eKtab
EN ع
الإخوان المسلمون ودورهم السياسي
Read free sample

الإخوان المسلمون ودورهم السياسي

by حمادة فراعنة

Page 1

مقدمة :يمكن أن تكون ضرورية

ليست حركة الإخوان المسلمين، مجرد حركة سياسية محلية ، يمكن نقدها أو التصدي لها، بمقال أو بموقف أو بكتاب، بل هي أكبر وأقوى حركة سياسية عابرة للحدود في العالم العربي، حظيت بالأغلبية البرلمانية في مصر ومرشحها غدا رئيساً للجمهورية، وتقود الأغلبية البرلمانية في المغرب، وشريك قوي في حكم تونس وليبيا، وشريك سياسي أقل في كل من السودان والجزائر والصومال والعراق، وتقود المعارضة من موقع قوة في الأردن وسوريا واليمن والكويت، ولذلك حركة بهذا الحجم تستحق المتابعة والتدقيق .

لقد حصلت حركة حماس، كجزء من حركة الإخوان المسلمين وامتداد لها في فلسطين، على الأغلبية البرلمانية في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وشكلت حكومة حزبية برئاسة إسماعيل هنية، ورأس عبد العزيز الدويك المجلس التشريعي، وهذا يعني أن الإخوان المسلمين، ممثلون بحركة حماس، قادوا السلطة التشريعية والتنفيذية لدى السلطة الوطنية، ولكنهم لم يكتفوا بذلك فقاموا بالانقلاب الدموي في حزيران 2007 وقادوا، ولا يزالون، قطاع غزة منفردين مثلهم مثل أنظمة حسني مبارك، وزين العابدين بن علي، وعلي عبد الله صالح، ومعمر القذافي، وهذا يعكس ثقافتهم الأحادية ورؤيتهم نحو الأخر، ومع ذلك لم يدقق المراقبون أهمية الانقلاب وتبعاته، ولم تظهر أهمية الأخوان المسلمين في إدارة الدولة إلا حينما فازوا بالأغلبية في أكبر وأهم بلد عربي هو مصر، حيث تشهد شوارع المدن المصرية الاحتجاجات الشعبية رافعة شعار : ليسقط حكم المرشد (المقصود هو د. محمد بديع المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين في مصر والعالم) .

حركة بهذا الحجم تستحق المتابعة، وكتابي هذا هو جهد في هذا الاتجاه لعله يسهم في توضيح الصورة وتظهيراً للمشهد كما هو، عبر يوميات سياسية، كتبتها تعليقاً على كل حدث في حينه ووقته، وهذا مصدر أهميتها ومصداقيتها.

ودعوني أقول بكل صراحة لقد تأخر إصدار هذا الكتاب لأن أمين عام حزب عربي مهم، لن أُفصح عن أسمه، تطوع لأن يكتب هذه المقدمة، وتراجع خوفاً من بطش الإخوان المسلمين وتغولهم .

حماده فراعنه

Page 2

تصريحات الـمرشد العامل حركة الإخوان الـمسلـمين

في أعقاب انتخابه مراقباً عاماً لحركة الإخوان الـمسلـمين الـمصرية، ومرشداً عاماً ثامناً للحركة العالـمية العابرة للحدود، أعلن محمد بديع، يوم السبت (16/1/2010)، عن فحوى توجهاته العامة، وقال كلاماً بديعاً يليق بحركة سياسية حزبية قوية مثل الحركة التي يترأسها وسيقودها خلال السنوات الـمقبلة.

قال الـمرشد العام الجديد محمد بديع: "إننا نؤمن بالتدرج في الإصلاح، وإن ذلك لا يتم إلا بأسلوب سلـمي ونضال دستوري قائم على الإقناع والحوار وعدم الإكراه، لذلك نرفض العنف وندينه بكل أشكاله سواء من جانب الحكومات أو الأفراد أو الـمجموعات أو الـمؤسسات".

كلام موزون يستحق التوقف والانتباه بل والاحترام بلا تردد، وهو بذلك يرد على حركة القاعدة وأساليبها الثورية الجهادية الضارة بسمعة الإسلام والـمسلـمين، والـمؤذية بحق الجميع، أصدقاء كانوا أم خصوماً، وهو ينأى بنفسه وحركته عن مثل هذه الأوصاف والأفعال، سواء أتت من حكومات أو أفراد أو مجموعات أو مؤسسات.

تصريحات محمد بديع مطمئنة؛ لأن فيها الخبرة الـمختزنة من التجارب الـمريرة لحركة الإخوان الـمسلـمين نفسها، في مصر وسورية، حينما استعملت العمل الـمسلح لإسقاط الـملكية ورموزها، ونفذت سلسلة اغتيالات ضد شخصيات سياسية وصحافية وقضاة قبل العام 1952، وسعت لإسقاط نظام عبد الناصر من خلال محاولة اغتياله الفاشلة بعد العام 1952، مثلـما سعت لتحرير سورية وإسقاط نظامها القومي بالقوة في سبعينيات القرن الـماضي، وأخفقت ودفعت ثمناً باهظاً بسبب انحيازها لخيار العمل الـمسلح ضد نظام الرئيس حافظ الأسد، وكانت الحصيلة إخفاقها في الاستيلاء على السلطة في البلدين مصر وسورية.

كما استفادت حركة الإخوان الـمسلـمين من تجارب حركات أصولية شقيقة، حليفة أو منافسة، استعملت العمل الـمسلح وأخفقت في تحقيق أهدافها، سواء في الاستيلاء على السلطة أو في الحفاظ عليها، كما حصل في الجزائر والسودان والعراق واليمن والصومال وأفغانستان.

وحدها حركة حماس نجحت في الاستيلاء على السلطة منفردة دون سواها في قطاع غزة، بعد أن حسمت خلافاتها مع السلطة الوطنية الشرعية عبر "الحسم العسكري" كما أطلقت عليه حماس، أو عبر "الانقلاب" كما وصفته أغلبية القوى السياسية الفلسطينية؛ مما فاقم من مشاكل أهل القطاع وجعلهم فريسة للحصار والتجويع الظالـم، الذي فرضته إسرائيل بقبول وموافقة الـمجتمع الدولي، على أثر مواقف وسياسات حركة حماس الـمتطرفة، ووسائلها القمعية الرادعة ضد الآخر الفلسطيني، سواء كان من حركة فتح أو من حلفاء لها من الفصائل الأصولية، الذين كانوا شركاء لحركة حماس في الانقلاب أو حلفاء لها ضد الشرعية الفلسطينية؛ مما أدى إلى عدم تعاطف الـمجتمع الدولي مع خيارات حركة حماس وسلوكها الحزبي الـمنفرد والـمتسلط، تماماً كما حصل مع كل الحركات العنيفة في العديد من البلدان الآسيوية والإفريقية وأميركا اللاتينية، تلك التي اتسمت أنظمتها بالدكتاتورية والتسلط الحزبي من طرف واحد.

Page 3

كلام وتصريحات الـمرشد العام الجديد لحركة الإخوان الـمسلـمين العالـمية العابرة للحدود، بديعة، ولكنها تحتاج للـمصداقية، ولا أقول إنها تفتقد للـمصداقية، لأنها لـم تختبر بعد على أرض الواقع ولـم تمتحن في رحم الحياة الـمتدفقة الـمتجددة، فالحكم يجب أن يتم على الأفعال لا على الأقوال، والأقوال لا شك في أنها حسنة ومبشرة وتستحق التقدير، شرط أن نرى الأفعال ونشاهد كيفية التعامل معها ومعالجة آثارها.

تصريحات محمد بديع محرجة لخصوم حركة الإخوان الـمسلـمين، سواء أكانوا حكومات أم مؤسسات أم مجموعات، وقد تجد الاستهجان والرفض من قبل فرق وأفراد ثوريين جهاديين لا يؤمنون بالعمل السلـمي وبالأساليب الـمدنية، ممن خلصوا إلى حصيلة أن العمل الجهادي الـمسلح وحده القادر على التغيير وتحقيق النتائج والوصول بهم إلى الجنة.

بينما تصريحات محمد بديع تعتبر بمثابة مكاسب أولية له ولحركته السياسية وموقعه القيادي، ليس فقط على الـمستوى الـمصري بل وعلى الـمستويات القومية والإسلامية والعالـمية، ولكنها تحتاج للإسناد العملي وللـمصداقية السياسية الـملموسة. وأبرز وضوح وأقوى تأثير وأصلب مصداقية للـمرشد العام لحركة الإخوان الـمسلـمين، يكمن في كيفية تعامله مع حركة حماس باعتباره مرجعيتها السياسية والحزبية والفكرية، فحركة حماس مارست العنف الـمسلح ولا تزال، ليس فقط مع خصومها السياسيين، وأبرزهم حركة فتح، بل واستعملت القتل والتصفية والاجتثاث مع حلفاء أصوليين لها شاركوها في الانقلاب العسكري على الشرعية الفلسطينية، مما يدلل على رفضها الشركاء والعمل على تصفيتهم، فهي لا تستعمل الحوار ولا تعتمد على صناديق الاقتراع إلا مرة واحدة حتى تصل إلى السلطة، ولا تؤمن بتداول السلطة، كما فعلت حركة فتح التي أجرت الانتخابات وسلـمت بنتائجها وقبلت إفرازاتها.

الـمرشد العام لحركة الإخوان الـمسلـمين مطالب من موقعه السياسي والفكري والحزبي، أن يقدم النصيحة لحركة حماس وفق رؤيته الـمعلنة التي بادر وقالها بعد انتخابه مباشرة، بعد أن طغت حركة حماس وتجبرت على الناس وافترت على القوى السياسية، فقتلت وأعدمت وقطعت أرجل عشرات الشباب، ولـم تترك أداة عنف إلا واستعملتها، من أجل الوصول إلى السلطة الـمنفردة وفي سبيل الحفاظ عليها.

فاليوم في قطاع غزة بعد ثلاث سنوات من الانقلاب هناك حزب واحد يتحكم بالقرار بينما نجد ائتلافاً وطنياً في الضفة الفلسطينية يقود القرار، ائتلافاً مكوناً من حركة فتح ومن الـمستقلين ورمزهم سلام فياض، مع الجبهة الديمقراطية وحركة فدا وجبهة النضال، وبمشاركة ما من حزب الشعب، مما يدلل على وجود عقلية جبهوية ومنهجية ائتلافية واسعة تعكس الحضور الوطني السياسي العريض لقوى الشعب الحيوية في رام الله لـمقاومة الاحتلال ومواجهة الانقلاب، بينما التسلط والتفرد الحزبي الـمنفرد في غزة.

ترحيبنا الـمبدئي بتصريحات الـمرشد العام الجديد لحركة الإخوان الـمسلـمين لسببين: أولهما لأنها تصريحات عصرية ديمقراطية، وثانيهما لأن من يقولها هو قائد لأكبر وأقوى حركة سياسية عربية أصولية عابرة للحدود، وتأثيرها وقوتها يصلان إلى أغلب البلدان العربية ويسهمان في صياغة الفعل السياسي على الأرض في العديد من هذه البلدان وفي طليعتها فلسطين والأردن بعد مصر.

29/3/2010

Page 4

توظيف الدين بما يتعارض مع رسالته السماوية

لا يقتصر استعمال الدين خدمة لأغراض سياسية حزبية على فصيل أصولي دون آخر، بل هو سمة غالبة، يتم توظيفه من كافة الفصائل والقوى السياسية الأصولية، بدءاً من حركة الإخوان الـمسلـمين، أقدم الحركات السياسية الأصولية وأقواها، مروراً بحزب التحرير الإسلامي، إلى ولاية الفقيه الإيراني، إلى تنظيم القاعدة ألأكثرهم جهادية وثورية، وهي أبرز القوى الأصولية العابرة للحدود في العالـمين العربي والإسلامي.

استغلال الدين يتم في ظاهره لـما يحويه من قيم ورسوخ تقاليد ومفاهيم ساكنة في أعماق الناس منذ عشرات، بل ومئات السنين، غدت بمثابة مؤشرات ضميرية إيمانية سائدة، وفي باطنه يهدف إلى تحقيق غرضين: أولهما الاستيلاء على السلطة وهو لا يختلف في ذلك عن وسائل وأساليب التيارات اليسارية والقومية وإن ثبت أنه أشد صلابة وقسوة ورغبة في الوصول إلى السلطة، وثانيهما قمع الآخر ورفضه ونزع الشرعية عنه تمهيداً لتصفيته وإنهاء دوره.

هذا ما يجري في طهران، كما في غزة أيضاً، وامتداداً لهما ما يجري في العراق والصومال ومن قبلهم في أفغانستان والجزائر، وكافة البلدان التي اكتوت بنيران الأصولية ولهيبها وقسوة مجاهديها الأشاوس. حيث لا تعددية ولا حرية ولا حتى اجتهاد في التعبير والقول أو الحركة بل تصفيات جسدية لكل مخالف ومعارض، وتفجيرات انتحارية ذات طابع استشهادي تدميري تشمل الـمدنيين قبل العسكريين بلا رأفة وبلا وازع تجاه إنسانية الإنسان وحقه في الحياة، التي وهبها الخالق الواحد الأحد ولا فضل للبشر فيها.

فالتعددية سمة أصيلة في الحياة والتكوين البشري، والتعددية الدينية انعكاس لهذه الحياة، ودلالة ذلك أن الأنبياء والرسل نزلت عليهم الكتب والوصايا لقوميات دينية مختلفة، والدين الواحد ورثناه منقسماً بين طوائف واجتهادات من أتباع الديانات السماوية الثلاثة، ناهيك عن وجود كتل بشرية هائلة العدد من أصحاب الأفكار غير السماوية في جنوب شرقي آسيا وإفريقيا وغيرها.

وبينما الدين تعددي، فالفصائل الأصولية لا تؤمن بالتعددية، ولا تقرها، ولا تستجيب لشروطها، بل تجد نفسها وحدها صاحبة الولاية والحق ودونها الشر والكفر والعدو الذي لا مناص من تصفيته وقتله.

Page 5

ما يجري في إيران، نموذج صارخ لكيفية التعامل مع الآخر، فقد وصف رجل الدين عباس فايز تباسي ممثل الـمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي ينحني أمامه خالد مشعل ويقبل يديه تعظيماً لأسباب ودوافع مالية وحزبية وسياسية، وصف عباس تباسي الـمعارضة لنظام حكمه بقوله "إن الـمسؤولين عن الفتنة الحالية في البلاد، أعداء الله ورسوله يجب معاقبتهم بحد الحرابة" وحد الحرابة هو القتل، أي ينبغي إعدامهم وفق ولاية الفقيه الإيراني ولـمن؟ لـموسوي وكروبي وهما رئيس الوزراء الأسبق ورئيس البرلـمان السابق، ولـم يرتكبا سوى الاجتهاد والـمعارضة للرئيس محمود أحمدي نجاد ولتعليمات الـمرشد الداعمة للحكومة.

والرئيس الإيراني نجاد وصف الـتظاهرات التي نظمها أنصار الـمعارضة يوم الأحد الـماضي والتي تطعن بشرعية انتخابه على أنها تستجيب لسيناريو أمر بوضعه "الصهاينة والأميركيون" كما نقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية إبرنا.

ودعا رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني إلى إنزال العقوبة القصوى بـ "أعداء الثورة" وقال إن مجلس الشورى يريد أن تضع أجهزة الـمخابرات والسلطات القضائية حداً لأولئك الذين يستهينون بالدين وإنزال العقوبات القصوى بحقهم.

هذه هي فلسفة الحكم الأصولي لولاية الفقيه الإيرانية وتطبيقاتها، فالآخر لا اعتبار له ولا مجال للاجتهاد أو الاحتجاج السلـمي الـمدني، فهو عميل أميركي صهيوني، أما هم فهم محصنون من الخطأ والخطيئة، وهم مكلفون بتنفيذ أحكام الشريعة، وهي فلسفة وإجراءات لا تقتصر تطبيقاتها على ولاية الفقيه، بل تمتد لتشمل كافة التنظيمات والقوى السياسية الأصولية العابرة للحدود.

تنظيم القاعدة لا يحتاج لاستحضار تصريحات قادته للدلالة على حجم رفضها وعدائها للآخر والعمل على تصفيته واجتثاثه، فسلوكها العملي بالتفجيرات في كل مكان، وفي أغلبية العواصم، ليس فقط في أميركا كما حصل في 11 أيلول 2001، وفي أنحاء أوروبا، بل شملت عملياتها التدميرية التفجيرية أغلبية العواصم العربية والإسلامية، ولـم تقتصر على العسكريين أو أجهزة الأمن بل استهدفت الـمدنيين ومؤسساتهم من فنادق وحافلات وأسواق وكنائس وكنس ومساجد الشيعة، لتأكيد حقها في الجهاد وممارسة العمليات الاستشهادية ضد الآخر دون أي رادع إنساني.

Page 6

وما بين ولاية الفقيه وتنظيم القاعدة، يقف تنظيم حركة الإخوان الـمسلـمين، الأقل ممارسة للعنف، بعد فشل تجربتين للعمل الـمسلح قام بهما الأولى ضد نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعد أن تحالفوا معه وعملوا على إنجاح الانقلاب ضد الـملكية وشاركوا في ثورة يوليو 1952، والثانية ضد نظام حزب البعث في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 1976، وتطور موقفهم من العنف نحو العمل الأكثر جدوى ورصانة من خلال الـمشاركة في الحياة السياسية العلنية، وفي الانتخابات البلدية والنقابية ومؤسسات الـمجتمع الـمدني وصولاً نحو الـمشاركة في البرلـمان، كما حصل في العديد من البلدان العربية كالأردن ومصر والسودان والجزائر والكويت والـمغرب واليمن والعراق وفلسطين، مع حرصهم على عدم التصادم مع طرفي الـمعادلة الأصولية، القاعدة وولاية الفقيه، بل يتم التحالف بينهم في مواقع ويتصادمون في مواقع أخرى، حسب الظروف الحسية والـمصالح الحزبية لكل فصيل منهم.

حركة الإخوان الـمسلين في الأردن مثلاً شجبت عمليات القاعدة ضد الفنادق الأردنية في عمان، وشاركت في تقديم واجبات العزاء السياسي لـمقتل أبو مصعب الزرقاوي أمير ولاية القاعدة في العراق والأردن، وهي ازدواجية تجيد حركة الإخوان الـمسلـمين ممارستها منذ تحالفها مع الولايات الـمتحدة الأميركية طوال الحرب الباردة في مواجهة السوفييت، وضد التيارين اليساري والقومي وضد منظمة التحرير الفلسطينية وهويتها الوطنية وحق تمثيلها لشعبها الفلسطيني، وتوظيف الدين وحمل السلاح تحت الراية الأميركية وخدمة مصالحها الكونية.

في قطاع غزة، توصلت حركة حماس إلى هدنة غير متكافئة مع الإسرائيليين عبر الوسيط الـمصري، وتلتزم بهذه الهدنة من طرف واحد وتجبر القوى السياسية الأخرى على الالتزام بها، وتردعها إذا فكرت أو نفذت أي عمل عسكري ضد العدو الإسرائيلي باعتبار ذلك يتعارض مع خيارها الأمني الحزبي في فرض التهدئة، وفي الوقت نفسه الذي تكثر فيه الحديث عن الـمقاومة والـممانعة، وكأن هناك من يمنعها أو يحول دون ممارستها للـمقاومة، خاصة وهي صاحبة القرار ومصدر السلطة منفردة على طول حدود قطاع غزة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.

حركة حماس التي تتبع حركة الإخوان الـمسلـمين، مثلها مثل ولاية الفقيه، لا تؤمن بالديمقراطية ولا تحترم الآخر، وأبرز أمثلة على ذلك أولاً سلسلة الاغتيالات التي قامت ضد كبار ضباط الـمخابرات والأمن الوقائي والأمن الوطني تمهيداً للانقلاب، وثانياً القيام بعملية الانقلاب الدموي العام 2007، وثالثاً تصفية الـمجموعات الـمسلحة التي كانت حليفة لها قبل وخلال وبعد الانقلاب، والقائمة تطول، والحبل على الجرار.

1/4/2010

Page 7

حماس والإخوان المسلمون بعد ثلاث سنوات من الانقلاب

ماذا حققت حركة حماس لنفسها ولحركة الإخوان المسلمين من إنجازات بفعل قرار وعملية "الحسم العسكري" الذي نفذته ضد الشرعية الفلسطينية، وضد التعددية، وفي مواجهة قيم تداول السلطة ونسف الاحتكام إلى صناديق الاقتراع ؟؟ بل وماذا حققت للشعب العربي الفلسطيني من مكاسب بفعل الانقلاب والانقسام وغياب الوحدة منذ ثلاث سنوات ؟؟

لقد حققت حركة حماس ولحركة الإخوان المسلمين حضوراً سياسياً وجماهيرياً بفعل عاملين أولهما تضحياتها ودورها الجهادي في مسار الانتفاضة المسلحة بعد العام 2000، ضد قوات الاحتلال، وثانيهما بفعل مشاركتها في الانتخابات البلدية عام 2005، والبرلمانية عام 2006، وقد أعطتها هذه المشاركة الأغلبية البرلمانية مما مكنها من تشكيل حكومتين، الأولى حزبية خالصة أحادية اللون والانتماء والتوجه، والثانية ائتلافية لم تقتصر عضويتها على أعضاء حماس بل شملت وزراء من القوى السياسية الأخرى من فتح واليساريين ومستقلين، وتم ذلك قبل إقالة الرئيس محمود عباس لحكومة إسماعيل هنية الائتلافية بسبب الانقلاب الذي أطلقت عليه حماس "الحسم العسكري" وسيطرتها الحزبية المنفردة على قطاع غزة .

حجة حماس في حسمها العسكري، وسيطرتها على المؤسسات الأمنية والمدنية، أن انقلاباً معداً يقوده الشيطان محمد دحلان، من موقع إقامته في أحد المستشفيات الألمانية، حيث كان ممنوعاً من الحركة ونزيلاً لفراش المرض ويتلقى العلاج لمدة ثلاث أشهر من الدسك وانزلاق في العمود الفقري قبل وخلال وبعد الانقلاب، ومع ذلك فقد روجت حماس أن انقلابها جاء استباقاً لانقلاب حركة فتح وهو سيناريو فيلم رديء لا يستقيم مع معطيات الواقع لسببين :

الأول: إن مشاركة حماس في الانتخابات تمت بناء على رغبة حركة فتح، وأن الرئيس محمود عباس اشترط على الرئيس الأميركي بوش في أب 2005 لإجراء الانتخابات تحقيق غرضين أولهما مشاركة أهل القدس في الانتخابات في 25/1/2006 أسوة بما جرى في الانتخابات الأولى في 20/1/1996، وثانيهما مشاركة كافة القوى السياسية الفلسطينية في الانتخابات بما فيها حركة حماس كي تكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، وهكذا كان، ورضخت إسرائيل للقرار الأميركي وللرغبة الفلسطينية، وشارك أهل القدس في الانتخابات كما شاركت حماس وحصلت على الأغلبية وكلفها الرئيس بتشكيل الحكومة في شهر شباط 2006 بعد الانتخابات .

Page 8

والثاني: إن هذه الانتخابات تمت تحت إمرة الرئيس الفلسطيني، وهو رئيس حركة فتح، وأن الأجهزة والمؤسسات التي أشرفت على الانتخابات كانت قياداتها من حركة فتح، وكان يمكن لها تزوير الانتخابات أو أن تجد حجة لإلغائها، أو تضع شروطاً سياسية على برنامج حكومة إسماعيل هنية لتحول دون تمرير شرعيتها في المجلس التشريعي، وهذا كله لم يحصل، كما إن انقلاب فتح الموهوم، وفق سيناريو حماس، لم يحصل وبقي حبراً على ورق أو تصوراً ذهنياً في عقلية حماس، وأن الإجراء الوحيد الذي تم والحقيقة الوحيدة الماثلة لكل المراقبين هي انقلاب حماس الذي ما زال قائماً بإدارة سياسية من قبل قادة حماس مدعومة بقرار حركة الإخوان المسلمين العالمية العابرة للحدود، وإن سيطرة القوة التنفيذية وحدها هي المتمكنة من قطاع غزة .

واليوم، بعد ثلاث سنوات، ماذا جنت حماس وحركة الإخوان المسلمين؟

حماس كانت شريكاً في النظام السياسي الفلسطيني، من موقع القوة بفعل النضال واعتماداً على نتائج صناديق الاقتراع، وهي اليوم تتخلى عن النضال وتقمع كل محاولة للمساس بالاحتلال لحماية نظامها وهيمنتها وتفرض التهدئة من طرف الواحد، دون اتفاق سياسي مع إسرائيل، وهو وضع يوفر حالة نموذجية مقبولة لإسرائيل دفعتها بعد اجتياحها الدموي لقطاع غزة أن تسعى لتحول دون إسقاط حكم حماس بل والحفاظ عليه لأنه يوفر لإسرائيل عاملين مهمين أولهما الأمن حيث تقوم حماس بردع كل من يحاول المساس بإسرائيل من قطاع غزة، وثانيهما حجة فرض الحصار الظالم على قطاع غزة بسبب وجود نظام متطرف موصوف بالإرهاب .

حماس كانت شريكاً في النظام السياسي الفلسطيني، وهي الآن خارج النظام بعد أن حاولت أن تكون بديلاً عنه وانقلبت على مؤسساته فأوقعت نفسها بمزيد من الشرك والعزلة والحصار السياسي، وأوقعت شعبها في الجوع والحصار وحملته أكثر مما يستطيع أن يحتمل، وسيظهر ذلك جلياً في أول انتخابات مقبلة إذا اضطرت حماس لإجرائها تحت إرادة الفلسطينيين الضاغطة وإرادة المجتمع الدولي كذلك، حيث ستتراجع حماس عن مكانتها وعن الأغلبية التي حصلت عليها وهو تقدير تعرفه حماس ولهذا ترفض الانصياع لإرادة الفلسطينيين في العودة إلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فالانتخابات لدى الأصوليين غير الديمقراطيين لمرة واحدة لا تتكرر، وهو ما نفذته حماس وتعمل على أساسه .

حركة الإخوان المسلمين التي كانت صاعدة ويتسع نفوذها الجماهيري وخاصة في بلدان الطوق العربي المحيطة بفلسطين أيقظ الانقلاب الحمساوي الحس الأمني لدى أصحاب القرار في القاهرة وعمان وجعلهم أكثر تحفظا، وتراجعوا عن تقديم المزيد من الخطوات على طريق التحول الديمقراطي التدريجي، وباتت أولوياتهم العمل على كبح جماح حركة الإخوان المسلمين الذين زاد اندفاعها بعد أن حققت حماس نجاحين الأول في الانتخابات الفلسطينية، والثاني بسيطرتها المنفردة من خلال الانقلاب على قطاع غزة، وبات الصراع مكشوفاً في الأردن ومصر، حيث تعمل حركة الإخوان المسلمين على شرعنة الانقلاب مستغلة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، كما حصل في قافلة الحرية التركية، وبدلاً من أن تبذل حركة الإخوان المسلمين جهداً في دفع حماس نحو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وعقلنة خطاب حماس السياسي، تدعم تطرفها وهيمنتها وتسلطها في قطاع غزة مما يعيق فرص المصالحة، وتجعلها أسيرة للتطرف، بما لا يفيد الشعب الفلسطيني، لأن التطرف هو رديف للاستسلام والخنوع وكلاهما ( التطرف والاستسلام ) يخدم المشروع التوسعي الاستعماري الإسرائيلي .

22/9/2010

Page 9

تمنيات حركة الإخوان المسلمين

ما الذي دفع البعض لاستغراب تمنيات محمد بديع المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين التي عبر فيها ومن خلالها عن مواقفه وتقييمه أن "السلطة الفلسطينية توشك أن تلتقط أنفاسها الأخيرة على طاولة المفاوضات المباشرة".

الموقف التقليدي لحركة الإخوان المسلمين هو العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية، منذ أن تشكلت عام 1964، لأنهم اعتبروها إحدى أدوات عبد الناصر، فهو الذي دعا إلى تشكيلها لإبراز الهوية الفلسطينية وكي يتحمل الفلسطينيون مباشرة مسؤولية قضيتهم، ووفر القرار العربي لولادتها وعمل على دعمها، ولذلك ناصبها الإخوان المسلمون العداء المسبق انعكاساً لعدائهم لعبد الناصر.

وبعد عام 1967، وبعد النكسة وردود الفعل الشعبية والحزبية، لظهور وتنامي ظاهرة الكفاح المسلح والفصائل الفلسطينية وخاصة من قبل التيارين اليساري (الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والشيوعيون) والقومي (حزبا البعث والناصريون) وانخراطهم في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية وانحيازهم لظاهرة الكفاح الشعبي المسلح ودخولهم مؤسسات منظمة التحرير، ازداد عداء حركة الإخوان المسلمين لمنظمة التحرير الفلسطينية، خاصة وأن الإخوان المسلمين لم ينخرطوا في الكفاح المسلح ولم يؤيدوه واتخذوا موقفاً سلبياً منه، بل وكانوا متطرفين جداً حين اعتبروا أن شهداءه يموتون "فطايس" ولا صلة لهم بالشهادة المرغوبة، إسلامياً ودينياً.

ولما تشكلت حركة حماس في وقت متأخر عام 1988، كفرع لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، واتخذت موقفاً سلبياً ورافضاً وعدائياً لمنظمة التحرير، انعكاساً لسياسات ومواقف الإخوان المسلمين التقليدية، وطرحت نفسها بديلاً للمنظمة، اتخذ الإخوان المسلمون موقفاً مماثلاً واعتبروا "حماس" هي ممثلة الجهاد الفلسطيني، وهي عنوان النضال ولا عنوان آخر قبله ولن يكون بعده، وعندما شاركت حركة حماس في الانتخابات التشريعية ونالت الأغلبية البرلمانية وقامت بانقلابها العسكري على السلطة والشرعية، تعمق موقف الإخوان المسلمين من الانحياز لحركة حماس وغدت هي عنوان فلسطين، وعملوا بكل الوسائل كي يطمسوا دور المنظمة والسلطة وإظهار "حماس" على أنها الشرعية معتمدين في ذلك على ثلاثة عوامل :

أولها: نتائج الانقلاب وتفرد حركة حماس بالسيطرة والهيمنة على قطاع غزة.

وثانيهما : الاتكاء على فصائل حركة الإخوان المسلمين، وقوتها كأكبر وأهم حركة سياسية عربية عابرة للحدود للعمل على المس بمكانة المنظمة وسلطتها الوطنية وإبراز شرعية "حماس" ودورها الجهادي .

Page 10

وثالثها : الاعتماد على الأطراف العربية التي لا ترغب في تحمل مسؤولية دعم وإسناد الشعب العربي الفلسطيني، والتهرب من التزاماتها القومية تحت حجة الانقسام وعبثية المفاوضات وغيرها من العناوين، فوفرت "حماس" لهم الغطاء للتهرب من التزاماتهم مثلما وفروا لـ "حماس" الندية في التعامل مع منظمة التحرير وكأن هناك طرفين متخاصمين، المنظمة و"حماس"، وليس هناك شرعية وانقلاب على هذه الشرعية.

حصيلة هذه السياسات، وهذه الوقائع هي خلاصة سياسة حركة الإخوان المسلمين البراغماتية الانقلابية، ودعمها لـ "حماس" وانقلابها، مثلما سبق لحركة الإخوان المسلمين أن مارست الاغتيالات في العهد الملكي المصري، وتحالفت مع عبد الناصر عبر حركة الضباط الأحرار لتنفيذ الانقلاب "ثورة يوليو" عام 1952، وانقلبت عليه وحاولت اغتياله بعد أن اتهمته بخيانتها وخطف الانقلاب وتجييره لمصلحة التيار القومي وتحالفه مع التيار اليساري.

وكما فعلت ذلك مع الرئيس الراحل حافظ الأسد، حين تحالفت معه وأيدت الحركة التصحيحية عام 1970، وأعلنت الكفاح المسلح لتطهير سورية من البعثيين بعد ذلك، مثلما تعاونت مع الأميركيين لإسقاط نظام حزب البعث في العراق والرئيس الراحل صدام حسين، وهي اليوم جزء من النظام العراقي الذي استلم الحكم من الاحتلال الأميركي.

في الحصيلة فإن حركة الإخوان المسلمين، حركة سياسية قوية، لها باع طويل في العمل السياسي والانقلابي والبرلماني، بهدف الوصول إلى السلطة كما حصل معهم في غزة حيث يقودونها منذ قرار الحسم حتى يومنا هذا منفردين رافضين مبدأ الشراكة مع القوى السياسية الأخرى حتى تلك التي تشاركهم المعارضة للسلطة الوطنية الفلسطينية، فالتصفية هي أداة وعنوان التعامل الحمساوي مع الشركاء، حيث القتل والاستئصال، ولا شراكة في النظام خصوصاً من الاتجاهات التي تدين بالأصولية وتنتمي لها، وتشاركهم بها.

محمد بديع وكافة فروع حركة الإخوان المسلمين في أعماقهم أمنية ولديهم "غيظ" كامن لصمود "فتح" ومنظمة التحرير والائتلاف السياسي العريض الذي يقود المنظمة وسلطتها الوطنية، فالعداء لمحمد دحلان لم يعد مجدياً، والعداء للرئيس محمود عباس فشل، واستثمار الانقلاب لفرض سياسات حمساوية على مصر تبدد وعاد عليهم بالسوء والعزلة، والسياسة الأردنية صلبة في رفضها استقبال أي من رموز الانقلاب، وحتى خالد مشعل حينما زار الأردن لأسباب إنسانية لوفاة والده، وحولوا العزاء إلى أداة وعنوان سياسي طلبت منه الحكومة الأردنية المغادرة قبل أن تستكمل واجبات العزاء وتنتهي أيامه الثلاثة التقليدية.

غيظ محمد بديع له ما يبرره، فرهانهم خاسر والسياسة الحكيمة التي يقودها الرئيس محمود عباس وتنفذها حكومته، حكومة سلام فياض الائتلافية الوطنية، صمدت في وجه الضغوط والإغراءات، متمسكة بحقوق شعبها الثابتة غير القابلة للتبديد أو النكوص، بنفس المعيار الذي فشل فيه الانقلاب الحمساوي من تحقيق أغراضه رغم الضخ المالي من إيران وقطر وفصائل حركة الإخوان المسلمين، وغطائهم السياسي له، فماذا يفعل محمد بديع غير تنبؤات الفشل وأمنيات التلاشي لمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية؟

7/10/2010