eKtab
EN ع
الآخرون مازالوا يمرون
Read free sample

الآخرون مازالوا يمرون

by د. زكية نجم

Page 1

الجوع والظلال

- جائع..

نطقتها عيناه ووميض الدمع يرتجف كخيط ضوء واهن على جبهة الظلام المريع.. جسده الأسمر الضئيل يتكوّر تحت بقايا لحافٍ قاسٍ.. يده تقبض على بطنه الخاوي الملتصق بالأرض.. يتأمل جسد أمه الكبير وصدرها يعلو ويهبط في بطء.. يتذكر حديثها الليلي المعتاد:
- الجوع كافر يا ولدي والنوم سلطان.. عندما تجوع حاول أن تنام.. نم يا ولدي عندما تجوع.. نم..
ينقلب على جنبه الآخر.. يغمضُ عينيه:
- شرير أنت أيها الجوع الكافر.. وأنت أيها النوم السلطان.. لماذا لا تبدو قوياً الآن وتحملني معك!
تنكمش أطرافه الباردة..
- يخذلني ذلك السلطان يا أماه لا يريد أن يحملني مثلكِ حيث لا يؤلمني هذا الكافر.
ذراعاه تفترشان الأرض في إنهاك.. دمعة ساخنة تنحدر على خدّه.. طنينٌ حاد يخترق مسافة السكون إلى أذنيه.. بصره يشرئبُّ نحو الأعلى.. خيوطٌ من الضوء تمتدّ عبر كوةٍ في السقف.. تسبح في فضاء الكوخ الحقير.. حشراتٌ صغيرةٌ تتكوّم حول بؤرة الضوء.. أجنحتها تنهمكُ في نوبةٍ من الطنين.. ذهولٌ عميق يطفو فوق قسماته الشاحبة..
- حشراتٌ خضراء.. لا يختلف لونها كثيراً عن ذلك العشب اللذيذ الذي أجده مُفترشاً بأذرِعته القصيرة المدببة تربة الحقول في طرف القرية.. ليتها تقترب أكثر.. ربما يكون طعمها شبيهاً به!
يستلقي من جديد على بطنه.. يلتصق بالأرض.. أمعاؤه لا تكف عن الضجيج.
- لابدّ من إمساكها حالما تقترب كي تصبح بعدها سريعاً في قبضتي!
يتنبّه إلى يده الناحلة الممتدة وحدها في فضاء الظلام.. أصابعه تتقوّس.. كأنها تقبض على تلك الحشرات المتراقصة في الهواء أمام ناظريه.. كأن المسافة بينهما لا شيء.. ترتخي ذراعه في وهن.. تعود تلتصق بالأرض..عيناه المغمضتان بلا جدوى تعاودان التحديق.. الضوء المنعكس على الجدار يستطيل.. يصبح طويلاً جداً.. يذكِّره بقامةٍ مديدةٍ لطالما أحب التعلق بها يوم أن كانت قدماه تتهجّيان أبجديات المشي.
- أبي ليتك ترجع.. قلت لي إنك حينما تعود ستحضر لي حذاءً جميلاً ألعب به مع الرفاق.. إنني لن أكون حافياً دون حذاء وإننا جميعاً سوف نصبح سعداء.
ينْقبض صدره.. تتسارع زفراته..
- ماذا سأفعل بالحذاء الجميل وهو ليس طعاماً يطرد جوعي.. أنا أُريد أبي لا الحذاء.. أريده أن يعود لأنه حينما يكون هنا لا يعرف بيتنا وجه الجوع.
تتابع نظراته الأجنحة الخضراء وهي تتراقص.. الشرود يمتطي سحنته السمراء..
- وجوه رفاقي تغيّرت.. أصبحت ملامحها كالجدران.. تصدمني حالما أحاول الدخول معهم دائرة اللعب.. ألأنهم كبار وأنا صغير؟ لكنهم لم يقولوا لي يوماً.. أنت صغير يا حمد.. هل لأني بلا حذاء؟ ولكننا كنا نلعب أحياناً دون أحذية.. لأن لهم آباء أما أنا فليس لي أب يجلب الحذاء.
بؤس عميق ينسكب فوق ملامحه..
- الرجال وحدهم هم الذين يستطيعون.. لا بد أن أكون مثلهم.. أسير في الشوارع وتشير إليّ الأيدي.. هو ذا حمد أصبح رجلاً.. لديه مالٌ في جيبه وحذاءٌ في قدمه ويعود إلى أمّه يحملُ خبزاً.. رجلٌ تشهد له الطرقات وعيون الرفاق الذاهلة.. لا تهطل عيناه دموعاً ولا يُبكيه الجوع بعد اليوم.
ينهض قاعداً.. يحبو نحو البقعة المضيئة.. يحاول الوقوف.. تخذله قواه.. يداه تتسلقان قوائم طاولة عتيقة.. يقف.. يخيل إليه أن شيئاً ما يدبٌّ في أجزائه.. ينخر عظامه.. تتأرجح نظراته في محيط الكوخ.. شبح أمِّه النائم في الزاوية البعيدة لا تكاد ملامحه تتضح.. يظل بصره مشدوداً في انبهار إلى ظله الممتدّ على الجدار..
- هذا أنت يا حمد.. أصبحت طويلاً حتى السقف! أصبحتْ لك قامة رجل أكثر علواً من قامة أبيك.. في الصباح تستيقظ أمّك.. وتراك بعينيها بطلاً عريض المنكبين.. تماماً كشيخ القرية!
الحشرات الخضراء مازالت تتراقص في البقعة المضيئة.. طنينها الحاد لم يعد يصل إلى أذنيه.. لم يعد يسمع سوى طرقات قلبه الجسور.. ينهار ظلّه فجأة.. لم تُحدِث سقطته ضجيجاً.. يصبح جزءاً من سكون المكان.. وبالداخل يكتسي ذهنه الصغير خلوّاً أخيراً لأحلام رجل.
Page 2

كان اسمها لارا

يُخاطبني ذلك الدَّمار الممتدُّ أمام ناظريّ من الشرق إلى الغرب.. أطالعه بمرارة.. انكسارٌ بائس يغسل عن وجهي بقايا التمرّد.. أخفي فمي وراء أصابعي المتشابكة.. أخفي نحيباً في القلب.. نظراتي تعزف صمتاً آخر.
أطوّق ذراعي اليسرى.. أشنق ذلك الجرح المختبئ خلف الرداء الأدكن.. أبحث عن معبر ألمٍ.. عن ثقبِ صرخةٍ أثيره بها.. جدران القهر الأربعة تطبق على أنفاسي.. دوائر العتمة تحتويني.. تومضُ في عينيّ أحاديث صغيرة.
* * *
- غداً سيأتي العيد صامتاً.. ويخرس زئيرُ الحرب أنشودةً كنتُ أغنيها..
أقف على حافة البارود.. تنبُتُ في ذاكرتي عُشبةٌ غضّة تمُدُّ عنقها للحياة.. تزمجر زوابع النار.. تأكل أطرافها.. تتركها تذوي كشمعةٍ تحارب معادلة الاحتراق في معركة غير متكافئة الأطراف.. أرحلُ صوب الزاوية العتيقة من وجه الحقيقة.. بين آثار أقدامهم المُعتمة أفتش عن أشلاء فجر.. وبعيداً هناك.. يبحث قلبي هو الآخر عن لعبة ضائعة لطفلة تركتها تبكي.. مازال يذكر شيئاً عنها..
«كان اسمها «لارا».
* * *
لارا تشبهني.. يذكرني بكاؤها بنزقي الطفولي.. أتتبّع الدموع وهي تنسكب بحرارة على وجنتيها.. تنتزع من أعماقي عاطفة حُبٍّ بالٍ.... أضمُّها إلى صدري.. أسألها: أتحبين الحمائم؟ الرجاء يتراقص بين أهدابها المبللة..
- لعبتي.. لقد اختطفوها.
ينهمرُ دمعها غزيراً.. انتظرتُ حمائمي طويلاً لكنها لم تأتِ.. كنتُ صغيرةً مثلك يا لارا.. تأملتُ السماء والدهشة تملأ قلبي.. شيء ما يطير.. حمامة كبيرة؟!.. لا.. سمعتُ الكبار يقولون إنها طائرة مقاتلة.. لم أفهم لذلك لم أبكِ، لكنني كنت أعرف أنها ضخمة.. ضخمة جداً و مخيفة..
- أضعتُ لعبتي..
نحيبها يتصاعد.. وجهها ينطق أسى.. كانت لي الملامح الباكية ذاتها.. جدارٌ ترابيٌّ يقتحم المسافة بيني وبين لارا.. يمنعني من الرؤية.. يدفعني خارج دائرة الزمن.. يداي خاليتان.. لارا اختفت.. ذهبت لتبحث عن لعبتها في مكان آخر وفي باطن كفي تركت حرارة أصابعها.
في مكان آخر أتوقف.. شيخٌ خاشعٌ يردّد «لا تبكوا الشهداء».. أشعر بالخذلان يطأطئ رأسه في صدري.. «اللهم ارحم سحابة هذا الحزن».
تباغتني رغبةٌ في التراجع.. ظلي متشبثٌ بالأرض.. أتأمل عصاه المتآكلة وتلك الشقوق المنزوية على ظهرها.. أجثو على مقربة منه.. عيناه تحدقان باتجاهي.. لا بد أنه سيسألني من أنتِ..
«بائسة أنا.. كهذه الجدران المنهارة من حولنا»
أبتلع إجابتي.. أكتشفُ أمراً.. هو لا يرى!.. لا يعرف لغة الذلّ.. ذرّات الرمل تتحول فجأة إلى كومة رمادٍ ساخن.. كارثة أخرى تتأهب.. الموت يتراقص بين ناظريّ.. تستعر بداخلي حُمَّى الشهادة.. ألتفتُ إلى الشيخ.. بعيدٌ هو.. بينه وبين ما أرى عالمٌ رحبٌ و آمنٌ.. أصابعه متشبثة بطرف عصاه.. كأنه ممسكٌ بخيمة سبيعة.. أغرق في تراتيل الفداء.. تنسكبُ ملامحي على حمم التحدي.. أتفجر ضد اللهب.. تتناثر سنوات عمري.. تشطر الانتماء.. ترسم حوله بحراً وجرحاً ينزف.. أغمضُ عينيَّ.. يوقظني صوت بعيد.. «لا تبكوا الشهداء».
أهيم في الفراغ.. ظلّي يُنتزع من بين فكّي الضوء..
الحقيقة غداً تطرق الأبواب.. تحمل إليهم نبأ الشهيدة..
أغرقوني في البياض.. انثروا فوق جسدي ماءً معطراً واقذفوني في بحر السلام.. لا تبحثوا في محاجركم عن بقايا دمعٍ لتسفحوه.. سجلوني في صفحات أطفالكم..
الاسم: حكاية صغيرة.
السن: مولودة في الخريف السابع عشر من زمن الفجيعة.
Page 3

حلماً كانت أمي

مستطيلات الضوء السابحة في فضاء السقف المظلم تتوهج ثم يخبو وميضها.. التفتُّ نحو النافذة.. أطرافها ليست موصدة تماماً.. الهواء يعبث بها فتبدو الخطوط المضيئة أكثر استطالة وتوهجاً.
- آه يا معاذ.. مُنذ اكتشفتْ أصابعك الصغيرة أنها تستطيع بمساعدة الكرسي الوصول إلى مقبض النافذة وأنت تصرّ على أن تقف على أطراف قدميك كي تغلقها وحدك.
أتأمله.. ينام عميقاً.. رأسه منزلق عن الوسادة.. أطيل النظر إليه.. أتذكر ما حلّ به هذا المساء، تدبّ بداخلي رعشة قصيرة ثم تخمد، أنقلبُ على جانبي الأيسر، يصطدم بصري بجسد ريم، قفصها الصدري يعلو ويهبط في تسارع، جرحٌ أحمرُ غائر يتوسّد جبهتها البيضاء.. أمدّ ذراعي.. أسدلُ اللحاف على أطرافها العارية.
كثرتْ جروح ريم مُذ تعلمت المشي.. أحاول كثيراً إمساكها قبل أن تسقط.. لكنها نشيطة جداً ولا تتوقف عن الحركة.. معاذ يحبها كثيراً وهي أيضاً تصرخ بدلال حينما يتركها تربت رأسه وتشدّ شعره الأسود الكثيف.. تقاسيم وجهها تزداد شبهاً بملامح أمي يوماً تلو يوم.. يعاودني الشرود.
- منذ أصبحتِ بعيدةً يا أمي والحزن يصرّ على أن يعبُرني جزءاً جزءاً.. سمعتُ الكبار يحكون عن وجهكِ كم كان شديد البياض شديد الضياء، لكنهم لم يتركوا لي فرصة مشاهدته أو تلمّس وهجه.. ما زال صوتكِ المورق حناناً يتردد في أذني.. يحكي لي بعد أن ينام معاذ وريم عن ذلك المكان الجميل في السماء الذي لا يدخله إلا الأتقياء.. أسألكِ: هل سأراه؟
تقولين: «فتش عن الخير وستراه».. أعيد عليك السؤال: هل رأيتِه أنتِ؟ تجيبينني: «لا نراه إلا بعد أن نموت» وذهبتِ وحدكِ يا أمي؛ لم تأخذي معكِ أحداً منا حتى ريم الصغيرة.. ليتكِ قربي الآن لأسألكِ كم بُعد تلك المسافة التي تفصلنا عنكِ بعد أن كنا أجزاءكِ.. قطعاً منكِ.
أتنبّه وقد تعلق بصري طويلاً بوجه ريم.. كانت تصرخ بشدة عندما أحملها أو يحملها معاذ ريثما تعدّ أمي الطعام وكنتُ أزفر بعمق حالما أراها قادمة وهي تفتحُ ذراعيها لريم وسريعاً ينطفئ الصراخ وكأنه لم يكن.
كنتُ أحب اللعب.. الآن لم أعد أتوق إليه.. لم يعد يظهر لي في الحُلم بأجمل الألعاب.. أصبح وجه ريم يشغلني كثيراً.
أنقلبُ من جديد على الجهة الأخرى.. يأتيني وجه معاذ هادئاً.. كم أخافه حينما يزحف نحوي وتتشابك أصابعه القصيرة المكتنزة خلف عنقي وينخرط في البكاء.. إنه يكره أمي الجديدة.. هي ليست أمّنا لكن أبي يأمرنا أن نناديها كذلك.
معاذ يكرهها بشدة.. وريم أيضاً تصرخ حالما تحاول الاقتراب منها.. أنا لا أكرهها.. أمي البعيدة قالت لي لا تكره أحداً أبداًيا طارق، لكنني لا أحبها، هي أيضاً أشعر أنها لا تحبنا، أو ربما تكرهنا.
وجهي يلتصق بذراعيّ المُمدّدتين على الفراش.. أحاول طويلاً ألّا أتذكر ما حدث في ذلك المساء لمعاذ.. كان السائل يخرج من عينيه بغزارة.. قلبي يطرق ويطرق كأنه يريد الفرار.. لم أكن أعرف كيف يمكن للقلب أن يفرّ من موقف نحيب!
أمي الجديدة ضربته بشدة.. تلك العصا القاسية تنهش ذراعيه وظهره.. معاذ يصرخ.. جسده يتلوى.. أقترب منها.. أصبح بينه وبينها.. العصا تهوي على ذراعي.. جلدي يتلوّن.. خطوطٌ حمراء طويلة ناتئة تتخلّلها زرقة دكناء.. بكاء معاذ يتحول إلى نشيج مُختنق.. قامة ريم ترتفع وتسقط وهي تصرخ.. أحملها إلى الحجرة الخلفية.. السائل يهطل من عينيها بغزارة.. قلبي يخفق بشدة بينما تنخرط هي في نوبة عنيفة من الصراخ.. أفتش بين أصابعها.. ذراعيها.. ساقيها.. ليس في جسدها خطوط حمراء.. مازلت أستطيع سماع أنين معاذ وهو يتداخل بصراخها.. الخوف يعصف بي.. لم أعد أحتمل.. أخبّئ رأسي بصدر ريم.. تكركر ببهجة.. تربت رأسي.. تظنني ألاعبها.. عيناي تسكبان سائلاً مالحاً وحارقاً.. ثوبها الأبيض الجميل يتبلّل.. يصبح لأنفاسي صوتٌ مرتعش:
- يارب أنا أعلم أنك قوي وتستطيع أن تدفع الألم بعيداً عن جسد معاذ.. ساعدنا يا الله.. أنا ومعاذ صغيران.. لا نستطيع أن نقول للكبار: «لا» وريم لا تعرف حتى كيف تنطقها.
أهدأ.. تسكن العاصفة في قلبي قليلاً.. ريم ينتابها النعاس.. أحملها.. تنام على كتفي.. جسدها يصبح أثقل.
في حجرتنا المتوارية أصبحُ وحيداً.. أقرأ سطراً لكنني لا أفهمه.. أو ربما استعصى على ذهني فهمه.. ألصقُ كفّي بصدري.. ما زال يطرق بسرعة.. عيناي معلقتان بالباب.. أمي الجديدة تأتي وتقتلني.. الشيء الذي ينبض في عنقي يموت.. أنا أموت.. معاذ يموت قبلي.. لا أحد يحمل ريم عندما تصرخ.. يداي ترتعشان.. قدماي.
- لا.. أمي الجديدة لا تقتل.. قلبي فقط جبان.
مقبض الباب يهبط.. معاذ يأتي حاني الرأس ونظرة جريئة تتقافز داخل عينيه..
- كم أحبك يا معاذ!
أفيق من شرودي.. أزفر بعمق.. ألقي نظرة أخيرة على جسده النائم أتتبّع قسمات وجهه.. هادئ.. بريء.. أغمض عينيّ.. يدبّ في أطرافي خدرٌ لذيذٌ.. تتراءى لي خطوط ناتئة يتقاطر منها الدم ورهبة تلجمني.. وجه أمي البعيدة يتضح.. يقترب أكثر.. يتجاوز الخطوط.. يبتسم لي طويلاً في حنان.
Page 4

طائرة من ورق

ألقيتُ نظراتٍ ذابلة فوق الأرصفة.. على مقاعد المتنزهات.. زجاج السيارات.. فتشتُ بين كتل الجليد عن شيءٍ مجهول يومض في مخيلتي ثم يعود فيخبو.. انتظاري على الرصيف يطول.. أشعر ببردٍ قارسٍ يخترق مسامات جلدي.. تتسلل سياطه لتلسع عظامي بقسوة.
انطلقتُ مُسرعةً حالما حان دور المشاة.. اتجهتُ نحو الممر ذاته.. تأملتُ الوجوه الكادحة المتكوِّمة على أطرافه.. شعرتُ بخطواتي العربية كطائرٍ غريبٍ داخل سربٍ ينتمي إلى فصيلةٍ واحدة.. طوّحت بفكرتي داخل زحامهم وهربتُ بعيداً.
أطلقتُ زفرةَ تعبٍ وأنا أدفع باب المبنى الذي أقطن فيه.. اصطدم بصري باللافتة المعتادة «عذراً المصعد معطل».. لا يمرُّ أسبوع إلا ونُجبر على قبول عذرٍ ثقيل كهذا.. صعدتُ السلم الحلزوني حتى الدور الخامس.. شعرتُ بآلام حادة تنهش مفاصلي.. اتجهتُ نحو باب شقتي القابع في ركنه المتواري.. أدرتُ المفتاح بوهن.. رميتُ حقيبتي دون أن ألتفت لأرى أين سقطتْ.. تنبهتُ وأنا أبعد الستائر عن النافذة إلى سقوط المفتاح من فوهة الحقيبة على الأرض.. هواء باردٌ منعش ينبعثُ من النافذة.. يمسح عن جبيني رهق الصعود.. أتأملُ فرع شجرتي الضخم.. أمسح عن أطرافه كومة الجليد.. كل مساءٍ أمدّ أناملي برفق لأتلمّس أوراقه.. إنه قريب جداً من نافذتي رغم أن أصل الشجرة يبعد كثيراً عنها.. أعود إلى ترجمة أوراقي المكدّسة فوق مكتبي.. أتنفسُ بعمق وأنا أنهي فصلاً وأضعه في مرجع خاص.. أبتدرُ الفصل الجديد بعينين غائمتين.. تتجمّد نظراتي على صفحته الأولى.. تتكسّر الكلمات.. هطلٌ يشي بحزنٍ قادم يلوح من جديد.. صورٌ قديمة تحاصرني.. الحياة لم تكن تعيسة، لكنها أقل من أن تكون سعيدة.. تعايشتُ معها بقضاء أسبوعٍ في بيت والدتي و آخر لدى والدي.. استمرت الأيام بعد انفصالهما مُملة وقاتلة.. كل يوم يمر كنت أشعر أنني أرتبط بمن حولي بخيوطٍ رفيعة تشبه خيوط طائرات الورق التي كنتُ أتفنن في صنعها بنفسي.. ابتسمتُ حينما تذكرتُ أنني كنتُ أمتلكُ روحاً مرحة.. منذ طفولتي وأنا أعشق الطائرات الورقية وأشعر بسعادة غامرة حين ألهو بها، رغم أن سوء الحظ لا يكاد يفارقني فلم أخرج قطّ بطائرةٍ ورقيةٍ جديدة إلا وعدتُ صفر اليدين.. يسرقها الهواء ويحتفي بضياعها اتساع السماء.
انكسرتُ وجعاً عندما قرر والدي أن يصطحبني في رحلة عمله الطويلة إلى فانكوفر.. مدينةٌ تضجُّ صمتاً.. باردة حتى التعب.. ومن يقطن فيها من غير أبنائها لا تتنفسه.
أعاود الانصياع لأوراقي.. أنجزُ فصلاً آخر وأضعه في مرجعه.. يقتنصني الشرود من جديد.. في بيت والدتي السابق.. حجرتي تحديداً كانت كل زاوية و منحنى يعبّر عن فوضى منظمة لا تخص أحداً في البيت سواي.. ستائر ضبابية اللون.. مصباحُ قراءةٍ يناضل ليل نهار لإرضاء عينين لا يشبع في حدقتيهما نهمُ القراءة.. ركامُ الكتب يشغل حيزاً كبيراً من المكتب.. لوحاتٌ بيضاء.. أنابيبٌ زيتية وقامات فُرَش تتفاوت في الطول.. مقصٌّ وأوراقٌ وخيوطٌ تفترش الأرض كالعادة عندما تنتابني الرغبة في صنع طائرات الورق.
دهمني حنينٌ بارد.. حملتُ كل الأوراق ودفعتها إلى أحد الأدراج.. عدتُ أطيل الوقوف خلف النافذة.. أنصتُ إلى غناء أحد المارة وهو ينساب خافتاً عبر الشارع المطلّ على المتنزه.. تترجمتْ معاني نشيده في ذهني العربي المشحون بالعاطفة والحزن.. «العالم سيئ جداً والناس لا حياة لك معهم.. لا تصدق هذا الوقت.. ستجد لك طريقاً في زحامهم مهما بحثت طويلاً..»
هطلت عيناي دمعاً.. تذكرت حالي سابقاً وما أنا عليه الآن.. طعمُ الغربة يتدفق مُراً في حلقي.. أسرعتُ أقلب صفحات مفكرتي.. يكتبني القلم أو أكتبه.. لحظةٌ متشابهة حتى التماهي رغم اختلاف طرفيها.
«أريد أن ألملم شتاتي.. أريد رؤية أمي وإخوتي.. أريدُ بيتاً يزهرُ حباً.. ومدينة لا تُنكرُ وجهي.. أريد سماءً تضحك لطائرتي وشمساً تتغنّى بعشق العربية.»
توقفتُ حتى انقشع ضباب الدمع.. ثم عاودتُ الكتابة:
«ذات ليلٍ حلمتُ بفضاءٍ واسع وفي الصباح رأيته حقيقة.. رأيته داخل خباياي.. كم كان شاسعاً.. غامضاً وقاتماً.
سألتني ذات مرة جارتي جوناريت التي تقطن بالجهة المقابلة.. «هل كل العرب يصرّون مثلي على حمل أقنعة حزينة؟!»
ومضتْ ابتسامةٌ صغيرة على شفتيّ..
«أحمل هذا القناع حتى لا أحتاج إلى تغييره عند حدوث أنباء مزعجة!»
لا أعرف ما الذي جعلني أفتش في جيوب الماضي وتتداعى أمامي كل هذه المواقف دفعةً واحدة، ربما لأنني أريد أن أنظر إلى المستقبل بوضوح.. أشعر بقرارٍ جديد يبرق في ذهني، لكنني هذه المرة لن أقبل سقوطه.. سأنفذه بالتأكيد.»
لمعتْ بعينيّ ومضة فرح مُفاجئة.. قفزتُ إلى خزانتي التي أنفي بها أشيائي القديمة.. خدشتْ حافة الباب ذراعي.. لم أبالِ.. بعثرتُ كل ما وقع تحت يديّ.. وأخيراً وجدتها!
أمسكتُ طائرتي الورقية القديمة.. شعرتُ بأن ثمّة إحساساً عميقاً بالانتماء يربطني بخيوطها.. فتحتُ زجاج النافذة.. هزّني تيار الصقيع.. بقيتْ أطرافي ثابتة.. شددتُ الطائرة بإحدى يديّ وحللتُ الخيوط بالأخرى.. التيار يشتد.. أفلتُّ الطائرة وتركتُها تواجه مصيرها أمام ريحٍ لا تتكافأ وضآلتها.. الخيوط تهزّ أناملي بعنف.. تتشابك.. ينتزعها تيّار الهواء قسراً.. تضيع.. أراقب ما يحدث في ذهول.. تتطاير بحدة.. ترتجف في كل الاتجاهات.. ثم تعلن سقوطاً هادئاً كحمامةٍ بيضاء جريحة.
أغمضتُ عينيّ.. تنهّدتُ عميقاً.. تذكرتُ كم هي كثيرة تلك المرات التي شاهدت فيها هذا المنظر.. أغلقتُ زجاج النافذة.. رأيت وجهي منعكساً فوقه وابتسامة هادئة تحُط على شفتيّ.. أسرعت نحو مفكرتي.. قرأت السطر الأخير.. «أشعر بقرار جديد يبرق في ذهني لكنني هذه المرة لن أقبل سقوطه.. سأنفذه بالتأكيد..» أضفتُ جملة صغيرة:
«و.. سأعود إلى وطني»
ودَّعتُ فرعي الضخم طويلاً.. حزمتُ كل أمتعتي وغادرتُ المكان.
Page 5

المطر

بركةٌ ضحلة خلّفها المطر.. تتمدّدُ في سكون فوق الأرض الرطبة قرب قدميه الحافيتين.. طبقاتٌ صغيرة من وحلٍ جاف تلتصق بالفراغات الضيقة الفاصلة بين أصابع قدميه.. مرَّ وقت طويل وهو ما يزال ممدَّد الجسد، مستند الرأس إلى حجرٍ طيني أملس، أمطرت بغزارة.. كانت تلك المرة الأولى التي تجرّأ خلالها أن يدلف حتى منتصف الحي ويصرخ.. أخذ يلهث راكضاً بين الأزقة الضيقة بينما تتناثر نظراته فوق الأبواب، النوافذ وأسطح المنازل علَّ أحدهم يراه فيسمح له بالدخول حتى انتهاء المطر. مخالب القطة التي ألفها تصدر جَلَبةً وهي تعبث بحجر الطين الرابض تحت رأسه.. تقلق سكونه.. ينتفش وبرها في تحفُّز.. تقفز بأطرافها الأربعة وتستقر فوق كتفيه.. يدفعها بذراعه بعيداً.. تسقط في بركة المطر. المطر..
لم يهزمه أحدّ مثلما هزمه المطر تلك الليلة: العاصفة تزمجر، قطرات الماء ترشق جسده ووجهه بقسوة.. فرائصه ترتعد وهو يركض قابضاً على قطته بكلتا يديه بينما كانت تصدر مواءً خافتاً أشبه بالفحيح. وقعت عيناه على طفل ٍ يحبو مجتازاً أحد الأبواب ومحاولاً هبوط درجات المنزل الخارجية المغمورة بالماء. قذف القطة نحو الأرض.. هرع باتجاه الصغير وحمله.. كان جسده مثله مبللاً لكن في عينيه فرحة تتقافز وفي فمه أحرف مرحٍ ساذجة لم يفهم ماذا تعني. صعد به نحو الباب وحينما حاول الطرق فُتح الباب بشدة.. برزت ذراعان ضخمتان.. انتزعتا الصغير ودفعتا الصبي إلى الوراء. حمل قطته.. سمع وهو يعدو صراخ الصغير بينما كان صوتٌ ساخطٌ يرجُمُ مسمعه «مشرد.. بلا أهل.. بلا بيت». القطة تداعب حشرةً مختبئة داخل تجاويف الجدار.. ينقلب على جنبه الآخر.. مرَّ زمن طويل وهو كما يقولون «مشرّد» هكذا وجد نفسه فجأة بعد موت أبيه.. وجهٌ مهملٌ تحت ظل جدار.. تذكر المرة الأولى التي حمله فيها والده إلى هذه القرية.. لم يكن يعرف من أين جاء به..
ما قصته.. وعمّ كان يبحث.. كل ما يعرفه أنهما كانا وحيدين. القطة تتسلَّقُ ظهره.. تلتصق مخالبها بردائه.. تموءُ بحدة.. يدفعها بعيداً.. يسمع صوت سقوطها مرة أخرى في بركة الماء.
المطر.. أصبح يخافه كثيراً.. ظلَّ يعدو بشدة وسط تلك العاصفة وفجأة لمح عينين تتلصصان خلف نافذة مواربة.. توقف عن الركض..
انعطف باتجاه النافذة.. ظلَّ رأسه الصغير مرفوعاً ونظرته مشرئبة نحو ذلك الخفي المتواري خلف الأسوار. «المطر شديد.. أبحثُ عن مكان جاف.. أرجوك»: يواصل التحديق.. الخفي يرمقه بنظرة متوجسة.. تذكر لحظتها صبية الحي حينما كانوا يقذفونه بالحجارة وهو نائم تحت ظل الجدار المنتصب بعيداً عن بيوت الحي.. كثيراً ما فكّر في أمر ذلك الجدار.. لماذا توقف بناؤه؟ من الذي بناه؟ أهو والده؟ ولماذا هو قائم وحده بعيداً عن حدود القرية؟ هل لو أصبح بيتاً لتقاربت المسافة بينه وبين بقية البيوت؟ تيارٌ قوي يهب فجأة.. يهز قامته الناحلة.. يُرجعه إلى الوراء بضع خطوات.. بصره مازال معلقاً بمن وراء النافذة .. «المطر.. شـ شـ شـ.. ديد.. أأرجوك..».
تنطفئ العينان فجأة.. يحكم الخفي إغلاق المزلاج.. شبحه يبتعد إلى الداخل. تصبح النافذة موصدة.. لا تختلف عن بقية النوافذ والأبواب. يعود الصبي حاني الرأس من حيث أتى.. يرمي جسده بمحاذاة الجدار.. لا يشعر بشيء. مواء القطة لا يزال يقلق سكونه.. تدور حوله.. أحد مخالبها يحدث جرحاً صغيراً في ذراعه..
يفتح عينيه بحدة.. ينزلق رأسه عن حجر الطين.. ينهض واقفاً يسير خطوتين.. تتبعه القطة.. يقف عند حافة البركة.. قدمه ترتفع عالياً ثم تهبط بشدة داخلها.. عمود من الماء يعلو ثم يتناثر رذاذه فوق جسدها.. تصدر مواءً عالياً وهي تنفض الماء عن وبرها الملتصق بجسدها الهزيل.. يكركر الصبي.. تقفز نحوه.. يتطاير الرذاذ خلفها كركرته تطول.. يصمت فجأة.. سحابةٌ سوداء تقترب في ثقل.. تنشر عتمة مريعة في الأفق. لم يمر وقت طويل حتى أخذت السماء تهطل مرة أخرى بغزارة.. أُغلِقتْ النوافذُ والأبوابُ.. سكنت الشوارع.. اشتدَّ الفضاء حلكةً.. لم يعد يُسمَع سوى خطوٍ يمعنُ في الركض.. مواء قطة.. ورذاذُ مطر.