eKtab
EN ع
الإغتيال - حرب الظلال والعنف المقدس
Read free sample

الإغتيال - حرب الظلال والعنف المقدس

by خليل أحمد خليل

Page 1
كما الصَّدى

ماذا أقولُ الآنَ للغدِ

لقاتلٍ يخطفُني من جسدي

يأخذُني، يسلبُني حبرَ دمي،

يهرقُني على دوّامةِ الزَّمنِ؟

*

أقولُ: نقطةُ دمْ

تنفرُ من محبرةِ الأوراق

تحفرُ في نوَّاصة الأحداق

تجمد في الضوءِ طويلا

ترقصُ في الليل قليلا

باحثةً عن شيء مات!

*

أقولُ: نقطةُ دمع

تنثال على صَخْر الأعماق

تجتازُ بيوتَ القتلى

تنداحُ على شَجَر الأمواتْ

تنثُرني في وجع اللذَّاتْ

يأكُلها تابوتُ الأيَّام

*

تقولُ: شفتانِ مجبوبتانِ،

مبحرِتانِ في دوّامةِ الآفاق

من دون فمْ

تلتقيانِ فجأةً

تلتهمانِ غيمةً،

قَوْسَيْ قُزَحْ

تغتالُني، كما الصَّدى،

تُحيلني دمعاً، دماً، ردى.

12/11/2009
Page 2
هذا الكتاب

يرمي إلى كشف آليّات الاغتيال، بكل مفاهيمه وأبعاده، حتى لا يستشري ولا يغدو قاعدةً في التبادل السياسي الاجتماعي، بعدما كانَ يُعَدُّ من ضرورات العنف الاستثنائي أو من محرّكات الغضب المتحكّم في الطبيعة وفي النفوس البشرية. فهو بحث مضاد للحروب بكل مندرجاتها النفسية وتجلّياتها الإعلامية والماديّة العنيفة. يعتمد الخطاب الجامعي، الموضوعي غالباً، وأحياناً خطاب معلّمي اللاعنف، الخطاب التسالمي شبه المحصور عالمياً. فالاغتيال ينتمي إلى الخطاب السياسي التغالبي، في حال تحوّله عن العلم إلى الوهم، واعتماده الخطاب الهستيري ـ خطاب الاهتياج البشري ـ بإزاء خطاب الحكمة أو الرواقية الجماعية، الموسومة عند بعض كبار السلميّين بخطاب «صمت الصمت»، والعاملة على إخراج «ثورة الصمت» من مكامنها البشرية، بحيث يُعاد توظيف «العنف الكامن» في آليّات التسالم بين البشر، للعيش بأمانٍ فوق هذا الكوكب الأحمر، الذي أخذ التطور الحراري يحبسه ويغتاله ويكاد يمحو، بالتلويث، زرقته.

هذا الكتاب هو دفاع علمي عن طبيعية الطبيعة، عن سلميّة التعايش والتعارف بين الأجناس البشرية في هذا المنعطف الخطير من التطوّر الكوكبيّ، حيث بات كثيرٌ من الأقوام في مرامي الاغتيال الواسع، العالمي، العام ـ من الأكل إلى الدواء، من المخدِّرات إلى المُبيدات، ومن القتل اليومي العادي إلى القتل السرّي الاستثنائي.

1 ـ في علم الاجتماع، أشار إميل دوركهيم (1859 ـ 1917) في الانتحار (1) [Le Suicide] إلى انطواء الظاهرة الاجتماعية الكلية على تيّارات انتحارية (Suicidogénes) ، جينات انتحار تجعل بعض الكائنات أكثر استعداداً للانتحار من كائنات أخرى (نباتات، حيوانات، بشر).

2 ـ في الطبابة النفسية، يُشَارُ إلى ميول إنتحارية (Suicidaire) ، بموازاة النزعات السرطانية [Cancérogènes] في الباتولوجيا الطبيّة، سواء بمعناها الحقيقي (أمراض) أم بمعناها الرَّمزي (أهواء). فأين يقعُ علمياً مفهوم علم الاغتيال؟

3 ـ في هذا الكتاب سنسعى إلى تأسيس هذا العلم الاجتماعي ـ السياسي كعلمٍ متخصِّص، يدرسُ الغائلَ والمُغْتَالَ في آن، كوحدةٍ اجتماعية تغالبيّة، طبيعية واستثنائية معاً، لا بوصفه مجرَّد ظاهرة سطحية من ظواهر الحرب [غ. بوتول، ظاهرة الحرب] (2)، المادية والإعلامية، الجسدية/ النفسية و/أو الرمزية. من الآن فصاعداً سيكون للاغتيال علمٌ بعلم، بعيداً عن أي استيهام نفسي أو توهيم سياسي ـ مع أن الظواهر المدروسة في هذا المجال، تُحيل على مجتمعاتٍ تحرّكها الهيمنة بوهم، مقابل مجتمعات متقدّمة أخرى، تديرها محرِّكات الهيمنة بعلم. والحال، ستكون التيارات أو الجينات الاغتيالية الموضوع الأساسي لهذا الكتاب.

بيروت في 7/11/2009

مداخل
Page 3
مولد الاغتيال

منذ عرفت البشريّةُ الوشمَ كثقافة للرَّسم على الجسم، عرفَ الجسمُ سياسةَ المكْر به والاعتداء عليه، سواء بالكلمة المؤذية أم باليد الخفية. يقع الاغتيالُ بين الحياة والموت الطبيعي. إنه حادث استثنائي في ظروف مضطربة. بتكراره العنفي بات جزءاً من مرض البشرية المزمن: الحرب. الخفاءُ يجمع بين ثقافة الوشم وسياسة الاغتيال؛ إنما يختلفان من حيث هويّة الفاعل، ومن حيث الغاية: الوشم يُزيِّن ويجمِّل الجسمَ الذاتي للآخر؛ الاغتيال يلغي الآخر لإرضاء الذات، المريضة بالقتل، بالعنف أو بالحرب السرّية. وبينما يذهب الموشومُ بجسمه إلى مجتمع يستهلكُه، يذهبُ المُغتالُ بجثِّته إلى مشرحة، إلى مقبرة، ونادراً إلى محاكمة. الواشمُ يتقاضى أجراً على عمله، علناً؛ فيما الغائلُ قد يُغتال بدوره، إخفاءً لآثار جريمته؛ ولكنَّه قد يُخفى ويُكافأ، في الخفاء أيضاً، من جانب الجهة التي جنَّدته. غالباً، ما يكونُ الاغتيال عملية معقَّدة، «جريمة مُنظَّمة»، وتكون دوافعه سياسية، إن لم تكنْ ثأرية شخصيَّة. في العربية، يقال مُغتَال على القاتل والقتيل. وبما أنَّ الاغتيال ليس قتْلاً عادياً، كما هي حال العنف في الحرب، فإننا نؤثر الكلام على غائل (قاتل) وعلى مغتال (مقتول) أو أيضاً على «غادر» و «مغدور»...

في هذا البحث حول الاغتيال، من حيث هو سياسة اعتداء على الجسم البشري، يلفتنا أيضاً الاغتيالُ في الطبيعة، وللطبيعة، حيث تقومُ النباتات والحيوانات اللاحمة بافتراس متواصل لأبناء جنسها، وكذلك للجنس البشري؛ وحيث يقومُ هذا الأخير باغتيال بني جنسه، فضلاً عن أجناس النبات والحيوان، وحتى مكوّنات الطبيعة ذاتها، برّاً وبحراً وفضاءً، وصولاً إلى كواكب أخرى.

والحالُ، ما الاغتيال؟

إنَّه الغولُ، رمزياً، الذي يحمله الإنسانُ المحكومُ بعنف غضبه، حتى قيل «الغولُ غضبُ الحكم» أو الطاقة/ السلطة، اليد الخفيَّة. مادياً، هو التعبير عن محو الآخر، بدءاً من صورته أو هيئته وصولاً إلى تفكيك ماديّته أو جسده بقتلٍ سرِّي غالباً، وعلني نادراً. إن الاغتيال فنٌّ حربيّ وعلمٌ أمنيّ، ارتبط تطوُّره بتطوّر الآلة الجهنَّمية ـ كأنما روّاده شياطين يستمدّون أرصدتهم وأدواتهم «من بنك جهنَّم» الذي تخيَّله الصينيون، في ظل الأمبراطور تشينا، موقعاً في الجحيم، يسهِّل العبورَ من جهنّم إلى الجنَّة ـ وكذلك بتطوّر الأنظمة الاغتيالية، الإلغائية بطبيعتها الاستبدادية.

بيَّنا في [العقل في الإسلام] (3) أن جسدَنا العقلي/ العملي يحتاج إلى رسم خريطة جديدة لفوضى سلوكاتنا وانتظام مجتمعاتنا. ورأينا أن الإنسان العاقل هو ثقافياً إنسان ناقل، وبيولوجياً إنسان آكل، وسوسيولوجياً إنسان قاتل. لكنَّا لم نطوِّر عام 1993 مقولة الإنسان القاتل/ الآكل، واكتفينا بتناول الإنسان العاقل/ الناقل. هنا نركِّز على ظاهرة الغدر، الاغتيال بكل معانيه، في مسارات الهدر ـ كما يلاحظ مصطفى حجازي [الإنسان المهدور (4)، بيروت، م ث ع، ط 2، 2006] ويرى أن استبداد الداخل هو الحليف الأول لقوى الطغيان الخارجية التي تدَّعي التدخل باسم الديموقراطية، وأن السلطة العصبية هي المآل الذي، من أجل الحفاظ عليه، يُهْدَر البشرُ والموارد بل وحتى الكيان ذاته (73 ـ 74)؛ وأن الحكّام هم الذين يستهلكون شعوبهم والكيان الوطني ذاته من خلال تأزيم سلطانهم في نظام الاستبداد العصبي (م. ن.). وفوق ذلك، تُلحَظ المجازر ضمن الجنس الواحد عند الإنسان والقردة العليا.
Page 4
مجال العدوانية

يقع علمُ الاغتيال في مجال علوم العنف أو العدوانية. ويجري التفريقُ بين مجالين: مجال العدوانية الحيوانية (مُغلق) ومجال العدوانية البشرية (مفتوح). كلاهما يندرجان في علم عنف الطبيعة ومجتمعاتها. فما الفرق بينهما؟

I ـ مجال العدوانيّة الحيوانية

يتحدَّد العنفُ الحيواني بأربعة أغراض، يحكمها متغيِّرا الصراع والحماية في فضاءٍ مُغلق:

1 ـ الصراع لأجل الغذاء، البقاء.

2 ـ الصراع لأجل الإناث، التزاوج.

3 ـ حماية المجال، الحِمى أو الحدود.

4 ـ حماية الصغار، الاستمرار.

II ـ مجال العدوانية البشرية

يتعيَّن العنفُ الإنساني بعدَّة ضوابط، مفتوحة على احتمالاتٍ كامنة ومعلنة، منها:

1 ـ أحكام القانون الوراثي الحيوي المتطوّر.

2 ـ أحكام القانون الاجتماعي للصراع المفتوح: ارتقاء الإنسان بلا حدود؛ لكن على جُثَث آخرين.

3 ـ نزعة السيطرة بلا قيود: نزوة السطوة أو السلطة؛ إخضاع القانون للرغبة، المفتوحة، خلافاً للغريزة المغلقة والمحدودة عند الحيوان والنبات.

4 ـ استعباد الإنسان لبني جنسه واستغلالهم بكل الوسائل المُتاحة، المُباحة والمحظورة.

5 ـ في حالة الاستبداد والطغيان، اختلال العلاقة بين الرغبة والقانون: هنا تُولد ظاهرةُ الاغتيال ويُعامَل الآخر كغريب، كشيطان (كما في قولهم: «ما في غريب إلَّا الشيطان»). هنا أيضاً نكتشفُ صُلبَ الهَدْر البشري، حيث يُعتبر الآخر أداةً، لا قيمة عُليا. وعليهِ، نفترضُ أن النرجسية تتمثل في تركيز طاقة الشَّبَق (اللبيدو) على الأنا، إذْ يجري سحبُ التوظيف الشبقي من الآخرين ليتركَّز في الذات وحدها [حجـازي، الانسان المهدور، م. س.، ص 84]؛ فلا يبقى في المرآةِ سوى وجه الطاغية. الحاصل هو فتحُ بابِ هدر الناس والكيان الوطني على مصراعيه: التهام وجود النَّاس وكيانات الأوطان لتغذية صورة الذات أو «الأنتَ القاتل» عند لاكان، مقابل «الأنتَ الحبيب» في المِثال المشترك. الحدثُ الاغتيالي مرتبط بتحولات الصورة الذاتية للأنا وانمساخات الصورة الشيئية للآخر، الغريب، الشيطاني، المكروه، المرغوب سرّاً في قتله علناً، فعلاً. نرصد هنا تحوّلين: داخلياً وخارجياً للصورة الذاتية (الغائلة) بإزاء الصورة الشيئية (المُغتالة أو المرغوب في اغتيالها):

داخلياً، تتحوَّل النرجسية إلى صدىً، أنا مثالي، منفلت من كل قانون. وعندها يصبح بابُ التصفيات واحتمالاتها ـ على اختلاف ألوانها ـ مفتوحاً على مصراعيه. وتقومُ حاشيةُ الطاغية أو المستبدّ بتعزيز هذه النرجسية، الرُّهابية، الإرهابية بتكوينها.

خارجياً، يتوسَّلُ الطاغيةُ عقيدة (عُقدةً)، مبدأً، قضيّة سامية (رسالة خالدة) يتماهى بها، كما لو أنَّها هي هو.

الحاصل هو أن شرعيّته تتعالى وتتجاوز الواقعَ والنَّاس... وأنَّ كل القيود والحدود تُزاح أمام نزوة سطوته أو سلطته، وأن «هدْر كل مَنْ وما يقف في سبيل تحقيقها مُبَاح، بل هو واجب مقدَّس» [الانسان المهدور، ص 86]. والحاصل أيضاً أن احترام حياة الإنسان سلمياً (اللاعنف Ahimsa ) لا يعود قيمةً رادعة عن الاغتيال. لماذا؟ لأنَّ الاستبداد يستكملُ شبكةَ سيطرته ويضمن استمرارها من خلال ارتكازه على الموروث الثقافي والسحب من الرصيد الديني (بنك جهنَّم، مثلاً عند الشعوب القديمة)، وكلاهما متداخلان ومتكاملان في الواقع العربي ـ الذي سندرسه من زاوية موقع لبنان على خريطة طريق الاغتيال المحلي، الإقليمي والعالمي ـ حيث يُعَدّ الترويض الذَّاتي أو الرقابة الذاتية من أشكال العنف الرمزي، الموصول بالعنف الجسدي أو المادّي: هدر الدم، هدر الوعي، هدر الطاقات/ الكيانات/ الهويّات؛ وإحلال اللاانتماء مكان الانتماء، والأنا مكان الآخر.
Page 5
الإرهاب المتبدّل والمتبادل

في عالم اليوم لا ينفصل العقلُ عن حرّيته؛ لكن يكمن فيهما أو بينهما إرهاب متبدّل، ومتبادل، نسميّه هنا القتل السري، الاغتيال الجزئي أو الكلّي، ونتمثّله من خلال أزمات المجتمعات العربية المفتوحة، والمُتمظهرة في «... انحطاط الممارسة السياسية، بشقيّها الرسمي والشعبي، إلى نوع من الإرهاب المتبادل وتحلّل علاقات السلطة وزوال الأسس القانونية والدستورية للحكم وللمؤسسات العامة أو سقوط الدولة تحت أقدام مراكز القوى وخضوعها للمنافسة وتنازع أصحاب المصالح على اقتسامها وحرمان المجتع بذلك من وسيلة تنظيم أساسية للمصالح العامة ومن مركز ضروري لتوحيد الإرادة القومية وتجديدها» [برهان غليون، اغتيال العقل (5)؛ بيروت، م ث ع، ط 3، 2004، ص 9 ـ 10]. لكن هل يتبدّل الإرهاب، ويغدو تبادلياً (اغتيال واغتيال مضاد، كما سنرى) بمقتضى التطور التقني ـ السياسي للمجتمعات وإيديولوجياتها؟ ركّز غليون في (اغتيال العقل) على محنة الثقافة العربية وانشطارها بين السلفية والتبعية، لكنَّه لم يطرح مسألة اغتيال العقل، بمعنى هدر طاقات الوعي والمعرفة المترتبة على العقل الحرّ؛ ولو فعل لتساءَل: ما حظّ ثقافة من دون نهضة علمية مُواكبة لها؟ وما معنى سياسة وطنية أو قومية من دون ثقافة علمية تطورية؟ بطبيعة الحال، لم يتطرَّق إلى الاغتيال بمعناه العملي، الرَّمزي والماديّ. واكتفى بمطارحات إيديولوجية حالمة، شبه نرجسية، بقوله: «نأخذ من الحضارة ولا نؤخذ بها، ونُحيي التراثَ ولا نحيا به، ونرفض الحلول السهلة ونرفض التقليد من أي طرف جاء» [اغتيال العقل، ص 299]. إنه ينقد الإنسان العاقل/ الناقل، ولا يتناول ما نسميّه هنا الانسان الآكل القاتل. الأول يُحيل على العنف الرَّمزي، والثاني ينبثق منه ويؤشّر على العنف الجسدي: «إن الذاتية تعبّر عن نفسها في تطوير التراث، لا في الانحباس فيه، فالتراث يجب أن يكون أداة لتحرّر الذات وإطلاق إمكاناتها، وهو رأسمال نستخدمُه لتنمية الحاضر، ولا قيمة له إلّا بما هو تراثنا ـ أي رأسمالنا لمواجهة العصر» [م. ن.، ص 300]. غير أنّ الإرهاب المُتَبادل لا يقف عند تخوم الثقافة، في زمن الانحباس الحراري (اغتيال الحياة الطبيعية ذاتها) وعولمة الاغتيال، من خلال الحروب السرية، الباردة والساخنة، المستأنفة منذ 11/9/2001 بين المُستَعْمِرين الجدد وقُدامى المُستَعْمَرين... بل يتعداها إلى غاية الهيمنة: الرّبح. يُقال في تراثنا العربي: «المال يعادل الرّوح». ونقول إن اقتناص المال، بالكذب والحيلة، هو اغتيال لعقول الآخرين من خلال جيوبهم ـ درس الإطار المرجعي لعملية الحاج صلاح عز الدين (2009)، والتركيز على مسلسل ألعاب البورصة والقمار والمضاربة، الذي رمَّزه م. ح. هيكل في ثنائية «النصَّاب الأميركي والغبي العربي». لقد درسنا الاستغباء والخداع والنّفاق والكذب في [علم الاجتماع وفلسفة الخيال] (6) وبيّنا كيف نكذب ونحن نتناول الكذب، وكيف يتبادلُ الإرهابَ، الكاذبُ والمكذوبُ عليه، ومدى توقّف لعبة الكاذب على تصديق المكذوب عليه (المهدور، المغدور). في لعبة الاغتيال، يتظاهر الفاعلون بأن أعداءهم ليسوا من البشر، وأنهم ليسوا ذاهبين لقتلهم. إن الاستغباء مشروط برغبة الانسان المزدوجة: الانخداع الذاتي وخداع الآخر (حبك المؤامرة وتنفيذها شرطان لظاهرة المغدور). طبعاً هناك نوع آخر من اغتيال الذات (التآمر الذاتي، الانتحار أو الموت اختياراً؛ وكل نحر للذات هو اغتيال للآخر، وبالعكس). يُفرَّق بين اغتيال الطفل والرجل والمرأة. سنرى بعد قليل جنسية الاغتيال. هنا نشير فقط إلى اغتيال المرأة رمزياً: بالعنف الثقافي (اللامادي)، بالعنف الأهلي (التخويف بالسحر)، بالعنف الزوجي، بالاستبعاد من المجتمع والسلطة خصوصاً، وأخيراً بالعنف المادي (الضرب حتى الموت، الوأد. ومن أشكاله الحجاب والنّقاب، أو الوأد العام). الأكل والقتل

للدفاع عن الحياة، عن أمن البشر وسلمهم عالمياً، هل يكفي تحليل الاغتيال وإدانته كأحد تجلّيات الحروب المتواصلة والمتكرّرة بأشكال شتى؟ إنَّ درس بنية الاغتيال وتحديد وظيفته المركزية يسهمان في الكشف عن تشويه عنفي، رمزي وجسدي، ينتابُ الجماعاتِ البشرية المعاصرة، بلا استثناء. وإنَّ وضع هذه المجتمعات المتفجِّرة، الآخذة في الانتقال سوسيولوجياً من طور العائلات الممتدّة إلى طور العائلات النووية ـ أي مصادفة هذه بين النمو النووي للعنف والنمو النووي للبشر! ـ يجعلنا نلحظ مخاطر هذه المرحلة من تطور النفسية البشرية، حيث لايزال العنف يتوغل في خلايا الجماعات ومؤسسات الدول وأدمغتها. لكنْ، هل من الوهم أن نحلم بعالم مسالم، آمن، بلا حروب؟ ثم أليس من وهم الوهم أنْ تُجعل البشرية تعتاش من تواتر الحروب، ومن ذيولها، الاغتيال؟ إن البحث عن حقيقة الاغتيال، يندرج في إطار البحث عن الحقيقة المجرَّدة أو العامة. إنَّ فلسفة الاغتيال تؤشر على تماثل شديد بين البشر والحيوان والنبات، بين الثقافة والطبيعة، من حيث ترجمة الوجود من مأكلة إلى مقتلة؛ لكأن القتل والأكل يصدران عن رغبتين متنافرتين: رغبة إلغاء الآخر بقتله (وبأكله أحياناً) ورغبة إنماء الذات، وبقائها، بإطعامها. هل الاغتيال ـ وهو قتل ـ يشي بأكل مجال الآخر، المقتول؟ وإلى أي حد تغذّي رغبةُ الأكل، فينا، رغباتِ القتل؟

في خرائط أجسادنا الجديدة، المستحدثة من جماد وتقنيّات وملابس وأطعمة وأشربة، وديكورات حضرية، يتبيّن أن الانسان العاقل أو العالِم، الذي ندَّعيه، هو قبل كل شيء حيوانٌ آكل مرشَّح، مع الأكل، إلى أن يكون عقلاً أو عاقلاً وعالماً. فمن طبيعة الحيّ الآكل أنْ يستعين في تحصيل طعامه، بماعون القتل، من قتل الحيوان والنبات إلى قتل البشر. أليس الصَّيْدُ، مثلاً، مؤسساً لظاهرة الاغتيال، للقتل الذي يتخلّل التنافس على الأكل (والسلطة مأكلة) بين البشر؟ يبدو الاغتيال قتلاً منظماً، خلافاً للقتل العادي الذي يظهر فيه القاتلُ للعيان، قتلاً خفيّاً، من وراء حاجز أو ستار. هنا، نتساءل: أليس التحجب، فن الإخفاء، المشترك أصلاً بين الذكور والاناث، يشي بنوع من مباشرة الآخر بقناع، بأخذه غيلةً من حيث لا يدري؟ هذا يدخل في باب العنف الرمزي اللامادي، بينما الاغتيال يدخل في باب العنف المادي.
Page 6
الآكل قاتل؟

حتى وإن كان الصيّاد المعاصر لا يقتل طريدته البشرية ليأكلها، كما كانت حال الصيَّاد البدائي مع طرائده، فإننا نلحظ بين مأكلة وأخرى، حدوثَ مقتلة في الطبيعة عموماً، وفي المجتمعات خصوصاً. ألا يمكن الانتقال البشري من مأكلة إلى أخرى، بدون مقتلة؟ هذا السؤال هو الآن برسم البشرية المُقبلة، بعدما صار مطلبُ الماء أو النفط أو المواد الخام الأخرى، مطلبُ الأرض، مقروناً بمطلب الدّم، رمز كل أشكال العنف ما بعد الحداثة.

جنس الدماغوالدوافع العدائية

يتكوَّن الدماغُ البشري المعاصر من مئة مليار خلية عصبية (*)، يتوقَّف على تواصلها ذكاءُ الجنسين، حيث يتخصَّص الدّماغ المذكَّر في العمل على فكرة الشيء، فيما يُعنى الدّماغُ المؤَّنث بصورة الشيء، بالشيء نفسه. إلى ذلك، يُظهر الدماغُ المذكّر نشاطاً جنسياً قوامُه الذَّكر (القضيب) والعدوانية، بينما ينشط الدماغ المؤنَّث جنسياً بسلوك عاطفي شفيف أو دبلوماسي، حيثُ تهبط العدائية النسائية إلى أدنى حد، مقابل عدائية ذكورية مرتفعة، كما يتبيَّن لنا من خلال أعمال العنف، لا سيما الاغتيال الذكوري المتبادل (90% للرجال، مقابل 10% للنساء).

والحال، جعل التكوين الدّماغي الذكورَ أكثر عنفاً من الإناث؛ وقدَّمت ظروفُ التطور الاجتماعي، لاسيما الصراع لأجل البقاء، الإطار المرجعي النفسي للذكور حتى يتخصصوا بالعنف، والقتل أو الجريمة، الاغتيال الفردي (الجريمة المقنَّعة) والجماعي (الجريمة المكشوفة أو الحرب). ليس مصادفةً أن تتكوَّن جـيوش العالم وأجهزتها الأمنية (المخابرات السياسية والعملانيَّة) من الذُّكور بنسبة عالية جداً؛ لكأن النساء اللائي لا يملكن سوى 1% من ثروات العالم، لا يشكِّلن أكثرَ من هذه النسبة من قوَّاته المسلحة أو من المخزون العنفي للبشر. لكنَّ العنف أو الاغتيال ليس وقفاً على القوات المنظمة، العسكرية أو شبه العسكرية (ميليشيات وجماعات مسلحة)؛ فهو إلى ذلك ظاهرة بشرية عالمية، إذ لا تكاد تخلو جماعة من تجليّات الظاهرة هذه. إن ظاهرة الحرب التي تنطوي على واقعة الاغتيال (Assassinat) و (Attentat) ، تتجلَّى في الجماعات المنظمة (الدول) وبينها؛ فتستهدفُ جماعاتٍ مسلحة أخرى، كما تستهدف جماعات عزلاء من السلّاح. عموماً، يقع الاغتيالُ الفردي على شخص أعزل، (في 7/10/2009 قام 4 درَّاجين مسلحين في الشياح بهجوم على جماعة عزلاء في عين الرّمانة ـ بيروت ـ ونجم عن ذلك مقتل جورج أبو ماضي وسقوط 5 جرحى، واعتقال الدرّاجين الأربعة المتّهمين بهذه العملية المنظَّمة، على خلفيَّة تنافس بين مقامرين)؛ كما يقع على جماعة عزلاء (*) (مجزرة أو مذبحة) حيث يؤشر الجَزْرُ أو الذَّبح على طريقة القتل البدائية، عموماً، التي شهدت تطوراً تقنياً حديثاً ـ من الموسى إلى المتفجّرة.

يُشار إلى أنَّ الاغتيال الذَّكري يقومُ، في الدماغ، على تجريد الموضوع المستهدف (المغدور أو المقتول) من صورته الانسانية، من هوّيته وتالياً من قيمته (حقّه في الحياة)، والتعامل معه كإسمٍ أو رقم مجرَّدين. إن تجريد القاتل للقتيل من قيمته، يسهِّل على الفاعل التعاطي مع موضوعه بلا عواطف ـ خلافاً لحال الدّماغ المؤنَّث الذي يتعامل مع صورة الآخر بمشاعر ودبلوماسية، في حال التنازع. الحاصل أن الاغتيال الذَّكري بامتياز، يقع في خانة التغالب البشري، فيما يقع الاغتيال الأنثوي المحدود في خانة التسالم البشري، المتحوّل نسبياً وتدريجاً إلى تغالب ذكري. ليس الجسد، ولا الدماغ البشري، أحادي الجنس؛ وليس هو ثنائي الجنس بشكل قاطع. ففي كل ذكر مخزون أنثوي، كما في كل أنثى مخزونٌ ذكري؛ ويُلحظ المخزونان الأنثوي والذكري في عمليات التبادل الجنسي، اللطفي والعنفي معاً، ولكنْ بمقادير متنوّعة ومختلفة. وكما يتباين عضوا الجنسين، أداتا الاتصال أو التواصل الإيروكسي (الجنسي المتبادل) (Eroxisme) ، يتمايز دماغُهما ويشتغلان على موضوع لذتيهما برغباتٍ أو نزواتٍ مختلفةٍ. بقدر ما يتّضح أنَّ الجنس نزوة، يتبيّن أن القتل هو نزوة أخرى تلازم رغبة الجنسين في امتلاك اللذَّة. يصعبُ في التواصل الجنسي التفريقُ بين الفاعل والقابل، خصوصاً في حالة الوصل اللطفي، حيث يصعب تشخيص مظاهر العنف أو التبادل العدائي. تعريفاً، الجنسُ تحابّ، وتوادّ؛ فيما القتل تباغض، ينطوي على رغبة امتلاك الآخر، التي تُخفى فقط في حالة الغدر ـ كالاغتيال ـ اللطيف (القتل بالسُّم أو بالدواء)، وتظهر جليّةً في حالة الغدر العنيف (استهداف جسم الآخر بأداة قتل). لكنْ، في حالة الحرب، تتبلور وفرةٌ من هوامات العنف الجنسي الأحادي، بين الذكور من جـهة، وبين الإناث والأطفال والشيوخ من جهة ثانية. أي بين معسكر الأقوياء، المسلّحين بأدواتِ الدّماغ الذكري، المنظِّم لآليَّات القتل، خارج الحقل الجنسي، حيث يتعامل مع الجميع كأنهم «جنس واحد». هنا يدخل مفهوم الغريب، العدو أو المعادي، ليُضفى على معسكر الضعفاء ـ الذي تحدث في داخله عملياتُ عنف رمزي وجسدي، لكن محدودة، وعموماً مضبوطة بقانون القمع أو الضبّط الذَّكري للمجتمع المقصود.
Page 7
ما يحدث في الجنس، بين الذكور والإناث، ليس تمازجاً بيولوجياً، ما دام كلٌّ من الجنسين يحتفظ بخصيصته ـ الأنثى ببويضتها التي ترتجي لقاحاً، والذكر بمنيه أو نطفته التي تنشد الملقوح (البويضة) موضوع لذّتها وتحقق خصوبتها ـ ويسهم بنسبة متكافئة في إنتاج الخلية الجنينيّة، بحيث تُنسب إلى الأنثى والذكر بيولوجياً بنسبة واحدة، فيما يأتي اختلافُ التنسيب من ثقافة المجتمع، (في لبنان، يُنسب المولودُ سوسيولوجياً إلى الأب، بينما لا يخفى المنسوبُ الأنثوي، البيولوجي للأم؛ ومع ذلك لا تمنح المرأة المعروفة بمشاركتها الجنسية في إنتاج الجنين أو المُضغة، الهويةَ أو الجنسيةَ للمولود، خصوصاً إذا كان الأب أجنبياً وحتى إذا كان محلياً). وما يحدثُ في حال القتل، الاغتيال مثلاً، معاكس تماماً: إذ إنَّ القاتل يسعى إلى تدمير الآخر، المركَّب على صورة إنسان، وتفكيك خليته الجنينية (إراقة الدم مثلاً) وصولاً إلى قتل دماغه. يُلاحظ أن إراقة دم العذراء تضاهي، في مصطلح الجنس العدائي، إراقةَ دم المقتول في المصطلح الجُرمي القانوني.

من المعروف أن الاستنساخ (Clonage) يقوم على مبدأ الجمع بين الخلية الجنينية والخلية الجنسية. لكنْ، ما جدوى هذا الاستنساخ، ما دام الوأدُ البشري ـ كما سنرى مفصّلاًـ لايني يتواصلُ بأشكال شتَّى؟ أليسَ حفظ الحياة، تكاثر الأحياء، أولويةً في تطور الجنس البشري؟ عندنا، حين لا تُوأدُ البنت وهي طفلة، قد تُوأدُ وهي شابة، لكنْ بقناع «جرائم الشرف». الشَّرفُ من رموز البقاء، فيما جريمة الشرف من علامات الزَّوال. «بأي ذنب قُتِلتْ»، الموؤودةُ خصوصاً والنفسُ البشرية عموماً؟ على هذه المسألة سيدورُ بحثُنا هذا، الاغتيال، في محاولة لتقديم خريطة جديدة لجسدنا البشري.

دفتر اللحم

لماذا يُمنى بلد عربي صغير، كلبنان، بمتلازمةِ عنف دوري تفكِّكه من داخله فيما هو يسعى إلى إبداع صيغة تسالميّة تُغلِّب فيها اتجاهَ التكامل على اتجاهات التفاوت والتنافر؟ إن قراءة مفصلة لخريطة الاغتيالات على الأراضي اللبنانية، تؤشر على الطابع المُدُني لهذه الظاهرة، المتمركزة في بيروت وقلب لبنان المركزي، والممتدّة إلى مدنه الطرفية ولاسيما صيدا وطرابلس وزحلة وصور والنبطية (اغتيال مزارعي التبغ، ثم الشيخ راغب حرب، الخ)؛ وتكشف مدى تأثير الصراع على الحكم في الشرق الأوسط، في لعبة الصراع المحلي على السلطة. فأيّة مصادفة هذه التي شاءت أن يكون في عداد المغتالين عدد كبير نسبياً من الأدمغة السياسية والإعلامية والفكرية! على صعيد الاغتيال المتواصل، ربما جاء لبنانُ في مقدّمة البلدان العربية، نظراً لصغر مساحته وعدد سكّانه، ولكنْ ربما بسببٍ من كثافة الوعي والحرية السياسيين فيه، وتكاثر الأدمغة المبدعة في غير مجال.

يتفرَّد لبنانُ بيده الحضارية المتنوعة، الكوسموبوليتية، المفتوحة والممدودة إلى العالم بأسره؛ كما يتميّز بتنوعه الثقافي المحلي المتصل بالتنوع العربي والعالمي للأمم ـ لكأننا به جامعة أمم مصغَّرة في مختبر أو مصهر مفتوح، يعملُ بطاقةٍ كوسموبوليتية وبعدّة هويات وثقافاتٍ معاً، وينشد عولمةً خاصة به، اللبننة أو اللبنانية (Libanisme) التي تزخر بذاتها وبسواها، كما لو كانت مرشّحة على الدوام للتكوُّن والتطور على عدة إيقاعات وسرعات في آن. والحال، يلفتنا فيه ظهور رجالات أو شخصيَّات تتعملقُ بما لا يحتمله حجم البلد الصغير. إلّا أنَّ سوءَ طالعها وطالع بلدها بالطبع، شاءَ لها أنْ تكون أولى ضحايا تعملقها، ما دامت تصدر عن مجالين متعاكسين، أحدهما مجال محلي مُسْتَغلق، وثانيهما مجال كوسموبوليتي (قومي وعالمي)، لكل منهما حساباته ومصالحه الأكبر من شعب لبنان وقدراته على الممانعة في مدى بعيد. وهكذا على مدى 60 عاماً (1949 ـ 2009)، مُني شعبُ لبنان باغتيال مبرمج لقادته وأدمغته، وبتهجير متصاعد لطاقاته البشرية التي لا تنضب، لكنها تتناقص بوتائر دورية. هل تكمن مأساةُ شعب لبنان في «منفاخ الغرور» الذي جعله «كبيراً» و «خطيراً»، جمهورياً، ديموقراطياً، ثم سيّداً مستقلاً، في بيئة غير مؤاتية لطموحاته هذه؟ كلما أوشكَ لبنان أنْ يكون مركزاً متقدماً لفكر سياسي، لصحافة، لثقافة، لجامعة أو بنك عالمي... عارضه تصادمُ الهمجيَّات في محيطه، وتصادمُ المنظومات في عالمه، وفاجأهُ «الخُرْبُر الاسرائيلي» بالاغتيال المباشر أو بواسطة... فهو يُراد له أن يكون ممسوكاً من خارجه، وتُريدُه قواهُ النهضوية أن يكون متماسكاً، متكاملاً ومتفاعلاً من داخله. وبين هاتين الإرادتين، يُراق الدَّم اللبناني ويتواصل «دقُّ الحزن في الجرن» وتحمَّر صفحاتُ «دفتر اللحم» الذي بات عنواناً لتاريخ لبنان المعاصر.
Page 8
الغول أو اليد الخفيّة

كائن خفيّ يهلك ضحيّته، إذْ يأخذها من حيث لا تدري. عملاق متعطّش إلى الدم البشري. من حكايات الجن، شخصٌ يرمز إلى قوة خفية، تعمل في الظلام عموماً، فتغتالُ ضحاياها من حيث لا يدرون، وتأخذهم إلى الهلاك، ولا تظهر. في المأثور الشعبي اللبناني إشارة إلى هذه القوة أو اليد الخفية، تحت اسم «الجماعة» الذي يُستعمل خصوصاً لتجهيل الفاعل أو الفاعلين: «عملوها، استعاروها»، قتلوهُ إلخ... وعليه، الغائل هو اسم جمعي، متشخّص في حدث عنفي، يمرُّ إجمالاً بلا عقاب. ولئن كان الغائل كذلك، فإن المُغتال (ة) هو شخص حقيقي، ضحيَّة فعلية. غالباً ما تُنسب هذه الأعمال الشريرة إلى كائناتٍ وحشية تعملُ في الخفاء، مثل الوحش، الذئب إلخ. وتُعزى إلى مشيئة كائن أعلى (يفعل ما يشاء بلا حساب)؛ فلا يبقى أمام أهل الضحية سوى «تسليم أمرهم» لهذا الكائن (أشكوكَ إلى واحد أحد)، والدُّعاء على المجرم (الله ينتقم منك) أو (بشِّرْ القاتل بالقتل ولو بعد حين). هذه العقلية تنمُّ عن ثقافة غُولية و/أو ذئبية، تُسقِط عن الفاعل تدبير الاغتيال، وتُحيله إلى مدبِّر خفي، مصدر خوف جماعي، وتالياً مقدَّس ومعبود بصفته هذه ـ إذ يقع كل شيء تحت بصره، وهو لا يقع تحت بصر أحد. اليد الخفية (Main invisible) ترمز عند ماركس إلى الغول الرأسمالي الذي يمتصّ دماء البشر ويأكل ثمار أعمالهم، من دون أنْ يُعرَف، كأنه لا يهكُل همَّاً (Sans-gêne) . أما الذين يهكلون الهموم ـ ومنها هم القتل ـ فهم ضحايا مهكولة أو مأكولة بلا حساب ولا عقاب. الفلَّاحون يشبهّون الغول أو اليد الخفية (ما لايُسمَّى) بـ الهالوك تارة، أو تارة بـ الجعفيل (نبات زهري ينبت وسط الفول ويهلكه أو يهكِله).

تيبولوجيا الاغتيالات بحسب الأدوات المستعملة

1 ـ الاغتيال بأجسام صلبة (حجر، خشب...) ـ طعام.

2 ـ الاغتيال بأجسام سائلة (ماء، غاز، سُم...) ـ شراب.

3 ـ الاغتيال بأدوات قاطعة (خنجر، سيف، سكين، ساطور، موسى، طَبَر) ـ شنق ـ صلب.

4 ـ الاغتيال بالنَّار ومشتقاتها:

ـ بالسلاح الفردي.

ـ بالقذائف والمتفجرات.

ـ بالنَّار وحدها (إحراق).

5 ـ الاغتيال اليدوي: خنق، ضرب، لطم (مُكامشة).

6 ـ الاغتيال بالكهرباء والأدوية (جراثيم).

7 ـ الاغتيال بالصَّدم (سيارات).

8 ـ الاغتيال بالأجسام المفخَّخة (*) (إرهاب الإرهاب).

9 ـ الاغتيال بالطائرات (أبراج نيويورك، 2001)، (تفجير طائرة فوق لوكربي)، (إسقاط الطائرات المدنيّة).

10 ـ الاغتيال بالسحر والتخويف والتجويع.

11 ـ الاغتيال الخفي والبطيء بغبار اليورانيوم المنضَّب:

إسرائيل في حروب لبنان (2006) وغزة (2008).

الولايات المتحدة في حروب العراق (1991) و (2003).

ـ القتل والتشويه وضرب نظام المناعة... بالأشعة التي تصيب الصبغيَّات (الكروموزومات) أو الخلايا الجينية: (اذا كان عدد المصابين من الجنود الأميركيين والبريطانيين بلغ نحو 150 ألفاً في حرب الخليج الأولى، فماذا يقال عن عدد العراقيين المصابين؟ وعن تفشي فقدان المناعة والتشوه النفسي والخُلقي لدى لبنانيين وفلسطينيين؟). إنها جرائم حرب. فما معنى منح «جائزة نوبل للسلام» لأنور السادات ومناحيم بيغن 1978؟ ولشمعون بيريز واسحق رابين (وياسر عرفات) (1994) وحديثاً لباراك أوباما (2009)؟
Page 9
12 ـ الاغتيال الجماعي بالأدوية السامة (وضع السم في الدسم). انتشار أوبئة الأغذية السامة المسممة، فضلاً عن الأوبئة البيئية (الإيدز، جنون البقر، أنفلونزا الطيور، أنفلونزا الخنازير والغنم)

13 ـ الاغتيال الجماعي بالتفجيرات الانتحارية (براً وجواً).

ـ العراقـ أوروبا وأميركا

ـ إيرانـ اسبانيا

ـ أفغانستانـ فرنسا

ـ الباكستانـ بريطانيا

ـ الهند (بمباي)ـ الولايات المتحدة الأميركية.

ـ الصومال

14 ـ اغتيال البيئة بالصناعة وانتشار الملوِّثات في البر والبحر والهواء.

15 ـ صناعة التلويث أو تجارة القتل الجماعي المُعَولم (مؤتمر كوبنهاغن، 2009).

فكيف يتعاملُ علمُ الاغتيال، فلسفياً، مع ظاهرة التغوُّل أو الغضب الغولي الذي يشي برغبة في القتل، هي امتداد لرغبةٍ في الأكل، في احتلال مجال الآخر، بعد إخلائه؟

الاغتيال قتل خفي استثنائي ومنظّم

القتل العادي هو جريمة منظمة «عامداً متعمّداً»، بمعنى أنَّه ليس حادثاً عشوائياً يكون الفاعل معروفاً سواء اعْتُقِلَ وحوكم وعُوقب، أم لم يحدث له ذلك. كل اغتيال هو قتل استثنائي؛ لكنه حين يتكرَّر ويتمادى في الزمان، كما حدث في لبنان منذ 1949 حتى 2009، يندرج في إطار القتل العادي أو الحرب. إنه استثنائي من حيث أسبابه أو دوافعه وأدواته وغاياته وخصوصاً من حيث فاعلوه، المجهولون والمحميّون عموماً من جماعة ـ حتى إن الاغتيال ليرتدي سمة خاصة: اعتداء جماعة مجهولة (جماعة الفاعل) على جماعة معلومة (سياسية، دينية، اجتماعية/ اقتصادية إلخ) مشخَّصة برمز معين (اغتيال الفرد يرمز هنا إلى مشروع اغتيال جماعته من خلاله). في القتل والاغتيال يستوي الغَدْرُ أو الغِيلة والمكر أو الحيلة؛ ويمكث المغدور في أرض قتله، بينما يفرُّ الغائل/ القاتل إلى أرض جماعته التي يُفترض أنها أرسلته لأداء عمليّته هذه. حين يُعرف القاتل، هل تنتفي عنه صفةُ الغائل؟ إن المُحدِّد للاغتيال ليس تجهيل الفاعل فقط، بل أيضاً دافعه السياسي وتوظيفه في سياق. لذا، يُفرَّق بين الحادث الفردي (القتل لأسباب شخصية) وبين الحادث السياسي (القتل لأسباب جماعية مُنظَّمة وهادفة). عموماً، ينحصر الاغتيالُ في وجهة سياسية، تنسجم مع مصالح الجماعة المنظَّمة، وتندرج في سياق تغالب القوى، تمهيداً لحرب أو ختاماً لها، أو في سياقها. لا ينفصلُ الاغتيال إذاً، عن ظاهرة الحرب التي تُعرَّف بأنها سياسة بوسائل عنفية، تبدأ بالحرب النفسية وتتجلَّى في حرب إعلامية وتتحقق في حرب عسكرية. مثال ذلك أن حرب 1948 العربية ـ الاسرائيلية على أرض فلسطين، واكبها سنة 1949 ثلاثة اغتيالات كبرى: حسن البنا (مصر)، أنطون سعادة (لبنان)، الرفيق فهد (العراق). فهل هذه مصادفة أم جريمة سياسية منظَّمة؟

الاغتيال هو ظاهرة سياسية ـ عسكرية، جماعية ومنظَّمة (سواء نفذَّها فرد أو جماعة)، تقوم بها أجهزة أمنية متخصّصة، عامّة أو شبه عامة، موجَّهة من سلطة أو من جماعة مرجعية ـ هي بمثابة سلطة ـ، وهادفة إلى إلغاء الآخر كلما استحال ترويضه واستيعابه (حاتغيَّر رأيك بالضرب) في حال اعتقاله وحبسه أو نفيه أو اخفائه (ظاهرة المفقودين) بدون اعتراف رسمي باعتقاله (الإخفاء يسهل تصفية الضحيّة جسدياً) ـ ظاهرة الإمام موسى الصدر ورفيقيه. حتى حين تُحال جريمة الاغتيال السياسي على مجلس عدلي، على محكمة محلية أو دولية (حالة رفيق الحريري)، تظلُّ متميّزة من جريمة القتل العادي بطابعها السياسي الذي يؤشّر على تغالب قوى، وليس فقط على قاتل وقتيل. في الاغتيال ـ كما في الاستعمار وحروبه ـ تُطلب العدالة تحقيقاً لمطلب الحق، ومنعاً لتكرار الاعتداء على جسم الآخر (وأرضه أو مجاله الحيوي)، أو حماية للآخرين الأحياء، ولاسيما أبناء الجماعات المغدورة، من عنف هذا السلاح السرّي.
Page 10
الفصل الأول

في علم الاغتيال وفلسفته الغضب الغولي

I ـ شرق من دم/ غرب من سلاح

التطور وشبح الاغتيال

هذه البشرية التي تسير نحو 11 مليار شخص سنة 2050، ستجد نفسها على كوكب مهدور، يفتقرُ إلى الكثير من النباتات والحيوانات، ومن الهواء النقي والماء الزُّلال، وستواجه سؤال داروين [أصل الأنواع، 1859] (7): لماذا تتغيَّر الأنواع؟ وقد تعزو تغيُّرها إلى الكارثية [Catastrophisme] التي ندعوها، هنا، علم الاغتيال الذي يجعلنا ندرك مدى الترابط بين الطبيعة ومكوّناتها من جهة، وبين البشر وتنوّعاتهم من جهة أخرى، ونكتشف الطبيعة الاغتيالية للوجود ذاته وللموجودات: «بالعودة إلى المختبر، حدَّد العلماءُ أنَّ الهيكل العظمي كان عائداً لإنسانٍ نياندرتالي ماتَ قبل حوالى خمسين ألف سنة مضت: وهو أقدم ضحية قتل معروفة. واستناداً إلى الأذى اللاحق بالجمجمة والقفص الصدري، كان القاتل يحمل السلاح المميت بيده اليمنى» [دا؟يد باس، علم النفس التطوري (8)، تعريب مصطفى حجازي؛ بيروت، م ث ع، 2009] (*). في المختبر أو المشرحة تواجهنا جثة المُغتال، أما الغائل فما برح مجهولاً، بمعنى أنَّه لا يدخل في صُلب علم الاغتيال. هنا نفترضُ أن التنوّع الطبيعي والبشري، في نطاق وحدة الكون أو وحدة كوكبنا، هو أصلُ القتل، هذا الموت الذي لا يزال خارج الوعي (Impensable) . إن الأنواع تتغيَّر بسبب تنوعاتها الأكلية/ القتلية وبسبب دوافعها، محرّكاتها القتلية/ العقلية أو النقلية ـ كالقتل بوهم أو القتل بعلم. تتآكل الطبيعة والبشرية بقدر ما تأكل مكوّناتهما بعضها بعضاً، بقدر ما تقتل لتأكل ـ هنا الأكل يتعدَّى الطعام، كرمز بدائي للهيمنة، إلى الهيمنة ذاتها. تجمع الطبيعة كائنات متناقضة (قنفذ، سلحفاة، طيور، بشر الخ)؛ وتبدو المتعضيَّات (Organismes) أو الأجسام الحيَّة مصمَّمةً على أحسن صورة (يدَّعي البشر أنهم مخلوقون في أحسن تقويم، لكنْ هل هم كذلك؟) كي تتواءم مع بيئاتها المحلية. والحال، هل تتواءم هذه الكائنات مع بيئاتها الطبيعية والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، باللجوء إلى اغتيال نوعها أو الأنواع الأخرى؟ لاحظ مالتيوس [مقالة حول مبدأ السكان، 1798] (9) وجود أحياء بأعدادٍ أكبر من قدرتها على البقاء والتكاثر [في القرآن الكريم (10)، التكاثرُ ملهاةٌ تحوِّلُ البشرَ عن الواحد]؛ لذا نجدها تصارع وهي تتكاثر من أجل الوجود والبقاء. تجدر بنا الملاحظة هنا أنَّ القتل والاغتيال يؤشّران على تناقص التكاثر، على التدنّي النوعي للأجناس المتكاثرة، المتآكلة، وهي تنشد الحفاظَ على وحدة وجودها كأنواع متمايزة، راغبة في التميّز الوجودي على حساب موجودات أخرى. الاغتيال يؤشّر على عدم تلاؤم الموجود مع محيطه، كما يؤشر على رغبة القاتل في التلاؤم المحيطي، بتوّسل القتل الخفي أو العلني (الاغتيال أو الحرب) لإلغاء الآخر كعامل مانع للتلاؤم. في سياق هذه العملية الاغتيالية الكبرى المتواصلة، يستمرُّ نوعُ القَتَلة وينقرض نوعُ المقتولين، فتظهر أنواع جديدة من سلالات القتلة والمقتولين، ونادراً ما تتحدّد مسؤولية الفاعلين (مثلاً، اغتيال المهدي بن بركة، 1965، مسؤولية فرنسية ـ مغربية، لمّا تتحدَّد)، وكذلك اغتيال فرحات حشَّاد (2/2/1914 قرقنة/ 5/12/1952) الذي اغتيل على يد عصابة «اليد الحمراء» الفرنسية في تونس. الحاصل أنَّ الاغتيال يهدف إلى جعل الآخر ينقرض. وهو آخر منقرض فردياً أو جزئياً؛ لكنه مستمّر سلالياً، كلياً. هل يعود ذلك إلى الاصطفاء الطبيعي، كما تمنّى داروين؟ هل يندرج الاغتيال الفردي أو القتل الجماعي في مندرجات الاصطفاء الطبيعي هذا؟ لا نفترضُ ذلك. رغم خمسة ملايين شهيد جزائري ما بين 1830 و1962، ورغم مليون شهيد فلسطيني، ومليون شهيد عراقي، و200 ألف شهيد لبناني إلخ، ثبت أنَّ هذه الأنواع البشرية (العربية) لم تنقرض، بل استمرَّت وتكاثرت. مقابل شرق من دم، قام غربٌ من سلاح، بمحاولات تغيير الخرائط البشرية للعالم، متوسّلاً القتل والاغتيال (هنا معنى للاستعمار والاستيطان)، انطلاقاً من فرضية الاصطفاء الطبيعي. يجدر التنبيه إلى أنَّ الطبيعة ليست عادلةً ولا مثاليَّةً في تغليبها عناصر على أخرى في مسارات التكوين اللامحدودة واللامتناهية. وأن الاغتيال المُبرمج في الحروب أو على هوامشها، يستدعي أنْ نضع نقطةَ وقفٍ على سطر الدّم، وأن نفتح «دفتر اللحم البشري»، لنتساءل: ماذا نأكل؟ ماذا نفعل؟ يقوم الاصطفاء الطبيعي، في علم الغرب، على توليفة التباين/ التوارث/ الانتقاء. يُعتبر التباين المادّة الخام للتطور؛ يليه التوارث كمؤشّر على التباينات الجينية (الخلايا العظمية/ الجينية، مثلاً)؛ فيما يؤشّر الانتقاء (النّخب/ الاصطفاء) على نجاح التكاثر التبايني أو الفارقي، بمعنى أنَّ الانتقاء الطبيعي هو انتقاء البقاء ـ فيكونُ الانتقاء الجنسي، مثلاً، نتيجة للإقتران الناجح وللتنافس ضمن الجنس الواحد [علم النفس التطوري، م. س.، 57]، مع لحظ الطفرة أي الانحراف الجيني. وتبقى المسألة: هل يندرج الاغتيالُ في سياق انتقاء البقاء؟ كيف يبقى القاتل وهو محكوم بدم المقتول؟ كيف يتطور غربٌ مسلّح وهو غارق في شرق مُدمَّى؟