eKtab
EN ع
الاحتجاج بشعر امرئ القيس في النحو العربي
Read free sample

الاحتجاج بشعر امرئ القيس في النحو العربي

by د. عاطف طالب الرفوع

Page 1

الإهداء

إِلى والدي ووالدتي الكريمين...

إِلى إِخوتي الأعزاءِ...

إلى زوجتي وابنتي رزان...

إِلى أصدقائي جميعاً...

إِلى محبي لغةِ القرآنِ وعُشَّاقِها...

عاطف طالب الرفوع

Page 2

تمهيد

الحمدُ للهِ المتفرِّدِ بصفاتِ الكمالِ والجلالِ، الحمدُ للهِ على ما أنعمَ وأجزلَ، والشُّكرُ الدَّائمُ على ما أولى وأفضلَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّ الهدى، وكهفِ التُّقى، وبحرِ النَّدى؛ صلاةً وسلاماً دائمين ما تعاقب اللَّيلُ والنَّهارُ. وبعد:

فالنُّحاةُ والعلماءُ، بدايةً، بنوا قواعدَهُم وأحكامَهُم التي تضبطُ اللُّغةَ العربيَّةَ وتصونُها من اللَّحنِ والتَّحريفِ على ثلاثةِ مصادرَ لا غيرُ، وهي: كلامُ الله، وحديثُ المصطفى، وكلامُ العربِ، ويتصدرُ كلامُ العربِ – الشِّعرُ – المقامَ الأوَّلَ في الاحتجاجِ والاستشهادِ والتَّقعيدِ.

فالشِّعْرُ: كلام ٌعربيٌّ موزونٌ مقفىً، يتمركزُ في بؤرةِ الفصاحةِ والبيانِ العربيِّ لا سيَّما الشِّعرُّ الجاهليُّ الذي يمتازُ بجودةِ الرَّصفِ، ودقةِ السَّبكِ، وجزالةِ التَّراكيبِ والألفاظِ، وعمقِ الصُّورِ والتَّشبيهاتِ؛ فهو أفصحُ ما تفوهتْ بِهِ العربُ قاطبةً، وأبلغُها وأبينُها، لذا يعدُّ ميداناً فسيحاً، ومورداً غزيراً للدَّرسِ النَّحويِّ واللُّغويِّ والأدبيِّ والنَّقديِّ.

أمَّا عن - محورِ الدِّراسةِ والبحثِ - فهو أشعرُ شعراءِ العربِ بِلا منازعٍ، قالَ الأصمعيُّ: "بل أوَّلُهم كلُّهُم في الجودةِ امرؤ القيس، له الحُظْوَةُ والسَّبقُ، وكلُّهُم أخذوا من قولِهِ، واتبعوا مذهبَهُ "([1]).

ولشعرِ امرئ القيسِ شأوٌ كبيرٌ ومنزلةٌ رفيعةٌ في الاحتجاجِ و بناءِ قواعدِ اللُّغةِ العربيَّةِ لوقوعِهِ تحتَ منظومةِ الاحتجاجِ التي حُدِدَتْ بمائةٍ وخمسينَ قبلَ الإسلامِ وبمثلِها بعدَهُ، فهو من شعراءِ الطَّبقةِ الأولى وأوَّلِهِم، وشعرُهُ من أغنى المصادرِ التي استقى منها النُّحاةُ قواعدَ اللُّغةِ العربيَّةِ، ومسائلَها الكليَّةَ والجزئيَّةَ، يقولُ يونسُ بنُ حبيبٍ: " إِنَّ علماءَ البصرةِ كانوا يقدِّمون امرأَ القيسِ ابنَ حجرٍ "([2]).

فلقدْ كانَ شعرُ امرئ القيس عيناً نابعةً، وسيلاً دفَّاقاً، بأبياتِ الشَّواهدِ النَّحويةِ، وقد عُنيَ بهذهِ الشَّواهدِ سيبويهِ، وجماعةٌ من النُّحاةِ الذين جاءوا بعدَهُ شرحاً وتوجيهاً وإعراباً وتقويماً، لتمثِّلَ هذه الشَّواهدُ الفصيحةُ ظاهرةً نحويةً مطَّردةً متبعةً في النُّصوصِ العربيةِ اللاحقةِ، وليكونَ النَّحو "انتحاءَ سمتِ كلامِ العربِ... ليلحقَ من ليسَ من أهلِ العربيةِ بأهلِها "([3]).

ففي كثيرٍ من المسائلِ والقواعدِ النَّحويةِ المستعملةِ أو الشَّاذةِ كانَ لأبياتِ الشَّواهدِ النَّحويةِ من شعرِ امرئ القيسِ دورٌ واضحٌ في بناءِ وإثباتِ هذهِ القواعدِ والقياسِ عليها في الاستعمالِ والأداءِ اللُّغويِّ الصَّحيحِ لأنماطِ الجملِ والتَّراكيبِ، والتي تصدَّرَ لها كتابُ سيبويهِ، والنُّحاةُ من بعدِهِ بالدَّرسِ والتَّحليلِ.

وقد بلغَتْ عِدَّةُ أبياتِ الشَّواهدِ النَّحويةِ لامرئ القيسِ الكندي التي اتَّفقَ النَّحويُّون على استقرائِها ما يزيدُ على مائةٍ وستين شاهداً نحوياً عالجتْ معظمَ مسائلِ النَّحوِ وقواعدِهِ المنضبطةِ في كتبِ النُّحاةِ، وقد ارتأيت أن أقسمَ هذه الدِّراسةَ إلى الفصولِ التَّاليةِ:

الفصلُ الأولُ: الشَّاهدُ النَّحويُّ والاحتجاجُ، فقد تناولَ هذا الفصلُ تعريفاً للشَّاهدِ النَّحويِّ لغةً واصطلاحاً مع بيانِ منزلةِ الشَّاهدِ في الدَّرسِ النَّحويِّ، كما وتعرضَ لقضيةِ الاحتجاجِ، وتعدُّدِ الرِّوايةِ وموقفِ العلماءِ والنُّحاةِ منها، وغيرَها من القضايا.

الفصلُ الثَّاني: المرفوعاتُ، فتناولَ بابَ المرفوعاتِ للمسائلِ النَّحويةِ التي تضمَّنتها الشَّواهدُ النَّحويةُ التي استخرجَها النُّحاةُ؛ لتكونَ فيما بعدُ قواعدَ وأصولاً مجرَّدةً في النَّحو العربيِّ فكانَ من المسائلِ المبثوثةِ في هذا الفصلِ: نائبُ الفاعلِ، والمبتدأُ والخبرُ، وحذفُ المبتدأِ والخبرِ، وكانَ وأخواتُها، وإنَّ وأخواتُها، وغيرُها.

الفصلُ الثَّالثُ: المنصوباتُ، وقدِ استغرقَ هذا الفصلُ مساحةً واسعةً من الدِّراسةِ؛ لكثرةِ الظَّواهرِ النَّحويةِ ومنها: التَّعدِّي واللُّزومُ، والنِّداءُ والتَّرخيمُ، والتَّنازعُ، والمفعولُ المطلقُ، والمفعولُ فيهِ، والحالُ، والتَّمييزُ، وسواها.

الفصلُ الرَّابعُ: المجروراتُ، فكانَ من مسائلِ هذا الفصلِ: حروفُ الجرِّ وأشهرُ معانيها، والتَّعلُّقُ، وحذفُ "رُبَّ"، وحروفُ الجرِّ الزَّائدةُ، والإضافةُ، وحذفُ المضافِ، والحملُ على الجِوارِ، وسواها.

الفصلُ الخامسُ: مسائلُ نحويةٌ متفرقةٌ، فعالجَ هذا الفصلُ المسائلَ النَّحويةَ المتعدِّدةَ التي لم تقعْ تحتَ الفصولِ السَّابقةِ، فكان من المسائلِ: الفعلُ المضارعُ المعربُ والمبنيُّ، وإضمارُ "أنْ" جوازاً ووجوباً، والجزمُ ب"أنْ" شذوذاً، وفعلُ الأمرِ، مخاطبةُ العربِ الواحدَ مخاطبةَ الاثنين، والاسمُ المُركَّبُ، وأفعالُ المدحِ والذَّمِّ "نِعْمَ وَبِئْسَ"، وعملُ المشتقاتِ "اسمُ الفاعلِ"، والنَّعتُ، والعطفُ، والبدلُ، وعطفُ الخبرِ على الإنشاءِ، وغيرُها منَ المسائلِ.

وقد اعتمدتْ هذهِ الدِّراسةُ على الكتبِ النَّحويةِ الأصولِ، منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ: كتابُ سيبويهِ ت: 180هـ، والمقتضبُ لأبي العباس المبرِّدِ ت: 286 هـ، والخصائصُ لابنِ جنِّيٍّ ت: 392هـ، وتحصيلُ عينِ الذَّهبِ للأعلمِ الشَّنْتَمَرِيِّ ت: 476هـ، والإنصافُ في مسائلِ الخِلافِ لابنِ الأنباري ت: 577 هـ، والمقربُ لابنِ عصفورٍ ت: 669هـ، وشرحُ التَّسهيلِ لابنِ مالكٍ الأندلسيِّ ت: 672هـ، والجنى الدَّاني للمراديِّ ت: 749هـ، ومغني اللبيبِ لابنِ هشامٍ الأنصاريِّ ت:761هـ، والمقاصدُ النَّحويةُ للعينيِّ ت: 855هـ، وهمعُ الهوامعِ للسَّيوطي ت: 911هـ، وخزانةُ الأدبِ للبغداديِّ ت: 1093هـ، وغيرُها.

وقدْ قامتْ هذهِ الدِّراسةُ على الوصفِ والتَّحليلِ والتَّوجيهِ الإعرابيِّ، وذكرِ الآراءِ والتَّخريجاتِ النَّحويةِ التي يلتمسُ فيها الجودةُ وإحكامُ الصَّنعةِ النَّحويةِ، حيثُ تتعرضُ الدِّراسةُ للشَّواهدِ النَّحوية في شعرِ امرئ القيسِ، وتستدلُّ على أصالةِ المسألةِ النَّحويةِ، وكثرةِ دورانِها بآراءِ العلماءِ والنُّحاةِ، وتوجيهاتِهِم القيَّمةِ، بإيجازٍ لا يخلُّ باستيفاءِ عناصرِ المسألةِ بعيداً عن الاستطرادِ.

وقدِ اعتمدتْ هذهِ الدِّراسةُ على ديوانِ امرئ القيسِ بشرحِ أبي سعيدٍ السُّكريِّ ت: 275هـ، تحقيق: محمد الشوابكة وأنور أبو سويلم؛ لاستقصاءِ الشَّاهدِ النَّحويِّ، واستبعادِ الذي لم يُثْبَتْ في الدَّيوانِ، ومقتصرِاً على دراسةِ وتحليلِ الشَّواهدِ التي ذكرَها النُّحاةُ، وأُثْبِتَتْ في الدِّيوان، وإنِ اختلفتِ الرِّوايةُ وتعدَّدتْ؛ لأنَّ تعدُّدَ الرِّوايةِ لا يسقطُ الاحتجاجَ والاستشهادَ بها.

وفي الختامِ أحمدُ اللهَ حمدَ الشَّاكرين أنْ يسَّرَ لي طريقَ العلمِ، وأسألُهُ أنْ يجعلَ هذا العملَ خالصاً لوجهِهِ وطريقاً إلى جنتِهِ، وأسألُهُ التَّوفيقَ والسَّدادَ، وسُبْحانَ مَنِ اختصَّ نفسَهُ بالكمالِ والإتقانِ، وجعلهما محرمينِ على غيرِهِ.

Page 3

1.1 الشواهد النحوية: لغة واصطلاحا

لا بدَّ لنا قبلَ البدءِ بمعالجةِ الشُّواهدِ النَّحويةِ مِنْ حيثُ – الاحتجاجُ ومصادِرُهُ وبواعثُهُ وقيودُهُ وتعدُدُ الرِّوايةِ - مِنْ طَرْقِ المعنى اللُغويِّ والاصطلاحيِّ لِكلٍّ من الشَّاهدِ والنَّحوِ، لِكي تَتَكَشَّفَ ماهيتُهُما، و يتضحَ مدلولُهُما.

1.1.1 الشواهد: لُغة:

جمعٌ؛ مفردُهُ شاهِدٌ. حيثُ جاءَ في الصِّحاحِ: الشَّاهدُ: اللِّسانُ، والمَلَكُ([4])، وجاءَ في اللِّسانِ: الشَّاهدُ: اللِّسانُ من قولِهِم: لفلانٍ شاهدٌ حَسَنٌ، أيْ: عبارةٌ جميلةٌ، والشَّاهدُ: المَلَكُ([5])، وجاء في تاجِ العروسِ، الشَّاهدُ: ما يشهدُ على جودةِ الفَرَسِ وسَبقِهِ مِنْ جَرْيِهِ([6]).

نرى أنَّ المعاجمَ تكادُ تجمعُ على دلالةٍِ لُغويةٍ واحدةٍ، وهي أنَّ الشَّاهدَ يعني: اللِّسانَ؛ لأنَّ اللِّسانَ أهمُّ عضوٍ في جهازِ النُّطقِ، به نستطيعُ الكلامَ والحديثَ، وبهِ نشهدُ على النَّاسِ، ونقرُّ بما صدرَ عنهم، لذا أجمعت عليه المعاجمُ، فلولاه لما استطعنا الكلامَ ولا شهدنا بما سمعنا ورأينا.

2.1.1 الشاهد اصطلاحا:

تعددتْ رؤى العلماءِ للشَّاهدِ، يقولُ التَّهانويُّ: الشَّاهدُ عندَ أهلِ العربيَّةِ "الجزئيُّ الذي يُسْتَشْهدُ بهِ في إثباتِ القاعدةِ لِكوْنِ ذلك الجزئيّ من التَّنزيلِ أو من كلامِ العربِ الموثوق ِ بعربيتِهِم "([7]).

فالجزئيُّ هو موضعُ الشَّاهدِ أو الاستشهادِ، و يتمثلُ بكلامِ الله - عزَّ وجلَّ-وحديثِ رسولِهِ ﷺ؛ لأنَّ حديثَ الرَّسولِ من التَّنزيلِ، قال جَلَّ شأنُهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم:3-4]، وكلامِ العربِ.

والشَّاهدُ أيضاً: "قولٌ عربيٌّ لقائلٍ موثوقٍ بعربيتِهِ، يُورَدُ للاحتجاجِ والاستدلالِ على قولٍ أو رأي "([8]).

فهذا التَّحديدُ والتَّعريفُ خصصَ الشَّاهدَ بكلامِِ العربِ فحسبُ، دونَ كلامِ الله - عزَّ وجل- وحديثِ الرَّسولِ ﷺ، وعلى هذا جُلُّ العلماءِ والنُّحاةِ.

3.1.1 النحو: لُغة

جاءَ في الصِّحاحِ: النَّحو: القصدُ والطريقُ؛ يقالُ نحوتُ نحوك، أيْ: قصدتُ قَصْدَكَ، والنَّحو: إعرابُ الكلامِ العربيِّ([9])، وجاءَ في التَّهذيبِ أيضاً، قالَ اللَّيثُ: النَّحو القصدُ نحوَ الشَّيءِ، ويجمعُ النَّحو على أنحاءٍ([10])، وكلمةُ النَّحوِ مصدرٌ أريدَ به اسمُ المفعولِ، أيْ: المنحو بمعنى المقصودِ([11]).

4.1.1 النحو: اصطلاحا

لقد أدلى العلماءُ الأوائلُ والنُّحاةُ المحدثون بتعريفاتٍ جَمَّةٍ لمفهومِ النَّحوِ:

1.4.1.1 تعريف النحو عند القدماء:

يعرِّفُ ابنُ جنِّيٍّ النَّحوَ بأنَّهُ: "انتحاءُ سَمْتِ كلامِ العربِ، في تصرُّفِهِ مِنْ إعرابٍ وغيرِهِ، كالتَّثنيةِ والجمعِ والتَّحقيرِ والتَّكسيرِ والإضافةِ والنَّسبِ والتَّركيبِ وغيرِ ذلك؛ لِيلحقَ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ اللُّغةِ العربيةِ بأهلِها في الفصاحةِ، فينطقَ بها وإنْ لم يكنْ منهم "([12]).

ويعرِّفُهُ صاحبُ المستوفي بأنَّهُ: "صناعةٌ علميةٌ ينظرُ بها صاحبُها في ألفاظِ العربِ من جهةِ ما تتألفُ بحسبِ استعمالِهِم؛ لِيعرفَ النَِّسبةَ بينَ النَّظمِ وصورةِ المعنى، فيتوصلَ بإحداهما إلى الأخرى "([13])، وقيل في حَدِّهِ: " علمٌ بأصولٍ؛ يُعْرَفُ بها أحوالُ الكلمِ: إعراباً وبناءً "([14]).

2.4.1.1 النحو عند المحدثين:

عبارةٌ عن مجموعِ الملاحظاتِ والقواعدِ التي تلتزمُها اللُّغةُ في طُرُقِ أدائِها للمعاني، كالتزامِ الرَّفعِ في كلِّ مَن يصدرُ عنه الفعلُ أو الحدثُ، والتزامِ النَّصبِ في كلِّ من يقعُ عليه الحدثُ، والتزامِ الجرِّ في كلِّ حالةٍ من حالاتِ الخفضِ والإضافةِ([15]).

3.4.1.1 النحو عند المدرسة التحويلية:

يقومُ تعريفُ النَّحوِ لدى التَّحويليين على محورين أساسيين، الأولُ: "أنَّ النَّحوَ نظامٌ من الأحكامِ قائمٌ في عقلِ أهلِ اللُّغةِ، يُكْتَسَبُ في الطُّفولةِ المبكرةِ، ويُسَخَّرُ لوضعِ أمثلةِ الكلامِ، وفهمِها. والثَّاني: أنَّ النَّحوَ نظريةٌ يقيمُها اللُّغويُّ، مقترِحاً بها وصفاً لسليقةِ المتكلِّمِ"([16]).

وبناءً على ما سبقَ نستطيعُ القولَ: إِنَّ النَّحوَ نظامٌ في غايةِ الدِّقةِ يسيرُ عليه المتكلِّمُ، فمن استوعبَ أركانَهُ وفهم جزئياتِهِ فقدِ امتطى الصَّواب وسلمَ من اللَّحنِ، ومن حادَ عن سُنَنهِ ونواميسِهِ؛ وقعَ في اللَّحنِ والخطأِ، ونهشتْهُ أسنَّةُ النَّاقدين، فهو الحبلُ المتينُ الذي يقوِّمُ اعوجاجَ الألسُنِ.

Page 4

2.1 الشواهد النحوية

من خلالِ الحديثِ السَّابقِ عنْ مادةِ الشَّاهدِ والنَّحوِ نستطيعُ أنْ نخلصَ بتعريفٍ للشَّواهدِ النَّحويةِ - الشِّعريةِ - بأنَّها: الأبياتُ الشِّعريةُ العربيةُ الفصيحةُ الموثَّقةُ التي استقى منها النُّحاةُ قواعدَهُم وأحكامَهُم المُنْضبِطةَ، فمن خلالِ هذهِ الأشعارِ استنبطَ جهابذةُ النُّحاةِ القدماءِ القواعدَ والسُّنَنَ التي تضبطُ اللَّفظَ والتَّراكيبَ.

Page 5

3.1 مكانة الشواهد

تُعدُّ الشَّواهدُ النَّبعَ الذي وردَهُ النُّحاةُ، ونهلوا منه قواعدَهم وأقيستَهُم؛ لذا تضطلعُ الشَّواهدُ بِوظيفتين أساسيتين هما:

1- إثباتُ واقعِ اللُّغةِ في جميعِ مستوياتِها: الأصواتُ، والصَّرفُ أو الصِّيغُ، والنَّحو أو التَّراكيبُ، والمتنُ، والدِّلالةُ.

2- أنَّها مأخذُ ضوابطِ اللُّغةِ، وحدودِها، وسُنَنِ أهلِ السَّليقةِ فيها([17]).

Page 6

4.1 مكانة النحو ومنزلته

للنَّحوِ منزلةٌ رفيعةٌ، ومكانةٌ جليلةٌ بينِ علومِ اللُّغةِ العربيَّةِ، فهو دليلٌ قبلَ كلِّ شيءٍ على عبقريَّةِ من استنبطَهُ، وحدَّ حدودَهُ، ووضَّحَ معالمَهُ، كما أنَّ له الدَّورَ الأكبرَ في الوِقايةِ مِنْ داءِ اللَّحنِ، وتقويمِ اللِّسانِ العربيِّ، لذا قالَ الإِمامُ عليٌّ - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ - لأبي الأسودِ الدُّؤلي: "ما أحسنَ هذا النَّحوَ الذي نحوتَ ! "([18])، اعترافاً من الأمامِ بعظيمِ صنيعِ أبي الأسودِ.

وعِلْمُ النَّحوِ يزيدُ في شرفِ الشَّريفِ، ويَرْفَعُ مِنْ قَدْرِ الخسيسِ، ويكسوهما، ويُدْرِعُهما من المهابةِ سِرْبالاً؛ فقدْ رُويَ عنْ عبدِ الله بن شُبْرُمةَ أنَّهُ قال: إذا أسرَّكَ أنْ تَعْظُمَ في عينِ منْ كنتْ في عينهِ صغيراً، ويَصْغُرَ منْ كانَ في عينكَ عظيماً؛ فتعلَّمِ العربيَّةَ؛ فإنَّها تُجْريكَ على المنْطِقِ، وتدنيك من السُّلطانِ([19]).

Page 7

5.1 الاحتجاج في اللغة

1.5.1المعنى اللغوي والاصطلاحي:

جاءَ في مُعْجَمِ العينِ: الحُجَّةُ: "وجهُ الظَّفرِ عندَ الخصومةِ"([20])، وفي متنِ اللُّغةِ: "الدَّليلُ والبرهانُ، وما يُدْفَعُ به الخصمُ "([21]).

أمَّا في الاصطلاحِ: فالاحتجاجُ هو: "إثباتُ صحةِ قاعدةٍ أو استعمالِ كلمةٍ أو تركيبٍ، بدليلٍ نقليٍّ صحَّ سندُهُ إلى عربيٍّ فصيحٍ سليمِ السَّليقةِ "([22]).

2.5.1 بواعث الاحتجاج:

تنوعتْ بواعثُ الاحتجاجِ ودوافعُهُ، ولكنَّ الباعثَ الأهمَّ والأساسَ الذي حدا بالعلماءِ والنَّحاةِ لوضعِ علمِ النَّحوِ نَبَعَ من حبِّهِم لِدينِهِم، وحرصِهِم على قرآنِهِم الكريمِ؛ لذا كانَتْ الحاجةُ ماسَّةً لنشوءِ عِلْمِ النَّحوِ مِنْ أَجلِ المحافظةِ على القرآنِ الكريمِ مِنَ اللَّحنِ والتَّحريفِ.

ولمْ يكنِ الدافعُ الدِّينيُّ هو الوحيدَ، بلْ تعاضدتْ معَهُ دوافعُ أُخَرُ؛ كانتشارِ اللَّحنِ، الذي نجمَ عن انتشارِ الإسلامِ، واختلاطِ العربِ بأممٍ عِدَّةٍ لا سيَّما الأعاجمُ الذين كان لهم الدورُ الأكبرُ في ظهورِ الَّلحنِ، يقول سعيدٌ الأفغانيُّ: احتاجَ القومُ إلى الاحتجاجِ لمَّا خافوا على سلامةِ اللُّغةِ العربيةِ بعدَ أن اختلطَ أهلُها بالأعاجمِ إثرَ الفتوحِ حيثُ تنبهَ أولو البصرِ إلى أنَّ الأمرَ آيلٌ إلى إفسادِ اللُّغةِ، وضياعِ العصبيةِ من جهةٍ، وإلى التَّفريط في صيانةِ الدِّينِ([23]).

إضافةً إلى الحركاتِ التي ظهرتْ إِبَّانَ ازدهارِ الدَّولةِ الإسلاميةِ التي تنتقصُ من العربِ حضارياً وعلمياً؛ لذا كانَتْ هذهِ البواعثُ وغيرُها تقفُ وراءَ نشأةِ النَّحوِ العربيِّ.

3.5.1مصادر الاحتجاج والاستشهاد:

يُجْمِعُ العلماءُ والنَّحويُّون على أنَّ مصادرَ الاحتجاجِ والاستشهادِ ثلاثةٌ هي: القرآنُ الكريمُ، والحديثُ الشَّريفُ - على خِلافٍ شديدٍ بينَهُم حولَ الاحتجاجِ بِهِ بينَ محتجٍ ورافضٍ-، وكلامُ العربِ، ومن النُّحاةِ الذين صرحوا بهذا السُّيوطي في مصنَّفِهِ الاقتراحِ في علمِ أصول النَّحوِ([24]).

4.5.1 قيود الاحتجاج:

لمْ يدع النَّحويُّون قضيةَ الاحتجاجِ مُطلقةَ العِنانِ ولا مفتوحةَ الزَّمانِ والمكانِ بل جعلوها مقيدةً، وتشدَّدوا في ذلك أيَّما تشدُّدٍ، فوضعوا قيوداً زمانيَّةً ومكانيَّةً، وأُخَرَ على المسموعِ والمنقولِ، وأُخَرَ على الرُّواةِ، وهي كما يلي:

أوَّلاً: القيودُ الزَّمانيةُ والمكانيةُ: أمَّا الزَّمانيةُ فقد حدُّوها بمائةٍ وخمسين قبلَ الإسلامِ، وبمثلِها بعدَه. أمَّا المكانيةُ فقد حصروها بستِ قبائلَ عربيَّةٍ: " قيس وتميم وأسد، ثُمَّ هذيل وبعضُ كنانةَ وبعضُ الطائيين "([25]).

ثانياً: المسموعُ أو المنقولُ: اشترطوا فيه الثبوتَ. أي: صحةَ السَّندِ، والفصاحةَ، يقولُ السُّيوطيُّ:" وأمَّا كلامُ العربِ فيُحْتَجُ منه بما ثَبُتَ عنِ الفصحاءِ الموثوقِ بعربيَّتِهِم"([26]).

ثالثاً: الرُّواةُ: وهم الذين يروون الأشعارَ والأخبارَ، ومن أشهرِهِم في تراثِنا القديمِ حمادٌ الرَّاويَّةُ، وخلفٌ الأحمرُ، وقد حدَّدَ العلماءُ شروطاً لقبولِ رِوايةِ الرُّواةِ؛ حيثُ اشترطوا "عدالةَ النَّاقلين كما تعتبرُ عدالتُهُم في الشَّرعيَّاتِ، وأنْ يكونَ النَّقلُ عمَّنْ قولُهُ حُجَّةٌ في أصلِ اللُّغةِ، وأنْ يكونَ النَّاقلُ قدْ سمعَ منهم حِسَّاً، وأمَّا بغيرِهِ فلا، وأنْ يُسْمَعَ من النَّاقلِ حِسَّاً "([27]).

Page 8

6.1 تعدد رواية الشواهد

1.6.1أسباب تعدد الرواية:

تعودُ أسبابُ التَّعدُّدِ في روايةِ الشَّاهدِ الواحدِ إِلى أسبابٍ عِدَّةٍ من أهمِّها:

أوَّلاً: الشَّاعرُ نفسُهُ: فمن الشُّعراءِ من كانَ يدعُ القصيدةَ تمكثُ حولاً كريتاً وهو ينقحُ ويمحصُ ويحذفُ ويزيدُ ويعرِضُ في الأسواقِ؛ حَتَّى تظهرَ القصيدةُ في أبهى حُلَّةٍ.

ثانياً: الرُّواةُ: جاءَ في الأغانيِّ: أنَّهُ " قد سُلِّطَ على الشِّعرِ من حمادٍ الرَّاويةِ ما أفسدَهُ"([28]) ، وجاءَ في مراتبِ النَّحويِّين حول َ خلفٍ الأحمرِ: أنَّهُ " كانَ به يُضْرَبُ المثلُ في عملِ الشِّعرِ"([29]).

ثالثاً: النُّحاةُ: كانَ لهم دورٌ واضحٌ وجليٌّ في تعدُّدِ الرِّوايةِ، فقد يُورِدُ النَّحويُّ شاهداً على مسألةٍ ما، ثُمَّ يُوردُهُ آخرُ بروايةٍ أخرى نصرةً لمذهبِهِ، وكتبُ النَّحوِ تعجُّ وتزخرُ بهذا.

رابعاً: اللُّغاتُ واللَّهجاتُ: فالخِلافُ شاسعٌ بينَ لهجةٍ وأخرى، ومن الأمثلةِ إعمالُ (ما) عملَ ليسَ: فالحجازيُّ يُعْمِلُ، والتَّميميُّ يُهْمِلُ.

خامساً: الإِعجام ُ والتَّصحيفُ: لأنَّ العربَ لمْ تعرفِ التَّنقيطَ في بادِئ الأمرِ.

2.6.1موقف العلماء والنحاة من تعدد الرواية:

تباينتْ مواقفُ النُّحاة بين محتجٍ بالتَّعدُدِ ورافضٍ، فأمَّا المحتجُّون وهم فوقَ الحصرِ، فلا يرون أَنَّ التَّعدُّدَ عيبٌ ولا قدحٌ في سلامةِ الشَّاهدِ، فيرى صاحبُ الخِزانة - البغداديُّ- أنَّ هذا التَّعدُّدَ "لا يوجبُ قدحاً ولا غضَّاً "([30]).

ومن العلماءِ الذين سبقوا البغداديَّ إلى هذا الرأي والموقفِ، ابنُ السَّيرافيِّ، والأَعلمُ الشَّنْتَمَرِيُّ، وابنُ ولاَّدةَ المصريُّ؛ الذين أكدوا عدمَ وجاهةِ الطَّعنِ في الاحتجاجِ بالبيتِ لِتعدُّدِ رِواياتِهِ([31]).

وكذلك عَدَّ اللُّغويُّون" الرِّواياتِ المتعدِّدةَ للشَّاهدِ الواحدِ رواياتٍ صحيحةً"([32])، وأضافَ أيضاً أحمدُ مختار عمر: " بل إنَّ اللُّغويِّين والنُّحاةَ قد صرَّحوا بأنَّ تعدُّدَ الرِّواياتِ في البيتِ الواحدِ لا يسقِطُ حجيَّتَها"([33]).

أمَّا الفريقُ الثَّاني: وهم العلماءُ والنُّّّحاةُ الذين يرون عدم حُجِّيَّةِ الأبياتِ والأشعارِ متعدِّدةِ الرِّوايةِ؛ لأنَّ تعدُّدَ الرِّوايةِ في نظرِهِم عيبٌ يُسْقِطُ الاحتجاجَ، فمن شروطِ الاحتجاجِ عندَهُم أن يكونَ البيتُ " غيرَ محتملٍ لوجوهٍ من الاحتمالاتِ، وإلاَّ بَطُلَ الاحتجاجُ به، فلا يكونُ فيه حُجَّةٌ"([34]).

مما تقدمَ نصلُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ عددَ العلماءِ والنُّّّّّّّّّّّحاةِ الذين يحتجون بالبيتِ متعدِّدِ الرِّوايةِ يفوقُ بكثيرٍ النَّزرَ اليسيرَ الذينَ يرَونَ خِلافَ ذلك، فبناءً على هذا نستطيعُ القولَ: إِنَّ تعدُّدَ الرِّوايةِ في البيتِ الواحدِ لا يعدُّ عيباً ولا نقصاً ولا مطعناً في الشَّاهدِ ما دامتْ هذهِ الرِّواياتُ المتعدِّدةُ قد خضعتْ لقيودِ الاحتجاجِ الآنفةِ الذِّكرِ.

Page 9

7.1 الشعر والاحتجاج

الشِّعرُ: كلامٌ موزونٌ فصيحٌ مقفىً، وهو صورةٌ صادقةٌ تنبضُ بالحياةِ لِمَا كانَ عليه الإنسانُ العربيُّ والجاهليُّ، الذي أصبحَ البيانُ والبلاغةُ والفصاحةُ طبعاً يجري به لسانُهُ مع كلِّ واقعةٍ ونازلةٍ، فلمْ يدعْ صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ طرقَها بألفاظٍ أعذبَ من الماءِ السلسبيلِ، وصورٍ أصفى من زُرْقةِ السَّماءِ، وتشبيهاتٍ أبدعَ من الخيالِ؛ لذا قال الحبيبُ المصطفى: " إنَّ من البيانِ لَسِحْرَا، وإنَّ من الشِّعرِ لَحِكَمَا"([35]).

لذا لا عجبَ أن عُدَّ الشِّعرُ ذُِروةَ سَنامِ الأدبِِ، بِهِ يَتَكَشَّفُ الغريبُ والنَّادرُ والفريدُ، وإليه نلجأُ حينما تَسْتَشْكِلُ الأمورُ، وتعتاصُ، قالَ ابنُ عباسٍ: "إذا سألتموني عن غريبِ القُرآنِ فالتمسوه في الشِّعرِ"([36]).

8.1 الاحتجاج بالشعر

إنَّ للشِّعرِ شأواً كبيراً، ودوراً عظيماً في الاحتجاجِ والاستشهادِ، وعليهِ التَّعويلُ والتَّأويلُ.

يقولُ ابنُ نباتةَ: "من فضلِ النَّظْمِ أنَّ الشَّواهدَ لا توجدُ إلاَّ فيهِ، والحُجَجُ لا تؤخذُ إلاَّ مِنْهُ "([37])، وليسَ ذاك إلاَّ لأَنَّ الشِّعرَ أفصحُ ما نطقَتْ بِهِ العربُ لِمَا يتصفُ به من متانةِ الرَّصفِ، و جودةِ التَّعبيرِ وجزالةِ الألفاظِ والتَّراكيبِ.

وقدْ عُدَّ الشِّعرُ "عمودَ أدلةِ النَّقلِ"([38])، فهوَ وما يزالُ "من أهمِّ المصادرِ التي اعتمدَ عليها العلماءُ العربُ في تقعيدِ قواعدِ اللُّغةِ العربيَّةِ "([39])، يقولُ محمد عيد: "إنَّ الشَّواهدَ تُنْزَعُ من الشِّعرِ، و لولاهُ لمْ يكُنْ على ما يلتبسُ من ألفاظِ القرآنِ، وأخبارِ الرَّسولِ ﷺ شاهدٌ "([40]).

Page 10

9.1 امرؤ القيس ومنزلته الشعرية

هو امرؤ القيسِ بنُ حُجْرٍ بن الحارثِ بن عمروٍ بن حُجْرٍ الكنديُّ، من أهلِ نجدٍ من الطَّبقةِ الأولى، ورجَّحَ شوقي ضيف أنَّهُ ولدَ في أوائلِ القرنِ السادسِ للميلادِ([41]).

قال لبيدُ بنُ ربيعةَ: أشعرُ النَّاسِ ذو القروحِ([42])، أي: امرؤ القيسِ. وقيل "لكُثيِّرٍ أو لنُصيبٍ مَنْ أشعرُ العربِ؟ فقالَ: امرؤ القيسِ إذا رَكِبَ، وزهيرٌ إذا رَغِبَ، والنَّابغةُ إذا رَهِبَ، والأعشى إذا شَرِبَ "([43]).

ومن فضائلِ امرئ القيسِ أنَّهُ سبقَ العربَ إلى أشياءَ ابتدعَهَا، واستحسنتها العربُ، واتبعَهُ فيها الشُّعراءُ، فهو أولُ من لطَّفَ المعاني، واستوقفَ على الطُّلولِ، ووصفَ النِّساءِ بالظِّباءِ والمها والبيضِ، وشبَّهَ الخيلَ بالعُقبانِ والعِصِي، وفرَّقَ بينَ النَّسيبِ وما سواه منَ القصيدِ، وقرَّبَ مآخذَ الكلامِ فقيَّدَ الأوابدَ، وأجادَ الاستعارةَ والتَّشبيهَ وهو أولُ مَنِ ابتكرَهُ ولمْ يأتِ أملحَ مِنْهُ([44]).

وقدْ بلغَ امرؤ القيسِ منزِلةً عُليا في الأدبِ العربيِّ قديماً وحديثاً، وغدا شعرُهُ مثالاً يُحتذى ونبراساً يضيءُ بسحرِ البيانِ، وشعلةً تقودُ الأُدباءَ والشُّعراءَ إلى أعلى مراتبِ البيانِ والفصاحةِ والبلاغةِ، فهو من أفصحِ شعراءِ العربِ قاطبةً؛ لأنَّهُ قبلَ كلِّ شيءٍ قد أحرزَ قَصَبَ السَّبْقِ، وأتى بما أعجزَ مَنْ بعدَهُ، وفاقَ مَنْ قبلَهُ من الشُّعراءِ.

10.1 الاحتجاج بشعر امرئ القيس في اللغة

يعدُّ الشِّعرُ الجاهليُّ ولا سيَّمَا شعرُ امرئ القيسِ أهمَّ مورِدٍ للاحتجاجِ في اللُّغةِ العربيَّةِ، فعليه بُنِيَتْ وقُعِّدَتْ معظمُ قواعدِ اللُّغةِ العربيةِ، فكما جاءَ أنَّ: "علومَ الأدبِ ستةٌ: اللُّغةُ والنَّحو والصَّرفُ والمعاني والبيانُ والبديعُ، والثَّلاثةُ الأولى لا يُسْتَشْهَدُ عليها إلاَّ بكلامِ العربِ "([45]).

وقد درجَ النُّحاةُ على تقسيمِ الشُّعراءِ إلى أربعِ طبقاتٍ هي: الجاهليون ثُمَّ المخضرمون ثُمَّ المتقدِمون ثُمَّ المولدون، وعنِ الطَّبقتين الأوليين "أجمعَ العلماءُ على صحَّةِ الاستشهادِ بشعرِ الطَّبقتين الأولى والثَّانيةِ "([46])، و لمْ يُجمعوا على الطَّبقتين الأخيرتين.

وبعدُ: فإنَّ مصنفاتِ النُّحاةِ تحفلُ بالشَّواهدِ الشِّعريةِ، ولا سيَّما شواهدُِ شعرِ امرئ القيسِ، فهي تضطلعُ بنصيبٍ وافرٍ في بناءِ قواعدِ لُغتِنا الفصيحةِ؛ لذا فهي تستأهلُ بالدِّراسةِ والتَّحليلِ، وهذا ما عقدتُ العزمَ عليهِ - إِنْ شاءَ اللهُ - في الفصولِ القادِمةِ.