقي من عمره أو لا ينام لفترة أو لا يحرك جسده ويقوم الناس بإطعامه الغذاء.. والجدير بالذكر أن القصد من ذلك هو ولوج باب الموت بنظافة ونزاهة ليصل إلى (النيرفانا) بعيداً عن أي عارض يعترضه.

ومن المآخذ على تلك الديانة أنها لا تكتفي بحرق جثمان أفرادها الذين يتوفون بل أن زوجات المتوفى لا بد من حرق أنفسهن معه. وقد قضي على هذه العادة منذ أجل قريب وتعتبر الهندوسية من الديانات القليلة التي لن تستطع الأفكار الدينية المتوافدة على الهند من تغيير جوهرها ومعتقداتها ([25]).

ويمكننا أن نلخص المبادئ التي ترتكز عليها الديانة الهندوسية بما يلي:

1- إنها بنت كيانها على الإيمان بالكارما أو قانون الجزاء.

2- وتركز على عقيدة تناسخ الأرواح.

3- وتنظر إلى الحياة نظرة متشائمة بالدعوة إلى تخليص الروح منها.

4- وتدعو إلى الزهد.

5- وتركز كثيراً على الفضائل.

6- وتركز على الإيمان بكتب (الفيدا).

7- وتؤمن بآلهة كثيرة ([26]).

Page 9

ومن المهم أن نعرف أن للهندوسية حركة عالمية تبشيرية في الوقت الحاضر تسمى (Hare Krishna Moement) أو ضمير كرشنا تقودها جماعات تبشيرية في معظم أقطار العالم وخاصة أمريكا وأوربا ولها أنصار عديدون في تلك الأقطار يوجههم الكاهن المقدس – كما يدعونه – براهوباتا (Pra dhupaa) ومن تعاليم هذه الحركة أن الفيدا أو البغوات جيتا (Bhagaad-gita) هي الكتاب المقدس الأول في الكون الذي يحمل معاني الحقيقة الإلهية كما حملتها من بعده التوراة والإنجيل والقرآن. وان الإنسان جزء من الإله الأزلي الأبدي ولأجله فان كل الناس أخوان وعليهم التضحية في سبيل الأب الأعظم "كرشنا" ([27]).

ومن الملاحظ أن هذه الحركة تحظى بتأييد المراهقين في أوروبا وأمريكا أكثر من غيرهم وقد يكون ضعف الدفع المسيحي في الوقت الحاضر سبباً في انتشار هذه العقيدة في تلك القارات.

وفي خاتمة بحثنا للديانة الهندوسية نقول: أن الهند من الأمم ذات التاريخ المجيد لها مدنية قديمة وحضارة عريقة، ولكن قد طمست حضارتها تلك حضارة أخرى أتى بها غزاة فاتحون آريون، وكان هؤلاء الفاتحون يحملون معهم ديانة أخرى غير ديانة الهند القديمة وهي الديانة "الهندوسية والبرهمية" والديانة الهندية القديمة كانت ذات أصول "توتمية" حيث ارتكزت على تقديس أرواح تسكن الصخور والحيوان والأشجار ومجاري الماء والجبال والنجوم كما كانت ذات أصول طبيعية حيث ارتكزت أيضاً على تقديس القوى الطبيعية المختلفة من سماء وشمس وأرض ونار وريح وماء.

فجعلوا السماء أبا وسموه "فارونا" والأرض أما وسموها "برينيفي" والمطر هو الإله "بارجانيا" والنار هي "أجني"..والريح "فايو" والعاصفة "أندرا" والفجر"اوشاش" ومجرى الممرات في الحقل "سينا" والشمس "سوربا" أو مترا أوفشنو".

وجاءت الديانة الجديدة "البرهمية" ديانة الفاتحين ولكنها لم تمح الديانة القديمة محوا تاماً بل أن الناس قد مازجوا بين قديمهم وما عرض لهم. والديانة البرهمية ديانة وثنية أيضاً ترتكز على عبادة قوى الطبيعة المؤثرة في الكون. ومع الزمن تمثل الناس هذه الآلهة في صورة أشخاص راحوا يعبدونهم وأصبحت الشمس التي تهب الحياة إلهاً جديداً اسمه "سافيتار" وضوؤها آله آخر اسمه "فيفاسفات" ثم أصبحت الشمس التي تولد الحي من الحي آلهاً عظيماً جديداً اسمه "براجاباتي" وإلى جانب هذه الآلهة توجد آلاف غيرها منها القردة والتماسيح والنمور والطواويس والببغاوات بل وحتى الفئران والأفاعي.. وكان أكبر مراكز عبادة الأفاعي في شرقي ميسور فهناك في معابد هذا الإقليم تسكن جموع زاخرة من الأفاعي حيث يقوم الكهنة على إطعامها والاهتمام بها لأن الهندوسي لا يرى فارقاً بين الحيوان والإنسان...لأن لكل منهما روحاً....والأرواح تنتقل دائماً بين الحيوان والإنسان.. ولهذا فهي صنوف آلهية نسجت خيوطها في شبكة واحدة لا نهاية لها.

والبقرة أكثر الحيوان قدسية عند الهندوسي.. فلها تماثيل في كل معبد ومنزل وميدان.. وهي تتمتع بحرية مطلقة في ارتياد الطرقات كيف شاءت... ولا يحوز للهندوسي تحت أي ظرف من الظروف أن يأكل لحمها أو يستغل جلدها في أي صناعة من الصناعات وإذا ماتت وجب دفنها بجلال مع أعظم طقوس الدين.

وبالجملة فقد كثرت الآلهة الهندية كثرة فاحشة وتعددت تعدداً غريباً.. حتى وصلت إلى ثلاثة آلها. ثم أخذ العدد ينحسر حتى انحصرت الآلهة في ثلاثة أقانيم وهي:

1- براهما: الإله الخالق... الذي صدرت عنه جميع الأشياء والذي يرجو لطفه وكرمه جميع الأحياء وينسبون إليه الشمس التي يكون لها الدفء وتجري الحياة في الحيوان والنباتات.

2- سيفا اوسيوا: الإله المخرب المفني الذي تصفر به الأوراق الخضراء.. وفني مياه الأنهار وينسبون إليه النار لأنها عنصر مدمر مخرب.

3- فشنو: الإله الذي يتولى المحافظة على الخلق والوجود.. فكل معاني الخير والسمو من فيض فشنو وكل الحكماء والصالحين يقومون بالعدل والصلاح. والفضيلة وينصرون الأخيار على الأشرار بفيض من فشنوا.... وأعظم ما يتجسد فيه فيشنو هو شخصية "كرشنا".

وبعد أن أرجع الهندوس كل شيء إلى هذه الآلهة الثلاثة عادوا إلى توحيدها في شخص "براهما" وارجعوا إليه كل شيء..وهكذا عرف الهندوس مبدأ التفريد "الإله الأعظم" لا عقيدة التوحيد لأنهم لم يفردوا "براهما" في العبادة والخلق والاعتقاد وإنما كان اعتقادهم شبيهاً باعتقاد عرب الجاهلية حيث كانوا يعتقدون بآله خالق لكل شيء ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يعبدون الأوثان لتقربهم إلى الله زلفى([28]).

Page 10

(الديانة الجينية أو الجانتية)

Jainism

لقد تعرضت الديانة الهندوسية شأنها شأن الديانات الأخرى إلى انقسامات وهزات فخلقت فيها ديانات فرعية أو طوائف. وكانت الديانة الجينية والبوذية من تلك الديانات الفرعية.

وفي ظل النظام الطبقي الهندي القديم والذي كان يؤكد على قدسية طبقة البراهما فقد استبد هؤلاء وتعسفوا بطغيانهم.. وتمنى الناس ظهور روحانية ينقذونهم من ويلات البراهمة.

وكانت طبقة الكاشتريا (Kastria) من أكثر الطبقات الأخرى تحسساً لظلم البراهمة وطغيانهم باعتبارها الطبقة الثانية التي تأتي بعدها في المرتبة وفيها الملوك والمحاربون الذين يفقدون كلمتهم وسطوتهم أمام البراهمة.

وقد ولد (مهاويرا) سنة 599 ق.م زمن طبقة الكاشتريا وهو ابن أمير البلاد وبعد أن عاش في نعيم ويسر اتجه لدراسة الديانة والرهبنة على يد البراهمة وقد تعرف على أفكارهم وأسرارهم فانطلق بعد وفاة والده ليتعلم قسوة الحياة وتحسس آلامها([29]) فعاش على الكفاف بعيداً عن الغنى، صائماً عن الكلام طيلة أثني عشر عاماً([30]). حتى تمرس خلال تلك الأعوام على كل الويلات والمصائب وتعرف على جميع الأسرار الكونية وكشفت له حجب الحقيقة. فعاد بعد اثني عشر عاماً ليبشر بعقيدته الجديدة التي تبدو لأول وهلة أنها تماثل الهندوسية. إلا أنها اختلفت عنها اختلافاً بيناً ولما صارت هذه الدعوى تمثل ثورة على البرهمية فقد تبعه الملوك والقادة والأهالي، وتوفي مهاويرا بعد أن ترك تراثاً ضخماً من التعاليم والوصايا صارت الأساس الأكبر لمعتقدات الطائفة الجينية في الهند.

والجينية التي دعا لها مهاويرا عبارة عن حركة عقلية حرة من سلطة تعاليم الفيدا عمادها الرياضة الجسمانية الشاقة وهروبها من الملذات بالعيش في تقشف شديد، ويتبع أفرادها سياسة رهبانية تختلف عن رهبنة البراهمة حيث يهتم (الجيني) بإفناء العواطف الشخصية.

والتعاليم الأولى للجينية تعكس ثورة على معظم معتقدات الهندوسية بما فيها ألآلهة فهي أقرب إلى الديانة الإلحادية حيث لا تعترف بآلهة كبيرة للكون خالقة له.

وتنصب اعتقاداتها بأن هذه الأرواح خالدة يجري عليها التناسخ.

وبينت فكرة الجينية على المسالمة وعدم الاعتداء والعنف حتى على أصغر المخلوقات والحشرات الصغيرة. ومن مواعظهِ الأخيرة: "لا تقتل الحيوان لتتخذ منه طعاماً ولا تصد براً ولا بحراً ولا تقتل أدنى المخلوقات في أي وقت ولا تقتل البعوضة التي تعضك أو النملة التي تلسعك.. ولا تذهب إلى الحروب ولا تقاتل من يهاجمك ولا تدس دودة على الطريق.. فحتى الدودة لها روح".

ولم ينف مهاويرا آلهة الهندوس رغم عدم إيمانه بها فولد موقفه هذا بعض الغموض عند أتباعه اضطروا إلى اعتباره إلها لهم. وقد راحوا إلى الاعتقاد بأن في الكون أربعة وعشرين (جنياً) أو آلهاً. كان آخرهم صاحب التعاليم الواسعة مهاويرا. ولكنهم رغم ذلك لم يتمكنوا من إيجاد صيغة معينة للتعبدات والصلاة أو تقديم القرابين. فكان أتباع تعاليم مهاويرا في التدريب على الصبر والمسالمة وتجويع النفس وترويضها على الآلام هي صورة التعبدات التي مارسها الأتباع إلى اليوم.

وتؤمن الجينية كأمها الهندروسية بالكارما (Karma) (أي قانون الجزاء) وتعتقد بأن التخلص من هذا القانون يتم بالتقشف بالحرمان من الملذات لأن الروح ضعيفة بالكارما أسيرة في يدها ولا سبيل لتخليصها منها إلا بالتطهر من الرغبات وحين ينتهي الإنسان على مر الأيام وبالتناسخ من الرغبات البشرية تتخلص روحه بالكارما وتبقى في نعيم خالد وهذا ما يسميه الجينيون النجاة (Salation) الذي يعادل (النرفانا) في الهندوسية والبوذية([31]).

وهناك طريق للوصول إلى النجاة بأن يتبع الجني ثلاثة سبل في حياته يسمونها بواقيت، فالياقوتة الأولى هي الاعتقاد الصحيح فعمل الذنوب والرغبات يضعف الاعتقاد الصحيح بالديانة أما الثانية فهي العلم الصحيح بما في الكون فلا يكون هنالك علم صحيح بأمور الحياة ما لم يكن للمرء اعتقاد صحيح في دينه. والياقوتة الثالثة هي الخلق الصحيح في التخلي عن السيئات والابتعاد عن الاعتداء على المخلوقات والصدى والعفو والإستقامة والتواضع والنظافة والإيثار واعتزال النساء الخ([32]).

وتتلخص الديانة الجينية بالتالي:

1- عدم الإيمان بالطوائف... ولا بالأصنام وعبادتها.. ولا بالصلاة وتقديم القرابين... ولا باله أسمى أو أعلى.. ومن هنا سمي وأتباعه (ملاحدة) ومن قوله: "لا بالصلاة ولا بالقرابين ولا بعبادة الأصنام يمكن أن تجدوا الغفران والطريق إلى الحياة الصالحة ولكن بالعمل الطيب يمكن أن تبلغوا النيرفانا.. في داخل نفوسكم الخلاص".

2- يؤمن الجيني بالجنة والنار والجنان عنده ست وعشرون.. فالروح الصالحة النقية ترتفع حتى تصل إلى الجنة السادسة والعشرين... وعندئذ تدخل النيرفانا والنيران – عندهم – سبع وتقع تحت سطح الأرض.. فالروح الشريرة تهبط وتهبط حتى تجد نفسها ملقاة في أسفل درك الجحيم.

3- وبمضي الزمن لم يثبت الجينيون على تعاليم سيدهم "مهايرا" وإنما بنوا المعابد وعبدوا الأصنام وعلى رأسها تماثيل مهاويرا، إلا أنهم تمسكوا بالتعاليم الأخرى.

فلم ينشغلوا – مثلاً – بالزراعة خوفاً من إلحاق الضرر بالكائنات الحية ورفضوا الانخراط في الجيش.. ولكنهم شقوا طريقهم في الهند بمزاولة الأعمال التجارية والمصرفية. لأنه يقل فيها الاعتداء على الأحياء إلى أقصى حد... وكان سبباً في تراثهم الكبير واحتلالهم منزلة رفيعة في الهند. ويبلغ عدد الجينين الآن حوالي مليون ونصف نسمة من مجموع سكان الهند.. وهم يعيشون على الأغلب – في أعالي الهند على طول نهر الجنجز وفي كلكتا.