eKtab
EN ع
الاحكام الخاصة في السنة النبوية
Read free sample

الاحكام الخاصة في السنة النبوية

by محمد الخيمي

Page 1

القسم الأول : المدخل إلى قضايا الأعيان
الفصل الأول : مصطلح "قضية العين" وتطوره التاريخي
المبحث الأول : تعريف قضية العين وأنواعها
 

المطلب الأول: تعريف قضية العين

أولاً- المعنى اللغوي

1- القضية: في اللغة هي الحكم والفصل، والقضاء في اللغة على معانٍ، كلّها ترجع إلى تمام الشيء وانقطاعه وإنفاذه وإعلامه[5.

2- العين: عين الشيء في اللغة: نفسه وشخصه وأصله، والجمع أعيان، وفي الحديث: «أوَّه، عين الربا»[6، وتعيين الشيء: تخصيصه من الجملة.

ويطلق هذا اللفظ في اللغة على معانٍ كثيرة، منها: حقيقة الشـيء، وخياره، والجاسوس، والنّبع، والباصرة، والذهب[7، وغيرها.

ثانياً- المعنى الاصطلاحي

ليس لمفردتَي (قضية) و(عين) تعريف خاصّ يُعِين على الوصول إلى المعنى الاصطلاحي للتركيب الإضافي (قضية العين)، وإن كان المناطقة يعرِّفون القضية بأنّها: «قول يصحّ أن يقال لقائله: صادق فيه أوكاذب»[8، وهي بهذا مرادفة للخبر في اصطلاح البيانيين[9، ويُعرِّفون (العين) بأنّها «ما له قيام بذاته»، ومعنى قيامه بذاته أن يتحيَّز بنفسه غير تابع لتحيّز شيء آخر[10.

غير أنّ هذا التعريف لا يساعد على الوصول إلى تعريف دقيق لمصطلح (قضيّة عين).

ولم أجد للأصوليين -بحسب ما انتهى إليه البحث- تعريفاً جامعاً مانعاً لمصطلح (قضية عين)، اللهمّ إلاّ ما يذكرونه

على سبيل التعريف بالمثال، وهو تعريف قاصر[11.

إلا أنّه يدور في اللسان الأصولي تراكيب مثل (واقعة عين)، و(قضية عين)، و(قضية في عين)، و(حادثة عين)، و(قصة عين)، وكلها -كما ترى- تدور على لفظ (عين)، وعين الشـيء -كما سبق- هي شخصه ونفسه وذاته، وكأنَّ الأصوليين قصدوا بهذه الإطلاقات ما يدل عليه لفظ عين من الخصوص والشخصية وعدم الشيوع في الجنس، أي: كأنّهم قصدوا أن يقولوا (قضية شخصية)، و(واقعة شخصية)، أي: خاصّةٌ بشخص لا عامّةٌ في الناس؛ كما هي القاعدة في نصوص الشرع.

ولعلّ ظهور هذا المعنى، والاكتفاء بدلالته اللغوية، جعل المصنّفين غير محتاجين إلى تعريفه تعريفاً خاصّاً، على نحو صنيعهم في المصطلحات الأصولية الأخرى، واستخدموا للتعبير عنه ألفاظاً مختلفة لها المؤدّى نفسه لغوياً، فقالوا: «قضية عين» و«واقعة عين» و«حادثة عين» وغيرها.

وبعد استقراء عدد كبيرمن النّصوص التي تصدق عليها هذه الإطلاقات للأصوليين، يمكن تعريف قضية العين في السنّة النبوية الشريفة بالتعريف الآتي:

حكمه صلى الله عليه وسلم لشخص مخصوص في واقعة، على خلاف ما دلَّ عليه الدليل العامّ، على وجه يمتنع معه إلحاقُ أحدٍ بذلك الشخص، إمّا لوجود دليل الخصوصيّة، وإمّا للإجمال القائم في الواقعة، والذي يتعذَّر معه تعميمُ الحكمِ على غير صاحب الواقعة .

شرح التعريف وقيوده:

- «حكمه صلى الله عليه وسلم»: فقضايا الأعيان المقصودة في هذا البحث هي القضايا المستفادة من تصـرّفاته صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً، وإلا فإنَّ قضايا الأعيان ليست قاصرةً على السنّة الشريفة، بل هي موجودة في القرآن الكريم، وفي فتاوى المجتهدين كما سيأتي إن شاء الله.

- «لشخص مخصوص» : فحكمُه صلى الله عليه وسلم في قضية العين يكون شخصيّاً، وليس فيه دلالةٌ على العموم من جهة اللّغة.

- «على خلاف ما يدلّ عليه الدليل العامّ» : فلا بدَّ من وجود تعارض بين حكمه صلى الله عليه وسلم في تلك الواقعة، وبين الدليل العامّ الذي يبيّن حكمَ تلك الواقعة؛ لأنّ حكمه الخاصّ r في الواقعة، إذا لم يكن معارضِاً الدليلَ العامّ، فإمّا أن يكون موافِقَاً له، وعند ذلك يكون فرداً من أفراده، أو أن يكون متمايزاً عنه، وعند ذلك يكون دليلاً مستقلاً.

وعموم الدّليل قد يكون لفظيّاً، وقد يكون معنويّاً، كأصول التشريع وقواعده العامة.

- «على وجهٍ يمتنع معه إلحاق أحد بذلك الشخص »: أي: يمتنع قياسُ تلك الواقعة على غيرها، وذلك لأحد سببين:

1- « إمّا لوجود دليل الخصوصيّة» : بأن يصرِّح r بأنّ حكمه في تلك الواقعة خاصٌّ بها.

2- «أو للإجمال القائم في الواقعة»: والإجمال هو عدم وضوح الدلالة؛ وسببه في الواقعة هو تعدّد الاحتمالات التي تتنازعها، بما يتعذّر معه الاستدلال، ولا يتحصَّل منه علّة يُرْكَن إليها في القياس.

وسيأتي لهذا التعريف مزيدُ بيانٍ وتفصيلٍ عند الكلام على المعالم العامّة لقضية العين إن شاء الله تعالى.

وربّما عبّر الأصوليون عن مصطلح (قضية عين) بمصطلحات أخرى، أهمّها:

- قضية في عين.

- قضية عينية.

- واقعة عين، أي: الحادثة أو النازلة التي صدرت فيها قضية العين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

- حادثة عين.

- قصّة عين.

- قضية خاصّة.

والمناسبة بين هذه المصطلحات وبين مصطلح (قضية عين) ظاهرة جداً، ولذلك لم يفرِّق الأصوليون بينها في الاستخدام، بل استخدموها على الترادف من غير تمييز بينها.

ومن المصطلحات التي يُعبَّر بها عن قضية العين أيضاً مصطلح (حكاية حال)، و(قضية حال)، و(واقعة حال)، وهي مصطلحات مترادفة فيما بينها، ولكنّ الأصوليين يعبّرون بها عن نوع محدَّد من أنواع قضايا الأعيان، وهو ما كان من الأحكام في واقعة لا يوقَف فيها على علَّة ظاهرة يمكن بها تعميم الحكم.

ودراسة حكايات الأحوال جزء مهمّ من البحث؛ لأنّ دراستها هي دراسة لقضايا الأعيان، ولذلك فقد أُفرِدَ لها بابٌ خاصٌّ من هذا البحث، والتفصيل فيها مُحالٌ عليه.

وقد يغلب استخدام هذا المصطلح على ذاك عند بعض المصنّفين، وينعكس الأمر عند مصنّف آخر، كما نجده مثلاً عند الإمام النووي في سِفْرَيه الجليلين (المجموع)[12 ، و(شرح صحيح مسلم)، فإنّه -(ص)- يستخدم مصطلح (قضية عين)، ولا يكاد يستخدم مصطلح (واقعة عين)، وقليلاً ما يستخدم مصطلح (حكاية حال) أو (قضية حال).

وينعكس الأمر عند الحافظ ابن حجر العسقلاَّني[13 في كتابيه (فتح الباري)، و(التلخيص الحبير)، حيث يكثر جداً استخدام مصطلح (واقعة عين)، ويقلّ جداً استخدام مصطلح (قضية عين) و(حكاية حال) أو(قضية حال).

أما الإمام السرخسي[14 في (المبسوط) فيستخدم مصطلح (حكاية حال).

وقد تقدّم أنّ هذه المصطلحات تُستخدم على الترادف، وهذا ما يلاحظ بوضوح عند تتبُّع هذه المصطلحات في المصنفات التي سبق التمثيل بها، فما يسمّى في مصنَّفٍ (واقعة عين) يسمّى نفسُه في مصنَّفٍ آخر (قضيةَ عينٍ) أو (حكايةَ حالٍ)، والعكسُ بالعكسِ.

Page 2

المطلب الثاني: أنواع قضايا الأعيان

لقضية العين أنواع كثيرة ينتظمها تصنيفاتٌ مختلفةٌ، بحسب الجهة التي تمّ بها التصنيف، وهذه هي أنواع قضايا الأعيان معروضةً عبر أهمِّ تصنيفاتها:

أولاً- من حيث وجود دليل على الخصوصية

وتنقسم إلى نوعين:

1- قضية عين مشتملة على دليل يُدَلّ على الخصوص فيه، وهي بدورها نوعان:

- قضية يكون صاحبها المخصوص بالحكم بها هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذه القضايا هي نوع من أنواع الخصائص النبويّة.

- قضية يكون صاحبها المخصوص بالحكم بها هو غير النبيّ صلى الله عليه وسلم من المكلّفين، كما في حديث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بُرْدة بن نِيَار رضي الله عنه [15، حيث قال له r في عَنَاقٍ أراد أن يضحي بها: «تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك»[16.

2- ما لم ينصّ الشارع على الخصوص فيه، إلاّ أنّه لم يُوقَف فيه على علّة منضبطة مؤثّرة يمكن بها تعديةُ الحكم إلى غير صاحب القضية، كقضية المُحرِم الذي وقصته الناقة فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تغطُّوا وجهه، ولا تُمسُّوه طيباً، فإنّه يبعث يوم القيامة ملبّياً»[17، وقد يسمّى هذا النوع (حكاية حال).

وهذا التقسيم مستنبَطٌ من التعريف الذي جرى اعتماده في البحث، وهو التقسيم الذي سيجري عبره تبويب البحث والتعرُّض لمسائله وتفصيلاته.

ثانياً- من حيث نوع الخصوصيّة

تنقسم قضية العين إلى نوعين:

1- خصوصيّة شخصيّة: وهي ما يكون الحكم فيها مقتصراً على عين واحد، أو على عدد محصور من الأعيان.

2- خصوصيّة نوعيّة: وهي ما يكون الحكم فيها مقتصراً على الأعيان الذين يجمعهم نوعٌ واحد؛ لاشتراكهم في علّة واحدة.

ثالثاً- من حيث كون القضية معلّلةً

وتنقسم إلى أربعة أنواع:

1- قضية لا تقبل التّعليلَ، وذلك للنصّ على الخصوصيّة فيها، كحديث أبي بردة المتقدِّم.

2- قضية لا يُعْقَل معناها ولا تُعرف لها علّةٌ، كأكثر القضايا التي تشتمل على تقديرات شرعية، كقطعه r لمن سرق مجنّاً قيمته ثلاثة دراهم[18.

3- قضية لها علّة قاصرة على صاحب القضية، وذلك كجعله r شهادة خزيمة بشهادتين؛ عند من يجعل ذلك خاصّاً بخزيمة[19.

4- قضية لها علّة مستوفية شروط التعدية بالقياس، وذلك كنهيه r عن تطييب المُحرِم الذي وقصته الناقة؛ عند من يرى أنّ النّهي عامٌّ في كل من مات محرِماً، ولكنّ القضية إن كان حكمها قابلاً للتعميم بقياس العلّة، فإنها لا تسمّى حينئذٍ قضيةَ عين، بل هي قضية تشريعية عامّة، ولا تدخل في البحث إلا على سبيل المقارنة والمقابلة.

رابعاً- من حيث ماهيّة القضية

وتنقسم إلى نوعين:

1- قضية قوليّة: وهي ما يكون الحكم فيها قولياً، كما في قوله r: «من شهد له خزيمة فهو حسبه»[20.

2- قضية فعليّة: وهي ما يكون الحكم فيها فعلياً، كما في وضعه r الجريدَ على قبر من القبور؛ بقصد تخفيف العذاب عمّن فيه[21.

خامساً- من حيث نوع النصّ الذي وقعت فيه

تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- قضية عين في كلام الله تعالى: ومن ذلك قوله جلّ اسمه في القرآن: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب:50 ، فقوله: {خَالِصَةً لَكَ} يدلّ على اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بجواز نكاح مَنْ وهبت نفسها له.

ومنه قوله تعالى في الحديث القدسي: «بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنة»[22.

قال في (مشكاة المصابيح) معلِّقاً على هذا الحديث: «هو حكاية حال لا عموم فيها، إذ يحتمل أن الرجل كان كافراً، أو ارتدّ من شدة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحاً»[23.

2- قضية عين في السنّة: وهي موضوع هذا البحث.

3- قضية عين في فتاوى المجتهدين: وعليها تُحمَل كثيرٌ من الفتاوى المنقولة عن الأئمة في استفتاءات مخصوصة رُفِعت إليهم.

يقول الشيخ ابن تيمية (ص)[24: «كثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علِم المسؤولُ حالَه، أو خرج خطاباً لمعيَّن قد عُلم حالُه، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصّادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنّما يثبت حكمها في نظيرها»[25.

ووجود مثل هذه القضايا في فتاوى المجتهدين يفسِّر التعارض الظاهري بين بعض الروايات المنقولة عن الأئمة، المتعلّقة بمسألة واحدة بحسب الظاهر.

Page 3

المبحث الثاني : مصطلحات ذات صلة
أولاً- الرخصة
عرَّف البيضاوي[26 الرخصة بأنّها «الحكم الثابت على خلاف الدّليل لعذر»[27.
وبين قضية العين والرخصة عموم وخصوص وجهيّ[28، فكلٌّ من قضية العين والرخصة يثبت فيهما الحكم على خلاف الدليل، وكلاهما استثناء من الأصل الشرعي العامّ، ولعلّ هذا هو السبب في إطلاق بعض المصنّفين مصطلحَ الرخصة على قضية العين.
غير أنَّ الفرق بين قضية العين والرخصة هو أنّ قضية العين خاصّة بصاحبها، والرخصة عامّة في كل مكلّف وُجِد فيه العذر المبيح للترخُّص.
ومن الأمثلة على الرخص إباحةُ الأكل من الميتة للمضطَرّ، والجمع بين الصلوات في السّفر. ولا يلزم أن تقترن قضية العين بوجود العذر؛ كي يثبت الحكم لصاحبها على خلاف الأصل العامّ، بل قد يكون ذلك للعذر الذي نجده في الرخص -والذي هو المشقّة- وقد يكون لسبب آخر، كقضائه r بمقتضى الباطن مثلاً؛ عند من يجيز ذلك.
غير أنَّ الرخصة قد تلتبس بقضية العين أحياناً، مما ينشئ خلافاً بين الفقهاء في بعض القضايا، كما وقع في ترخيصه r للرعاة بترك المبيت بمنى، وترخيصه للعبّاس رضي الله عنه في تعجيل زكاة عامين، وترخيصه لسهلة بنت سهيل بإرضاع سالم رضي الله عنه[29. فكلّ هذه -وغيرها كثير- قضايا ثبت الحكم فيها لأصحابها على خلاف الدليل لعذر، ولكن هل تثبت تلك الأحكام لمن كان مثلهم، ومن ثَمّ تكون من قبيل الأحكام المعلَّلة، أم إنّها كانت قضايا خاصّة بهم لأسباب معيّنة؟ وبعبارة أخرى، أهي من قبيل الرخص الشرعيّة، أم إنّها من قبيل قضايا الأعيان؟
وسيأتي تفصيل ذلك في محلّه إن شاء الله تعالى.
 

Page 4


ثانياً- التشريع المستثنى من أصل عامّ
هو حكم جاء به الشرع مخالفاً للأصل العامّ المتعلّق بذلك الحكم، وذلك كإباحة النبيّ صلى الله عليه وسلم عَقْد السَّلَم استثناءً من الأصل العامّ الذي يقضي ببطلان بيع المعدوم[30، وإباحة العرايا استثناءً من الأصل العام الذي يقضي بمنع بيع الثمر بخَرْصه تمراً[31.
وهذا الحكم يشبه الرخصة من حيث كونُه حكماً ثبت على خلاف الدليل العامّ، ولكنّه يفارق الرخصة من حيث كونُه خطاباً عامّاً في الأمة من غير توقُّف على العذر، إذ الاستثناء فيه ليس متعلِّقاً بشخص قام فيه العذر، ولكنه يَطال عموم أفراد الأمة.
فإن كان هذا النوع من الأحكام يختلف عن الرخصة من هذه الجهة، فمن باب أولى أن يختلف عن قضايا الأعيان؛ لأنّ الخطاب فيها خاصّ.
ثالثاً- النّسخ
النّسخ هو «رفع حكم شرعي بخطاب»[32.
وقضية العين تشبه النّسخ من حيث إنّ فيها رفعاً للحكم الشرعي أحياناً، ولكنّها تختلف عنه من حيث إنّها خاصّة بفرد أو عدد محصورمن الأفراد، وليست متعلّقة بعموم الأمة.
قال السيوطي معلِّقاً على جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة كشهادة رجلين: «هذا من النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص لعين من الأعيان بحكم مفرد، ليس من باب النّسخ، فإنّ المنسوخ إنما يقع عامّاً للأمّة غيرَ خاصّ ببعضهم»[33.
ولكن ليس بالضرورة أن تكون القضيّة مشتملة على رفع حكم شرعي متقدِّم عليها، بل قد تكون أحياناً رافعة لحكم مستفاد من الإباحة الأصليّة[34، وهي ليست بحكم شرعي.
ورفع الحكم في النسخ -فضلاً عن كونه عامّاً في الأمّة- مستمرٌّ غير مؤقّت، إلا أنّ الحكم يرفعه خطاب جديد، وقضية العين قد يكون رفع الحكم فيها استثناءً مؤقّتاً لبعض الأعيان من عموم الحكم الشرعي،فإذا انتهت مدّةالاستثناء دخل المستثنى تحت العموم من غير خطاب جديد، كما نجده في ترخيصه r لأمّ عطيّة في النياحة في صدر الإسلام[35.

Page 5


رابعاً- المقصور على سببه
يورد الأصوليون الكلام على (المقصور على سببه) عند تعرّضهم لمسألة تخصيص العامّ بالسبب، سواء كان السبب سؤال سائل، أم وقوع واقعة.
ويتداخل مصطلح قضية العين مع قصر الخطاب على سببه؛ لأنّ بعض أنواع قضايا الأعيان ما هي في الحقيقة إلا صور من تخصيص الخطاب بسببه، فمن ذلك:
1- إذا سأل سائلٌ النبيَّ r فقال: جامعت امرأتي في نهار رمضان، فيجيب r: أعتقْ رقبة، وكذلك إذا سأل سائلٌ: أيجزئني الوضوء بماء البحر؟ فيقول r: نعم، فجواب النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحالتين هو من الخطاب المقصور على سببه، على رأي أكثر العلماء، وهو كذلك نوع من أنواع قضايا الأعيان؛ لأنّه خطاب خاصّ.
2- إذا قُصِر الخطاب على عين السبب الذي ورد عليه كان هذا نوعاً من أنواع قضايا الأعيان، كما في تخصيص أبي بُرْدة رضي الله عنه بجواز التضحية بعَنَاق، وتخصيص أمّ عطيّة رضي الله عنها بإباحة النياحة لها.
فإذا كان الخطاب المخصوص بسببه عامّاً في صيغته لم يدخل في قضايا الأعيان، كما لو سُئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن حكم التوضّؤ من بئر بُضَاعة، فأجاب r: «الماء طهور لا ينجّسه شيء»[36، فإنّ هذا القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم ليس قضيةَ عين، مع أنه مخصوص بالسبب الذي ورد الحديث عليه -وهو بئر بُضاعة- على قول كثير من أهل العلم.
خامساً- الدّليل المهجور أو المتروك
وقد يُعبَّر عنه بعبارة «ليس عليه العمل»، أو ما يؤدّي مؤدّاها، وهي عبارة يستخدمها كل من المحدِّثين والأصوليين والفقهاء كثيراً؛ ليَصِفُوا بها الحديث إذا كان غير صالح للاحتجاج.
ولعدم العمل بالحديث[37 أسباب، منها:
- أن يكون الحديث ضعيفاً.
- أن يكون الحديث منسوخاً.
- أن يكون الحديث مخالفاً لعمل أهل المدينة؛ عند من يرى عمل أهل المدينة حجّة.
- أن يكون الحديث قضية العين.
وبين الحديث المتروك [في اصطلاح الأصوليين لا المحدّثين[38 وقضية العين عموم وخصوص وجهيٌّ ؛ ولذلك فكثيراً ما يُستخدم هذان المصطلحان على الترادف، فتارة يوصف الدليل المهجور بأنه قضية عين، ولهذا أمثلة كثيرة يزخر بها البحث، بل إنّ هذا الاصطلاح هو أكثر ما يُعبَّر به عن الدليل المتروك، وتارة يعبَّر عن قضية العين بأنّها دليل متروك [أو ما في معناه من الألفاظ السابقة، ومن ذلك، مثلاً، ما قاله العينيّ[39 -(ص)- عند شرحه حديثَ أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه في النهي عن الجلوس قبل أن توضع الجنازة[40، حيث قال الإمام العينيّ فيه: «إنه أمر متروك وليس عليه العمل»[41؛ هذا مع كون الحديث معدوداً في قضايا الأعيان.
تنبيه استدعاه المقام:
وهنا لا بد من التنبيه إلى أن الحديث المتروك (في الاصطلاح الأصولي) قد يكون في بعض الأحيان صحيح الإسناد، وهو أمر قد يخفى على بعض الباحثين والطلبة، فيكتفي بصحة سند الحديث للعمل بما فيه، حتى لو كان الحديث مما لم يعمل به أحد من الأئمة، وهو أمر غير مقبول عند جماهير أهل العلم، ولذلك نقل الترمذي عن سفيان الثوري قوله: «قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها»[42.
وقال ابن رجب الحنبلي: «وأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث، فإنهم يتَّبعون الحديث الصحيح حيث كان، إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم، فأما ما اتُّفق على تركه، فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به»[43.
فترك الحديث - حيث وقع- سببه الشبهة التي تعرض له بترك الأئمة العملَ به، ويكون من ذلك قرينةٌ قوية جداً
تغلِّب على الظن أن يكون الحديث منسوخاً أو معلاًَّ أو قضية عين، أو أن الراوي فهمه على غير وجهه، أو نحو ذلك
من الاحتمالات، ومعاذ الله أن يُترك العمل بحديث لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ذلك، بعد ثبوت كونه حجة[44.

Page 6

المبحث الثالث : ظهور مصطلح "قضية العين" وتطوره التاريخي

لقد مرَّ مصطلح "قضية عين" بمراحل متعددة، ابتداء من ظهوره الأول في صدر الإسلام، حين كان مجرد معنى لم يُصطلح على لفظ معين للتعبير عنه، إلى أن صار مصطلحاً متميزاً كسائر المصطلحات العلمية التي استقرت في عصر التدوين.

وفيما يلي استعراض موجز لحركة هذا المصطلح من الولادة حتى النضج والاكتمال.

المطلب الأول: عصر صدر الإسلام

لم يفهم الصحابة من تصرفات النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ أنّها خطاب عامّ لجميعهم، فإذا حكم صلى الله عليه وسلم في قضية لشخص، صار حكمه ذاك حكماً في كلّ شخص مثله، وإذا وقع بينهم اختلاف في حكم مسألة كان يكفيهم لحسم الخلاف فيها أن يُنقل إليهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم في مثلها بكذا، غير آبهين إن كانت تلك القضية قد وقعت منه صلى الله عليه وسلم لزيد أو لعمرو؛ دليلهم في ذلك نصوص كثيرة متظاهرة، سبق ذكر بعضها، وقرائن أحوال متضافرة شاهدوها وعايشوها بحكم صحبتهم له r ومعاصرة التشريع.

غير أنّ شيئاً من ذلك قد يلتبس فيه العموم والخصوص، مما قد يستدعي البيانَ منه صلى الله عليه وسلم، وعند ذلك فنحن أمام الحالات الآتية:

1- فأحياناً يبيِّن النبيّ صلى الله عليه وسلم المراد بعبارته ابتداءً:

- فمن ذلك فعْل النبيّ صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، حيث قال -فيما رواه عنه أبو شُرَيح العَدَوي[45 وغيره-: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها الله ولم يُحَرِّمْهَا النَّاس، لا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أَن يَسفِكَ بِها دَماً، وَلا يَعْضِدَ بها شجَراً، فإن أحدٌ ترخَّصَ لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإِنَّما أذن لي فيها ساعةً من نهار، وقد عادت حُرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلِّغِ الشَّاهد الغائب»[46.

فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنّ حِلّ دخول مكة محارِباً هو حكم اختُصّ به صلى الله عليه وسلم مدّةً محدّدة من الزمن، وأنّ هذا الحكم لا يكون لأحد بعدَه أبداً.

- ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بُرْدَة رضي الله عنه : «تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك» كما تقدّم.

- ومنه ما فعله صلى الله عليه وسلم في حديث الواهبة نفسها، حين زوّجها إلى رجل على ما معه من القرآن، ثمّ روي أنه قال له:

«لا يكون لأحد بعدك مهراً»[47.

2- وأحياناً يبيّن النبي صلى الله عليه وسلمعندما تظهر له الحاجة إلى البيان، ولو بغير سؤال:

فربَّما فهم بعض الصحابة اختصاصَه صلى الله عليه وسلم ببعض الأحكام، فينبّههم صلى الله عليه وسلم أنّ الأمر ليس كما فهموا، وأنه مثلهم في تلك الأحكام، كما تقدّم في الحديث الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها ، حيث قال بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم: «إنّا لسنا كهيئتك؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا»[48، فأجاب صلى الله عليه وسلم بجواب بين فيه أنه مثلهم، وأن عمله سنة متبعة لكل مسلم، وليست خاصة به بحكم كونه نبياً كما توهموا.

وربَّما حمل بعض الصّحابة حكماً خاصّاً به صلى الله عليه وسلم على العموم، فيبيّن صلى الله عليه وسلم لهم أنّه خاصّ به، وأنّهم لا يشاركونه فيه، كما وقع لمّا واصل النبي صلى الله عليه وسلم الصيام، فأراد بعض أصحابه أن يواصلوا مثله، فأخبرهم بما يفيد أنّه في هذه القضية ليس مثلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّي لست مثلكم، إنّي أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»[49.

وربَّما حكم صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بحكم خاصّ به لأمر استدعى ذلك منه صلى الله عليه وسلم، فيبيّن لأصحابه ذلك، وأنّهم لا يشاركون ذلك الشخص في ذلك الحكم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بُرْدة رضي الله عنه : «تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك»، وكما وقع منه صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابنا عمه المطّلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب والفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب، فقالا له: «يا رسول الله، جئناك لتؤمِّرَنا على هذه الصَّدقات، فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدِّي إليك ما يؤدِّي الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لمحمَّد ولا لآل مُحَمَّد، إنَّما هي أوساخ الناس»[50، فبيّن صلى الله عليه وسلم اختصاصه -وسائرَ آل بيته- عن الناس بتحريم أكلهم من الصدقة.

3- وأحياناً يسكت صلى الله عليه وسلم عن البيان حتى يُسأل فيبيِّن:

- فمن ذلك ما وقع في قضية فسخ الحجّ، حيث التبس الأمر على الصحابة؛ أهي حكم خاصّ بهم استدعاه إبطال ما اعتادته قريش من كراهية العمرة في أشهر الحجّ، أم إنّه حكم عامّ في الناس؟

فعن يزيد بن شريك التميمي رضي الله عنه[51: «قلت: يا رسول الله، فسخُ الحجّ[52 لنا خاصّة، أو لمن بعدنا؟ قال صلى الله عليه وسلم بل لكم خاصّة»[53

- ومنه ما وقع حين قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لرسول الله: صلى الله عليه وسلم «أتنام قبل أن توتر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، إنّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»[54، فبيّن r اختصاصه بالصّلاة بعد النوم من غير وضوء للعلّة التي ذكرها صلى الله عليه وسلم.

- ومنه ما رواه معاوية بن قرّة عن أبيه: «أنَّ رجلاً كان يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبّه؟ قال: نعم، فقال: أحبّك الله كما تحبّه، قال: ففقده النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فعل ابنك؟ فقال: أشعرت أنه توفّي؟ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: أما يسرّك أنّه لا تأتي باباً من أبواب الجنّة تستفتحه إلا جاء يسعى حتى يستفتحه لك، فقال: يا رسول الله، أله خاصّة أم للناس عامّة؟ قال: لكم عامّة»[55.

- ومنه ما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه ، قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيّوب رضي الله عنه ، وكان إذا أكل طعاماً بعث إليه بفضله، فينظر إلى موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى النبيَّ r يوماً، فقال: يا رسول الله، لم أرَ أثر أصابعك، قال: إنّه كان فيه ثوم، قال: أحرام هو؟ قال: لا، إنّك لست مثلي، إنّه يأتيني الملك»[56.

- ومنه ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال: «جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنِّي عالَجْتُ امرأةً من أقصى المدينة، فأصَبْتُ منها ما دون أن أمَسَّهَا، فأنا هذا، فأقِمْ عليَّ ما شئت، فقال عمر: قد سَتَرَ الله عليك لو سَتَرْتَ على نفسك، فلم يَرُدَّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئاً، فانطلق الرجل، فَأَتْبَعَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً، فدعاه، فتلا عليه: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114 إِلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، ألَهُ خاصَّةً أم للناس كافَّةً؟ فقال: للناس كافَّةً»[57.

- ومنه ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يبقى أحد يوم عرفة في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا غفر له. فقال رجل: أَلأَِهْل معرِّف (أي عرفة) يا رسول الله، أم للنّاس عامّة؟ فقال: بل للناس عامّة»[58.

4- وربَّما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيان ولم يقع استفصالٌ في القضية؛

فتكون سبباً من أسباب اختلاف أنظارهم فيها:

- ومن ذلك ما وقع لأمّ مَعْقِل[59 لمّا فاتها الحجّ معه r، فقال لها r: «أَمَا إذ فاتتكِ هذه الحَجّة معنا، فاعتمري

عمرة في رمضان فإنّها كحجّة»، فكانت أمّ معقل بعد هذا تقول: الحجّ حجٌّ، والعُمْرَة عُمْرةٌ، وقد قال في هذا

رسول الله: r ما أدري أخاصّة لي لمِا فاتني من الحجّ، أم هي للنّاس عامّة؟»[60.فلم تعلم أمُّ معقل أنّ خطابه r لها بذلك الحكم، هل هو خاصّ بها كما يدلّ عليه اللفظ، أم هو حكم للناس كلهم؟

- ومن ذلك ما رواه أبو جعفر (الباقر) عن أبيه (علي بن الحسين) عن عليّ أنه قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة -قال: فما أدري له خاصّة أم للناس عامّة؟- نهاني عن الْقَسِّيِّ، وَالْمِيثَرَةِ، وأن أقرأ وأنا راكع»[61.

- ومنه ما وقع في قضية رَضاع سالم مولى أبي حذيفة، حيث ذهب عامّة الصحابة وأمّهات المؤمنين إلى أنّها كانت رخصة خاصّة بآل أبي حذيفة، وذهبت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ونفر قليل إلى أنها على العموم[62.

- ومنه ما وقع في قضية وضعه r الجريدَ على قبر من القبور، فإنّ بُرَيدَة بن الحُصَيب[63 فهم من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه للتشريع العامّ، وأما عبد الله بن عمر فحمله على أنّه مما اختصَّ به النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل، ولم يرَ أنّه حكم عامّ في كل من توفي من المسلمين[64.

وهكذا؛ فإنَّ مصطلح (قضية العين) و(حكاية الحال) وما يماثلهما كان مستخدماً بالمعنى دون اللفظ، شأنُه في ذلك شأنُ أكثرِ المصطلحات العلمية التي تواضع عليها العلماء في العصور اللاحقة.

Page 7

المطلب الثاني: عصر التدوين

كما ذُكِر سابقاً، فقد بدأ في عصر التدوين تأصيل المصطلحات العلمية التي كانت في عصر صدر الإسلام حاضرةً في كل عملية اجتهادية، بل كانت جزءاً لا يتجزّأ منها، ولكن ليس بالضرورة أن تكون حاضرةً بأسمائها واصطلاحاتها التي وضعت لها فيما بعد.

وهكذا، وجدنا مصطلح (قضية عين) بدأ يتحرَّر مع الإمام الشافعي، صاحب أول مدوَّنة في أصول الفقه، وذلك عبر قاعدتين شهيرتين منسوبتين إلى الإمام، وهما:

- القاعدة الأولى: «تركُ الاستفصالِ في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلةَ العموم من المقال».

- القاعدة الثانية: «وقائعُ الأحوال إذا تطرّق إليها الاحتمالُ كساها ثوبَ الإجمال وسقطَ بها الاستدلالُ».

ولعلّ الظّهور الأوّل لمصطلح حكاية الحال في اللسان الأصولي بدأ مع هاتين القاعدتين اللّتين أسستا لأصول التعامل مع هذا النوع من النّصوص، وعليهما تدور أكثر الفروع الفقهية المتعلقة بقضايا الأعيان.

وبسبب هذه الأهمية الكبيرة لهاتين القاعدتين من الناحية التاريخية والاستنباطية، فلا بدَّ من التحقيق في نسبتهما، وذلك هو عنوان الفقرة الآتية.

تحقيق نسبة هاتين القاعدتين

الأصوليون كالمجمعين على نسبة هاتين القاعدتين إلى الإمام الشافعي، وكثير منهم يرفعونها إلى الإمام بصيغة الجزم.

ومع ذلك، فإنّنا بالبحث في مصنّفات الإمام الشافعي التي بين أيدينا لا نجد ذكراً لتلك القواعد المسجوعة، سواء كانت بألفاظها السابق ذكرها، أم بألفاظ أخرى قريبة، بل إنّ الإمام السّبْكي ذكر أنه لم يقف على تلك النصوص في مصنّفات الإمام التي كانت في زمانه.

قال (ص): «اشتُهر عن الشافعي رضي الله عنه أنّ ترك الاستفصال في حكاية الأحوال، مع قيام الاحتمال يُنزّل منزلة العموم في المقال، وهذا -وإن لم أجده مسطوراً في نصوصه- فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشـريعة على الحقيقة، أبو المعالي رضي الله عنه [65، ومعناها صحيح»[66.ومع تواتر القول بنسبة هاتين القاعدتين إلى الإمام الشافعي عند أهل العلم بالأصول، فالذي يظهر -والله أعلم- أنَّ حمَلَة المذهب نقلوا هذه القواعد عن الإمام بلا سند، من تقريراته الشفهية لبعض الفروع المخرّجة على تلك القواعد، ممَّا هو موجود في مصنفاته.

أمّا أن تكون تلك القواعد منصوصةً بلفظها في مصنفات الإمام الشافعي فبعيد، ويؤيد ذلك أمور:

1- اختلاف النّقَلَة عن الإمام الشافعي في ألفاظ هاتين القاعدتين، ويبعد أن ينُصّ الإمام عليها ثمّ يقع اختلاف في ألفاظها على هذا النحو.

2- إنَّ العلماء اختلفوا في أوجه التوفيق بين القاعدتين، كما سيأتي، ويبعد أن ينُصّ الإمام الشافعي عليها -مع ما بينها من تعارض ظاهري- من غير بيان مرادِه بما يرفع ذلك التعارض.

على أنَّ معنى القاعدتين -وليس لفظَهما- موجود بالفعل في مصنّفات الإمام الشافعي، وعليها بنى بعض استدلالاته.

فمن ذلك قول الإمام عند تعرّضه لقضية غَيْلان الثّقَفَي[67: «ودلَّت سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنّ الخيار فيما زاد على أربع إلى الزوج، فيختار إن شاء الأقدم نكاحاً أو الأحدث، وأيَّ الأختين شاء أكان العقد واحداً أم في عقود متفرّقة؛ لأنّه عفا لهم عن سالف العقد، ألا ترى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يسأل غيلان عمّن نكح أوّلاً، ثمّ جعل له حين أسلم وأسلمن أن يُمسك أربعاً، ولم يقل الأوائل»[68.

وهذا عمل منه (ص) بقاعدة (ترك الاستفصال).

ومن ذلك أيضاً ما قاله الإمام عند تعرّضه لقضية رَضَاع سالم مولى أبي حذيفة[69: «وهذا، والله تعالى أعلم، في سالم مولى أبي حذيفة خاصّة (قال الشافعي)، فإن قال قائل: ما دلَّ على ما وصفت؟ (قال الشافعي) فذكرت حديث سالم الذي يقال له مولى أبي حذيفة عن أمّ سَلَمَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضعه خمس رضعات يحرم بهن، وقالت أمّ سَلَمَة في الحديث: «وكان ذلك في سالم خاصّة»، وإذا كان هذا لسالم خاصّة، فالخاصّ لا يكون إلاّ مُخرَجاً من حكم العامّ، وإذا كان مُخرَجاً من حكم العامّ، فالخاصّ غير العام، ولا يجوز في العامّ إلاّ أن يكون رضاع الكبير لا يحرِّم»[70.

وهذا عمل منه رضي الله عنه بالقاعدة الأخرى.يقول إمام الحرمين الجويني مفسِّراً وجه استدلال الإمام الشافعي في هذه القضية: «وفي هذا الأصل تصرّفٌ للشافعي رمز إليه المُزَني[71 ولم يستقْصِه، وذلك أنّ خطاب الرسول عليه السلام إذا اختصّ بمختصٍّ في حكاية حال، فحكمُ الصيغة اختصاصُ الحكم بالمخاطب، وإذا قضينا بأنّ الناس في الشرع شَرَعٌ[72، حكمنا بأنّ حُكْمه على معيّن حكمٌ على النّاس كافّة، فهذا مُتلقّى من دَأْب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإجماع، ومستند اعتقادهم في هذا ما كانوا يشاهدون من قرائن الأحوال في قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم التعميمَ، فإذا اضطرب رأيهم في قصد التخصيص، واللفظُ في نفسه مُختصّ بالمخاطَب، لم يجزْ تعميمُ الحكم، ولا سيّما إذا اعتضد خلافُه بما يستقلّ دليلاً، وقد قال عز من قائل: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233 ، فأثبت تمامَ الرّضاعة في الحولين، فاقتضى مفهومُ الخطاب أنّ ما بعدهما ليس في حكم الرضاعة؛ إذ ليس بعد التمام أمر معتبرٌ منتَظر»[73.

وابتداءً من عصر الإمام الشافعي أَخَذ مصطلح (حكاية الحال) و(قضية العين) بالتبلور في مصنّفات الأصوليين، وبدأت تتخلَّص عن سواها من مباحث الأصول، حتى أخذت لنفسها مكاناً بين عناوينه، ولا سيَّما في مصنّفات المتأخّرين، التي صارت تتعرّض لهذه المسألة في مباحث (التخصيص بقضايا الأعيان) و(التخصيص بالسبب).

كذلك، فقد شاع هذا الاصطلاح كثيراً في لسان الفقهاء في مَعرِض استدلالاتهم بنصوص السنّة الشريفة، كما نجده في المصنّفات الفقهية والشروح الحديثية، ولهذا أمثلة كثيرة سيتعرّض لها البحث تباعاً إن شاء الله تعالى.

Page 8

خلاصة الفصل

1- تُعرَّف قضية العين بأنَّها: «حكم النبي صلى الله عليه وسلم لشخص مخصوص في واقعة، على خلاف ما دلَّ عليه الدليل العامّ، على وجه يمتنع معه إلحاقُ أحد بذلك الشخص، إمّا لوجود دليل الخصوصيّة، وإمّا للإجمال القائم في الواقعة، الذي يتعذَّر معه تعميمُ الحكمِ على غير صاحب الواقعة».

2- يُعبَّر عن قضية العين أحياناً بمصطلحات أخرى مثل: (واقعة عين)، و(قضية خاصّة)، و(حكاية حال)، و(قضية حال)، و(قصة عين)، (قضية عينية)، و(حادثة عين).

3- يلتبس مصطلح (قضية عين) بمصطلحات أخرى مباينة لهذا المصطلح مثل)الرخصة)، (النسخ)، (المقصور على سببه)، (التشريع المستثنى من أصل عام)، (الدليل المهجور)، وهي مصطلحات تتقاطع في معناها أحياناً مع مصطلح (قضية عين)، وهو ما يفسر التباس مصطلح (قضية عين) مع تلك المصطلحات في أذهان بعض الباحثين.

4- بدأ مفهوم قضية العين بالظهور مع ظهور الخطاب الشرعي، ولكن الظهور الأول لقضية العين كمصطلح بدأ في عصر التدوين، ولا سيما مع الإمام الشافعي، الذي كان أول من استخدم مصطلح حكاية حال [وكثيراً ما تستخدم حكاية الحال بمعنى قضية العين بطريقة أصولية منهجية.

Page 9

الفصل الثاني : المعالم العامّة لقضيّة العين
تمهيد
المقصودُ بمعالم قضية العين الخصائصُ التي تميزها، والتي دلَّ عليها الاستقراء، واستنبطت من التعريف الذي اعتُمِد في هذا البحث لقضية العين، وتعتبر المعالم الثلاثة الأولى شروطاً لازمة لا بد منها حتى تقبل الدعوى بأن نصاً ما من نصوص السنة النبوية الشريفة هو قضية عين.
 

المبحث الأول :كون الخطاب خاصّاً
المطلب الأوّل: معنى الخطاب الخاصّ وسبب الخصوص في قضية العين
أولاً- معنى الخطاب الخاصّ
1- الخطاب هو «ما يُقصَد به الإفهام»[74، والأصل أنه يكون لفظاً، ولكنَّ الأصوليين قد يتجوَّزون في إطلاقه على ما هو أعمّ من اللفظ، فيجعلون الكلام النفسي[75 خطاباً، بشرط وجود المخاطَب، ويجعلون فعله صلى الله عليه وسلم كالخطاب كذلك، حيث تستفاد من أفعاله صلى الله عليه وسلمكلّ أحكام خطاب التكليف وخطاب الوضع، ويحصل به كل أنواع البيان التي تحصل بالقول[76.
2- الخاصّ هو «لفظ وضع لواحد أو لكثير محصور»[77. وعلى هذا، فمعنى خصوص الخطاب في قضايا الأعيان أنّها لا تفيد العموم بحكم الوضع اللغوي، غير أنّها من المحتمل أن تفيده بحكم العرف الشرعي، أو من طريق القياس.
ثانياً- سبب الخصوص في قضية العين واحد من أسباب ثلاثة
1- النصّ على الخصوص، كما فيقوله صلى الله عليه وسلملأبي بُردة رضي الله عنه : «تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك»، وقوله صلى الله عليه وسلم في قضية وصاله الصومَ: «لست كهيئتكم»[78.
2- كون الخطاب خاصّاً لغةً بواحد، كما فيقوله صلى الله عليه وسلملمنقذ بن عمرو رضي الله عنه : «إذا بايعت فقل: لا خِلابة».
«فإن قيل: فهل يدلّ على عموم الحكم أَنَّه كان إذا أراد التخصيص خصَّص وقال: «تجزئ عنك، ولا تُجْزِئ عن أَحَدٍ بَعْدَك»، وَحَلَّلَ الحرير لعبد الرَّحمن بن عوف خاصَّةً؟ قلنا: لا؛ لأَنَّه ذكره حيث قَدَّم عموماً، أو حيث تَوَهَّم أَنَّهم يُلْحِقُون غيرَه به لِلتَّعَبُّد بالقياس، وكذلك قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50 لا يدلُّ على أَنَّ الخطاب معه خطابٌ مع الأُمَّة لمثل ما ذكرناه»[79.
ومعظم هذا المبحث يدور حول هذا النوع من الخطاب وما يتعلَّق به من مسائل أصولية.
3- كون القضية فعلاً من أفعاله صلى الله عليه وسلم، فإذا حكى الراوي بلفظه ذلك الفعل، كانت تلك الحكاية لفظاً خاصّاً لا دلالة فيه على العموم، وليس فيه سوى مجرّد إثبات وقوع الفعل منه صلى الله عليه وسلم، فإذا أردنا تعميم حكم تلك الواقعة الفعلية على غيره r، لم يمكن ذلك باللّفظ نفسه الذي نُقل به الفعل؛ لعدم دلالته على العموم.
وتفصيل القول في حكايات أفعاله صلى الله عليه وسلم، ووجه دخولها في قضايا الأعيان، والتمثيل لذلك، محلُّه الباب الثالث من القسم الثاني فليُنظر هناك.
 

Page 10

المطلب الثاني: الخطاب الخاصّ بواحد، ومذاهب الأصوليين فيه

اتّفق الأصوليون على أنّ الخطاب الخاص بواحد من الأمّة، إن اقترن بما يخصّ ذلك الواحد، فلا يكون غيره مثله في ذلك الحكم، كقوله لأبي بُرْدَةَ: «يُجْزِئك ولن يُجْزئ عن أحد بعدك».

وإن لم يقترن بما يدلّ على الاختصاص، ففيه المذاهب الآتية:

المذهب الأول:

يرى أصحابه أنّ الخطاب الخاصّ بواحد، لا يتناول -من حيث الصيغةُ واللغة- سوى ذلك الواحد، إنّما يتعدَّى الحكم المأخوذ من ذلك الخطاب إلى غير المخاطب به بدلائل أخرى من خارج الصيغة، ومنها:

- إجماع الصحابة على العمل بذلك الخطاب لما ظهر لهم من قرائن التعميم.

- القياس.

- قوله صلى الله عليه وسلم: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»[80، أوقوله صلى الله عليه وسلمفي مبايعة النِّساء: «إنِّي لا أصافح النِّساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمئة امرأة»[81.

قال في (المستصفى): «لو قال السَّائل: أفطر زيد في نهار رمضان، فقال: عليه عتق رقبة، أو قال: طَلّق ابن عمر زوجته، فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، فهذا لا عموم له، فلعلّه عرف منْ حاله ما يوجب العتق والمراجعة عليه خاصَّة، ولا نعرف ما تلك الحال، ومن الَّذي يساويه فيها، ولاَ يُدْرَى أَنَّه أفطر عمْداً أوسهواً أو بأكل أو جِماع»[82.

وهو مذهب جمهور الأصوليين من الحنفية والمالكية والشافعية[83.

المذهب الثَّاني:

ويرى أصحابه أنّ الخِطاب الخاصّ بواحد يتناول عرفاً جميع المكلّفين، من غير حاجة إلى دليل من خارج الصيغة، فإذا خاطب الشارع زيداً، صيَّر العرفُ الشرعي ذلك بمنزلة ما لو قال الشارع: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، ويكون الكلام حقيقة شرعية في ذلك المعنى، وهذا هو مذهب الحنابلة والظاهرية[84، ونُسب إلى بعض الحنابلة أنّ هذا النوع من الخطاب عامّ بنفسه بالصيغة.

المذهب الثالث:

وبه قال أبو الخطّاب[85 من الحنابلة، وهو يرى أَنَّ الخطاب إنْ وقع جواباً لسؤال، كقول الأعرابيِّ: واقعت أهلي في رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم: أعتِقْ، فقوله: (أعتق) عام يشمل السائل وغيره، وإِلاَّ فلا، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فَلْيُصلِّ بالنَّاس»، فلا يدخل فيه غير أبي بكر[86.

المناقشة والترجيح:

ما ذهب إليه أبو الخطّاب لا يصلح ليستقلّ مذهباً، بل هو كالقيد لمذهب الحنابلة،والله أعلم؛ لأنّ ما أخرجه أبو الخطّاب من الدلالة على العموم، لا خلاف في خروجه عند الجميع؛ لِما يصاحبه من القرائن الحاليَّة، التي لا يُختلف في دلالتها على تخصيص الخطاب بالمخاطَب، وأنّها ليست من قبيل الخطاب التشريعيّ العامّ.

وأمّا القول إنّ هذا الخطاب يدلّ على العموم بنفسه بحكم اللّغة، فهو قول لم يرتضِهِ أكثر الأصوليين، بناء على أنّ العرب لم تضع صيغةَ المفرد للدلالة على الجمع، بل ربّما تكون نسبته إلى بعض الحنابلة محلّ نظر.

وخلاصة القول في هذه المسألة يقرِّرها الشوكاني (ص) بقوله: «والحاصل في هذه المسألة -على ما يقتضيه الحق ويوجبه الإنصاف- عدم التناول لغير المخاطب من حيث الصيغة، بل بالدليل الخارجي»[87.

وقد حاول بعض الأصوليين الجمع بين الآراء السابقة بالقول: إنّ الخلاف في هذه المسألة هوخلاف لفظيّ، إذ الجميع متّفقون -من حيث النتيجة- على أنّ العموم يثبت بخطاب الواحد، ولكنّهم مختلفون في طريق الثبوت؛ أهو بالخطاب نفسه، أم بقرائن خارجية؟

قال إمام الحرمين: «وكون النّاس شَرْعاً (أي سواءً) في الشرع، واستبانة ذلك من عهد الصحابة، ومن بعدَهم لا شكّ فيه، وكون مقتضى اللّفظ مختصَّاً بالمخاطَب من جهة اللّسان لا شكّ فيه، فلا معنى لعدِّ هذه المسألة من المختلفات، والشِّقّان جميعاً مُتَّفَقٌ عليهما»[88.

ولكن المحقِّقين من الأصوليين يرون أنّ الخلاف في هذه المسألة هو خلاف معنوي لا لفظي.

قال في البحر المحيط: «قال المُقْتَرَحُ[89: بل هو معنويٌّ، وهو أَنَّا نقول: الأَصل ما هو؟ هل هو مورِد الشرع، أم مقتضى الْعُرْف؟»[90.

أو بعبارة أخرى: هل الأصل التعميم حتى يقوم دليل التخصيص، أم إنّ الأصل التخصيصُ حتى يقوم دليل التعميم؟[91.